|
«۱۱
سبتمبر الثاني »
يوميات العار
((
السياسة هي : فنُّ المتاجرة بالعار..))
نزيه أبو عفش*
"
أُنجزَ
"
اغتيالُ الحريري.. ولا أحد يريد أن يقرأ الرسالة.
"
أنُجزَت
"
صياغةُ الزلزال.. ولا
أحد يريد أن يقرأ الرسالة.
لبنانيو الاستقلال الثاني يصرخون: برّا يا سوريا برّا...
وسوريّو البلاغة الوطنية يقولون: «جئنا حماةً ومُنْجدين..»/ولا
أحد يريد أن
يقرأ
الرسالة.
الشظايا أصابت الجميع، وهستيريا «القوقعة» تفتك بعقول الجميع،
وخندق
الحماية أوشك يتحول إلى مقبرة للجميع../ولا أحد يريد أن يقرأ
الرسالة.
هنيئاً..
وهنيئاً.
**
I
الخـاتمة
بعد شهر من الزلزال:
نعم، نحن أيضاً كنا نتمنى أن نسمع كلمة
))
شكراً
((
من أفواه جيراننا اللبنانيين،
لكنْ: على ماذا؟ ولقاءَ ماذا؟...
ونحن أيضاً
كنا نتمنى أن نودَّع بالورود والأغاني بدل أن نخرج، أمام عدسات
الكون الشامت،
مرجومين بصيحات الكراهية. لكن: لماذا؟.. وعلى ماذا؟!...
طوال عقود ثلاثة ونحن
نتحاشى قراءة الحقيقة وإعراب الوقائع. بذلنا كل ما أمكن (من الدم
والبلاغة) لنخطب
ودّ
))
الزعماء((
..
فحظينا بكراهية الشعب!.. أهذا كل ما استطعنا
فعله؟.. هذا كل ما فعلناه.
وها نحن الآن على أبواب المحنة. ها نحن، مرةً أخرى
وأخرى، واقعون في كمين المتاهة. كأنما - في كل مناسبة ومحنة -
يتوجب علينا، نحن
الشعب المغلوب، أن ندفع ثمن أخطاء أنظمتنا ونسدّد فواتير الخيبات
والألم وحمّى
الصبر. ثم: عودة إلى نقطة الصفر.. بانتظار المحنة التالية.
علينا أن نسأل الآن
(بالأحرى:
نكرر ما سبق أن سألناه): ما الذي فعلناه - نحن أهل هذا البيت
المثخن
-
لنستحق كل هذه المهانة؟!.. ما الذي فعلناه؟.. ما الذي لم
نفعله؟!...
وإذ يقال الآن
-
في ما يخص لبنان تحديداً - : فعلنا ما كان يجب أن....؛ يقول صوت
آخر: بل فعلنا ما
كان يجب ألاّ...؛ وأياً كانت نسبة الصواب في مزاعم «الواجب» أو
ادّعاءات
((الاقتراف))..
يمكننا أن نعترف الآن، اعتراف من يتألم ويدفع الضريبة: إن المسافة
بين
خيلاء المستنجَد به وانكسارِ من يُطرد غيرَ مشكورٍ على شهامته.. هي
بالضبط المسافة
بين الكرامة والمذلّة. هل ثمة من يتحمل المسؤولية ويدفع الثمن؟!.
فعلنا ما كان يجب
أن...../سيقولون.
ونقول: نحن لسنا بُدلاءَ عن الله لنقوم بحراسة مزارع الآخرين
وبيوت الآخرين وأوطان الآخرين وجنون الآخرين (تحت أي ذريعة.. حتى
ذريعة الأخوّة
والشهامة وسواها من مشتقات الإنشاء الوطني).
أبداً، نحن لسنا بُدلاء عن الله
(
الأَولى بالله أن يدير باله على رعيّته ويهتمّ بآل بيته). وهنا
أستعيد ما سبق أن
قلته في مناسبة أخرى: إذا كنا قد هزمنا في معركة الحرب وازدُرينا
في معركة السلام،
فلماذا نتوهم الآن أننا على أرض لبنان - الشقيق أو الشقي - قادرون
على كسب معركة
الحرب وغسل الأخطاء القاتلة لمعركة السلام؟!..
من هنا - من داخل هذا البيت الذي
يضيق ونُحبّ - يتوجب الإعداد للنصر (إذا كان ثمة نصرٌ موعودٌ ما).
وهنا - داخل هذا
البيت - يتوجب ترتيب المعادلة المشرّفة للفوز بنعمة السلام... إذا
كان ثمة من يرغب
في التصدّق علينا بهذه النعمة.
لقد كان دخول جيشنا إلى لبنان مثار جدل كبير في
أوساط الناس - مثقفين وساسةً ومواطنين عاديين؛ وإذا سلمنا الآن
بضرورة ذلك الدخول، أو التدخل، فما من أحد الآن - الآن: أقصد الأمس - يستطيع التسليم
بضرورة التشبث
والبقاء.
كان علينا، حفاظاً على كرامة الجيش والشعب معاً، أن نخرج منذ
ثلاث عشرة
سنة (بل وأكثر...) بدون أن ننتظر اللحظة التي يُرغم فيها كل مواطن
على دفع ضريبة
المهانة والإذلال. نستطيع أن نتفهّم ضراوةَ صراخ اللبنانيين في
ساحة تحريرهم ((برّا.. برّا...)). إنهم لا يقصدون جيشنا ورجال
استخباراته فحسب، بل يقصدون ((السوري
)) دونما
استثناء.
ما كان يجب أن نحميه تحوّل فجأة إلى محمية، والمحرِّرُ - في
نظر أهل
البيت - تحول إلى غازٍ. وهكذا توجّب أن نخرج صاغرين. نعم: لقد
خرجنا صاغرين، بعد أن
فوّتنا على أنفسنا فرصة الخروج اللائق.. تحفّ بنا مواكبُ الوفاء
والشكر. وإلا فبأي
صيغة أخرى يمكن إعراب ما حدث ويحدث: الجنود - أبناؤنا وإخوتنا
وأصدقاء قنوطنا
-
ينسحبون على ظهور شاحناتهم المريضة، والناس - تحت وطأة الإحساس
بالمذلة - تتشقق
قلوبهم وأدمغتهم أمام شاشات التلفزيون التي تقصفهم بالحقائق دونما
شفقة أو
تَفَهُّمٍ أو نأمةِ غفران.
رايات شامخة وقلوب منكسة: تلك كانت الصورة.. ونريد
تفسيراً.
نريد ما يضمّد الكرامة ويوقف نزيف الجرح. بل وأكثر: نريد من
أحدٍ ما أن
يتبنّى لقيط الخطيئة ويدفع الثمن، ثمن الإهانة أولاً، وأولاً
أيضاً: ثمن إخراج
الشعب اللبناني من بيت العائلة الكبير.. بيت الصداقة الذي يتصدع.
المهانة التي
قصفتنا بها الفضائيات الشامتة لم تسقط على رأس جيشنا فحسب (وهذا من
بعض مهامه
أحياناً..) بل على رؤوس الشعب كله.. تحديداً.
نعم، كنا نتمنّى أن نسمع كلمة
((شكراً))؛
لكنْ.. على ماذا؟
لقد تحاشينا «زعل» أمراء السياسة ومقاوليها.. فحظينا
بكراهية الشعب.
أعتقد (لست الوحيد) أنه لم يبق أحد في لبنان إلا وصبّ جام
كراهيته
على سوريا، وعلى شعبها أحياناً، حتى أولئك الذين قالوا - وفاءً أو
استحياءً أو
تسليماً -: «شكراً سوريا..».
- لكنْ، ثمة كثيرون (مئات الآلاف من شعب لبنان) قالوا
((شكراً
لسوريا)).. وقالوها من القلب.
- هؤلاء، بتصنيف علماء الأجناس اللبنانيين،
كانوا مجرد «أغنام». والأغنام لا يُعتدّ بأصواتها في حسابات
القضايا الكبرى.
فإذاً:
هل ثمة من يتحمل المسؤولية ويدفع الثمن؟
بلى، ربما الشعبُ مرة أخرى.
.. .. .. ..
أكرر:
نحن لسنا بُدلاءَ عن الله. بل.. ولسنا رسله ومُسَحاءه لنتلقى
الصفعة وندير
الخد. نحن بشر يتألمون ويغضبون ويوجعهم جرح الكرامة. إذاً، فلنسمعْ
ونتوجعْ
:
(( مواطنون
لبنانيون يحطمون تماثيل الزعيم السوري، إلخ....)).
لم يسبق لي، طوال حياتي،
أن عملت هارسوناً لدى النظام الحاكم في سوريا.. ولن يحصل ذلك في ما
بعد. لكنني، مثل
كثيرين من مواطني سوريا الذين تابعوا عملية الفتك على شاشات
الفضائيات، كنت أشعر أن
طعنات الفؤوس الحانقة لم تكن تصيب النحاس والحجر فحسب، بل ولحومَنا
أيضاً.. نحن
الذين نتفرّج على تهشيم ما يُفترض أنها رموز كرامتنا الوطنية
ذاتها.
تُرى - أمام
هذه المذبحة المعنوية - من الذي يستحق كراهيتنا أكثر: مرتزقة لبنان
المنافقون الذين
شيدوا التماثيل ليغنموا الجوائز والإكراميات، أم «منتَدبو» النظام
السوري الذين
باركوا هذه الأحابيل النفاقية.. غاضّين النظر عمّا قد يجيء به
الغد؟!...
يا أمناء
سوريا الحزينة: ما الذي فعلته سوريا لتستحق منكم كل هذه
الإهانات؟!.
نسأل فحسب.
نسأل.. ولا ننتظر جواباً.
.. .. .. ..
أيضاً وأيضاً: نحن لسنا بدلاء عن الله.
وإذا
كان من واجبنا حقاً حماية لبنان، فمن واجبنا قبل ذلك التطلّع إلى
حماية سوريا. وإذا
كانت النيّات الخيرة إزاء الشعب اللبناني هي ما دفعنا إلى التحصّن
في حديقة الجيران
كل هذه السنوات، والتشبت المفتوح بها وكأنها الامتداد الشرعي
لحديقتنا الوطنية،
فلنعترف الآن: إن شعب سوريا أَولى وأحقّ بمكرمة هذا المعروف
(معروفِ العدالة
والحرية والكرامة والثقة بالمستقبل والتأكيد على القيمة الإنسانية
للمواطن وفكرته
النبيلة عن مفهوم الوطن...) بالتالي: إن من يحتاج إلى حمايةِ
ورعايةِ ودعم النظام
السياسي السوري هو شعب سوريا قبل الجميع. إن لقمةَ حياةٍ كريمة،
وجرعةَ حريةٍ مصانة
وكريمة، وفرصَ عيشٍ متكافئة وكريمة، والنهوضَ بدولةِ قانونٍ يردع
ويحاسب ويحمي،
وإعادةَ الاعتبار إلى جامعاتٍ (أيُّ اهتراء!...) قادرةٍ على مواكبة
العصر الإنساني
والارتقاء بقيم الثقافة والعقل، ومناهجَ تعليم (أية أميّةٍ
مقنّعة!..) تنتقل من
تكتيكات محو الأمية إلى استراتيجياتِ إعادة تنسيب الإنسان إلى
الزمن، وحريةَ تعبير
مكفولة، ومؤسساتٍ إعلامية منفتحة مؤهلة للانتقال من حظيرة البلاغة
إلى فضاء العقل
المغامر والشجاع، و.... إلخ، إلخ، إلى آخره؛ ذلك ما يحتاجه شعب
سوريا وذلك ما
ينتظره ويجوع إليه. أما شعب لبنان - أو سواه - فبإمكانه أن يتدبر
أمر نفسه.
أما
نحن.. فمرّةً أخرى: لسنا بُدلاء عن الله. بل ربما نحن مَن هم الآن
في حاجة إلى
رأفته.
هل فات الأوان؟.. آمل أنْ لا. ثمة متسع من الوقت للتصالح مع
الحياة. متسع من
الوقت؟!.. ربما، ولكن التاريخ لا يحبّ إطالة الانتظار.
**
II
١٤شباط ٢٠٠٥: ((أُنجِزَ))
اغتيال رفيق الحريري.
أعترف أنني لم أكن، في أي يوم مضى، مغرماً بالرجل. ولكن مغزى
الرسالة التي حملها دويُّ الاغتيال الدراماتيكي وصلني: حان الآن
موعدُ تسديد
الاستحقاقات الأخيرة. حان موعد تنفيذ الحكم بإعدام سوريا.
لكن، من قتل رفيق
الحريري؟!..
المطالبون بالثأر هبّوا جميعاً، واثقين من متانة واتساع مظلة
الحماية
الدولية، ليؤكدوا: «ما بدها ذكا.. معروفة...». وكانت الألسنة
والأصابع كلها تشير
إلى «المعروفة» سوريا.
في تلك اللحظة اكتشف الجميع أن لهم عدوّاً ينبغي تأديبه
وسحقه. وفي مثل تلك اللحظة - لحظةِ سعارِ الثأر - سيكون بوسع
الجميع أن يثبتوا أن
من صلبَ يسوع المسيح، وقطع رأس يوحنا المعمدان، وقتل سبارتاكوس،
وأحرق مراكب
فينيقيا.. هي سوريا طبعاً.
- لكنْ، لماذا أنتم واثقون إلى هذه الدرجة من أنّ سوريا
هي من «فَعَلتْها»؟!..
- لأننا نرغب، بل ومن مصلحتنا «أن نكون واثقين» من أنّ من
فَعَلها هي سوريا.
حسناً، ربما تكون سوريا قد فعلتها، لكنْ.. ربما آخرون أيضاً،
وربما كاتب هذه السطور نفسه!.. ومع ذلك: «أشنقوا سوريا» صاح
الجميع. وعُقدت
الأنشوطة.
.. .. .. ..
قبل ألفي سنة من الآن كان اللبنانيون (أهل فينيقيا الممتدة
من جونية إلى الروشة.. بالمعايير الجغرافية لسيدنا مار مارون
السوري) كانوا حاضرين
أثناء محاكمة يسوع الناصري. وحين سألهم بيلاطس: «من تريدون أن
يُصلب؟ باراباس أم
المسيح؟».. صرخوا جميعاً، بفم واحد، وقلب واحد، وخنجرٍ واحد:
((أصلبوا
سوريا )).
**
حربُ الأعلام:
فجأةً يكتشف اللبنانيون أن لديهم أعلاماً (أعلاماً لبنانية
بحق) تصلح
للتسلّح بها على مشارف ميدان الحرب! وفعلاً تبدأ الحرب. حربٌ حمراء
مدوّية..
وهتافاتٌ حمراء مدوّية مملّحةٌ بالكراهية وشهوة الدم: «أصلبوا
سوريا».
لعلهم على
حق! بل لنعترفْ: لا أحد منهم يعنيه أن يكونوا على حق.
.. .. .. ..
مساء الأربعاء ٩ آذار وفق التقويم الدمشقي:
تعود «ناديا» من مسيرة «أبناء عشيرتها» منهكةً، متوترة
وراضية، ممتشقةً عَلَمها «السوري» المضمخ بدماء يسوع المسيح
وسبارتاكوس ويوحنا
المعمدان وأمراء فينيقيا الأوائل (العلم الذي كانت حتى ذلك الحين
ناسيةً شكله
وألوانه وعدد نجومه..). تسند علمها - رمحَ نقمتها الذابلَ الحزين -
خلف الباب،
وتتنهد كمن يقول: «أدّيتُ للوطن ما يستحق من ضرائب محبته..».
هذه المرة لم أجد
الحماس الكافي للسخرية منها ومن وطنيتها الباذخة، أنا الذي كنت
أقول على الدوام لمن
يتفاخرون بأعلام بلدانهم: إنّ خلف كلّ علمٍ هويةَ وحش، وناب وحش،
ومصرع وحش.
:
العلم صورةُ تَجَبُّر الإنسان.. وصورة انحطاطه ويأسه أيضاً.
الآن - في شهوة ناديا
للاحتماء بعلمها - أفهم حنين الإنسان للعودة إلى القوقعة: إنها
حيلته الأولى
للاحتماء في كهف الوحش.
تماماً كما لو أنها عائدة من الحرب: تسند رمحها في الزاوية
وتتنهد منتشيةً بمذاق نصرها الفقير. لعلها أرادت أن تقول: نحن
أيضاً لدينا أعلام
تصلح للحروب والمطالبة بالثأر. لسنا أيتاماً ولا أبناء جوارٍ.
لدينا، مثلهم، أعلام
وهتافات وضوضاء عقائد؛ ومثلهم أيضاً.. لا تنقصنا صلافةُ المتعالي
وزهوُ طالبِ
الثأر.
فإذاً: يحيا العلمُ/الخندقُ/الكهفُ/الجنونُ/نداءُ الموت. يحيا
الموت.
«بدأت
حرب الأعلام» قلتُ في داخل نفسي. وتذكرتُ، دونما ضغينة، أعلام
جيراننا ((الآخرين )) ،هناك في ما صار يدعى - نكايةً بشهداء
عروبتهم - ساحة الحرية.. حرية لبنان. ورنّت في
أذنِ قلبي القولةُ السعيدة المظفّرة لصديقي «بول شاول»: الآن
اكتشفتُ كم هو جميلٌ
علم لبنان!..
حقاً: كم هو جميلٌ العلم.. كلّ علم! لكنْ، أيضاً: كم هي مريعةٌ
فكرته
والحاجة إليه!.. كم هو مريعٌ ارتدادُ الإنسان إلى ثقافة الحديد،
وضوضاء العظمة،
وصرخةِ العماء الأولى: صرخةِ هابيل وقاتله.
العلم الذي كان دلالةَ الفضاء
والرحابة.. صار علامةَ القفص والانغلاق وثأريةِ نداء العقل: إنه
الإيعاز الأبلغ
لإطلاق رصاصة الحرب الأولى؛ ثم يأتي بعده البوقُ والبسطار والنشيد.
بعدئذ يجيء دور
السيافين والقناصة وحفّاري قبور الموتى. وحينئذ - حينئذ دائماً
وتماماً - يغدو
بمقدور الإنسان، أياً كان إلهه أو عقيدته - أن يبرر لنفسه شهوة
الوحش إلى الدم..
كلِّ دمٍ وأيّ دم.
نعم، كم هو جميلٌ علم لبنان! لكن ما أجمله لو كان حقاً
((علماً)).
كيف فات صديقَنا بول أنّ ذلك الـ «كم هو جميل» لم يكن علماً
واحداً لجماعةٍ واحدة
وشهوةِ حرية واحدة وإرادةِ حياةٍ كريمة واحدة. العلم الذي «كم هو
جميل..» لم يكن
حتى ليفصح عن وجوه وأصوات حامليه، بل كان - في غالب الأحيان - يخفي
ما أبدعه قدّيسو
الوطن الجميل من مذابح.
ليس الهوية.. بل القناع: ذلك هو الجميل في العلم الذي «ما
أجمله!». ذلك هو الجميل - القبيح - في كل علم ينهض على بغضاء
العقيدة وسعار الدم.
وفي أعلام بلادنا (في أعلام البلدان كلها يا صديقي) ما أوفر الدم،
وما أندر
الرأفة!.. ما أعظم صيحة الموت، وما أوهن شهقة الحياة!!..
صديقي وأخي بول، لا تزعل:
هل كنتَ ستقول الكلمات نفسها، عن العلم نفسه، لو أنك شاهدته أولاً
في تظاهرة
((ثلاثاء
الأغنام))
؟!..
ثم، صديقي وأخي بول (سامحني واصفح عن مرارتي): إن الصيحة
((الموحَّدة
)) التي اشتعلت وما تزال تشتعل خلف العلم - القناع - الموحّد.. لم
تكن
أبداً صيحةَ محبةٍ للوطن وناس الوطن، بل كانت - أعرف وتعرف - صيحةَ
كراهيةِ
((الآخر))..
كل الآخر. وسامحني أيضاً وأيضاً...
وأخيراً، صديقي وأخي بول، لا تزعل:
ذات يوم غير بعيد، سترى على كل شرفة بيت علماً، وفي كل غرفة نوم
خندقاً وحاجز
ميليشيا، وتحت كل وسادة خنجراً وكتاب صلاة. ذات يوم أظنك رأيته
ونراه؛ ذات يوم «أتى
ويأتي» ونشمُّ دعْسَتَه، منذ الآن، خلف باب المعبد.
**
يوم آخر في شباط/يوم الغفران:
بعضٌ من أصدقائنا شعراء لبنان - أهلِ القلب - يتصدّقون،
مشكورين حقاً، برسالةِ محبة
موجهة إلى بضعة عشر نفراً من أصدقائهم المثقفين السوريين
«الحبّابين والأبرياء!..
فاتهم أن من يستحق كلمة الحب هو «شعب سوريا» الذي يَعدّ عشرين
مليوناً من البشر..
البشر الحبّابين الحقيقيين. وإذا كان ثمة من يستحق أن تُصبّ عليه
لعنات كراهيتهم
بالفعل، فإن عليهم في هذه الحال أن يتوجهوا بمعكوس هذه الرسالة إلى
عشرين أو ثلاثين
موظفاً من الكبار - الصغار - الذين نبغضهم مثلما أبغضوهم. وإذا كان
عليهم أن
يتوجهوا بالاعتذار عن فائض الكراهية الذي صُبّ على رؤوسنا
وضمائرنا، فلعل من الأجدر
والأجدى أن يعتذروا للعمال وعابري السبيل السوريين (الأبرياء حقاً
وصدقاً، والبشر
حقاً وصدقاً) الذين اغتيلوا (أم يجب أن أقول: قُتلوا؟..) برصاصِ
وسكاكينِ التطرّف
وسعار العنصرية وجنون محبة الأوطان (ما أقبح هذه الكلمة!..).
لأصدقائنا هؤلاء نقول(
والمحبة محفوظة بطبيعة الحال): أُعفونا من فائضِ مغفرتكم. أعفونا
من الحنان والصفح
وإنشاءِ الواجب. لسنا نحن، الآن، من يحتاج إلى التحية والتطمينات
وتأكيد أواصر
الودّ. وفِّروا ذلك لجثامين إخوتنا وأبناء عمومتنا وأصدقائنا الذين
ذُبحوا في
الشوارع وتحت بطّانيات النوم وعلى مداخل وسقالات الأبنية حيث
يعملون ويعيشون
ويحلمون.
ماتوا.. ولم يخرج صوتٌ من فم أحد!..
مع ذلك،
ثقوا أيها الأصدقاء: إن أياً منكم، أنتم أبناء لبنان العظيم الذي
أحببنا
ونحب، لو واجهَتْه - هنا في سوريا كلها - إساءةٌ صغيرة واحدة،
بكلمةٍ أو هفوةِ
لسانٍ أو غمزةِ عين، فلسوف يجد إلى جانبه عشرين مليوناً من البشر
(لا بضعة عشر من
المثقفين فحسب) مستعدين، دفاعاً عن كرامته وكرامتهم، لاقتلاع قلبِ
من يسيء إليه..
بأسنانهم.
ثم:
ما الذي فعله العمال السوريون، وباعة الخضار السوريون،
وعشاق جنة لبنان السوريون، والمتسكعون السوريون.. ليستحقوا كل هذا
القدر من
الكراهية والجنون وشهوة الانتقام التي أوصلَتْهم إلى الموت تحت
أبصار المثقفين
وضمائرهم؟!.. وثقوا مرة أخرى: إننا، نحن مثقفي سوريا المنفوخين
ببلاغة الشعارات
ودخان الشعائر، لنستحي حقاً وصدقاً من مواجهة جاسوس إسرائيلي بمثل
هذه الفظاعة
والدموية وعمى الثأر.
أما أنا، بلسان ضميري وقلبي، فأقول: إنّ أياً من هؤلاء
العمال، فعّالةِ العَرَق والأحلام والرغيف، يستحق (لو كنتُ رئيسَ
دولته) أن يُعاد
إلى مسقط رأسه - لا مشحوناً كالبضاعة التالفة في الصناديق الخلفية
للشاحنات - بل
ملفوفاً بعلم بلاده الوطني، ومحمولاً على مئاتِ آلاف الأكفّ
والقلوب، تماماً كما
يليق برئيس وزراء دولة السويد.. على أقل تقدير.
لكن، ما الذي بوسعنا عمله، إذا كنا
-
عمالاً ومثقفين وعشاقَ حياة - منكوبين على الدوام بشعوبٍ تنسى..
وسادةِ شعوبٍ
يصفحون؟!....
**
حين جاؤوا يقترحون عليه ((المصالحة)) على دم أخيه ((كليب))،
هبّ الزير مستنكرًا وقال:
دمٌ بدم...
.. .. .. ..
الآن ، ماعاد أحدٌ مستعداً لقايضتنا على الدم.. حتى بماء
الحنفيات.
**
تقول
التقديرات: إن "كذا ألف..." جندي سوري قتلوا في
لبنان.
يعني: قتيل من كل "كذا ألف" مواطن سوري (يا للنسبة
المخيفة!...). ويعني أيضاً أنه ما من قرية سورية لم تتبرع بجثة واحدة على الأقل
لتسميد
تراب لبنان "السماوي المنشأ".
أجريت الحسبة – حسبة الدم – على
النحو التالي:
"كذا"
ألف قتيل...بمعدل "كذا" ليتر من الدماء من كل رأس.
يعني، بعملية ضرب بسيطة: "كذا" رأس × "كذا" ليتر دم...، يكون الناتج "كذا" عشرات
آلاف الليترات من الدم البشري "الطبيعي" سُفِحت، ربما لأغراض السقاية، على أرض
لبنان.
وإذا قدرنا أن ثمن الليتر الواحد من الدم السوري – بأسعار
اليوم- هو "كذا دولار" بصورة تقريبية (أجبروا الكسور لصالح الشاري، وسامحناكم بشقاء
الأمهات والأرامل)...فكم "وسط بيروت تجاري"، وكم "مطار بيروت دولي"، وكم أوتوستراد
حضاري"، يمكن إعادة إعمارها بعائدات الدم هذه؟!..
البعض يقول: أصلاً،
السوري ما فيه دم. وحتى لو ثبت العكس فسوق الدم نازل في هذه
الأيام.
:حسنًا،
أحسبوها بالليرة "اللبناني"، وعوضونا عن الدم "الكاسد" بالكاسد من
عرق توما
وغنطوس أبي رعد.
-
اتفقنا؟
-
اتفقنا.
-
إذاً:
كاسكم يا شباب.
**
عصر «الكلاكيش».. وعنصرية الصمت:
قلم «ريمون جبارة» يصدح في وجوه السوريين:
"لُـمُّوا
كلاكيشكم وفُلّوا.."!
حسناً، ها هم يلمّون كلاكيشهم..
ويفلّون.
لكنْ.. لا يقلْ لي أحدٌ منكم - إخوتَنا هناك - إن ريمون جبارة كان
يتحدث
بلسان نفسه
فحسب، ويتوجه بندائه الفولكلوري إلى رجالات الجيش السوري
واستخباراته
فحسب. كان صراحةً، وبملء الفم والقلم والقلب، يقصد «السوري».
في هذا النداء «الوطني
جداً» تتجلى أبلغُ الصيحات العنصرية وأشدّها دمويةً وسفاهةً وسعارَ
عقل. وحين أقول
"العنصرية"
لا أقصد فقط مَن قتلَ عاملاً أو أحرقَ خيمة أو ذبح حارس مزرعة
(إذْ،
هنا، يمكن تَفَهُّم الاندفاعِ العاطفي الأحمق غير القابل للسيطرة
والكبح)، بل أقصد
عنصرية الضمير والعقل. العنصرية، في هذا السياق، كامنةٌ بصورة أعمق
وأشمل وأحطّ لدى
شغّيلة الثقافة والفنانين ونجوم الصحافة (الديموقراطية طبعاً)
الذين صمتوا، أو
باركوا، أو في أحسن الأحوال اكتفوا بالهمس من وراء المتاريس: «لا
يا شباب، حرام،
هدول عمال مساكين ومقاطيع.. وبْيستاهلو منا شويّة عطف»...
أقلُّ من ذلك؟!... عيب يا
أصدقاء الثقافة.
نعم، لم يكونوا يصرخون ضد النظام السوري (الذي أخلى المواقع
وانتهينا...) بل، في كثير من الأحيان أو ربما في كلها، كانوا
يقصدون
"السوريّ"
/العِرْق السوريّ!..
مازلنا نتذكر الحرب الطاحنة التي شنّها مثقفو لبنان
الحضارة على «أدونيس» الفلاّح قليل الأصل. يومها لم تكن الحرب
الشاملة ضد "السوري"
قد بدأت. وكان الجميع في لبنان - نقاداً وشعراء ورسلَ مدنيّات -
يتفاخرون أمام
الكون كله بأن أدونيس شاعر لبناني |