|
ورد لدماء الأنبياء
( للقاص محمود شقير)
منيرة مصباح *
لإن كان عالم القصة القصيرة، هو عالم يحمل باستمرار إمكانية إطلالة
على عالم واسع، ولئن كانت القصة القصيرة هي اجتزاء لمساحة محدودة
من هذا العالم، ولئن كان الكاتب في اجتزائه لهذه المساحة، يبني
قوله بما يوهم بكماله النسبي من منطلق رأي الناقدة يمنى العيد، فإن
مجموعة "ورد لدماء الأنبياء" للقاص محمود شقير، تكسر حدود هذا
العالم وتفتحه على الماضي، ليعود الزمن إلى لحظته الحاضرة .
إن مجموعة محمود شقير أشبه ما تكون قبضات نتلقاها على بطوننا .
إنها تنطوي على طعم غريب في السرد القصصي، ولا ننتهي منها إلا وقد
بلغت بنا نشوة القراءة أقصاها. فالكاتب يحمل ميلا إلى الحكايات
الإنسانية المتنقلة بين جيل وآخر، من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى
قرية، رغم اختلاف أمزجة أبطالها الذين يتصارعون في طواياها . وهو
بذلك لا ينأى بنفسه عن القضايا التي يصطخب بها المجتمع في كافة
نواحيه الاجتماعية والسياسية والانسانية الحميمة، إنما يقف إلى
جانب القضايا العادلة، وهذا ما يدفعه إلى توسيع دائرة مواجهته،
لتشمل جبهات الجهل والتخلف والظلم، أو تلك التي يقف فيها ضد كل
مأساة إنسانية . ورد لدماء الانبياء هي مجموعة قصص قصيرة على قدر
كبير من البساطة، تبلغ حد التجريد، لكنها تدور في عالم نفسي معقد
لا يقصد الكاتب من خلاله تصوير هذا العالم، بل يتركنا نفترض له حتى
خطوطا متشابكة، لندخل إليه كما في قصة الأغنية وقصة الخروج . إنه
لا يرينا إلا ظلاله، ويختار أقل قدر من الخطوط ليقبض عند تقاطعها
على هذه الخطوط التي تكون أحيانا، البيت أو الشارع أو الباب، أو
طائرة تحلق في الأجواء . هذه الخطوط المتحركة أو الأمكنة المؤقتة،
ربما تفصله عن حياته الأخرى، أي المكان المبهم الذي تقوم بينه وبين
عابره علاقة تجذر .
في أغلب قصص المجموعة، نلاحظ أن هناك إنسانا يمر دون اسم، وأن ورد
هو اسمه في قصة من القصص، مما لا يكون لذلك علاقة بتحديد هوية
الإنسان، إنما هو كائن مسور بالصمت، لم يستطع أن يمد جذوره للآخر
عبر حوار حقيقي، ولم يفتح نوافذه إنما تركت مفتوحة لتصرخ بالحنان
كما في قصة انفصال .
وينقل محمود شقير بكثير من التهيب واحترام الصمت الداخلي، كلام
شخصياته المكسور الذي يتحرك وراء طبقة الكلام اليومي الصاخب، لكنه
في الوقت نفسه يعكس لنا الإضاءة فيبدو العالم في ضوء الصخب باهتا
فارغا وغير إنساني، ولذلك فإن جو القصص يبني حزنا حيا دفينا،
انطلاقا من الحوار ومحاولاته . ففي قصة أمومة حين يغلق باب السجن
في أعقاب التواصل الأمومي ومعجزة الحنان، تنتهي القصة لكن لتبدأ
كما تبدأ صحارى بلا ملامح ولا انتهاء .
وتبقى المرأة اللغز في مجموعة محمود شقير، هي القضية الغامضة التي
يبحث عنها الجميع في كل شيء، إنها الهاجس الأول رغم وجودها في كل
زاوية من زوايا الحياة . ورد لدماء الأنبياء مجموعة قصصية لها
صمتها الذي يجعل للقارئ حضورا فيها، فهي تلامس منبته وقضيته التي
تنطوي على الآلاف من القواسم المشتركة بين الناس .
-----
* شاعرة فلسطينية مقيمة في الولايات المتحدة
|