|
غَيَاهِب
أحمد أحمد*
“أعرف- نموت مرّة واحدة، ونولد مراراً، وليس الموت صالحاً إلا لكي
نعيشه”
أدونيس
غيهب أول:
تحوّل الكون إلى كرةٍ زجاجيّة صغيرة تحوي هواءً مضغوطاً، وكنت
أتنفس باعتلال، وتكاد القنبلة أن تنفجر، وأنا أرتجف من رأسي حتى
القدمين، مستجدياً منها السكوت لئِلاّ تحدث الكارثة وأفقد السيطرة
على أباليسي، لكنها – أختي – وجدت، بالشّتم، متنفّساَ واستطابت
مظاهر العذاب التي تقطر مني، ولم تدرِ أنها كانت تُدني عودَ
الثّقاب من الفتيل:
- مُعَقَّد...
واشتعل الفتيل، طارت يدي ولطمت وجهها، ليمتلئ فمها دماً، وأنا أنبح
بضراوة: “اخرسي يا بنت الـ... وقبضّتُ
على رقبتها، ألقيتها أرضاً، ولففتُ ما تيسّر من شعرها على أصابعي
وشددته ورجلي على رأسها، شددتُ
الشَّعرَ حتى تحسّستْ يدايَ انخلاعَ مساحةٍ من فروة الرأس.
أفلتُّها، وكانت خصلة شعرٍ لا يستهان بها قد بقيت مع جذورها في
يدي...
- لكي تعلمي.. أنا الله هنا... نعم.. أنا..!!
وأنا أهتزُّ، أهرب بنظري من جسدها الملقى أرضاً وهي تشهق ودموعها
تُغرق أرضيّة الغرفة الإسمنتية الجافّة، تناهى أنين أمي، متحسّراً
مستكيناً، عبر باحة الدّار قرب جبل الغسيل...
- يا ويلك من الله....
ولُسِعتُ من جديد:
- وأنت أيضاً... الزمي الصّمت.. وإلاّ سأهدّ البيت فوق رؤوسكم...
لكنّها على غير العادة، لم تُسالم:
- قالوا لا تخفْ إلاّ من حكم المحكوم....!!!!
آلاف الفولتات اجتاحت جسدي: اللعنة!!! تلك المرأة أدركت ما أهرب
منه... شعرت بالعار يلفعني، والندم يسوطني... طأطأت رأسي وزأرتُ،
مندفعاً نحو الحائط كثورٍ، صادماً إيّاه، بقوة، وعشرات النجوم فرّت
من رأسي...
غيبوبة:
جرذان النّدم الموجعِ تتهافت.
حلكةُ العتمةِ، حمّى الجذام، سطوع شاهدة القبر. إحساسُ شاربِ
الكحول: المعدةُ اقتطعت وبضعٌ من أعضاءٍ أُخَرْ.... وأنا أجرّب:
كان للكلمات طعمٌ، شكلٌ، ورائحة... للكلمة (طَ عْ مُ نْ) تجلّ
فيزيائيّ ما: هلاميٌّ، عَطِن...
الجرذان جرباء، تساقطت أوبارها لتعاقب فصول ومجار – نهشت ما تبقى
مني وانسحبت تجرُّ أذيالها المقروحة..
النوم يهاجم ويقتطع اليقظة – لحظة اليقظةِ الأخيرة – دون رحمةٍ...
وجوعاً أستجدي جهاز الهضم والشحوم المختزَنَةِ وجهاز الدورانْ.
دون إحساسٍ، الأصابع الميتة مسّت رأسي، فانزاح عنه الشعر.. إنّه
التّعفّن. وكان الدماغ ينـزُّ حزناً، بصمتٍ خانعٍ، هكذا.. كالصّرير
المكتوم انتحبت في داخلي الكائنات...
أحاول النهوضَ وقتل الآخر في نقي العظم ولمّ نتف اللحم من بين
أنياب قطط الحي المجاور الهزيلة...
وللكلمة طعمُ، شكلٌ، ورائحة.. وكانت تضيق الكرة الزجاجيّة.
غيهب ثانٍ:
ثلاثُ حبّات الزّيتون القحبة، في الصحن، أمامي، ترمق جوعي
باحتقار...
الحبة الأولى المدبّبة الرأسين، شمخت برأسها الأول إلى حافة الصحن
المعدنيّ وأراحت رأسها الآخر في خاصرة الحبّة الثانية المشقوقة
كعضو عاهرةٍ سمينةٍ تحترق في حيٍّ فقير. والثالثة استراحت منهكة،
نصفها يتسلَّق مَيلان
الصَّحن، ونصفها الآخر انغمر في سائلٍ مستنقعيٍّ رجراجٍ حفل
بفُتاتِ الخبزِ النّاعم وأغشية العفن.
فوق الطاولة العتيقة المغطّاةِ بصحيفةٍ حديثةٍ استقرَّ الصحن. ورغم
أنّه رماديُّ اللون، إلاّ أنّ أي جائعٍ سيوحى إليه أنَّ ثمّة علائم
رضىً صوفيٍّ تلفُّ الصحن، وكأنه يؤمن بقضاءٍ وقدرٍ ما، بأنَّ ثلاث
حبّات الزيتون هي منحة الله التي سيقبلها راضياً مطمئناً –
كالممثِّل الأجنبيّ المتخم، أو ربما الزعيم الشرقي، الذي عُلِّقَتْ
صورته على نافذة القبو – قسراً – لتغطّيَ شقّاً في الخشب يتسرّبُ
منه البرد. كان هذا الشخص – كالصحن – قد رسم علائم رضىً واطمئنان،
سيلمح أيُّ جائعٍ تنوح أحشاؤه، أن الممثل قد تدرّب طويلاً على
الابتسامة الطيبة الواعدة،
ونظرة الحنو الغامر،
قبل أن تقتنصها عدسة مصوّر صبور متبحّر في مجاهل علم نفس
الأفذاذ..!!!
خلف الصورة والنافذة، كانت كعاب أحذية النساء تطقطق وتنقر الرّصيف،
تماماً كأنها معاول تشقُّ منجماً داخل الجمجمة، وأصوات ضحكاتهن
وكلماتهن تتناثر كقمامة الشارع...
لكزني شيءٌ ما في مكانٍ عصيٍّ عن الله، ثم عضّني، منذ أربعة أيّامٍ
وهو يفعل ذلك.. أنظرُ بشبقٍ إلى ثلاث حبّات الزيتون في الصحن
المؤمن... أحدّق بصورة الممثل المؤمن... أصيخ بقايا السمع لوقع
الأحذية المؤمنة... أشعر برغبةٍ بالتقيّؤ من هذا (الثالوث)
المؤمن... ولكن ماذا أتقيّأ...؟؟؟؟
غيبوبة:
يتهتّك جلدي... ينكشط عن العظم.
بالٍ هذا الجلد يغطّي العظم بزيفٍ يفضحه التهدّل.
تؤلمني الغيبوبةُ المنتشية بفتات الذاكرة العفن.
مَقيتٌ
إحساسُ الثمل بعد التقيؤ – أنا المرميُّ في مكانٍ ما... زمان ما...
يتهدّل.. يذوبُ... يذوب لحمي أناااااااا.. هل
]أنا[
صاحب اللّحم المتهدّل...؟ أو هل أكمن
]أنا[
في نقّي عظامي...؟؟
اللّحم يتهدّل، ينكشط، العظم يتآكل... لكني ما زلتُ
]أنا[
– والجذام ينهشني... ساعاتٍ وتصير عظامي رميمْ.
يشغلني الجذامُ وتفاصيلُ الأرصفة ونعال السيدات يبلى الرصيفُ،
وأنا، يُرَمّمُ الرّصيف وتعود الزخارف، وأنا – مجذوماً – أهذي على
عتبة الجوع، وثلاث حبّات الزيتون تتعاهر وتأتلق، تتناسل شجراً
وحشيّاً يُنْبِتُ أزاهيرَ شرٍّ وعلقماً فجّاً فيه الهلاك للآكلين.
غيهب ثالث:
في هذا اللغط الأمين، ارتسمْتَ بأحسن تقويم...
وفي ذات المرجل.. الأمين، في معبد السيقان المقطوعة التي تحولت إلى
مزالج بوّاباتٍ. والرؤوس التي زيّنت رؤوس الأسنّة... ردوك أسفل
سافلين.
غيبوبة:
أسرع بالعدوِ أسرِع ككلاب الصّيدِ بل كالثّعالب والطّرائد –
تطاردها كلاب الصّيد...
أسرعْ: أنيابها تكاد تقضم قفاكَ وتنـتزع إستكْ، أفواهها تقطر ماءً
شَرِهاً، وفي أعينها يغلي حقدٌ محموم. أسرعْ – تكاد تطبقُ الكلابُ
فكاكها المسنّنة الأنياب على قطعة من لحمكْ / تعض عظمكْ / وتهتك
سرّك / وتمحو أجَلكْ... وصوتٌ – سوطٌ يجلدك:
ثمَّ لتكوننّ مِنَ النادمين
الخفاش نذيرُ شؤمٍ – اندفع وصفع وجهك، نعقت بومة – نذيرٌ آخر...
تُدرِكُ أن ثمّة أحداً يرقبك، في العتمةِ، ويحصي الشهيقَ ونبض
القلبِ، ترى ومضة عينيه، تتحسّسُ وجهك، وأصابع سوداء بأظلافٍ
معقوفةٍ تهمُّ بنزع النّورِ من عينيك........
وتُباغَتُ: انتعظت ذكورهم، ذكورهم قذفت نطافاً، نطافهم دبّت
سرطاناتٍ بملاقط سُميّةٍ وعيونٍ من حجر النَّار....
ومن مكانٍ سحيق القعر، ترامى صوتُ كلابٍ تهمهم وتتلمّظ،
وتلقي بقايا العظم في القاع الصخري.
----------
* كاتب سوري مقيم في الولايات المتحدة
|