|
الحرب ليست دائماً ملعونة!
محمد نبيل*
لم تكن ڤانيا تعتقد أن
قدميها
ستطأ التراب الكندي في يوم من أيام البرد القارس ، لكن لغة الحرب
كانت أقوى من آمالها التي تبخرت في وطنها الجميل .كانت ڤانيا مكرهة
على الرحيل و اللجوء
برفقة
أمها إلى بلد يبعد الإنسان عن عالم ما فوق الصفر . ڤانيا ، فتاة
ذات ملامح شرقية وابتسامة
عريضة تفوح منها
رائحة
الأمل المفقود . عاينت سقوط أبيها كضحية لحرب قذرة حصدت أعدادا لا
تعد و لا تحصى من الأرواح .
لم أكن أصدق أنها ستبادلني نظراتي الموحية بالخوف والتردد ، اكتويت
بنار كثير من النساء اللواتي خيّبن
آمالي . الآن، أضرب ألف حساب قبل أن أغامر
بابتسامة
أو عبارة عذراء أو ربما قبلة بريئة .ما أن تلفظت بكلمة التحية على
الطريقة الفرنسية
حتى استبقت
ڤانيا عباراتي. ردّتْ
وهي تطأطأ رأسها وكأنها تعرفني منذ عقد من الزمن . علامات وجهي
كانت مفعمة ببصمات طفولية . قلت في نفسي : هذه الفتاة الوسيمة لا
يمكن أن تنتمي إلى هذا الزمن المطبوع بالعزلة والفردانية. تبادلت
ڤانيا معي كلمات خجولة وعبارات رقيقة . عشقنا معا الرواية و الأدب
الراقي . جادلتني وحكيت لها بعض القصص التي
ارتعش
بسببها جسدي النحيف . قررت أن أقرأ عليها بعضا مما كتبه ماركيز في
مذكراته الأخيرة حول مومساته . أعجبتها أفكار هذا الروائي العجوز و
خاصة عندما تعرفت على تصوره لحقيقة سن الإنسان بين الباطن و الظاهر
. لقد سرَّها
أن تعرفَ
أن العمر هو ما نحسُّه
.
تحركت ڤانيا و تبخترت في صمت يملأه
الانشراح
. طارت من مكانها في وقت ما زالت فيه رواية ماركيز بين يديّ
و سألتني
بابتسامتها
المعهودة : هل سترافقني إلى بائع الكتب الموجود هناك حيث لا أحد
يرغب في الوقوف
؟ اتجهت
إلى المكان المطلوب بدون أن أتلفظ بكلمة واحدة .
اندهاشي
للسؤال و إحساسي بالنشوة لم يكونا سوى حالة هستيرية عابرة . بدأنا
مرة أخرى الحديث عن ماركيز فغمرني إحساس بأن رفيق المومسات ينافسني
في عشق ڤانيا . إنها غيرة رجولية طاردتني وخاصة بعد أن وضعت ڤانيا
يدها على رواية مائة سنة من العزلة . قلت لها بصوت يكشف عن غيرتي
التي كانت فقط من صنع فرعونيتي الرجولية :
اختيارك
جميل للغاية . أتمنى أن تتذكري تجاعيد وجهي وأنت تقرأين هذا العمل
الرائع . لم تكن لها إجابة واضحة . ببرودة قاتلة ردّت
علي : نعم . سأقرأ الرواية بوطني الذي حرمت منه بسبب الحرب .
سأتابع فصول ماركيز و أنا بجانب بحيرة توجد ببلدة أهدأ مني بكثير .
سأغادر بعد أسبوع من الآن وطن اللجوء . أظهرتُ
لها أن الأمر عادي جدا بالنسبة إلي لكن في قرارة نفسي كنت
أتساءل
بمرارة مخيبة للآمال : هل سألتقي ڤانيا مرة أخرى أم سيقع مثل ذاك
اليوم المنحوس الذي رحلت فيه من الجنوب إلى الشمال كي ألتقي
بامرأة
هاجرت زوجها من أجل أن تلمس يدي الشاحبتين . ما زلت أتذكر تلك
اللحظات البائسة
التي
ظهرت فيها تلك المرأة المسكونة بألغاز لا حد لها . كم من مرة تذكرت
فيها أبي الذي كان ومازال يردد على أسماعي : من تلذغه الحية يخاف
من الحبل . آه ، ربما ڤانيا ستعيد سيناريو
الاختفاء
من جديد . أعترف أنني لا أقوى على لحظة رحيل من أحبه و لو كان
الراحل كلبا أو
حتى
قطتي التي تزعجني ليلا عندما تنظر إليّ
محتجة على صمتي الذي لا يقوى عليه أحد .
ڤانيا ، سترحل هي الأخرى . لكن قبل ذلك ، قررتْ
أن تجلس معي بمقصف لا أحد يتردد عليه . أعتقد أنها
اشمئزت
من حناني المفرط وحركات يدي التي تكمل معنى كلامي المبهم . كانت
قبالتي ، تنظر إلي
باستحسان
و
تستمع
لحكاياتي و مغامراتي التي تمتزج فيها الثقافة بالحب و الجنس و
بأشياء أخرى . تحدثنا عن مائة سنة من العزلة و عزلتنا كذلك
في
هذا البلد المغبون. كنت أغتنم فرصة الحديث عن ماركيز كي أتحدث عن
عشقي لها لإبعاد شبح وحدتي .
اكتشفت
ڤانيا لعبتي و صارت قهقهاتها توحي بفكرة ما . غادرتني بعد ما
شربنا عصير الليمون .حركة
شفتي
و رأسي المائل كانا مؤشرا على رغبتي العارمة في
الامتداد
قرب ظهرها الأملس إلى الأبد . لم تكن تسمع زفيري الذي تنبعث منه
رائحة الغضب .ينتابني إحساس متناقض وأحس بغبطة
ملؤها
الأمل بالرغم من صدمة الوداع . و من أجل أن أخفف من وطأة إخفاقي،
قلت في نفس اللحظة التي تأخد ڤانيا مكانها داخل الحافلة وهي تشير
بأصابعها إلي : الحرب ليست دائما ملعونة !
-------
*
كاتب
مغربي
مقيم بكندا
falsafa71@hotmail.com
|