في هذا العدد

 

تحية طيبة

 

شعر

  - قصيدة البحث عن فنار
     
علي حسين علي

  - تهش على أغنامها.. من دون عصا

    عماد فؤاد

  - بنادق الليل الجريحة

    ناديا يقين

  - نهر غارق في النساء

    فواز قادري

  - زهور معتقلة

    حسين أكروح

 

قصة

  - أيام من سراب

     علي أفيلال

  - حكايات مخزن شارع 44

     محمد صباح الحواصلي

  

ملف

  - النشر الالكتروني
     
إعداد: فادي سعد

 

دراسات ومقالات

  - خمسون عاماً على غياب "والاس ستيفنز"

     أمال نوار

  - داء النرجسية

     د. بهجت عباس

  - دراسة في مجموعة "نون"

     وديع العبيدي

  - الحس بالمكانة والتخلف

     د. تيسير الناشف

  

قراءات

  - ورد لدماء الأنبياء

     منيرة مصباح

  - المنظور الاجتماعي في قصص صبيحة شبّر

     وديع العبيدي

  - صورة الوطن في علاقته بالذات

     ابراهيم الحجري

  

نصوص

  - ضوء المرأة البلاد

     كريم شعلان

  - إلى الشاعر الياسري

     فاطمة خليفة

  

أدب عالمي مترجم

  - خورخي لويس بورخيس - المجاز

     ترجمة: محمد المزداوي

  - من الشعر النمساوي الحديث

     ترجمة: بدل رفو المزوري

  - معاناة الفتاة لفريدريش شيلر

     ترجمة: د. بهجت عباس

 

English Literature

  - My Journey to Earth

    Prof. Soubhi Nayal

 

تابو

  - كاريكاتير

     ابراهيم بوغراف

 

السنة الثانية - العدد  الثالث عشر  ،  كانون الثاني / يناير 2006   

 Second year . Issue No: 13 - January  2006 
 

حكايات مخزن شارع 44

محمد صباح الحواصلي*

 

اعتراف

طويلا تحدث معها الكهل ذو القبعة، الذي اسمه "بل". رآها من خلف الزجاج وكانت قد خرجت لتوها من المخزن، امرأة نحيلة ضامرة في عينيها جلد عنيد. استدارت أخيرا مودعة وسمعَ طلالُ الرجلَ الكهلَ يقول لها بصوت يكاد يكتمه الزجاج:

-      "سأحاول."

دائما يدخل "بل" وفي فمه حكاية.

-      "مجنونة هذه المرأة. إلى الآن عندها أمل بعودة زوجها. مصرة على أنه ما

يزال حيا وأنه سيعود"

-      "وأين هو؟"

-      "كنا معا في فيتنام منذ أكثر من ربع قرن. أُسِرَ هناك وما يزال من عداد

المفقودين."

يدس طلال عينيه في غضون وجه "بل" المرهق، الذي غضَّنَه زمنُ القتل والرعب. احمرار يتفجر من خلايا الشعيرات الخشنة فيفرز دهنا ملتمعا، انتفاخ تحت العينين يشي بكبد متعب. الرأس يعتمر قبعة رعاة بقر رمادية كالحة. جسده الضخم يقوم على ساقين نحيلتين يتدلى فوقهما كرش منتفخ يغطي زنار البنطال ويثنيه. يسأله طلال:

        - "كم عمرك بل؟"

        - "ثلاث وخمسين."

        - "تبدو أكبر من سنك بكثير."

        - "إنها فيتنام.. هناك كان اليوم بسنة، وقد فقدنا الأمل بكل شيء فكنا نشيخ بجنون. لو كانت تلك المرأة العنيدة معنا، هناك، لما سألت عن زوجها، ولتأكدت أن عودة أي واحد منا كان أعجوبة."

        - "إلى الآن لم تنسوا فيتنام يا "بل".. أليس كذلك؟"

        - "آوه.. يا رجل! ولن تنساها أمريكا لأجيال."

       

رفع "بل" قبعته ليرطبَ رأسه بهواء المخزن المكيف، فبان خط عرق رأسه كثيفا حول إطارها الداخلي.

-      "إنها تعربد مع رجل الآن."

بتخابث سأل طلال:

        - "من؟ أمريكا؟"

ضحك "بل" حتى بانت أسنانه النخرة، وتابع بعد أن دفع بسعلة قوية احمرت معها أوداج وجهه وانتفخت:

        - "تلك المرأة الحمقاء، تعيش مع رجل ذهب إلى الحرب أيضا. حرب الخليج.. عندكم في الصحراء."

لمح طلال في عينيه نظرة مستطلعة، ثم تابع "بل":

        - "لكنه عاد وليس في عودته معجزة. هذا الرجل لا يعرف الحرب التي عرفناها في فيتنام.. كانوا يقاتلون العراقيين من على الحدود الكويتية وقد سموها "عاصفة الصحراء". المرأة تعيش معه وما تزال تبحث بشراسة عن زوجها الذي اشك أنه أسير. لقد قتل مع الكثيرين. ذبحهم الفيتناميون. علمنا بذلك ونحن هناك، لكن القيادة ظلتْ مصرة لهدف ما أن تبقي الشك والأمل معا في نفوس أهالي الجنود المفقودين."

 

صمتَ قليلا ودس يدا منتفخة في جيب بنطاله الجينز الضيق، وأخرج حفنة من الدولارات:

        - "لا أريد أن يأخذني الحديث وينسيني علبة سجائر (مالبورو لايت ون هندرد)."

       

وقبل أن يفتح باب المخزن خارجا قال:

        - "لقد وعدتها بأنني سأحاول أن اسأل عنه. أليست مجنونة بحق الجحيم!"

 

واشنطن 26 تموز1993       

 

 حفاة

حفاة.. يدخلون في كل الأوقات.. صباح مساء.. فرادى وجماعات.. كبارا وصغارا.. رجالا ونساء وأطفالا.. بجوارب وبلا جوارب. جوارب بيضاء. ينتشرون بين أرجاء المخزن، بعضهم يحمل حقائب فيتوجب مراقبته، وبعضهم لا يحيج إلا إلى شيء من الحذر. عيناه لا تبرحا أيديهم وحقائبهم وأقدامهم المصبوغة بالسواد. يشترون. بعضهم بحرص وبعضهم بسخاء. يسترون الحلوى والشيبس والصودا. يتحدثون وهم ينتشرون، بصوت مرتفع يتحدثون. يقولون أي شيء ولا يهم مع من يتحدثون.. معه أم مع الفراغ البارد. يظل متأهبَ السمع فربما يسألون عن مكان سلعة أو سعرها. لكنهم عندما يتحدثون يقولون كلاما لا يعنيه. كلامٌ مثل الخطوط المتعرجة.. بلا معنى.. بلا هدف.. مجرد كلام عار كأقدامهم المصبوغة بسواد الأرض. ثم عندما يخرجون يراهم من خلف الزجاج يفتحون علب الصودا ويشعلون سجائرهم الرخيصة، ثم يركبون سياراتهم ويغيبون في طرق عريضة تنتهي بعمائر تمتد عاليا حتى السحاب الداكن.

*

تقوده ذاكرته إلى نصاعةِ الرمل، إلى حوار الضوء الذهبي بين الشمس والكثبان، إلى أقدام الفطرة الصغيرة وهي تنثر رمل الغروب راكضة.. إلى جناحي طير لذه أن يداعب الرمل فيدنو منه أقصى ما يمكنه الدنو غاسلا جناحيه بدفء الرمل الآخذ بالابتراد ويطير.

 

واشنطن 26 آب 1993

 

أزهار جارتي العجوز

رأيتُ جارتي العجوز تسرع الخطى نحوي من حديقتها التي لا تنضب أزهارها. ارتاحتْ من لهاثها أمامي ثم أشارتْ نحو حديقتها:

        - "الأولاد كانوا هناك.. هل رأيتهم؟"

        تلقتْ إجابتي المستفهمة من صمتي، فأضافتْ:

        - "الأولاد الذين يأتون كل يوم من القرى المجاورة متعبين"

ربما جارتي العجوز مستاءة من عبثهم بأزهارها وأشجارها المثمرة. كنتُ سأقولُ لها لا تقلقي، سأمنعهم من الاقترابِ من بستانك عندما باغتتني قائلة وهي تستدير عائدة:

        - "عندما ترى الأولاد أخبرهم أن يدخلوا بستاني.. فالزهور والفاكهة كثيرة وتموتُ على أغصانها ولم أعدْ قادرة على قطفها. قل لهم إنها تنمو بجنون.. فليقطفوا منها ما يشاءون"

صامتا.. رأيتها تغيبُ بجسدها الذي اعتصره الزمن، وخطوها المتداعي الرصين.

 

واشنطن 30 أيار 1993

 

الجذور

الصغير الذي يسبقه ضجيجه كان أول الداخلين، ثم الطفلة التي يحلو لها أن تقلد مشية أمها، التي أرى لأول مرة وشما عند نهاية ذراعها الأبيض. كلهم مروا من تحت ساعده فيما كان يمسك لهم الباب. طويل "جاك" بما فيه الكفاية، كشجرة صنوبر عتيدة، وشيء آخر يلفتُ النظر فيه، ابتسامته المقبلة بإصرار وشوق على الحياة.

"هاي.."

تتسربُ عدوى تحيته الجذابة إلى تحيتي، فأرددها بإشراق عفوي مماثل:

"هاي.."

ظروفي غير المستقرة تجعلني أغبطه على السعادة والاستقرار اللذين ينعم بهما هذا الشاب الذي يبدو أنه يصغرني بعشرين عاما على الأقل. لم يخطئ ظني بأنه مهندس.

"مهندس ميكانيك.. أعمل في شركة بوينع في (رنتن)."

وعندما استأنس بي تكررت زياراته للسوبر ماركت مصحوبة بابتسامته الأسطورية التي تشع من عينين غارقتين بالغبطة. هكذا دائما تحدثني ابتسامته الجذابة، إلى أن صار لي ذات يوم أنْ سمعتُ لها أنينا مكبوتا. فقلتُ في سري إن دفنَ الأنين والآلام في بلاد العم سام شرطا من شروط البقاء. حدثته عن مدينتي، قلت له إنني من دمشقَ. ومضَ بريقٌ في عينيه ومضى سريعا دون أن يتركَ لي فرصة قراءته. لمحتُ في الوميض إعجابا واغتباطا، وبدا واضحا أنه يعرفُ عن دمشقَ. قال إنها من مدن الكتاب المقدس والسلالات التي تعود إلى الزمن القديم، من مدن الجذور والروح الأزلية.. وقال أشياء كثيرة.. رموزا كادت تأخذني إلى موطن الأنين في عينيه.

كان صريحا عندما سألته:

-      "وأنتَ أصلك من أين؟"

صراحته أدهشتني وكأنَّ الحياة لا تستأهل منا أن نخبئ في قلبها سرا أو حزنا.

عندما قال:

-      "أنا لا أعرف أصلي. الأسرة التي ربتني تبنتني وأنا رضيعا.. بحثتُ كثيرا

في الدفاتر والملفات، وسألتُ كثيرا عن والديَّ، ولكن دون جدوى. تعبتُ من ذلك لكنني لن أكف البحث عن جذوري."

جرعتُ صمتي بصعوبة، وغفى أنينُ عينيه في أذنيّ، وكأنَّ شيئا في أعماقه ابترد. وددتُ لو أقول شيئا، لكن صمتي كان أفصح من الكلام.

 

واشنطن 27 تموز 1993

 

-----

* كاتب سوري مقيم في الولايات المتحدة

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group