مقدمة
أوجين شولجن
في
فضاء المدينة الجبلية تعز في بلاد الجبال - اليمن . تحلق العقبان
فاردة أجنحتها بين احمر الأفق والكتل الصخرية . خارج المدينة يقع
السجن ، تحيط به ارض جرداء ، فوق السجن لا ترفرف العقبان . هنا
قابلة منصور راجح أول مرة .
لقد
حافظ منصور على البقاء خمسة عشر عاماً حياً في هذا الجحيم –
مكافحاً العقبات العالية . في ذلك اليوم من عام 1997 عندما جئناه
كان فقط أربعين كيلو جرام . ما تبقى منه ! . كنا وفداً من ال" بن "
واتحاد الكتاب النرويجيين ، قدمنا من الدانمارك ، أيسلندا ، المغرب
، النرويج ، فلسطين ، السويد والأردن . اثنان من أعضاء الوفد ،
كريستي بلوم وكاري فوكت ، كانت تلك هي سفرتهن الرابعة .
قابلنا منصور بابتسامة متسائلة حذرة : أين أفراح ؟... تلاشت
الابتسامة ، أفراح لم تكن معنا ؛ أفراح هي زوجة منصور التي كافحت
بدون كلل من اجل إطلاق سراحه حراً كل هذه السنوات ، حافظت على
حنينه إلي الحياة ، شاعريته وشاعرها ذو الأربعين كيلو ، حياً.
جلسنا
حوله على الأرض وأكلنا البطاطا المشوية من مطبخ السجن . الجميع أكد
له بأننا سنخرجه من السجن ، شرحنا له زياراتنا إلي المتنفذين وذوي
السلطة في العاصمة صنعاء ، وقلنا له بان الضغط العالمي سيزداد
وقريباً سيحلون قبضتهم منه .
هل كنا نؤمن بذلك ؟ .. كنا نريد أن نؤمن بذلك ؛ هل آمن منصور بذلك
؟ ... مسح بهدوء جبينه بأطراف أصابعه ، ابتسم ثانيةً ، جال ببصره
من أحدنا إلي الآخر ثم قال : " اعملوا ما تستطيعون " ، " اعرف
خطورة ذلك فقد يقررون قتلي إذا ما أزعجهم الضغط ، لكن هذا افضل ،
الموت افضل من البقاء هاهنا ، الحرية أو الموت . "
سيأخذ
الأمر عاماً آخر ؛ عاماً آخر من الأخذ والرد في أروقة وزارات
الخارجية وبركسل ؛ احتاجت اليمن إلي قرض من الاتحاد الأوربي ، قلنا
: قرض مقابل شاعر ... شعارنا . وكان علينا أن نمارس ضغوط إضافية
واتصالات لانهائية برجالنا في اليمن ، وكانت كريستي وكاري تعملان
بلا كلل ونحن ندعمهما .. وفي يوم هبط منصور وأفراح في ستافانجر ،
منصور اصبح حر !
يآه
... منصور اصبح خارج السجن في تعز ، اخذ معه أفراحه وشعره ، لكن
البلد التي احب تعين عليه أن يغادرها ؛ تعين عليه أن يستبدل جحيما
مادياً بآخر نفسي ؛ حالاً سيكون عليه أن يعرف معنى أن يكون المرء
منفياُ .
في
مجموعته الأولى بالنرويجية جمع منصور راجح الكثير مما كتبه في
السجن . شعراً ملتهباًً ، شعراً راجياً ، شعراً تعبدياً . كلمات
للسجانين والجلادين ، كلمات لليمن ، وليس قليلا من الكلمات لأفراح
؛ المفارقة حسب اعتقادي أن معظم أشعار منصور في السجن في معناها
الحقيقي شعر حب للمرأة التي ملأته كما لو أن لا ألم ولا خوف يثبط
، حبه اصبح دفاعه ، وطاقة حفظ الذات من الهلاك . " يا قاتلي قف /
عيني تأمل " يقول في قصيدة هوية . " تأمل في ذاكرة العيون ... " :
انه محكوم بالإعدام ويخاطب جلاده ، منفذ حكم الإعدام ؛ أي شاعر
آخر في النرويج اليوم دفع ثمناً كهذا من اجل شاعريته ؟ .. هنا تحفل
كل كلمة بالاعتراف : أليس كذلك !
والآن
يعود منصور ، الآن يستبدل الأشعار الحارقة بالأشعار المتوقدة ،
بالجمرات تحت الرماد التي تعطي طعماً في الفم ، طعم الشوق ، طعم
الحنين . منصور راجح يكتب عن حياته ، كضيف في النرويج ، أو بالأحرى
: كضيف في بلد ثان . نظرته ليست نظرتنا ، " أرى مالا يراه الناس "
يقول في قصيدة رؤيا . " أنا من يعطي المكان هويته / أنا للمكان
بعده الرابع " . هنا شعر ثقيل ، يهبط كأحجار ساخنة خلال الجليد ،
وجرح وإدراك بأنه لا إرادة للتكيف بقادرة على أن تطفئ الحنين إلي
الوطن...هناك حيث ترفرف العقبان بين الجبال كما لو أنها لا تحلق في
أي مكان آخر . لكن هناك أيضا شعر يتضمن الكلمة " مع ذلك " ؛ فرغم
كل شيء يسمع تغريد البلابل ، يسمع النهر ويرى مجرى الشمس ويفرح ،
لكن يقول " العالم اجمل من ما نتصور – اجمل من ما نحب أن يكون /
وأشهى / أشهى من ما نحتمل .
منصور
راجح يضع بشعره العالم الكبير في الصغير ، في تجربته . ثمة أفراح ،
لكن ليس أفراح الحنين ، إنها حاضرة كل ساعة من اليوم . هناك ابنه
محمد المولود في ستافانجر . الحياة الجديدة بوعي مضاعف . الشاعر
يرى كل ما حوله ، أصدقائه الجدد ، المساندة التي يتلقاها ، الحرية
التي ترافقه حيثما يحل – إلا هناك حيث يفضل أو يريد : العودة إلي
يمنه ؛ الحنين الذي يتكدس في هذه القصائد ، يخلق من جديد في
أبجدية جديدة ، في إيقاع جديد ، لكن هنا أيضا الذكريات عن زمن حمل
في يديه القيود.. أو ذكريات زمن تطلع فيه إلي مدينة عدن ، " جميلة
كحلم الطيبين " .
هذه القصائد تخلق من جديد بتعاون مدهش بين شاعرين في حالة إدراك
بالحدس وحساسية الصوت تعطي نتيجة نادرة . تور اوبريستاد يضع كل
حكمته وتركيزه في العمل من اجل اكتشاف طرق التعبير الصحيحة
بالنرويجية الجديدة ، النغمات ، وما تحت المعاني في لغة هو من حيث
المبدأ لا يجيدها ؛ قدرة منصور على التوضيح تكشف سر امتداده بهكذا
اتساع بعيداً عن علوم لغته .
مع
منصور راجح حصلنا على صوت شعري متفرد جداً بين ( النغمات النرويجية
المتنافرة ) . صوت يستطيع أن يترجم ما يعتمل في نفوس الكثير من
أبناء وطننا الجدد ، انه صوت يتحدث إلينا عما يجب علينا جميعاً أن
نعرفه – ونحاول أن نفهمه . مثل كل الشعر الصادق يقول شعره لنا ما
نعرفه في أعماقنا ولكن ما يجب أن نجدد معرفته المرة بعد الأخرى .
قال الكاتب جون بيرجر : قيمة الإنسان يجب أن تكون إرادة لتقاسم
الألم ، إننا بعيدون جداً عن الألم الذي يسمح لنا أن نتقاسمه ،
ولكن إرادة تقاسم الألم تسمح لنا أن نتقاسمها .
--------
اوجين شولجن : روائي سويدي ، رئيس لجنة السجن في منظمة " بن "
|