|
الشعر
:
صرخة أختي سوسن
منصور راجح
أعترف بادئ ذي بدء بأن علاقتي بالشعر ما تزال مبهمة ، وسوف تستمر
كذلك . العلاقة بالشعر بالنسبة لي هي هذا الإبهام اللذيذ وذلك
الغموض الداعي إلي ارتياد القصيدة قسراً ، " الشاعر هو البطل
التراجيدي الحقيقي في كل العصور " .
الشعر بالنسبة لي هو القصيدة التي لم اكتبها بعد والعلاقة بالشعر
هي هذا الإلحاح المستمر ، تلك الحاجة الملحة لكتابة هذه القصيدة ،
" ما أنجز دائماً اقل من - أو ليس هو- المطلوب " ، والشعر بالنسبة
لي هو هذا الإحساس بالتضاؤل أمام الحياة مع كل قصيدة اكتبها ، مع
كل قصيدة اكتبها أحس بأنني " ولا حاجة " أمام جبروت وعظمة الحياة
وبأنني محتاج إلي مزيد من الشعر لكي اصبح " أنا " في هذه الحياة .
لكنه الشعر الغير طيع ، والحياة الجبارة ، وإلحاح السؤال الدائم عن
" علاقتك بالشعر " .
الجواب عن سؤال الشعر لا يمكن أن يكون إلا منطقياً ، والشعر غير
منطقي ، فمن أين ابدأ ؟
البداية دائماً من ومع الحياة ،
الحياة أولاً ؛
*
ولدت وعشت طفولتي الأولى في قرية هميريم محافظة تعز في اليمن ؛ تقع
القرية في حلق وادي تحيط بها جبال شاهقة ، ولذلك فثمة صدى للصوت ،
ثمة ما كان وما يزال يتردد في أجواء هذه القرية ، صوت أو صدى يداعب
أوتار الروح دائماً .
تمتلئ – أو كانت – أزقة القرية بالحيوانات الأليفة ، مداخل هذه
القرية ، هذه القرية بالذات ، و الجبال التي تحيط بها مفعمة
بالأشجار والنباتات البرية ، حيث ما وليت وجهك ثمة حياة من نوع ما
، مقبرة القرية تحتل مدخلها الرئيسي ، لا ادري حتى ألان لماذا .
ولدت لأسرة فلاحية ، ثمة حقل وبيادر ، ثمة فلاحون لا يستطيعون
العمل بدون أغاني ، يسمونها مهاجل في قريتي " ما يردده الفلاحون
اثنا عملهم " ؛ ثمة تعاقب للفصول ، لكل فصل حضورا خاصاً قويا
ومتميزاً داخل البيت وعلى الوجوه ، للفصول وتعاقبها تأثير كبير على
طباع الناس وعلى ما يصدر عنهم ، والطفل يلاحظ التعاقب ويلاحظ
تقاسيم الوجوه ويسمع الإيقاع وموسيقى الحياة ؛
أسرة فلاحية يعني : سمر ، قهوة وحكايات أيضا ؛ كنا أطفال وكنا "
أشقياء " ولذلك فما كان ممكناً النوم بدون حكايات وتخويف إذا لزم
الأمر ، هنا يشكل الليل بطل هذه الحكايات والمادة الأكثر تأثيراً
وإثارة للشجون والمخاوف التي تستدعي أغاني الاماسي الحزينة تلك ؛
كم يبدو ليل القرية من هنا – على مستوى الزمان – مدلهماً ، صامتاً
ومخيف ، كم يبدو جالباً للشعر ؛ حيث المجهول بسطوته يتبدى الشعر
إمكانية ما للزوغان .
أسرة فلاحية يعني علاقة خاصة بالمطر ، ليست علاقة بالحياة ، فقط ،
ولكنها – بالنسبة لي – علاقة بذلك الاكفهرار الذي يسبق المطر لكأني
به – ذلك الاكفهرار – طلق جماع السماء الأرض ، علاقة بالرعد القوي
تردده الجبال ، علاقة بالبرق ، المطر ، هو ذا السيل يتدفق وثمة
أصوات من هنا وهناك ترددها الجبال تطالب بأخذ الحيطة ، فالسيل قادم
: ماء يتدفق من أعالي الجبال بقوة وجبروت الحياة يجرف كل ما في
طريقه ؛
القرية هي ذلك الإبهام العظيم ، والشعر صنو الماء ؛
من وقت مبكر وفي هذه القرية بالتحديد نما في داخلي الحنين ؛ طعام
الحقل لا يكفي ، ثمة هجرة ، سفر الوالد والعم والأخ الأكبر ، ومعظم
رجال القرية ، بتؤدة يمتصهم الأفق إلي حيث لا اعد أراهم بالعين
المجردة ، أحاول أن أتخيلهم هناك ، في الخارج ، المدينة ، ثمة شوق
" إلي المجهول " ، الشعر هو شعور ثمة علاقة من نوع ما تنبني مع
المجهول في سياق القصيدة ، والقصيدة دائماً غير مكتملة ؛
وما هي ألا سنوات وأسافر ويصبح الحنين : حنيناً للعودة ، حنيناً
العودة إلي القرية سيملؤني إلي هذه اللحظة . القرية هي حضن ألام
ورائحة المطر ؛ حنين العودة جرثومة الشعر
*
في المدينة محددات كثيرة ساهمت في نمو حركة الشعر في داخلي : العمل
من وقت مبكر ، والخبز لا يكفي ؛ وما هي إلا سنوات فالحزب ، ثمة
حاجة إلي التغير والغوص في دهاليز المجتمع ، السياسة ، القيود ؛
ثمة إحساس بالحاجة إلي الحرية كبير ، الحرية هي ممارسة الشعر .
في هذه المرحلة وكنت أعيش في دكان يضمني مع كل من أبى وعمي وأخي
الأكبر . طن طريق أبى تعرفت على السياسة أول ما تعرفت ، كان دائم
الحديث عن السياسة وقراءة صحف الستينات ، وعن طريقه أيضا تعرفت
على أو دخلت إلي الصوفية من أوسع أبوابها ، لقد نسخت بيدي وكنت
ما أزال في الثانية عشر من عمري أهم كتب شيخ الصوفية في اليمن "
الشيخ احمد ابن علوان " ، وفيها الكثير من الأشعار التي كان يقرأها
شيخ أبى في المذهب " الجرادي " بطريقة آسرة جداً ، وكان لأبي في
هذه المرحة وما قبلها صديق شاعر يتردد عليه دائماً يقرأ أشعاره
مصحوبة – هذه القراءة – بقيامه بالضغط على أضراسه بقوة وبطريقة
يصدر عنها صوتاً يبدو لي الآن كما لو انه جزء لا يتجزأ من شعره ؛
في هذه المرحة أيضا انتشرت "الزوايا " هناك في المدينة التي كنت
أعيش اعمل وادرس فيها " القاعدة " بشكل عجيب ، كنت أتردد على
بعضها ، كان يذكر فيها اسم الله بأساليب رهيبة ، حفرت في داخلي اسم
الله إلي الأبد . وعن طريق عمي تعرفت على الكاريكاتير ، لقد كان
مولعاً جداً بكتب الأطفال برسوماتها الكاريكاتيرية ، ومتابعاً بشغف
لرسوم الكاريكاتير في الصحف المصرية التي يجلبها أبى معه من مدينة
تعز كل أسبوع " ستينيات القرن الماضي " ، وكان لنا جار يدعى " علي
أمين " مدمن قراءة ألف ليلة وليلة وكتب عنترة والزير والمقدد ..
الخ بما تحتويه من أشعار يجري قراءتها عادة موقعة مع هز الرأس ..
الخ كنت صغيراً وكثيراً ما كنت امنع من الخروج من الدكان فقرأت
كثيراً . كان أخي الأكبر نموذجاً للتمرد من وقت مبكر ، كان أول من
يغادر دكان الأب " هارباً " إلي حيث يستقل بنفسه في المدينة
الكبيرة ، وكان علي أن أغطي هروبه لأتصدى في وقت لاحق لغضب الأب ،
لقد زرع أخي الأكبر في داخلي وحشة التمرد حتى هذه اللحظة .
في هذه المدينة أيضا انخرطت في حلقات الحزب ولما ابلغ الثانية عشر
، وكان العمل – وما يزال – سرياً ، السرية عنت التفكير وسرعة
البديهية والتصرف وكنت وحيداً بعد أن قفل أبى عائداً إلي القرية
والكبار غادروا إلي المدينة الكبيرة هناك ليشكل هنا الحزب عالمي
الحميم ، الغامض والسري بكتبه الممنوعة ، الاجتماعات السرية
والبحث المضني عن أماكن لهذه الاجتماعات والتمويه عليها ، خوف
التجميد ووحشة المجمد ، والأدب الروسي ، وما هي إلا لحظات ويقتحمني
الشعر العربي من أوسع أبوابه متدفقاً من بيروت حاملاً حكايات
أصحابه ومعاناتهم ومعاركهم ..الخ .
وكان أن انتقلت إلي المدينة الكبيرة حزيباً يقارع السلطة في عقر
دارها هذه المرة ، السلطة خوف واحتيال على الخوف بالسرية والقراءة
والمنشور والتنظيم ... والكتابة ، في هذه المدينة قرأت اسمي
منشوراً لأول مرة على صفحة جريدة ، وفيها تابعت النشاط الأدبي عبر
الندوات التي كان يقيمها اتحاد الأدباء في نادي الوحدة وفي كثير من
الأماكن ، فيها انصقلت تماماً من خلال النشاط الطلابي النقابي
والسياسي والأدبي على كل المستويات ، وفيها أيضا – صنعاء – تفجر
ينبوع الكتابة ، الكتابة تجاوز للخوف ولمشاعر الاحساس بالتضاؤل
والشعر اقتحام .
وسرعان ما تصبح المدينة الكبيرة ، العاصمة اصغر من الأفق ، ثمة حلب
، والجامعة ووليد زينو " صداقة " ، ثمة بيروت والمعترك السياسي
والفكري العظيم والحب . في بيروت أصبحت عاشقاً ، كم أراني اليوم
محظوظاً لأنني أصبحت عاشقاً بالتحديد في بيروت ، هنا قابلت أول مرة
المرأة التي ستصبح حبيبتي وزوجتي " أفراح " ، في مجرى علاقتي بها
سيتدفق الشعر ، وكأن لا حب بدون بيروت ، لا شعر بدون حب .
*
على مشارف الخامسة والعشرون وكنت قد عدت إلي اليمن على اثر حصار
بيروت عن طريق دمشق ، كنت على موعد مع الزفاف ومع السجن – خمسة عشر
سنة قيد الزيادة على شكل المنفى – وحكماً بالإعدام علي أن انتظر
لحظة تنفيذه إلي أن يتم تنفيذه أو يتوفاني الله .
هكذا وفي لحظة وجدة نفسي وجهاً لوجه مع قوى " العمى الأزلي "
وأياديها الصلدة تتخطفني من حضن عروسي التي لم يمضي على زواجي منها
اكثر من يومين ، حضن أمي التي لم أراها سعيدة منذ أن فتحت عيني على
الدنيا بمثل ما رأيتها خلال تلك اليومين قبل أن يجيئوا .
ثمة طرق خفيف على الباب ، أهب واقفاً لأفتحه على عيني أبى
المفجوعتان يبلغاني انهم يطوقون البيت ؛ لقد جاءوا إذا ...... قتلة
عبد السلام الدميني ؛ ستة اشهر من التعذيب قالوا بعدها : لتذهب ...
، وكانت عيونهم تقول غير ذلك ، لن تذهب بعيد ؛ بضعة أيام قبل أن
يعودوا ثانية ليأخذوني هذه المرة من نفسي إلي الأبد ؛ قتلوا الشيخ
وأطلقوا على حياتي جثته ؛ والسيارة تتهادى بنا بعيداً عن القرية
كان صوت سوسن " أختي " صارخة لحظة أخذوني من البيت ، يملئ الأفق
والزمان ، من تلكم اللحظة وهو يخترقني ، هو ذا وما يزال .... "
يهدمني ويبعثر معناي " ؛
الشعر هو محاولاتي اليومية لأن ألم نفسي بعيداً عن تلكم الصرخة ،
لا ادري ، أي شعر يمكن أن يجد لنفسه معنى بدون ذلكم العويل ؟ .
*
وكأني لم اقل شيئاً
*
هو الشعر :
ابتسامة
على شفتين من نار اشتعالي
وعيون حبلى بالصهيل
بالشرق الذي يكسر وجه المستحيل
فاتحة الرحيل في الذي لم يأتي بعد
وانفجاري .
|