|
حكايات المدينة الأخيرة *
فادي سعد**
" في نيويورك يستطيع الإنسان أن ينجحَ لكنه لايستطيع أن يحيا "
طوني موريسون ( من رواية طفل القطران )
يصلُ الشيخ إلى ضفة بحيرة "مشيجان" ، بعد
نهاية المسير . يرقبُ
الشفق.
نوارس الأمس تحلّق في أثير الذاكرة ؛ صهيلٌ بعيد يُسمعُ خلف سراب
الأفق.
ليس الحزن مايطهّرنا، بل الندم
:
يحتضرُ الحلمُ فوق ضفّةٍ
غريبةٍ
ينطفأُ اللهب .
يخلعُ الساحر ثوبَه المبرقش ، ويستريحُ
من تلاوة التمائمِ
أفقٌ أزرقُ يفترشُ
دثار إرثه ..
والصحو آتٍ بعد غياب .
كنتُ هناك فوق صلصال أرضكَ ، ألبس بياضَ
الغيمِ ، وأخـطُّ مسار الضوء نحو عرشٍ
من تراب
دعني أقصُّ لكَ بعضًا من النبوءات الهائمة
على أجنحة السراب.
ستأتي إليّ فوق همهمات الوقت
ستكبرُ وتسألني :
أين كنتَ يوم ولادتي ، حين ورثتُ الوصيّة ؟
( قميصَ كولومبسَ المذّهب )
( درعًا مقدّسًا )
والأرضُ الجديدة تنتظر دماءً بريئة لتسقيَ
دوحها الأخضر
يمضي الابن
(الفارس)
في قلب المدينة كالشهاب السارح.
يسير مع الهدير الشاحب على ضفاف "الميل المهيب"١ ؛
حقبية مذّهبة ، سوار من الماس وإزار من النار.
أمامه ظلّ أبيه البعيد ، وخلف خطوِه بكاء طفله الوليد :
أسيرُ مع الصوت ... مع غناءِ النصر
القادم . نشيدٌ يُكتَـبُ
سراجٌ يحترقُ ، والطريقُ المعتمُ سيصمد أمام
هذَرِ النبوءة.
أمامي بلادٌ مسكونة بالغمام
تنـتظرُ سنابكَ خيلي ، وصهيلي ..
لستُ هنا بعد هُنْيهةٍ
طفلي يتعلّم الحلمَ مع الريح
وأبي يشرب النسيانَ على شاطئ الوصولِ
لاوقتَ للأسئلة ...
المنارةُ مُضيئةٌ ( كيف تهربُ من الشعاع الليلكيّ ..؟ )
لاتنظرْ وراءَكَ ، فالوعد لن ينتظرَ لهاثكَ المحموم
لحظةٌ
مصلوبة فوق معزوفة البدءِ
لاوقتَ للأسئلة ...
سفرٌ في الهشيمِ
لاوقتَ..............للأجوبة
الطفل ناصع البياض ، يشدّ قماطه الملوّن
ويفترش
مهاده فوق شرفة " السيرز التاور2
" .
سيبدأ الصعود عند المغيب، سقف العالم ينتظرُ روحه البكرَ لتكتمل
الرواية :
جدّي ...... دعني أغرقُ في سديم الرؤيا
أحلمُ بالحبَقِ
الهواء حريريُّ الملمسِ
والزغبُ فوق جسدي يداعب ريحًا بريئةً
أضواءُ المنازل ِتُعلّـمني الشهوة.
دعني أكون نجمًا سارحًا يهيمُ
في متاهة الرواية
التيه خبرْتـَهُ أنتَ ، وإرثُـكَ يتبعني
فلاتحرمني من نهايةٍ أرسمها بأصابعي
دعني أخطُّ أسطورةَ نفسي ، أكلّمكَ عنها يوم
القيامة.....................................
الشيخ:
كيف أخبركَ عن طريق السفر في قلبِ المدينة الباردِ ؟
حيث السّنا
يملأ أحداقَ الطير
ورائحةُ العطر كالنارِ
تبحثُ أنتَ عن ممرٍّ من تراب
عن كوّةٍ سحرية
عن زمنٍ يهوي على أطراف الهودج ، مخـّلفًا وراءه
زبدًا من الندمِ …
تمّهلْ للحظةٍ واسترِحْ
من نفسكَ
تمدّد قليلاً فوق ظـّلكَ كأوراق
الخريف
وعانقِ النسمة قبل أن تغيب
هل ستتذكَّـرُ منظرَ الياسمين قبل أن يعلوكَ الصقيع ؟
أو رائحةَ البنفسج المُهدى إليكَ خلسةً
في يقظة الربيع ؟
تمهّلْ ………………………………
الفارس يُسابق الريح .
يكملُ الصراخ قبل أن تسمعَ أذناه هسيس الأسئلة ( دعني أغرقُ في
نفسي الجامحة ) :
الوعدُ يا أبَتِ… بصيصٌ مجهول
يختبئُ خلف حكاية من ضباب
خطْوُنا نراه كما نشاء ، بعيون مُلوَّنةٍ
أو بقلبٍ من رماد
الساعة الآن لي : أبدٌ وسفرٌ
رصيفٌ مرتـّبٌ كالصفصاف
بعضُ المارةِ ووجه واحدٌ ،
مصباحٌ قزحيّ الملامح ، وظلال كثيرة تلبسني
أبنية من الماس يلفّها بـلّورٌ حادُّ التقاطيع
تبعثُ ضوءها لعين العالم
هديرٌ غامضٌ ….
أجسادٌ ترتعش على وقع الضجيج
قلبُ المدينة ينبض مع خطوي
دعني ألملمُ حصادي الآتي
في الفناء…………
الطفل لم ينمْ .
يرقب العبارة ، تُكـتُب في سماء المدينة :
أرى الشمسَ تمدُّ لي راحتيْها الحارقتين
وأنا واقفٌ هنا ، على شرفة أسطورةٍ
تُـكتبُ كلّ حينٍ بأرواحٍ زائلة
أرواحكم ياجدّي ..........
رفاقكَ الصامتون في الكفن
أراكَ معهم تنشدون ترانيمَ الخلود
تكتبون الوصيّةَ وترحلون
وتنثرون ريشَكم فوق أجنحة العنقاء
لتحملَ أولادكم نحو غيمة سارحة
يحمل الفارس بعض الزمرّد ليرسم به معالم الطريق – انظرْ أمامكَ
ياولدي - :
برقٌ ساطعٌ يخرج من رحم هذه الأرض
لاتجرحْ هذا الشعاع.
الدعوةُ تكبرُ مع كلّ قطرة دمٍ
نازفة
موجةٌ عاصفة
ونوارسُ تُعلمّكَ الطيران
بيوتٌ يلفـّها الحرير ، مملوءة
باللُعب . وكلّنا ينتظرُ لحظة الصمت
بعد كلّ هذا الكلام
ولكن .....ستبقى أغنية واحدة خالدة ، لتسكنَ المسام.
شارع ميشيجان لاينتهي
عند حدود رؤًى غامضة
إرثُنا مازال مجهولَ الملامح
سنكتبُ الوعدَ كما نراه :
( قصّةً عابرة )
....
يُمسكُ الشيخ غمده المُهترئ .
على بعد آلاف السنين ، بلاد تحترق في ناظريه :
من ضفـّـتي أرى جسد النبوءة
مُمدّدةً كالمومياء فوق نحيبِ البحر
دعني أهديكَ آيةً جديدة
من كتابي الأصفر
فالماضي حيٌّ يبقى في ذاكرة الأرض
كصلاة المؤمن
دعني أضمّكَ إليّ ، كي أولدَ من جديد
وأنفضَ عنكَ خيبةً مخبوءة في البعيد
سأورثُكَ سطوة الصولجان ، ورماد الندم
فالذنب لم يُقتل بعد.
أهربُ منّي إليكَ ، لأنتشلَ
نفسي من محرقة القدر..........
الفارسُ يشدُّ اللجام ، الوقت سيف لايرحم .
انظرْ لغباري ، بعد أن ينجلي ، سترى الصرْح جالسٌ فوق عرش من حرير
،
وأنا فوق الصرح أكتب الخاتمة :
صوتُ الطير البعيد ..هل تسمعهُ ؟
فوق شجرٍ مخمليّ
رصيفٌ من عشبٍ أخضرَ ، يحرسني
أتابعُ الطريق ، وقد غامتْ أعلام البداية
ألا ترى هذا القنديلَ المشعّ
فوق رأسي ( كالحبّ البائس ) ؟
وأنا غارقٌ في قبضة الطوفان
أجمع الغلال كلّ يومٍ ، وقد نسيتُ لماذا .....
تقودني صرخةُ الضحيّة
لاأبالي بعد الآن بالجروح ، فالمنفى
كفنٌ للذاكرة..........
يغمضُ الطفل عينيه علّه يسمع الحقيقة في
عتمةِ الصمت.
المكان ينتظر دمًا جديدًا يُهدر .
عمّا قريب ستُعلن الإشارة :
الأوجه الباسمة حولي ، كندى الصبحِ الواعد
صيرورةٌ تمدّ لي أصابعها المخضبّة بالورد
لِم َ السّهوم في وجه السماء ..؟
سآتي إليكَ يومًا لأرثَ الشعاع ، وهتافات جُنْدي
ستهتكُ صمتَ الرحيل.
رمحي ينتظر إشارة البدء
فلاتحجبْ عنّي ضوء النهاية
عيناي تهيم في عتمة الاكتشاف
لم أتعلّم البكاء بعد
أو لذةَ الخديعة في المساء
أرباب القبيلة ينتظرون دمي الفتـيّ
فلا تتركني وحيدًا في العراء................................
يحمل الفارس سيفه المخضّب . مدادٌ يسيل فوق الأديم .
مَنْ سيصرخ بعد أن يُدفن الشهيد :
سألوّن إزاري بخيوطٍ من الذهب
وأرقص فوق ركام التباريح (يوقِظني الشيخُ المهيب للحظةٍ واهية)
ويُكمل الآخرُ المصلوب فيَّ قصّته الغامضة :
بضعُ نساء
رصيفٌ أبيضُ من العاج المصقول
قدمايَ فوق جثّتكَ
أهرولُ
نحو سدْرةِ الوصول
نوافذُ مغلقةٌ
وجوه تائهة تنتظر شيئًا .....ما
وصوتُ امرأة عاشقة تنتحبُ في مكان
مهجور
( ما أجمل صوتَ البكاء ! )
اهترأتْ كلّ المناديل ، فاعذريني
يجب أن أكمل المسير نحوَ
هوّة ..... ما
يمسح الشيخ عن شفتيه ملح الكلام . يشق خطوه الأخير نحو الصدى :
الشجرُ يحني جبينَه العاري
فوق هامته أشواق تطلّعٍ دفين
و في نسغِه رحيق كبرياءٍ قتيل.
أرى ولدي : كلوحةٍ جارحة
أنا الجالس الآن على حافة عصرٍ هالكٍ
أراهُ ..... يتقطّر في ولائم الخواء
مازال ظلّ الزنجيّ يلاحقنا
كخطيئة الخلقِ
ستكبرُ بعيدًا عنّي ، وترحلُ في المجرّةِ
كنيزكٍ جميل.
دمعي الآن يجفُّ فوق السطور
حان وقت المغيب
صمتُ البحرِ وحده يعلمُ
طريق المجد .... فالمنفى كفنٌ
للذاكرة
شيكاغو – خريف
٢٠٠٤
----------
* هذه القصيدة جزء من مجموعة شعرية ستصدر قريبًا في دمشق للشاعر
بعنوان " مدينة سجينة"
**شاعر سوري مقيم في الولايات المتحدة
----------
۱- الميل المهيب هو القسم الشمالي من شارع ميشيجان الذي يخترق وسط
مدينة شيكاغو ويحتوي على أرقى المحال التجارية والفنادق الفاخرة في
المدينة.
۲- "السيرز تاور" ناطحة السحاب الأعلى في شيكاغو وفي الولايات
المتحدة وكانت تُعتبر لفترة قريبة الأعلى في العالم، تطل على القسم
الغربي من المدينة.
|