|
وديع العبيدي
( كاتب عراقي مقيم في النمسا ورئيس تحرير مجلة ضفاف الثقافية)
يكتب في ملف النشر الالكتروني للمهاجر
مشكلة الكاتب العربي أكبر من مجرد النشر
بسرعة خارقة دخل الانترنت حياتنا مكتسحاً كل ما سبقه من وسائل
اتصال كالسيل الجارف، بحيث صار الاستغناء عنه، لأي سبب من الأسباب
الخارجة عن الارادة، معناه الانقطاع عن العالم والثقافة أو التوقف
عن الحياة. ما أمكن ارساله للنشر بواسطة البريد أو الفاكسميلي
سابقاً، لم يعد أحد يعيره اهتماماً. الكتاب الذين لا يستطيعون
استخدام الكمبيوتر اضطروا لتعلمه أو دفع مبالغ لمكاتب خاصة تتولى
طبعه على الكمبيوتر، ومكاتب أنترنت تتولى ارساله للجريدة أو جهة
النشر. فالجريدة أو المجلة تفضل المواد المصفوفة الجاهزة على أقراص
يمكن التحكم بمواصفاتها بما يتلاءم مع النشر وخلال دقائق محدودة.
الأنترنيت في هذه الحالة اختزل سلسلة طويلة من الإجراءات
البيرقراطية التي كانت سائدة في مؤسسات النشر بدء من استلام المواد
وفحصها وتحديد المناسب للنشر والصفّ والتصحيح والتصميم والمونتاج.
فالتصميم والمونتاج يتم على الكمبيوتر مباشرة، وحسب إمكانيات
تتيحها عديد البرامج والبرامج المساعدة للناشر الالكتروني، ويتم
لصق المواد المستلمة بالانترنت مباشرة في الصفحة والحيز المناسب،
بحيث يتم نشر المادة في اليوم التالي مباشرة. لم تعد دور الصحافة
والنشر بحاجة للكادر الضخم من كتاب وكاتبات على الكمبيوتر كما
ساعدها ذلك في الاقتصاد بالمكان، وشيئاً فشيئاً، قامت كثير من
الصحف باصدار نسخة الكترونية، مع استمرارها في الاصدار الورقي لما
يعود عليها من عوائد مادية ناهيك عن خدمة الدورة الاقتصادية في
البلاد. ولذلك لم تجازف الصحف ولا دور النشر الاقلاع عن الاصدار
الورقي أو الصوتي (شرائط فيديو أو أقراص مدمجة). وفي بلد أوربي مثل
النمسا العريقة في النشر والصحافة، اقتصرت جريدة واحدة فقط على
النشر الالكتروني هي جريدة [(Alles)
كل شيء]
، وكان لتراجع مبيعاتها سبباً في هذا القرار للحفاظ على صيتها
السابق عندما كانت تتصدر السوق. فالدول الأوربية عموماً، المتميزة
بالاستقرار السياسي والاقتصادي والرفاه الاجتماعي، رغم المستوى
التقني والالكتروني العالي فيها، تتعامل بحذر ودراسة مع المكتشفات
الحديثة وأثرها على الأقتصاد ومعدل البطالة.
أما في البلاد العربية فالأمر مختلف تماماً، سيما في ظل غياب
التخطيط الاقتصادي وعدم الاهتمام بمعدلات البطالة أو التضخم وما
إلى ذلك. لكن المشكل هنا في ارتفاع معدل الأمية الذي يزيد على نصف
المجتمع، وبالتالي محدودية نسبة الاهتمام بالكمبيوتر المحصور في
دوائر الشباب الدارسين والمتطلعين لمستويات وانماط الحياة الغربية.
فلا الكمبيوتر ولا الأنترنت تحولا إلى سلعة شعبية أو شبه أساسية في
البيت العربي كالثلاجة والتلفزيون. وفي معظم الدول يتاح الانترنت
في محلات عامة الى جانب خدمات التلفون والفاكس مثلاً. وإذا كان
معدل القراءة للفرد العربي حسب تقرير اليونسكو هو ستة دقائق في
اليوم، ومجموع ما تنشره دور النشر في كل البلاد العربية أقل مما
يصدر في دول أوربية واحدة مثل اسبانيا، فكم يتوقع أن يكون عدد
المشتركين العرب في شبكة الانترنت، لكي يتم توجيه برامج نشر ثقافية
وفكرية على الرابط الالكتروني، بينما يبلغ عدد المشتركين في
الانترنت في بلد أوربي صغير مثل النمسا أكثر من ثلاثة ملايين
[(احصائية قبل ثلاث سنوات) بينما مجموع عدد السكان حوالي ثمانية
ملايين].
عندما نتحدث عن النشر الالكتروني عند العرب، يلزم دراسة قطاع
الثقافة بمختلف مؤسساته وأطرافه الابداعية والرسمية والتجارية أو
التقنية. وهو واقع (!) لا أريد أن أصفه ولكنني كمؤلف أصدرت عشرة
كتب على نفقتي وصاحب مجلة ثقافية أراه مدعاة للخجل أو الرثاء، ولا
أرى أي صلة لما يتم في بلادنا تحت يافطة [طبع، نشر، توزيع] لا
بالثقافة ولا بصناعة الكتاب في أوربا، وتحديداً السوق الألمانية.
أكثر من نصف الناشرين العرب ليس لهم مؤهل علمي أو دراسي مرموق،
عمال مطابع تحولوا الى أصحاب مطابع وناشرين، أصحاب مطاعم تحولوا
إلى سوق النشر مع تيار الخصخصة ووجود أدباء شباب يدفعون من جيوبهم
لطبع كتبهم. لقد حدثت تغيرات مرثية بين السبعينيات والتسعينيات في
سوق النشر والثقافة العربية، دخل بعض الأدباء على أثرها هذا المجال
لانقاذ سمعة الكلمة من الامتهان، سواء في الداخل أو الخارج. فظهور
دور نشر عربية في عواصم أوربية صورة للخلل في هذا القطاع. بغض
النظر عن أثر الحرب اللبنانية كذلك. وهذا يوصلنا إلى القسم الثالث
من هذه المداخلة، في ملف النشر الالكتروني. وهو:
النشر العربي في الخارج
تضاعفت معاناة المؤلفين العرب مع انتقالهم إلى أوربا وعدم وجود
آليات منتظمة ومحترمة توصل أعمالهم للقارئ العربي، ويقتضي الاتفاق
مع ناشر في بلد عربي شبكة من محسوبيات ومجاملات ودعم داخلي ومتابعة
ناهيك عن دفع التكاليف، ولا يوجد أي ضمان قانوني أو مالي في هذا
العقد، سيما مع وجود صاحب العلاقة خارج الحدود. وقصص معاناة
المؤلفين مؤلمة إلى حد الفظاعة، بحيث لا يجرؤ أي طرف من أي موقع
التدخل أو فتح الموضوع. نتيجة الحاجة قام بعض المهتمين بانشاء دور
نشر حقيقية أو صورية في الخارج لتلبية حاجات المؤلفين. بعض هؤلاء
استطاع اتباع احد أمرين: اخراج الكتاب عن طريق التقنيات
الالكترونية وبالاتفاق مع دار نشر أوربية، والتكلفة في هذه الحال
عالية. الأمر الآخر الاتفاق مع مطبعة عربية في الداخل تقوم هي بطبع
الكتاب ويتولى هو مهمة النشر والتوزيع. أما البعض الآخر والذي
أراد توظيف حاجة المؤلفين لحسابه الخاص، وذلك بقيامه بدور وكيل دار
نشر داخلية، وإلى جانب الاثنين، ثمة ظاهرة ثالثة، أمام تردي سمعة
ناشري الداخل واحجام كثير من المؤلفين عن الطبع أو لجوئهم إلى
وسائل أخرى كالنشر الالكتروني، فقد ترددت أسماء مؤسسات نشر وترجمة
وطبع تحاول استقطاب المؤلفين بأساليب عديدة كالانتولوجيات أو ترجمة
أعمالهم ونشرها، وهي الأخرى صور أو فروع لدور نشر وطبع داخلية،
لاحقت المؤلفين العرب إلى منافيهم، بعد أن شكل وجودهم في أوربا
نسبة مؤثرة ولا يستهان بها في سوق النشر. ومع ذلك لم تصل المشكلة
إلى حل حقيقي ومرضي يضمن احترام حقوق المؤلف وكرامته ويضع النص في
متناول القارئ. وفي هذا المنظور يأتي الناشر الالكتروني، كحل مقترح
لأزمة نشر مؤلفات الأدباء العرب في خارج بلادهم أو داخلها، بعيداً
عن الامتهان والابتزاز أو مقص الرقابة.
والسؤال هنا: من هو الناشر الالكتروني؟ ما هي شروطه وتكاليفه
وضماناته؟ كيف نضمن أستقلالية الناشر الالكتروني عن مآفيات النشر
والابتزاز؟ كيف نضمن عدم وجود جهات معادية للثقافة وراء بعض منافذ
النشر ولتحقيق أغراض خاصة؟.
ان مشكلة المؤلف العربي ليست مشكلة واحدة وليس النشر إلا أحد
وجوهها، انها تبدأ بالحرية ولا تنتهي بالحقوق والعوائد المالية
والحياة الكريمة اللائقة. والنشر الالكتروني يحلّ كثيراً من
الاشكالات ولا يحل مشكلة الحقوق الأدبية والعوائد المالية. لا توجد
حتى الآن ضوابط لاستخدام الشبكة وتوفير الحماية القانونية أو
الاخلاقية لها. وعربياً هذه الضمانات غير متوفرة. ولا يوجد كاتب
ربح قضية قرصنة ثقافية في بلد عربي. يوجد عدد غير قليل من الأدباء
العرب لديهم صفحات خاصة على الشبكة ((Hompage،
ويستطيع المؤلف أن ينشر فيها كل يحلو له، ولكنه لا يمتلك ضماناً
بحماية المواد والبيانات من سوء الاستعمال. إذا كانت أنظمة
الاستخدام والمعالجة تتعرض للطبع والاستنساخ غير المشروع في دول
الشرق الاقصى والأدني وتباع في الأسواق دون قدرة الشبكة
والمستثمرين فيها على حماية حقوقهم الأدبية والمالية، فمن يحمي
الكاتب العربي. وإذا كانت أشرطة تسجيل وأقراص الغناء العربي تستنسخ
وتباع في محلات التسجيل دون تدخل مؤسسات الدولة الرسمية فمن يحمي
أو يلاحق حقوق المؤلفين العرب. كل هذه الاشكالات تحضر إلى الذهن
عند المناقشة. إلى متى نتعامل بأنصاف الحلول، ولا نبحث عن وسيلة
الحلّ الناجع.
ما أريده ليس النشر فقط أو البحث عن الشهرة. أريد حياة إنسانية
لائقة وضمان مورد ثابت وشريف. أحلم يوماً ما.. أن أتوقف عن مراجعة
مكاتب العمل للحصول على عمل أو سلفة الضمان الاجتماعي للعاطلين عن
العمل، أحلم بالتوقف عن كتابة عروض العمل الى شركات لا أعرف شيئاً
عنها وعن عملها استجداء للعمل. ان شهاداتنا العلمية لا تعترف بها
الانظمة الأوربية، والحصول على عمل أكادمي أو اختصاصي أمر نادر.
ثمة أطباء عرب عملوا في التنظيف، ومهندسون عملوا سواق شاحنات. نحن
بحاجة لحل مشاكل حياتنا ومعيشتنا أولاً، ثم ننتقل للمرحلة التالية
التي لا يهتم الآخرون لمعاناتنا فيها. الكتابة والثقافة والأدب
وبعض التخصصات العلمية ما زالت مجرد (هواية!) لتنظيم أوقات الفراغ،
لكن هذه الهواية تستهلك وتستقطب حياتنا وفكرنا وأعصابنا. وبالتالي،
- يؤسفني القول-، ما معنى أن تكون كاتباً عربياً؟.. ألم نكن ولا
نزال نحلم أن تتيسر لنا حياة انسانية لائقة في بلادنا أفضل من
شحططة الغربة.. ألا نحلم أن يكون واقع الثقافة والمثقفين أكثر
استقراراً وضماناً على صعيد الحقوق والاحترام والحريات؟.. هل هذا
كثير...
وأخيراً.. النشر الالكتروني كوسيلة وأداة تواصل وتبادل وتفاعل، أما
نشر كتب الكتروني بدون ضمانات أدبية وعوائد مالية مجزية، فليست غير
حل مؤقت. ولا بدّ من قرار شجاع وجريء لحل معاناة المؤلفين العرب في
الخارج.
|