في هذا العدد

 

تحية طيبة

 

شعر

  - قصيدة البحث عن فنار
     
علي حسين علي

  - تهش على أغنامها.. من دون عصا

    عماد فؤاد

  - بنادق الليل الجريحة

    ناديا يقين

  - نهر غارق في النساء

    فواز قادري

  - زهور معتقلة

    حسين أكروح

 

قصة

  - أيام من سراب

     علي أفيلال

  - حكايات مخزن شارع 44

     محمد صباح الحواصلي

  

ملف

  - النشر الالكتروني
     
إعداد: فادي سعد

 

دراسات ومقالات

  - خمسون عاماً على غياب "والاس ستيفنز"

     أمال نوار

  - داء النرجسية

     د. بهجت عباس

  - دراسة في مجموعة "نون"

     وديع العبيدي

  - الحس بالمكانة والتخلف

     د. تيسير الناشف

  

قراءات

  - ورد لدماء الأنبياء

     منيرة مصباح

  - المنظور الاجتماعي في قصص صبيحة شبّر

     وديع العبيدي

  - صورة الوطن في علاقته بالذات

     ابراهيم الحجري

  

نصوص

  - ضوء المرأة البلاد

     كريم شعلان

  - إلى الشاعر الياسري

     فاطمة خليفة

  

أدب عالمي مترجم

  - خورخي لويس بورخيس - المجاز

     ترجمة: محمد المزداوي

  - من الشعر النمساوي الحديث

     ترجمة: بدل رفو المزوري

  - معاناة الفتاة لفريدريش شيلر

     ترجمة: د. بهجت عباس

 

English Literature

  - My Journey to Earth

    Prof. Soubhi Nayal

 

تابو

  - كاريكاتير

     ابراهيم بوغراف

 

السنة الثانية - العدد  الثالث عشر  ،  كانون الثاني / يناير 2006   

 Second year . Issue No: 13 - January  2006 
 

أيام من سراب

علي أفيلال*

 

أبداً ما توَقَّع هذا... ولا توقع أن تكون ضمن المشارِكِين فيه. وإزاء ما أسفرت عنه نتيجة ما حدث، ماذا صارَ عليه أنْ يفعل؟

   أَيَرْحَلُ؟

   إلى أين؟

   أي مكان يأوي إليه؟

   أَيَحْرِمُهُ كلبٌ ضالٌّ من دِفءِ بيت كان يظنُّ أنه صاحبه؟

   يا للمصيبة!

السنوات التي يحمل جعلته غير الذي كان.. غَيَّرَهُ الزمانُ وكدُّ الأيام. على من؟ على من ارتفعتْ أصواتُهُم وتعالت أياديهم مُشيرةً إليه بتطبيق ما كان من اقتراحه، غير مبالين أنه في أواخر العمر، وأنّ أية صدمة قد تؤثر على ما بقي من خريف أيامه.

بسرعة صار يبدو كالمخذول والمدموم، صورة لم يكن عليها يوماً مَا.. بل كان قويا، ومن ضمن العارفين بباريس وأجواء لياليها وسحر فضائها.

كان يهوى لَثْمَ حوافي الكؤوس بعد أن تُفَضَّ بكارة بياضها، بما ينسكب بقرارتها من خمر معتقة لا يكاد الظامئ أن ينقع غلة ظمئه بعذوبة مذاقها، حتى تراه قد ازداد ظمأً ولهفةً إلى احتضان المزيد من كؤوسها. وإلى جانبه كانت دوما "سوزان" المرأة التي كان يحلو لها أن تُسَامِرَهُ على ضفاف نهر "السين"، وعائماته في غدوها ورواحها، والجوّ دافئٌ والسماء صافية الأديم. "سوزان" كانت آية من الجمال وأكثر ما فيها فتنة عيناها ذات ألوان تأسر الأفئدة وتتربع على عرش القلوب، إذا جلست بِرُكن يغشاه ظلّ كثيف، بدتْ عيناها أكثر سواداً من أهداب جفنيها الكحيلين، وإذا ابتعدت عما يغشى الركن من ظلّ تحول السواد إلى زُرْقَة شفَّافَةٍ، كلما أطلت التحديق إليها ازدادتْ لَمَعَاناً تبدو منه ألوانٌ كألوان قوس قزح.

سنين وهذه المرأة تشعل الشموع بالمعابد ليدوم لها حبّ من تَهْوى. ويوماً وفي صباح باكر كئيب معتم جعلته يصحو بما كانت تسكبه على جيده من دموع، فقال وهو ينتفضُ مذعوراً:

   - " سوزان"، ماذا بكِ أيتها الحبيبة؟

وبرعشة خوف مريع أشارت إلى صدرها، وهي تقول من بين فيض دمعها المنسكب:

   - أشعر بشيء مفاجئ يضغط على صدري إلى حدّ الاختناق.. ويُؤْلِم قلبي إلى درجة الخوف من أن يَتَوَقَّفَ.

في نفس اليوم، وقبل المساء، مباشرة، وفي أقرب مستشفى إليه كان يحتضن جسَدَهَا بكلّ قواه.. جسد بلا روح.

مُصَابٌ أليمٌ جعلته يعيد قراءة أيامه. من اليوم الذي هَجَرَ فيه قريَتَهُ الصغيرة الراقدة الحدود بِجَانِبِ نَهْر لم يَعُد فيه من القوة ما يعلن به عن غضبه الأحمر، إلى اليوم الذي لم يَرَ على ضوئه أي صواب في ما مضى من أيامه بباريس. وعلى ضوء ما ترائى له قَرَّرَ أن يقلع عما كان آخِذاً فيه، كما قرر أن يصلح من أمر نفسه وأن يُنَظِّمَ حياته تنظيماً لائقاً، ثمّ عليه أنْ يُسافِرَ إلى قريته ليتزوج من هناك، بمن لا تعرف شيئاً، لا عن باريس ولا ما يجري بِلَيَاليها الحمر.

في القرية، ومن أفقر أسرة فيها، تزوج بفتاة تصغره بأكثر من عشرين عاما. كانت في السابعة عشر من العمر، بينما كان هو في الأربعين. كان في هذا العمر أو أكثر، أَهُنَاكَ مَنْ يُناقِش مهاجرا في أمر السنّ؟

كُنْ مُهَاجِراً واطْلُبْ يد من تشاءُ.. جوازُ مُرُورِكَ إلى أية ياسمينة متفتحة البيضاء ورقةُ إقامتكَ حيث أنتَ.

العروسُ التي تُدْعَى "العسولية" لم تفكر في هذا قَدْرَ ما كانت تفكر، وبفرحة طاغية، أنها قد صارت زوجة.. وصار لها بيتٌ ستُحْمَلُ إليه على أجنحة من السعادة...

سترحل إلى وطن. كلّ من أشرقت عليه شمسُهُ، لا يرى فيه إلاّ أنه وطن النور.

ستصبح غير التي كانت، أكثر خجلا بين نساء القرية وفتياتها، كونها من أسرة فقيرة وغريبة الأصول عن أسياد القرية التي ما ان ابتعدت عن أجوائها القاتمة حتى وجدت نفسَها تفكر، وبعفوية مطلقة، أنّ عليها أن تكون علاقة ما بينها وبين حارسة العمارة السيدة "بوليط"، رغبة في أن تتعلم لَهْجَتَهَا الفرنسية لكي تتظاهر أمام نساء القرية وفتيانها بالذكاء والفطنة عندما تعود إلى هناك.

ربما أنها ما كانت لِتُفَكِّرَ في هذا لو لم تَرَ من "بوليط" ما شجَّعها على ذلك.

منذ أن صارت تهبط من الطابق الرابع إلى صندوق الرسائل الخاصة بزوجها لترى إن كانت به رسالةٌ مَا لِتَحْمِلَهَا إلى البيت، والحارسةُ من تبادرها بالتحية بكلمات عربية هي من بقايا الكلمات التي تَعَلَّمَتْهَا أيَّامَ كانت رهنَ إشارة أيّ عربيّ يريدها لِلَحْظَةٍ عابِرَةٍ.

"بوليط" وُلِدَتْ على عتبة إحدى الملاهي الليلية، ومُبَاشَرَة، قبل طلوع صبح عاقر الضياء، ومن أمّ كالخفاش الذي لا يَرُوقُه ضوءُ النهار، بِقَدْر ما يسعده المَرَح في ظلام الليل.

صورة بلا إطار، خطوطها ومَعَالِم ألوانها لم تَتَّضِحْ لـ"العسولية" إلاّ بعد أن صارَتْ، هي الأخرى، تقف بمدخل أحد الأزقّة التي تُفْضي إلى ساحة "بيغال" مُنْتَظِرةً مَنْ يُسَاوِمُهَا في لحظة حبّ، أضحتْ متمرسة في بيعه لِمَنْ يَدْفَع الثمن.

وكَيْفَ لاَ، وهي قد أخذتْ الأُصُولَ عن أَمْهَر خبيرة بهذا الميدان.

في البداية لم تَكُن "العسولية" على بيّنة مما كانت عليه "بوليط". فلو كانت تَعْلَم شيئاً من ماضيها لَوَلَّتْ عنها وجهها خوفاً وفزعاً مما لم تألف السمع به، وبالأَحْرى تُصَادِقُ من سبحَتْ في لجّته. وبحكم أنها لم تَكُنْ تعلم شيئا من هذا فإنها سعَتْ، وبِنِيَة حسنة، إلى التحبب إلى "بوليط" وإلى الإكثار من دعوتها إلى الإفطار أو الغداء حين لا يكون زوجها بالبيت. إذ أن ما تريد أن تتعلمه من لهجة الحارسة أمرٌ تُريدُ أن يظلَّ في الكتمان عن زوجها، مخافة أن يَحُول بينها وبين ذلك، وهي تريد أن تتباهى على نساء القرية وفتياتها بما تريد أن تصير به عارِفَةً.

أمر وقفت عليه "بوليط" فيما بعد، فَطَوَت عليه جناح الكتمان، وهي تُواصِلُ تعليمَ البدوية التي قَدِمَت إلى باريس.. وخطة التعليم التي سَلَكَتْهَا الحارسة تختلف عن كثير من القواعد ذات المنهجية التعليمية... هذه المُعَلِّمَة الحاذِقَة بدأت مع تلميذتها بتسمية كل محتويات البيت، حاجة تلو أخرى.. استهَلَّت معها الطريق بأواني المطبخ ثمّ بستائر النوافذ وأفرشة الصالون وأغطية بيت النوم، ومن الفواكه إلى الخضار، إلى أيام الأسبوع والشهور. وحين استوعبت البدوية كل ذلك وفهمته في ساعات قليلة من صباح يوم واحد، اندهشت المعلمة من ذكاء التلميذة وظنت أن لها أكثر من عقل، كما أدركت مدى الطموح الذي تتحلى به الغريبة ومدى رغبتها بأن تعرف ما لا تعرف. وما وقفت عليه مدَّهَا برغبة في أن تُوَاصِلَ هذا المشوار مع "العسولية"، سيما وأن هذه الأخيرة قد صارت توفر لها طعام الإفطار والغداء، مع إظهار صفاء المودة كون لغة الإشارة التي كانت عندها الوسيلة المُعَبِّرة لِمَا تريد الإعراب عنه، أخذت تتغير إلى حِوار مُعَبِّر، ولو أنّ كلماته قليلة. لكن رغم قلتها فقد كانت بها فَرِحَة فَرَحا سعت إلى تقويته برغبة حميمية، وبطموح صار يبدو وكأنه متجذر في بأعماقها، وحين لاحظتْ منها "بوليط" هذا الاندفاع وهذا التصميم على مواصلة ما بدأت به السير معها، قررت أن تسلك معها نَهجاً آخَر، إضافة إلى ما كانت تمسح به عن بصرها غشاوة الجهل...                 

رأت أن تدفع بها إلى اقتناء أجمل الثياب التي تتلاءم وبشرتها السمراء وكيفية ارتدائها وانسجام ألوانها وأي عطور أزكى.

ومع ما أخذتها إليه صارت تتظاهر وكأنها تسدي لها مجرد النصح حول ما تريدها أن تكون ملمة ببعض خصائصه كفنون الاستسلام لرجل.. وكيفية إشعال النار في الكيان البارد الوجدان. وبدلاً من أن ترفُضَ البدويةُ هذه البدعة المُضِلَّة عن السبيل، وبدلاً من أنْ تقولَ: لا لِكُلّ ما يبعدها عمن جاءت به من القرية، وعمَّا أَلِفَ زوجُهَا رؤيتَهَا عليه، قالت "نعم" دون أن تفطن إلى ما كانت "بوليط" تسعى إليه من وراء كل ذلك. وحين فطنت وجدت الآوان قد فات لتراجعها. وجدت نفسها معبودة كثير من الكهول والشيوخ ممن يتاجرون بالمال والذهب. وما كان هؤلاء يضعونه أمامها من مال وذهب مقابل ما تضعه أمامهم من سلعة كيانها، كان لـ"بوليط" فيه نصيب.

"يوليط" كانت على يقين من الوصول إلى هذا. يقينها كان مدعوما بأنّ "العسولية" شابة وصغيرة وأن كلّ من تكون في سنّها لا بدّ وأن يُغريهَا المال والذهب، لا سيما إذا ما كانت مثل "العسولية" التي كانت فتنة جمالها تتضح يوما بعد آخَر، وخاصة عندما ترتدي ما يتلاءم وملاحة وجهها الذي لم تكن به حاجة إلى أيّة مساحيق تضفي عليه من الحسن ما هو عليه.

ما كان قد بدأ يطرأ على "العسولية" من تغيير لم يفت الزوج ملاحظته، ومع ذلك لم يُبْدِ رأيا ولا اعتراضا، ظانّاً فقط أن مرجع ذلك يعود إلى رغبة زوجته في أن تتكَيَّف مع الجوّ الذي لم تُرِدْ، ولا شكّ، أن تبدو غريبة عنه.

أيّ ظنّ هذا؟ أو أيّ تفكير أيها الرجل الذي عرف الليل، وعرف تقلب المرأة في أجوائه. عرف أنواعا كثيرة من نساء الليل، ولكنه لم يَعْرِف مثل "بوليط" التي ما أن عمَّهَا الخوف من أن تموت على عتبة أحد الملاهي كما ماتت من أعطتها الحياة حتى بحثت لها عن عمل دائم ومأمون من هزات الأيام.. ومن حيث تنعم بالاستقرار راحت تأخذ "العسولية" هينة طيعة لِمَا شاءت أن تدفع بها إليه من أجل الحصول على نصيب لها مما تحصل عليه من مال وذهب مَنْ كانت مجرد بدوية. ودائما لا عَيْن رأت من الزوج ولا أُذُن سمعت. يعود من عمله مكدوداً مُتْعَبا فَيَنَامُ قبل أن تنام من تتمدد إلى جانبه، وهي تشعُرُ بِألمٍ في ساقَيْهَا وبشيءٍ كَنَزيف الجرح بظهرها.

عندما شاءت "العسولية" أنْ تَشْغَل زوْجَهَا عمّا أخذت فيه أعطته ولمدة خمس سنوات أربعة أبناء. ولو لم تتدخل "بوليط" لِمَنْعِهَا من الحمل والوضع لأعطتْهُ الخامس.. وما كانت عندها شهور الحمل الأخيرة إلاّ بمثابة استراحة المحارب، ثم تخرج بعدها إلى هذا التاجر أو ذاك، أو إلى وقفة معينة بمدخل إحدى الأزقة التي تفضي إلى ساحة "بيغال" لتحمل زبونين أو ثلاثة حملا سريعا تعود بعده إلى البيت كأن شيئا لم يحدث.                          

خلال أيام الحمل غالبا ما كانت تُسَافِرُ وحدَهَا إلى القرية لِتَصُولَ وتَجُولَ وتَتَبَاهَى على نساء القرية وفتياتها باللهجة الفرنسية التي أصبحت تتقن التحاوُرَ بها.

 

منذ عودتها الأولى إلى القرية وحيدةً خير ما أوصت به والِدَتُها وهي تضع بين يديْها قِسطاً وافراً من المال أن عليها أن تكون أكثر حذرا من زوجها ومِمَّا يُمْكِن أن يطرحه من أسئلة تتعلق بمصدر التغير للحالة التي لم تعد قادرة على رؤيتهما فيها، وتفاديا لأيّ شكّ أو ريبة من طرف الزوج، فإنّ عليها أن تدعو والدها ليتظاهر بتعاطيه لأية تجارة كانت، وأن ما يُتَاجِر فيه يُخَوِّلُ، تدريجيا، أن يغير من وجه الحياة الذي كان عليه.

مسلك ظلت عليه "العسولية" حتى لمّا ماتت "بوليط" بسكتة قلبية على عتبة أحد الملاهي الرخيصة.. لَمْ تَخَفْ يوماً من أن يَكْتَشِف زَوْجُها أمْرَهَا، وهو من صار متقاعدا، وصارتْ جُلّ أوقاته يقضيها بالمسجد الصغير والجديد بالقرب من بيته. لا عرف متى خرجت من البيت ولا متى عادت إليه...كل ما كان يعرف وقت عودة أبنائه من مدارسهم، وذات يوم وهو عَائِدٌ إلى البيت إذا بِهِ يرى ابنته الصغيرة تحمل كلبا ضالاّ وتدخل به إلى حيث كانت الأم بين أبنائها، الذين لا يشبه أحدهُمْ الآخَر، وهي تَتَظَاهَرُ بأنها خير أمّ يُضْرَبُ بها المَثل بوفائها. وحين دخلت ابنتها وهي تحمل الكلب الصغيرَ الذي مَا أنْ رَآه إخوتها حتى هبوا إليه، كل واحد يريد أخذه إليه دون أن يبالي أيٌّ مِنهم بِمَن دخل، وهوَ يقول وشرارة الغضب تقدح من عينيه المحمَرَّتَي الجفنين الخاليتين من الأهداب:

   - ما هذا؟ أَتَفْرَحُون بِكَلبٍ ضالّ، لا ندري كم من الأمراض يحمل؟

وأيّ كان لم يُعِر للأب سَمْعاً، ولاَ هزَّ غضبُهُ الواضِحُ أيّاً منهم خوفاً. بَلْ ظَلَّتْ أياديهم تمتد إلى الكلب ، كُلُّ وَاحِدٍ يأخذه مرة، وحين رأى منهم الأب ذلك أمر، وبصوت حادّ، الصغيرةَ أن تعود بالكلب إلى حيث وجَدَتْه ولا شكّ متسكعا، قال الإبن الأكبر وعيناه على أخته التي استعادت الكلب إليها:

- إنّ الكلب صغيرٌ، ولا أظنه يحمل أية أمراض.

ردّ الأب منفعلا وهو يَرْمُقُ زوجته بنظرات صارمة:

   - كان مريضا أَمْ لَمْ يكن فإني لا أتحمل رؤية كلب بِبَيْتي وأنا أُصَلّي فيه، وفوق هذا فإن الدعاء بِبَيْت به كلب لا يُسْتَجَابُ والملائكة لا تحوم حوله ولا تدخل إليه.

وبفرنسية مهذبة وسليمة من أي أخطاء في النطق ردت "العسولية" وعيناها عليه:

- عشرين عاما بالقرية وستة وأربعين عاما بباريس ومع ذلك ما زِلْتَ تُؤْمِنُ بِالخُرافات القديمة.. تُؤْمِن أنّ الدعاء لا يُسْتَجَاب له وأن الملائكة لا تحوم ببيت فيه كلب ولا تدخل إليه. أكلبٌ صغير تعلقت به ابنتكَ يمنع كل هذا؟!

وتزفر بحرارة ثم تواصل:

- يا لَكَ من رجل يحمل أفكارا سخيفة وبالية!

ومن أعماق دهشة الزوج واستغرابه، لا مما قالته زوجته بل بالطريقة وباللغة التي عَبَّرَت بِهَا، قال وهو يَتَسَاءَلُ بينه وبين نفسه:

   - أَلَمْ يَكُنْ مخدوعاً في من ظلت في نظره مجرد بدوية مشغولة بتربية أبنائها عن نفسها ولو أنّ لباسها قد تغير:

- ما هذا؟! أكثر من عشرين عاما لم أسْمَعْكِ خلالَهَا تنطقين ولو بكلمة فرنسية والآن تَرُدِّينَ بها، وبِطلاقة، على موقفي من كلبٍ لا تَجوزُ الصلاةُ بمكانٍ هو فيه.

قالت وبنفس اللهجة الساخرة:

- من ناحية الردّ بِلَهجة فرنسية سليمة هذا أمرٌ يعود إليَّ ولا دخل لكَ فيه، أما من ناحية أتجوز الصلاة أو لا تجوز ببيت فيه كلب يَمرح، مرجعُ هذا يعودُ إلى أنكَ سرتَ تَشِيخُ بسرعة، وهذه علة لا شفاء لكَ منها.

قال وهو يؤمن إيماناً قَاطِعاً أنّه كان مخدوعاً في هذه المرأة التي ظلّ يُصْبِغُ عليها من صور الوفاء والإخلاص ما كان يجعلها في نظره تبدو وكأنها من نسيج خاصّ، وأن من تكون على ما هي عليه تستطيع أن تتكيف مع أيّ جوّ تَجد نفسها فيه ولكنها لا تنساق إلى ما يخالف وما شبت عليه من طُهْر وَوَفاء:

- هذا ما سوف أخوض معكِ غِمَارَهُ حالما أُنْهِي أمر وُجُودِ هذا الكلب بِبَيْتي.

اتجه صوب الصغيرة يريد أن أخذ الكلب منها والخروج به من البيت غير أنّ الابنَ الأكبر سرعان ما حال بينه وبين الوُصُول إلى الصغيرة التي كان الباقون من إخوتها قد التَفُّوا حولها. وفي هذه الآونة نفسها جرت "العسولية" إلى ابنها وجَذَبَتْه إلى الوراء لكي تتصدى بنفسها إلى أي عمل يريد زوجُها الإقدام عليه. وعندما رأى الزوج ذلك فَكَّر أن من باب الحكمة ألاّ يُخَاصِمَ حِزْبَيْن في آنٍ واحد، بل عليه أخذ كل وَاحِدٍ على حِدَة. وبناءً على ما بدا له صواباً فكَّر في أن يَعْرِضَ على الأبناء إجراء القرعة حول من يترك البيت بالمَرَّة وألاّ يعود إليه، هل هو، أم الكلب؟ وما كاد يَعرِض الفكرة بكلّ أبعادها حتى تعالت الأصواتُ وارتفعت الأيدي مُلَوِّحةً ومُشيرةً نحوَ الباب، بِمَا فيها يَدُ الزوجة: إنّ على الأب مغادرة البيت.

باريس في 23 يناير 2004 

 

-----

* روائي وقاص مغربي مقيم في باريس  

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group