|
الحس بالمكانة والتخلف الاجتماعي والعلمي والاقتصادي
د. تيسير الناشف*
في النشاط الاجتماعي، العامل الموضوعي ليس مستقلا عن العامل
الذاتي في عدد من المفاهيم من قبيل الاستقرار والتحرر وإحلال
النظام والنقد والرضى والضبط. ومن الصعوبة البالغة،
إن
لم يكن من المستحيل، الفصل التام بين العامل الموضوعي والعامل
الذاتي في هذه المفاهيم. وكلما انخفض المستوى الفكري والثقافي
للمرء ازدادت في المتوسط صعوبة الفصل بين العاملين الذاتي
والموضوعي في حسه بالمكانة. وعدم التمييز هذا
أو
عدم كفايته هو
أحد
الأسباب
الرئيسية في التخلف العلمي والثقافي والاقتصادي للشعوب. ويستوجب
التقدم في هذه المجالات مراعاة العامل الموضوعي
أو
إيلاء
مراعاة
أكبر
له. ولا يستثنى من ذلك البيان مفهوم مكانة المرء (وطبعا يقصد هذا
التناول المرأة ايضا ضمنا)
أو
منزلته
أو
مركزه. وتوجد مساحة مفهومية مشتركة واسعة بين هذه المفاهيم
الثلاثة. وبقصد الاتساق في العرض نقتصر في هذا التناول على استعمال
مصطلح "المكانة".
والمكانة
أو
الحس بالمكانة مصدر تمتع للإنسان.
صاحب المكانة يتمتع بها.
إنها
مصدر رضى نفسي لصاحبها لأنها
ترضي
أناه.
ولأن
المكانة
أداة
لتوليد وممارسة النفوذ الاقتصادي والاجتماعي والسلطوي يوليها
صاحبها
أهمية
كبيرة. ولأن
صاحب المكانة يعرف
أهميتها
في اكتساب التأثير ولأنه
يتمتع نفسيا بها يحاول دائما المحافظة عليها وحمايتها وتعزيزها.
وكلما ازدادت المكانة قوة ازداد صاحب المكانة تمتعا بها وحرصا على
حمايتها وتعزيزها.
مكانة المرء تستند
إلى
عوامل
أو
أسس
موضوعية، من قبيل المهنة
أو
الحرفة، وعوامل
أو
أسس
ذاتية، من قبيل
إيلاء
الاحترام للمسنين
أو
الهيبة التي ينسبها الناس
إلى
مرء متحدر
أو
يُظَن
أنه
متحدر من عائلة عريقة
أو
من طبقة الشرفاء ونسبة
أعمال
خارقة
إلى
أشخاص
معينين. والمقصود بالعامل الموضوعي هو العامل الذي تستوجب طبيعة
الموضوع مراعاته والمقصود بالعامل الذاتي العامل غير المتعلق
بالعامل الموضوعي علاقة عضوية. العامل الذاتي مقحم على العامل
الموضوعي
إقحاما.
ومن المستحيل الفصل التام بين العامل الموضوعي والعامل الذاتي في
مفهوم المكانة. وعلى الدوام تقريبا تسيطر العوامل الذاتية على
العوامل الموضوعية في حس المرء بمكانته. هذه السيطرة
أحد
الأسباب
الرئيسية في التخلف الذي تعاني منه شعوب كثيرة في المجال الاجتماعي
والاقتصادي والعلمي والثقافي والإنمائي.
وتختلف الأسس
الموضوعية والأسس
الذاتية بعضها عن بعض في مدى حضورها
أو
نسبتها في مصدر المكانة. ويتوقف مدى هذا الاختلاف على عوامل منها
مدى التطور الاجتماعي والسياسي والتكنولوجي المحقق من جانب الشعب،
ومدى تشرب افراد الشعب بالقيم المهنية والحرفية والعلمية، ومدى
رسوخ وسيطرة النظام
الذكوري
الأبوي،
ومدى شيوع التنشئة على قيم الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان،
ومدى احترام وتوخي النهج العلمي التجريبي الواقعي.
لدى المرء نفسه نزعة
إلى
مراعاة العامل الذاتي ولديه قدر من مراعاة العامل الموضوعي في مصدر
المكانة. يراعي المرء في المقام الأول
العامل الذاتي وليس العامل الموضوعي. وفي حالة التناقض – كما يحدث
عادة – بين شكلي المراعاة يميل المرء
إلى
تغليب العامل الأول
على العامل الثاني.
إنه
يعتبر
إيلاء
الأولوية
للعامل الموضوعي على العامل الذاتي مساسا بمكانته
إذا
كان حسه بمكانته يعتمد على العامل الذاتي
أكثر
من العامل الموضوعي.
وبسبب الاختلاف الواضح بين العامل الذاتي والعامل الموضوعي ينشأ
تضارب بينهما في نفس صاحب الحس بالمكانة في سياقات اجتماعية
وسياسية واقتصادية في كل بلدان العالم. ويتوقف نشوء هذا التضارب
وقوته ومصيره على مدى حضور العامل الذاتي والعامل الموضوعي في نفس
صاحب الحس بالمكانة وعلى طبيعة ذلك السياق. ففي حس المرء بالمكانة
إما
أن
يكون العامل الموضوعي
أو
العامل الذاتي مسيطرا. وفيما يلي مثال مستمد من مجال التنمية على
ذلك التضارب: من الناحية الموضوعية تتطلب التنمية الاقتصادية
والاجتماعية توفر قدر لا يستهان به من مشاركة الناس في عملية
التنمية. فلا مفر من
أن
ينطوي تحقيق التنمية على مشاركة الناس. غير
أن
الشخص المتولي للسلطة – على سبيل المثال الحاكم
أو
الوزير
أو
رئيس البلدية
أو
مختار القرية
أو
ضابط الشرطة
أو
قائد الجيش
أو
المدير – قد يتخذ، من منطلق رغبته في المحافظة على مكانته التي
تتكون كما
أسلفت
من العوامل الذاتية
والموضوعية،
موقفا حذرا
أو
مترددا
أو
غير مبال
أو
متقاعسا
أو
معاديا حيال فكرة المشاركة الشعبية.
إن
مراعاة هذه المشاركة قد يعتقد هو
أنها
لا تتفق مع ممارسته السلطة التي تشكل، في نظره وفي نظر غيره،
أساسا
قويا من
أسس
مكانته. ومن الواضح
أن
هذا الموقف من شأنه
أن
يكون
أحد
الأسباب
الهامة في منع
أو
تأخير التنمية.
والتقدم الثقافي والعلمي والاقتصادي والتكنولوجي يقوم على
مكونات، منها المعرفة
التي تعني السيطرة على الأشياء،
ولا تضمن مراعاة العامل الذاتي في الحس بالمكانة اكتساب المعرفة،
إنما
تكتسب المعرفة عن طريق مراعاة العامل الموضوعي فيها.
إن
غلبة العامل الذاتي على العامل الموضوعي في المكانة لا تكسبنا
المعرفة،
إذ
ان اكتساب المعرفة يتطلب مراعاة العامل الموضوعي.
وكما
أسلفنا
من المستحيل الفصل التام بين العاملين الموضوعي والذاتي في الحس
بالمكانة لدى المرء. بيد
أن
من الممكن تحقيق قدر من الفصل. وكلما ضاقت المسافة بين العاملين
الذاتي والموضوعي ازداد تحقيق المعرفة صعوبة لأن
الغلبة للعامل الذاتي على العامل الموضوعي، مما ينال من النزعة
إلى
اكتساب المعرفة. وبنفس المنطق يكون من الأصعب
اكتساب المعرفة عندما يندمج العاملان الذاتي والموضوعي بعضهما في
بعض في حس المرء بالمكانة.
-----
* كاتب فسطيني مقيم في الولايات المتحدة
|