في هذا العدد

 

تحية طيبة

 

مؤسسة جذور الثقافية

 
شعر

  - حديث القمر
     بديعه كشغري

  - لغة أخرى بيننا

    فواز قادري

  - الازدواجية

    مفيد البلداوي

  - غربة ووطن

    ناديا حزبون رايمر

  - حذاؤه معلق وراء الباب

    جانسيت علي

  - كواليس

    مرح البقاعي

  - ذاكرة الماء والطين

    محمد جابر النبهان

  - حكايات المدينة الأخيرة

    فادي سعد

 

قصة

  - حدث بقرية اسمها طروتسبارغ

     كمال العيّادي

  - الحرب ليست دائما ملعونة

     محمد نبيل

  

مقالات ودراسات

  - دهشة الشعر وقيمه البصرية
     
علي رشيد

  - القصيدة وسلطة اللغة الحاكمة

    جاكلين سلام

  - المتنبي والابن والأم

    د. عدنان الظاهر

  

أدب عالمي مترجم

  - قتل الأرانب
     ترجمة: فاطمة ناعوت

  - حيث يوجد باب

    ترجمة: جاكلين سلام

 

ملف 1

  - الشعر والحرية

     لطفي حداد / منصور الراجح

  

ملف 2

  - الكتابات المسيحية غير القانونية

     لطفي حداد

  

تراث مهجري

  - أمين الريحاني

     إعداد: فادي سعد

  

الأدب العربي الأميركي المعاصر 

 - سام حامض

    ترجمة وتحقيق: لطفي حداد

 

السنة الأولى - العدد  التاسع  ،  أيلول / سبتمبر 2005   

 First year . Issue No: 09 - September  2005 
 

المتنبي والإبن والأُم

( يا عزيزَ الروح )

د. عدنان الظاهر*

 

صباح الخير يا نبيَّ المتنبئين. صباحك بألف خير ونور، خيراً ؟ أحببت السلام عليك ليس إلاّ. فلقد أزعجتني خيالات وأحلام زيارتنا الأخيرة لسجن أبي غريب ثم الحلة والنجف. قال ما زلتُ مثلك منزعجاً ومُتعَباً ولم تزلْ رائحة شواء جسدك في غابات اللطيفية تملأ خياشيمي فتجعل نومي صعباً. اتركني بالله عليك لفترة يومين أو ثلاثة أيام ريثما أستعيد بعض عافيتي ولعلي أنسى أحداث اختطافنا هناك وقتلك أمامي ثمَّ تعذيبي حتى الموت لأنني رفضت أن أتناول لحم جسدك المشوي بخشب أشجار غابات اللطيفية طعاماً. اتركني يا ابنَ أمي، اتركني لهمّي حتى أفيق من الصدمة. وما سأصنع بوقتي وحياتي من دونك أو بعدك ؟ قال الرجل بصوت مُتَعب : افعل بنفسك وبزمانك ما شئتَ. صحيح إنما نحن أصدقاء وأقرباء لكنّا ما كنا يوماً توأمين سياميين. أنت ومصيرك وأنا ومصيري. فإذا ما متُ حتفَ أنفي أو متُ قتيلاً فهل ستُحييني أو تردُ الموت عني ؟ أنا ـ كما تتذكر ـ متُ من أجلك. تحمّلت التعذيب الوحشي ولم أذق لحمك مشوياً طعاماً قدّمه القتلة لي وقد عرفوا شدة جوع أحشائي في ذلكم الموقف الصعب الذي تعرف. قلت له بحياء وتواضع شديدين : يا أبا الطيب، طيّب الله ثراك، قتلوني قبلك، فلو كانوا قد قتلوك قبلي وقدموا جسدك المشوي طعاماً لي لما إختلف موقفي عن موقفك السامي. من يجرؤ أن يأكل جسد المتنبي مشوياً على صِلاء القتلة، مَن ؟؟ دافعتَ عني قتيلاً لكني كنتُ وما زلتُ أدافع عنك وأُنافح حياً وميتاً. قال أتركني رجاءً فلقد أتعبني وأمضّني هذا الحديث. أتركني لبضعة أيام عسى أن تأتيني معجزة النسيان ولكن هيهات !! فذاكرتي أقوى من الحديد وأعتى من القدر. إنها تحتفظ بالمعلومات والذكريات والمُذكِّرات كأفضل جهاز كومبيوتر عصري.

 

ودّعت صاحبي على أن يتصل بي لنستأنف حواراتنا وجولاتنا في بعض الأقطار والمداين، ونستعرض التأريخ ونقصُّ للناس ما له وما عليه وما شاهدنا بتجرد وأمانة وموضوعية.

لم أستطعْ على فراق أبي الطيّب المتنبي صبراً. قلت سأتصل به مهما كانت النتائج. سوف لن ينتهرني وسوف لن يقفل الخط بوجهي. ربما سيعاتبني عتاباً رقيقاً هيّناً أتقبّله منه كما يتقبله أي إنسان سواي. أرسلت له رسالة بالبريد الألكتروني فلم يأتني منه جواب. كررتُ الرسالة فجاءني كلامٌ ملغوز بالشفرة. لم تستطعْ أجهزتي فك هذه الرموز وترجمتها إلى الحروف العربية. أرسلت له رسالة أخرى شارحاً له فيها ما أنا فيه من صعوبات مع ما كتب ورجوته أن يعيد كتابتها بأية لغة يشاء… ألمانية أو روسية أو إنجليزية [ إلاّ لغة أهل كوكب مارس، فإني لا أفقه منها شيئاً ]. أجهزتي تقرأ حروف هذه اللغات ولا تقرأ العربية لسبب أجهله ولا يجهله خبراء الألكترونيات. لعله تدخّل [ تخريبي ] كذاك الذي حصل معي ذات مرّة إذ دسَّ لي بعض المخربين والمعتوهين وذوي الضمائر الميتة… دسوا في أجهزتي أنواعاً غريبةً من الفايروس وصاروا يوجهون لبعض الأصدقاء رسائل بإسمي وعنواني يدسون فيها أمراضهم وسمومهم وفايروساتهم الخبيثة التي هي صورة طبق الأصل من ذواتهم وطبعهم وأرساسهم حتى أنقذني أحد الأصدقاء منهم ومما حملوا لي من أوبئة بأساليب ألكترونية عصرية.

 

أخيراً أجاب المتنبي فكتب لي بضعة أسطرٍ بلغة أفهمها قال لي فيها ما معناه : ألا تُطيق صبراً أيها الرجلُ ؟ طلبتُ منك أن تمهلني بضعة أيام حسبُ، فعلامك تتعجل أمورك ولا تتحمل الفُرقة المؤقتة الهيِّنة ؟؟ كيف تحمّلتَ إذنْ فراقَ سبعة وعشرين عاماً عن بلدك وأهلك وذويك ؟ كيف تحمّلت وطأة الغُربة والتشرّد والضياع ثم اللجوء  وما كنتَ وحيداً، بل كانت بمعيتك عائلة وأطفال قاصرون. ذكّرني هذا الكلام بمحنة أطفالي وأنساني محنتي الشخصية مع الزمن ومع بعض أنظمة الحُكم ومع بعض المحسوبين على الأقرباء من المرضى بأدواء الشيزوفرينيا والبارانويا. طفقتُ أستعرض فصول هذه المحنة فصلاً فصلا. لم أُمتَحَن في طفولتي بمثل البلاء الذي أُمتَحَن به أطفالي. لم يتشردْ والداي ولا أحدٌ من أشقّائي قبلي. جعلني هذا الموضوع أُكثر من ترديد مقطعِ أغنيةٍ عراقية قديمة يقول المغني فيه مخاطباً ولده الصغير [[ من ممشى الدروب… مدللْ وأخاف عليك…]]. ومن هذا المقطع أُعَرِّج على شعر أبي عُدي السيد ( صاحب عبيد الحلي ) الذي أصبح أغنيةً شائعة غنّتها زهور حسين ثم المرحوم سعدي الحلي [[ يا عزيز الروح يا بعد عيني… شنهو ذنبي وياك ما تحاجيني ؟؟ ]]. ومنها أتسلل بحياء وإنكسار صاعداً إلى أُفُق سماء والدتي في عالمها الآخر فأخاطبها بأغاني العراق الشجية المُفعَمة بحرارة العاطفة والمُخضَلّة بدموع الأمهات من قبيل [[ ألوجنْ ألوجنْ  يُمّه يا يا يُمّهْ… ولَيْدي وأخاف عليك. من خزرة العين يُمّه يا يا يُمّهْ…جاهل وأخاف عليك ]]

نعمُ، أخاف على أطفالي وعلى أجهزتي من خزرات عيون الأعداء والقَتَلة والحاقدين والحاسدين والمرضى بالشيزوفرينيا وداء الشك والريبة والظنون الخبيثة ( البارانويا). قلتُ حين ألتقي بصديقي المتنبي معافى مشافى من أثر الصدمة سأسأله ـ وهو سيد العارفين ـ هل من علاقة بين ( خَزَرات العيون ) وبحر الخَزَر شمال إيران ؟؟ جاءني صوته جَهُورياً قوياً صافياً قائلاً : أَجَلْ، هناك علاقة متينة. فالخِرزةُ والخَزَرُ وخزرات العيون إنما هي فروع مشتقّة من أصل أو جذر لغوي واحد. تأمّلها جيداً. دققْ فيها نظرك. فكّر ملياً ستتضح أمامك الحقيقة. فالخِرزة كروية الشكل لمّاعة شفّافة كعين الإنسان. أما الخَزَر كشعب فكانت عيون أغلبهم زُرقاً كالخِرَز. لم يأخذوا إسمهم من إسم البحر الذي جاوروه ردحاً من الزمن كما يُشاعُ عنهم. لذا فبائع الخِرَز يُسمّى (( خرّازي )). أحسنتَ أبا الطيب فقد أنقذتني من بعض الإشكالات التي لولاك ما كنتُ لأجدَ لها حلاًّ. أحسنتَ. قال كنتُ في الحقيقة نائماً نوماً عميقاً حين تناهى إليَّ نداؤك الخفي ـ أو قلْ نجواك ـ فرأيتك حائراً لا يقِرُ لك قرارٌ، تُسائلُ نفسك ولا تجد الجواب الشافي. عزَّ عليَّ أن أراك بهذا الحال الملتَبِس وأنت الصديق الوفي ورفيق الشدائد والمِحَن. قلت لكنْ قد يعترض مُعتَرضٌ على شرحك وتفصيلك. قال قد يجوز. أنا لا أقول بالمطلق لكنْ أقول بالجواز. أعني قد أكونُ مخطئاً. فليجتهد الآخرون ولنتقارع بالحجج اللغوية والتأريخية معاً لا بواحد منها دون الآخر.

 

قال صاحبي : ها وقد أجبَرَتني محنتُك على ترك نومي فما الذي أعددتَ من نشاطات لهذا اليوم ؟ بلْ قلْ لهذه الأمسية يا أبا الطيب، فلقد زال النهارُ معظمُه وها أنا وأنت نواجه مساءً طويلاً. أشاح بوجهه كعادته عني في مثل هذه المواقف ثم شرع يُردد بعض شعره [[ أرى العراقَ طويلَ الليلِ مُذْ نُعيَتْ // فكيف ليلُ فتى الفتيانِ في حَلَبِ ]]. رأيته حزيناً متوتر العصب متجهم الصورة. سألته : ما بك يا صاحبي ؟ لماذا تغيّرتَ ؟ فكّرَ قليلاً ثم أجاب : أغانيك… نعم أغانيك الشجية التي كنتَ تنشدُ فأسمعها في ساعة نومي. الشعر الشعبي العراقي المُخصص للولد والأم. ذكّرني هذا الشعر وهذه الأغاني بوالدتي التي تركتني وفارقت الحياة طفلاً دون أن أبلغَ سن الفِطام. ذكّرتني بمقتل ولدي الوحيد (( مُحَسَّد )) معي في دير العاقول قرب النعمانية بين واسط وبغداد. إيه إيه… [[ من ممشى الدروب مدلل وأخاف عليك ]]… [[ يُمّه يا يُمّه يا يُمّه ]]. غرق المتنبي في تفكير سوداوي عميق. تركته لشأنه متسائلاً لِمَ لمْ يكتب رثاءً في والدته كما فعل مع جدته. أفاق. إلتقط تساؤلي فتعافى رويداً رويداً ثم قال : لم أكتب في والدتي رثاءً لأنني لم أَرَها ولم أعرفها، لذا لم أرتبط بها بأيما عاطفة إنسانية. كتبت راثياً جدتي لأنها هي التي تعهدتني بعد أمي وقامت بتربيتي فلم أعرف غيرها أُمّاً. أليست هذه هي سُنّة الطبيعة في الإنسان ؟ كيف تنمو مشاعرك مع إنسان لا تعرفه، لم تَرَه، لم تسمع صوته، لم يقدم لك خدمة ؟؟ كانت أمي لي مجردَ شبح أسمع به من الآخرين ولا أراه. يقولون لي أخذتُ ملامح وجهي منها وأخذت قامتي من أبي. يقولون… فما جدوى ما قالوا وما يقولون ؟ نشأتُ في الحياة دون والدة لكني كما تعلم ما كنتُ يتيماً. كانت معي جدتي وكان ورائي أبي الذي تعرف.

كان في رأسي سؤال خبيث حيّرني : هل أطرحه على صاحبي أم ألوذ بالصمت ؟

إلتقط المتنبي حيرتي وسؤالي فأجاب منبسطاً ومنشرحاً معاً قائلاً : كانت محنتي بمقتل ولدي الشاب تفوق كل المحن. نسيتُ وفاة جدتي لكن مقتل ولدي ترك فيَّ جروحاً لن يمحوها الزمن. فارقت جدتي الحياة شيخةً كبيرة السن، أما ولدي الوحيد وفِلذةُ كَبدي فقد قتلوه شاباً في مُقتَبل العمر. ولدك من صلبك ويحمل نصف دمك. أما الجدة فهي أبعد قليلاً ولو أنَّ فيك شيئاً منها ومن دمائها.

لديَّ ـ أبا الطيب ـ  سؤال أخير قبل أن نفترق. قال قلْ ولا تتهيبْ. هل في تأريخ العرب المسلمين وقائع تذكِّرك بحادث وتفاصيل مقتلك ومصرع ولدك وحاشيتك وسبي حريمك وعبيدك وجواريك ؟ قال على الفور أَجَلْ. في رأسي معركة الطف عام 61 للهجرة في كربلاء !!

غاب المتنبي عني دون أن نحدد موعداً للقاء. عسى أن يتصل بي هو بدل إلحاحي في الإتصال به عبر البريد الألكتروني المعتاد. إنه لا ريبَ يعرف عنواني.

 

------- 

* كاتب عراقي مقيم في ألمانيا

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group