|
دهشة الشعر وقيمه البصرية
علي رشيد*
لم أتقصد أن أدون ذاكرتي شعراً مقترناً بالشكل ، وكذلك لم أتقصد
أيضاً أن أستعير دهشة الشعركي أنسج به شكلاً يستعرض مراميه كقيمة
بصرية ، إنه السرد المتجهم لعالم مندغم بالهفوات ذلك الذي أجبرت
على ركوب محنه ، وضجيجه ، وموته الشاحب ، كشحوب الحروب المشبوهة
التي استندت على يفاعتي ، الحروب التي أضاءت مغامرة أن تقف ضد
الموت بشعر ترسمه كظلال الخيبات، وكشكل تكتبه بحروف الهجاء كي تثني
عليه طفولة وعفوية الصورة التي لا ترى سوى نسيانها هناك.
إنها الغواية التي انجذبت لسهوها، وأنا أرتق ألفة الأمكنة التي
ازدحمت بأجسادنا. أجسادنا المتخمرة بهاجس الأسئلة، ودلالة سطوتها .
إنها الحرب، لعنة مشبوهة أقصيت لجهاتها، كيف لي أن أدون قيظها
المضمخ بالدم والعويل، وأنا المسكون بهاجس الشعر وكينونة الأشكال.
كيف لي أن أروض قساوة اليوم ، وأراوغ مفرداته المحشوة بين الساتر
وكيانه الملتبس الوجود ، كيف لي أن أراوغ جحيم الممنوعات ، وأنا
المشبع خلسة بغرائز الشعر ، وتعبيرية الأشكال وقيامة ألوانها .
أنا الشاعر هنا ... أنا الرسام ... وأنا الحواس الممنوعة من أن تنط
خارج كبتها المنسوج على هيئة موت ، أنا الرائي هنا ، وحكواتي
البلاد التي تنزع عفتها كل يوم تمجيدا لهزائم أخرى تعمد بالقرابين.
أنا المنفي إلى الموت ، عليّ أن أهندس رجوعي ، كي لا أهزم مفردتي
، وهاجس اليد وهي تروم إلى بياض كي تصوغ دهشتها أشكالا ملونة
بالحلم ، أو خرائب يقظة تشكل بلاغة الشهقة في وجوه مفزوعة من رداءة
الاحتضار .
حسنا لأبدأ بالشعر ، أكتب به فرادة هذا الموت ، وخطيئة البلاد ،
وشحوبها ، لكن الشعر مفردة وقراءة واضحة ودليل إدانة في زمن يموت
به الناس بتهمة الحلم ، فكيف بنصوص تبيح دلالاتها وغضبها الجارح
ضد حرب يتفاخر بها الطاغية ، وهو يقهقه بتأتأة المنتصر ، حيث تخفي
الحاشية صور الهزائم ، كي تنثر حكمة القائد ، سوادا يحيط البلاد
وأعلاما بدكنة الخراب وعتامة الوجوه الممرغة بالحزن . لأكتب نصي ،
رهاني الرافض ، ولأدون هذا البقاء الذي يزيف الآخرون أرشفته بما
يتح لهم حظوة لدى راعي الموت ومهندس الخراب .
عليّ الكتابة ولكن عليّ أن أتحايل أيضا ، أن أصوغ تعاويذي، أن أؤسس
كينونة مضادة للكتابة، لأكتب من اليسار إلى اليمين، كي أكسر شبق
النص إلى البوح، وأفضي بجلدي إلى الخلاص من مسالخهم، ولكن ربما
يتمكنون من قراءة النص بمرايا عاكسة مستدرجين الكلمات إلى
كينونتها، كي تبوح بصراخي وفزعي وحزني وإدانتي لكل هذا الكم من
الخراب ، إذن عليّ أن أشكل النص بصريًا كي أموه المعنى ، عليّ أن
أرسم الوجوه المنكوبة والأيادي المكبلة والأجساد المنثورة على
خارطة الوطن بين فضاء النص المكتوب بمساره المعاكس**،
عليّ أن أرسم بالنص وأكتب بالرسم. منذ العام الأول للحرب الأولى
1980 وأنا أشير إلى الكتابة كمنظور بصري، وإلى الرسم كمساحة لدهشة
الحرف وقدرته على أن يؤشر إلى منعطفات الرؤى وصياغة ملامح بصرية،
لم تكن العلاقة بين الشعر والتشكيل مزار نزهة أو إيحاء فلسفة
مترفة، وأوهام حداثة، بل كانت هذه العلاقة سجالاً بين الموت
والبقاء، رهاناً لمعايير تدون الذاكرة، ومنافذ للخروج من الحرب،
محمل بما يحصي أنها الحرب .
--------
* شاعر وفنان عراقي مقيم في هولندا
-------
* صدرت هذه الرسوم المنفذة بتدويرات الخط والحرف ، كتدوين يومي
وبيان احتجاج على الحروب والتي نفذت بين عام 1980 - 1988 على شكل
كتاب يدوي ، عن دار مخطوطات بعنوان ( أضحية رمزية لمعارك الله ) .
|