|
الاستباحة
حكاية ساخرة
زهير شليبه*
وجدَ نفسه فجأةً يكتب. راح يكتب ويكتب هلوسات شعرية. قال لنفسه:
"هذا الهذيان يمكن أن يكون بدايةً جميلةً لقصة مليئة بالتداعيات.
بداية "جهنمية"! ومع ذلك، ضَجرَ منها. مزق كلّ الهلوسات. "كل
البدايات؟ هذه حقًا عبارة لطيفة، ولطيفه قاعدة في البيت". وقال
لنفسه لو كنتُ شاعرًا حداثويًّا
" فحلا " من الجهابذة لألقيتُ ما تبقى من هلوساتي الممزقة شعراً:
مزقتُ
كل البدايات
إلا بدايتي
إنها أنتِ
يا سيدة العصور
والقصور
والبحور
والدهور.
وراح يكتب البداية.
كان قلقًا في تلك الليلة. سمع َ كمًّا هائلا من الأخبار الزفت كما
يقولون، كلّ المحطات ووكالات الأنباء صارت تتناقل اسم بلاده
الصغيرة بالسوء. قال لنفسه "الله أكبر ما بقى بالعالم غير
العراق؟".
أراد أن يزيحَ هموم الأخبار من رأسه. قرر أن يقطع التفكير بها.
أغمض عينيه وأدارَ رأسه إلى حيث الجدار والظلام عساه يهرب من
الواقع. وكان يشعر أنه سيبقى طول عمره قلقاً. كانت ليلة مليئة
بالمتاعب والإرهاصات. "الإرهاصات" هذه طلّعتْ روحه هي والمتشدقون
بها، ولكن ماذا عساه يفعل بها وبهم.
مرّت بخياله صورة تلك الفتاة الشابة، التي عبثت فيها الأيادي
القاسية تضربها ضربًا مبرحًا أمام عينيه لا يقوى على أيّ فعل. وشعر
بالغصّة وهو يراها ُتضرب أمام ناظريه دون أن يرفع يديه مدافعًا
عنها. تذكّرَ تلك المرأة قابعة تحت الغول، أغمض عينيه متوسلا
الرقاد مودّعًا تلك الشابة. لم يعد يذكر اسمها لكنه كلما كان يهرب
من الهموم اليومية وسر التكوين العراقي يواجهه همّها وقلقه العميق
عليها. إنها صورة الذل والهوان والعدوانية والاستباحة.
ماهي لحظات حتى تظهر إلى السطح صورة شابة أخرى، من هي؟ ليس المهم
من هي وما اسمها؟، المهم في الأمر أنها امرأة مقبلة على الحياة،
دخلت عليه من الذكريات وحصادها بالصدفة. ذكرى هذه البنت الحلوة لها
شكل ثانٍ. شكل ثان حبك أنت! كانت الفتاة طالبة جامعية نرويجية تلبس
الأزرق الفاتح والأرجواني، تتمايل، توزع الابتسامات، سحرتها عينا
هذا الشاب القادم من بلاد النهرين، حطّتْ على أهداب عينيه الطويلة
كعصفور صغير بلّلَه المطر، مرت عليه مشاهد تلك الليلة التي قضاها
معها في قطار لينينغراد كالبرق.
كان يسميها ليلة القطار. هذه فتاة تلهو، تلعب مستأنسة بحياتها وتلك
بنت مُستباحة، تئن تحت جسد الغول الجاثم على صدرها، أيّ شعب هذا
يتلذذ في ممارسة القبح والدمار؟!. أيعقل أن تكون هذه الكائنات في
هذا التكوين الناري كلها مصابة بهوس القهر والطغيان؟
كان أحد معارفه يحدثه عن رجلٍ، عاش حياةً مأساويةً. كان محدٌثه
يحكي له هامسًا، متلفتًا يسارًا ويمينا بين الفينة والأخرى كأنه
يتصورأن للحيطان آذانًا وكان يكرر شاعرًا بتأنيب الضمير:
- "أستغفر الله، إن بعض الظن إثم"، يعني باختصار كان هذا الرجل،
الذي أكلمك عنه الآن يلتقي زوجة صديقه ليلاً. كان صديق العائلة هذا
يعيش في بيت واحد معهم. وكان يسكن في الغرفة الصغيرة المظلمة بينما
كانت العائلة تسكنُ في الغرفة المجاورة.
كانت الزوجة العاشقة تتسلل إلى عشيقها من فراشها ماشية على أطراف
أصابعها، بالضبط مثل بطلة "الأحمر والأسود" وبطلات القصص
الرومانسيه...
- لا، بسّك عاد هذا خيال زوجها وشكوكه لا أكثر ولا أقل. الرجل كان
صديق العائلة وهو مناضل سياسي محترف ومختفٍ عندهم، هذا رفيقه ومو
من النوع اللي يمكن أن يخونه، وزوجته معروفة بطيبتها وإخلاصها،
يكفي عاد الطعن والشك..
اعترضَ على كلامه بطريقة لا تخلو من السذاجة. ردَّ عليه محدّثه
وعيناه تبحلقان فيه مؤكداً:
- أيّ كلام هذا؟ شكوك؟ مسكها مسك اليد.
ثم أردفَ متراجعًا:
- لا، هو في الحقيقة لم يكشفها بالفعل، أقصد لم يمسكها متلبسة
بالجريمة كما يقول أهل القانون. اسمع القصة باختصار شديد وأرجوك لا
تقاطعني:
في إحدى الليالي كان الزوج نائمًا، قامت زوجته من فراشها، فتحت
الباب، فزّ من نومه كما لو أنه وُخِزَ بإبرةٍ، صرخ بها:
- وين رايحه؟
- أروح أسأل جارتنا عن حبوب صداع، ما اقدر أنام ، ...صداع ..
أجابته في لهجة يبدو عليها التعب. عادت بعد لحظات، قالت له إنها لم
تجد الحبوب. نامت الزوجة وبقي الزوج يعاني من الأرق وبلوى القلق.
في اليوم التالي حدّث الزوج المصدوم صديقًا آخرله عن الأمر، قال له
صديقه "العبقري": كان المفروض أن تتظاهر بالنوم حتى تكتشف سرَّها
بنفسك وتقطع الشك باليقين.
حبل الكذب قصير، لم تدم اللعبة طويلا حتى اكتشفها زوجها، حسب
أقاويل الناس. صُدم الزوج بهذه الخيانة الزوجية المزعومة واحتار
للأمر.
نصحه صديقٌ آخرٌ بأن يتريث، لم يسمع كلامه، طلّقها على الفور! لم
يقتلها ولم يغسل عاره كما جرت العادة، بل تركها في الحضيض وسط
الشائعات والسمعة السيئة او في أسفل السافلين كما يقال!
ودارت الأيام دورتها، ثم قيل إنها قُتلت في ليلة زفافها إلى عريسها
الثاني، كان المشهد مروعًا، كانت صرختها عاليةً مدويةً بأذنه،
استيقظَ، وجد نفسه وحيدا في الظلمة الحالكة ماعدا تلك النائمة إلى
جنبه.
إذن كان كلٌُ ذلك حلمًا أو بالأحرى كابوسًا.
زوجته ترقد إلى جنبه! وفرح للأمر، فهي سليمة لم تُمس بأذى، إنها
جنبه. تذكّر أغنية "تعالي جنبي، تعالي جنبي!". ابتسمَ.
تمتم بين نفسه "راح تبقى طول عمرك سخيفًا. استمرْ، احكِ قصتك، التي
بدأتها عن الخائنة، القتيلة في عرسها الثاني".
كانت زوجته تغط في نوم عميق عندما فزّ من الرقاد وكان الغطاء
منحسرًا قليلا عنها، أراد أن يأتي بجهاز التسجيل ويسجل شخيرها لكنه
عدل عن فكرته وتراجعَ مركّزًا كلّ تفكيره على مشاهد قصة قتل
العروسة.
فكّر بأن تسجيل الشخير لن يجدي نفعًا ولن يقلل منه ولن يحيدها عن
التراجع أو التنازل والإنكار، وستبقى تنكر أنها تشخر. فكّر
بالموضوع وهو لا يزال ممددًا في فراشه.
وعاد إلى ديدنه، أراد أن يتذكر العروس المقتولة، كيف حدثت
الجريمة؟. تراءت في مخيلته صورة السكين، سكين بنصل عميق يلمع،
يُغرس ثم يُستل، فتتساقط القطرات الحمراء.
وقف محتارًا أمام تشابك الأفكار وتقاطع الصور. نسي ما أراد أن
يقول، ضاع في دهاليز الذكريات ومشاهد الأحلام. تناول قلمه ودفتره
وبدأ الكتابة . كتب حتى اشتبكت الأحداث واختلطت عليه الأمور. شعر
بالتعب والصعوبة والتأزم والإحباط. شعر برغبة الحركة، نهض من
فراشه.
قال لنفسه: "أريدُ أن أسترجع كل شيء شفته في الرؤيا، لازم أعرف
الحقيقة، كل الصور بلا استثناء، أريد أن أستمتع باسترجاعها. راح
أحاول أن أحكي المقاطع وأنا أمشي. أعتقد أن هذا أفضل لي وأسهل حتى
أستعيد سير الأحداث".
بقي لوهلة واقفًا وسط الغرفة. سمع صوتاً آخر يهمس في أذنيه: "طيب.
توكّل على الله، ولكن بالله عليك لا تخلط علينا الأمور والأوراق
والقصص والمشاهد، الله يخليك لا "تكسّر" رؤوسنا، نحن لا نركّز".
أخذ يروح في الغرفة ويجيء محدّثًا نفسه بصوت يكاد يُسمع:
" لأبدأ ياسيدي الحكي بوصف الصراخ، لا، لا...ما أتذكر ما أتذكر،
ليش؟ ليش؟ ليش ما أذكر الصور الجهنمية والصراخ الغريب؟ وبالمناسبة
أنا لا أذكر لغة هذه المرأة العروس. هذا أمر عجيب، لم أعد أتذكر
بأية لغة كانت القتيلة تحكي. ولكن هذا غير مهم عندي الآن. المهم هي
إنسانة قبل كل شيء".
وكانت هناك سلّة جميلة وقديمة تشبه تلك التي كانت جدتي تستخدمها
للتسوّق، كانت مليئةً بالفواكه، كانت هناك رمانة كبيرة ناضجة،
متضرجة بالحمرة، "مفدعة" كما كانت جدتي لأمي تقول، أي مفتوحة، كأن
الرمانة تناديك: تعال وكُلني، فأنا لك والخضروات تفوح منها رائحة
عبقة، وهل هناك أروع من رائحة الجرجير والكزبرأو القسبركما يسميه
أهل شمال إفريقيا.
كلما أرى الخضروات الطازجة أتذكر شمال إفريقيا فأستميحك العذر من
هذه الانتقالات أو التداعيات، والخ من المصطلحات اللوجستية
و"الجيوفيزيائية".
تضحك من "الجيوفيزيائية"؟ الظاهر هذا المصطلح مادخل بمزاجك طبعا
لا، فأين الجيوبوليتيك أوالجيوفيزيائية من الجرجير، وهل هناك أروع
من قولهم عنه وأجمله: "لوعرَفتْ المرأة مافي الجرجير لزرعته تحت
السرير"،
قال ذلك لنفسه مبتسمًا لكنه أردف متمتمًا بحزن "لكن هذا سرير شمال
إفريقي مو عراقي تعشعش تحته هموم الدنيا كلها وقهرها".
على أية حال لا أريد أن أدخل في تفصيلات شمال إفريقيا ولاجنوبها
ولامانديلا لكني بدأت أتذكر الحلم، أها، دعني أتذكر اللقطات:
كانت السلة مليئة بباقات الفجل الأبيض، ها، ليس الأمر كذلك، لم يكن
الفجل أبيض، بل كان في النظرة الأولى يبدو أحمرَ قانيًا ثم تغيّر
لونه، إلى الأبيض، الأحمر وإلاّ الأبيض وإلا ّالليموني؟
أما القطرات فكنتُ أُلاحظها بعينيّ "أين من عينيّ هاتيك الليالي يا
عروس البحر يا حلم الخيالِ" كبقع واضحة على الفجل الأبيض، ولم أذكر
أني لاحظتُ أي بقع حمراء على الفجل الأحمر!!"
- وهل يعقل أن يرى الإنسان بقعًا حمراء على الأحمر؟ أنت فعلا عقلك
خفيف، ترلَلّي! طباگاة! كما يقولون بالعراقية.
- طبعا عقلي ترلَلّي، لو كنتُ عاقلا كان ما قعدت وإياك وقدّرتك
واحترمتك وحكيت لك هذه المشاهد الرهيبة لأنك مو بهذا المستوى
السردي! لا تقطع حبل أفكاري، مشكلتك أنك غير معتاد على هذا النوع
من الحكي. أنت مستواك ضعيف وتريد أشياء واضحة وبسيطة وساذجة.
أنا قلت لك من البداية إني أتلذذ وأستمتع باسترجاع اللقطات
والأحداث والانتقالات ولا أريد أن أقدمها لك دفعة واحدة، وأتمنى أن
تشاركني استمتاعي وفرحي، بل احتفالي بهذه الاكتشافات والإمساك
بخيوط الأحداث، أريدك أن تتفاعل معي وتلقف أفكاري وهي طايره، بل
تقرأ الممحي مثل ما يقولون، يجب أن تكون فطناً وهاب ريح، واستمع
لبقية القصة بتأنٍ وتركيز.
كانت السلة موضوعة على بلاط موزائيك أبيض يبدو وكأنه مرّصع ببقع
سوداء متفرقة، كوّنت القطرات الحمراء شكلا فنيًّا.
وأذكر أيضا أن بنتاً شابة شهية، طيبة، تشبه الرمانة في السلة قد
طلّتْ على الدار وغطّى محياها الجو كله. كانت وجنتاها تشبه
الرمانة، ورديةً محمرة، محياها متشح بخجل أرجواني، كانت ناعمة
الملمس "هزّي يانواعم شعرك الحرير"خفيفة الظل، نحيفة الجسم،
رشيقته، ناحلة الوجه، مفتوحة الشهية. يا سيدي، تدخلُ البنتُ
البيتَ... هي بعينها تدخل البيت...تفتح الباب بنفسها، نعم تفتح باب
الحديقة بنفسها.
تسير البنت الجميلة على رصيف الحديقة الجانبية حافيةً متمايلةً،
كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل، تنوّرة
ملونة، مزركشة، صيفية، كلوش فوق الركبة قليلاً.
كانت حافية القدمين على الأرض الإسمنتية وكان الرصيف مبللا قليلا
في بعض الأماكن، طبعات الأصابع وآثار القدمين يزيدان اللوحة جمالا.
توقفتْ البنت الحلوة قليلا عند شتلات ورد الجوري، اقتطفتْ وردةً
حمراء، شمّتها قليلا. فتحتْ الباب الآخر مناديةً بصوت فيه بحة
مسرحية:
- أهل البيت! أهل البيت!
آه انقطع الشريط، لم أعد أتذكر، لكن أعتقد من الأفضل أن أترك
الكلام وألجأ إلى الكتابة فيما بعد حالما يأتيني المزاج وتنطلق بي
أجنحته إلى الفضاء الواسع. دعني آخذ استراحةً قصيرةً. أجل سأترك
الحكي هذه المرة. لا بد لي من فرصة راحة.
بعد الاستراحة بدأ الكتابة، عسى ولعلّه ينهيها ويخلصنا ويخلص نفسه
من هذه الورطة التي أوقع نفسه والآخرين فيها، قال له مستمعه:
- بسْ، رجاءً لا تحطّ بهارات كثيره، يعني باختصار لا تكذب، ولا
يغرّك قولهم " أكذبُهُ أصدقُهُ "!
- لا، أبداً، وأرجوك لا تقاطعني كثير وتزيد آلامي، وإرهاصاتي ولو
أنا أعرفك ما تحب "إرهاصات".
والآن اسمع بقية القصة:
المهم يا سيدي أذكر أني رأيتُ سلحفاةً ولم أعد أتذكرالقطرات ولكن
لا علاقة لهذه بتلك السلحفاة التي كنت أربّيها وأهتم بها في بيتي.
ماتت السلحفاة وصاحب البيت الذي تقيم فيه وما في اليد ولا حتى
الرِِجْل حيله.
كان الرسام الشاب نحيفَ الجسم، أطول قليلا منها، خفيف الشعر، كثّ
الشاربين، صغيرالوجه، تبدو عليه المعاناة والوجد والوله والقلق على
المصير العراقي، أصفر"مصفرج"، يرتدي فانيله صفراء وبجامه زرقاء
ساده "بلا سُكّر"، كانت عيناه تقولان لها: تعالي عيني هنا، تعالي
دادا هنا، هذا اشلون خير إجانه! ياهلا ومرحبا بالغياب طابت والله
غيبتكم، مرحب يا هله بالغِيّاب طالت والله غيبتكم! باختصار يعني:
ترحيب حار!
- وين سعاد؟
سألته قبل أن تسمع الجواب مبتسمةً وأردفت قائلةً بتودد ممسكة بورد
الجوري بيديها وفي عينيها فضول؟
- كنت ترسم؟
- إي، مثل ما تشوفين دا أرسم، سعاد راحت هي وأمي للسوق مرة ثانية.
أمي نست تشتري لها قماش للبدلة...
لمعت عيناها بفضول عندما سمعت عن القماش والبدلة. مطَّ شفتيه
محركاً يديه بإشارات يصعب تفسيرها وكأنه يقولُ لها: لا أدري كيف
يجب أن أتصرف معك؟ ماذا أفعل لك و بك؟!
قبل أن تخرج الجارة الشابة الجميلة من البيت اتجهت الى الزاوية حيث
سلة الخضروات، نظرت الى السلة، رفعت رأسها عاليا، نظرتْ إلى اللوحة
المعلقة على الحائط، نعم، كانت هناك لوحة بونارامية قوية معبرة
فيها أجساد بشرية نحيفة ترتدي ملابس ممزقة ووجوه ناحلة ناتئة
العظام بينهم فتاة في مقتبل العمر لم يعد هناك شيء من ملابسها
المتهرئة يستر جسدها كانت نظرات الشرطة مصوبة نحو صدرها العاري،
تتعرض للضرب بسياط شرطة خيّالة يقفون حول هذه الكومة البشرية
العراقية، ثم أدارت وجهها اليه، التقت نظراتهما. شعر بدفئها، تشجع
قليلا متسائلا بتوسل:
- تحبين أرسمك الى أن ترجع سعاد من السوق؟ ما عندِكْ مانِع أعملْ
لكِ تخطيطات إلى أن تجئ سعاد، وأمي، ها، شنو رأيك؟
قال عبارته الأخيرة في حركة فنية راقصة، ابتسمتْ الحلوة، اقتربَ
منها قليلا، كثيرا، كثيرا، ابتعد عنها كثيرا، انقطع كل شيء، أجل كل
شيء، الصِلات، العلاقات، لم يعدْ يذكر غير جذور الفجل الأبيض الذي
تحول الى أحمر واختفت القطرات.
ترك القلم والورقة. دوّنَ كل ما خزنته ذاكرته، كلّ ما يعتقد أن ما
فيها من هراء يصلح للتدوين! عبقري! قال لنفسه: "أنت طول عمرك
تدوّنُ وتدوّنُ ولكن مامِن فائدة تُرجى منك. سبع صنايع والبخت
ضائع!! شنو أسوّي؟ لا أمي فرنسية ولا أبي إنجليزي ولا عمّي سمسار
فضائيات ولا صحفي ولا مخرج سينمائي أو تلفزيوني ولا خالي يمسح
أكتاف! هؤلاء كلهم مطاردون معتّرون كما يقول أخواننا الشوام، يعني
بالأصل وكما اعتقد معثرون، يعني يعثرون في كل خطوة يقدمون عليها،
هاربون، قابعون، خائفون، لائذون!! هذا الموجود. إذا كان يعجبك
فأهلا وسهلا وإذا ما يعجبك فالباب توسع جمل!"
شعر بشيء من الانزعاج والإحباط لكن ليس اليأس ولا الكآبة، رجع إلى
فراشه، أراد أن ينام. كانت زوجته لا تزال تغط في نوم عميق، مستمرة
في شخيرها، أطفأ النورالخافت، حاول أن ينام. دون جدوى! ثم حاول مرة
أخرى أن يستسلم إلى الرقاد على أنغام الشخير. أغمضَ عينيه. ضايقته
كثرة الصور والأفكار في رأسه.
تعبَ منها ودَّ لو يتخلصَ منها. وضع قطعة قماش سوداء على عينيه،
عله يتخلص من الأرق و القلق واللقطات والفلاش باك لكن بلا فائدة.
صورٌ أخرى كثيرة انهمرت عليه كزخات المطر الغزير وحوارات وهلوسات.
قال لنفسه لو كنتُ شاعرًا عبقريا، فحلا لقلتها شعرا متأثراً بما
يُنشر في هذه الايام.
في الليل، حين ينام البشر
والطيور والشجر
تستيقظ الهموم
ويطغى الضجر
تبث عليك السموم
ويخيم الوجوم
وسط واحة العمر.
حدّثَ نفسه قائلا:" دعك من الهَلْوَساتِ الآن وعُدْ الى دَيْدَنكَ
الأول، عُد إلى رشدك وأكمل قصتك ".
تذكّرَ خيوط القصة. عاد إلى نفسه مرة اخرى، علّه يتذكر شيئا من
الكابوس، رفع جسده متكئاً على الوسادة والحائط باقيًا في فراشه
الدافئ، بدأ يكتب من جديد بقلم ذي لون آخر.
ألقى نظرة على أوراقه ونصوصه، راقت له فوضى الكتابة بخط اليد وكثرة
الملحوظات والهوامش والإضافات بمختلف الألوان الأحمر والأزرق
والأخضر وانزعج قليلا من فكرة زوال كل هذا التنوع و"الاحتفال" في
الكومبيوتر.
- نعم، تذكرتُ ، كانت البنتُ تبكي، دخلتْ البنتُ بيتها باكيةً.
- يا أخي لا تُهَبّطْ قلوبنا، من هي اللي تبكي هذه؟ وثم ماذا ؟ "
ُطظ أو طز فيها هي وأميركا والشعب العربي عرف طريقه"!
- إصغِ لي أيها الغبي المتعجل، ولا تتسرع يا أهوج، دعني أكتب لك ما
قد تعتبره ثرثرةً، وإن كنتَ تعتبر كلامي مجرد هراء فما عليك إلا
الإصغاء بتركيز وقراءة الممحي وما بين السطور، فأنا أعني ما أقول
وما أكتب. ألم تقلْ لي أكثر من مرة إنك تقرأ الممحي؟ يلّه فرّجني
شطارتك! عليك أن تتيقّن بأن ما تقرأه وتسمعه فعلا ثرثرة أم لا.
عندها يمكن لك أن تقرر وتعمل ما تريده من اختيارات.
والآن الله يخليك أتركني لحالي أعبّر عما في دواخلي من هموم، صدقني
أنت لم تفهم بعد حجم الكارثة والمستنقع الذي نخوض فيه، فاتركني
الله يخليك أكتب عن الماساة:
يبدو أن أمها سألتها عن سبب بكائها، ولم تُجبْ البنت. لاحظَ أنه
يضع النقاط والحركات على الحروف لكي يفهمه بعض الأغنياء، العفو
أقصد الأغبياء. خطأ مطبعي كمبيوتري ليس إلا.
- يبدو عليك انزعجت من كلمة الأغبياء. وبالمناسبة كلا الأخوين
ضرّاط. معليش لا تزعل ولا تأخذ على نفسك فلا أنت غني ولا أنت غبي.
عليك أن تحكّم عقلك. وهل من المعقول أن تفصحَ البنت بصراحة عن سبب
بكائها؟ وخاصة عندما يكون ذلك في الحلم؟
- أجبتني ببلاهة عهدتها فيك:
- الله أعلم ماذا حدث لها، كل شيء معقول في هذه الدنيا. فعلاً، كل
شيء معقول كما يقول المغني البلوشي. صعدتْ البنتُ إلى غرفتها في
الطابق العلوي. أرسلتْ الأم ابنتها الكبرى لتفهم وضع أختها
الصغيرة، سألت الكبرى أختها النائحة:
- شنو صاربيك يابنت؟
لم تسمع الأخت الكبرى منها شيئا غير الدموع والعويل ونزلت خائبة.
فقدت الأم صوابها. ياترى ماذا حدث لهذه البنت. علم الأب بالأمر.
حدثتْ مشاورات ومباحثات ومداولات بل بروتوكولات بينهما.
فكّر الأب مليًّا بأن يعرض ابنته على الطبيب. أخذت الأم تصرخ
بالبنت وتزعق بها، شهرت عليها السكين مهددةً إياها بالقتل غسلا
للعار إن لم تخبرها عن سبب بكائها. أرادت الوالدة أن تعرف سر
الحلم.
- قولي لي! أكو شيء؟ صار بكِ شيء؟ شيء خطير؟
شعر الأب بغصة، تألم كثيراً لأمر خطيرٍ، قد يكون حدث لابنته.
فكّرَ بشرف العائلة. لكن هل يمكن للأمور الخطيرة أن تحدثَ في
الأحلام؟ يا إلهي، حتى الحلم ممنوع علينا، حتى الحلم لم نخلص منه!.
وسمع صراخ زوجته ونحيب ابنته الصغيرة. تحول الصراخ إلى عراك ونحيب
وعويل، بل ولولة وندب. توقفَ كلٌُ شيء.
انقطع المشهد. لم يعد هناك شيء يتذكره. اختفت الأم والسكين
وابنتاها ولا يزال الأبُ محتضنا ابنته الصغرى الثالثة. تألم لهذا
الانقطاع في الصور.
كان مندمجا به، بل منصهرا بروحه في ذلك العالم مفكّرًا في خوف الأم
على ابنتها مما شاهدته في المنام. تريدُ الأم أن تعلمَ كلَّ
خصوصيتها عن ابنتها حتى رؤيتها. أيّ أم حديدية هذه؟! بل أي خواء
هذا الذي يعيش فيه هؤلاء البشر؟
وتذكّرَ أحد المرضى النفسيين من القادمين من بلاد الحرب والدمار،
سأله:
- شلون الوضع في البلد؟
أجابه يائسًا:
- شلون يكون يعني؟ بلد نفطي وقائد عفطي!، واحد زمال، مخبّل، حتى
النغل يريد يعرف أصله وعندك الحساب، هذا وضعنا.
ثم أردف قائلا ضاحكًا بحسرة:
- تريد الصدق؟ جماعتنه كلهم زمايل ومخابيل، كلهم مسودنين، وهذا
العفطي مالنه ما طلع من زرف الحائط، أقدر أقول لك في بيت كل عراقي
أكو واحد مثله مدوّخ أهله ويضرب خواته وأخوته الصغار، غي نعم يبدو
هذه طبيعة عراقية..
تذكّرَ بعض تفاصيل الرؤيا، بل الكابوس، نهض من فراشه مرة اخرى،
حرّك جسمه حركاتٍ رياضيةً، جال بناظريه في الغرفة، تحرك في أرجاء
بيته. غسل وجهه بماء بارد، شغّل التلفاز، توجّه إلى محطة السي إن
إن، قرأ الأخبار المكتوبة بالإنجليزية علّه يجد خبرا مفرحا عن
بلاده العفطية كما يقول ذلك المريض نفسيّا.
عاد مرة أخرى إلى فراشه، تناولَ القلم وراح يعاود التدوين!! وبقلم
آخر ذي لون مختلف. سمعَ صوتا يقول له متهكّمًا:
- أيّ تدوين هذا بابا، يا....الظاهر بدأت تتفلسف وتتصور كل ما
تكتبه من خرابيط تدوينات؟ شْكولْ شْكولْ ورد الباقلاء!!
- ليش هذا الانتقاص؟ هذه شنو موقعها من الإعراب؟ ومن سيفهمها
غيرالعراقيين الشعبيين، وبالمناسبة أنا أستغرب السخرية من الناس من
خلال تشبيههم بوردِ الباقلاء! والله هذا تشبيه مضحك يذكرني بالمثل
العراقي: "هَمْ عاجب الذبّان يفس..."وكأن الفسو.. محلّل للبشر
ومحرّم على الذباب. أليست هي حاجة بيولوجية؟
يارجل الاضطهاد والانتقاص من الآخرين ونفيهم من طبيعتنا نحن
العراقيين لا أكثر ولا أقل. أرجوك دعني أدوّن اللحظة الجوهرية
لمجتمعنا، دعني أعمل ذلك وإلا سأموت، لا تقاطعني!
أنا شخصيًّا بخصيا مخصيا لا أفهم معنى هذا التشبيه، وأنتَ، هل
عرفتَ سبب إلصاق ورد الباقلاء في التشبيه السلبي؟!
- أنت تقلّد، تسخر، إذا كنت تسأل بجد فأقول لك: المعنى في قلب
الشاعر!
المهم ما في الأمر أنه أعاد الكرّةَ، وأخذ القلم وبدأ بتسجيل
الصورة أو الهرطقة الأخيره من حياته كما يقول؟ ولكن لماذا حياته؟
هو نفسه لايدري لماذا ولكن لا بأس، لنرَ كيف سيستمر في الكتابة،
لكن كل المحاولات باءت بالفشل وعادت قواعده إلى قواته سالمةً، أقصد
العكس.
عادَ الى فراشه مرة اخرى آملا في أن "جيوش النعاس ستغلبه هذه المرة
". ما هي إلا لحظات حتى بدأ يطلق أصواتا مثل "خووووو" يعني شخير
واختلطت مع أنغام زوجته ونامَ على هذه السمفونية حتى الصباح.
في الصباح استيقظَ والحمد لله كان لا يزال حيا، تذكّرَ صديقه
الرياضي أندريه، كان مَثَلَهُ الأعلى، ولكن في الكلام فقط، كان
يقولُ عنه إنه يحب الرياضة، يلعب كرة القدم والبوكر ويركض في
الصباح.
فكّر أن يركضَ كما يفعل أندريه لكنه قرر أن يذهب إلى الشارع، حاول
أن يجبرنفسه على ارتداء ملابس الرياضة، لم يحصل شيء من هذا.
خرجَ إلى الشارع، كان الطريق "يصوصي"، لم يكن هناك أحد غيره وامرأة
تنظف الشوارع، ألقت عليه التحية مبتسمةً ابتسامة الصباح:
- صباح الخير!
قالتها مشدّدةً على مخارج الحروف بدون أن تنظر إليه، قال لنفسه
"لعلها تريد من يشدد على مخارجها"، ثم أردفَ متمتمًا عاتبًا على
نفسه "شوف بالله إشلون أفكارسخيفة ومريضة عند هذا الرجل، العقل
السخيف في الجسم السخيف". نظراتُها قالتْ له:"لاآني مجنونة ولاعقلي
خفيف".
وبينما كان يستمتع بجولته الصباحية، يمشي محاورا نفسه كعادته، تذكر
مقطعاً مهمّاً آخرَ من الرؤيا. عاد إلى البيت بسرعة البرق. مسك
القلم والورقة وواصل الكتابة:
* * *
أية عجوز هذه؟ إنها ليست عجوزا كما كنت أتصورها او بالأحرى كما بدت
لي في اللقاء الأول، إنها تبدو الآن شابة تغني بحزن، لا، إنها
تبكي، هؤلاء العراقيون فاقوا كلّ الأقوام في أحزانهم، إنهم تكوين
بشري خارق للعادة، يغنون كما يبكون ويبكون كما يغنون، النواح
والغناء واللطم والنحيب والندب والعويل عندهم يستمد ألحانه من نفس
الجذور، قال لنفسه مواسيا "لكن ما دخلي أنا في الموضوع، إنها أم
الفتاة الاولى التي كانت تنحبُ، بالله لا أعرف اسمها ولا أتذكرها،
ياإلهي، إنها بدأت تمزق لوحتي المعلقة على الحائط، أفنيتُ أجمل
ساعات عمري من أجل إعادة خلق العالم من جديد".
لابد أني سأواجه مهمة الانتحار والخلاص من هذا العالم بعد الذي حصل
من إهاناتٍ بالكون الفني الجديد الذي ذبت فيه. لوحتي الجميلة،
لوحتي المعبرة، منعتها الرقابة، وتمزّقها اليوم امرأة مخبولة
مهووسة ببكارة ابنتها، أي جنون هذا؟ بل أي طغيان هذا؟.
قالت لي الأم إني أفسدتُ ابنتَها، لوحتي فيها ملامح جنسية، هي طبعا
لم تقل كلمة ملامح، هذه واحدة مجنونة لا تعرف مثل هذه التعابير
لكنها قالت بالحرف الواحد: أنت واحد عاق ترسم بنت شابة مصلّخة بدون
ملابس، خربتُ عقل بنتي الله لا يسامحك، أدخلت أشياء فاسدةً في
مخّها، بل في كلّ رأسها و في أجزاء أخرى من جسدها وهذا هو سبب
بكائها في الحلم. قاطعتها متسائلا: ألا يحق لها أن تحلم؟
صفعتني، بل لطمتني لطمة بقي رنينها في أذني لمدة طويلة، ذكرتني
بتلك الضربة التي تلقيتها على يد رجل الأمن في شبابي. ماذا فعلتُ
في ذلك الحين؟ ولِمَ هذه الصفعة؟ لم أعد أتذكر الأسباب، لكنها
بالتأكيد ليست أخطر من المطالبة بحقي في الحلم مجانا.
نحن شعب عريق، مولع بالصفعات، حكمته المرفوعة ليلا نهارا: اصفعْ
أخاك ظالما أو مظلوما. أو اصفعْ، اصفعْ حتى يرهبك الآخرون.
المهم ما في القصة كلها هو أنا الفنان الحساس هنا وما الكون من
حولي إلا إرهاصات. الكون كَوْنِي وأنا كَوْوون شاعررري! وهذا طبعا
لا يريده الآخرون. هؤلاء الناس مهووسون بهواية الاستباحة ومصادرة
الآخرين.
قلتُ للأم الجبروت هذه:
- إنها رؤية جديدة للكون يارجل، عفوا يا امرأة، إنها تكوين خلاّق
وإبداعي للعالم، أجل إنها تكويني الخاص بي، ثم أنا لم أؤذِ أحدا،
أنا لم أؤذِ ابنتك، لماذا هذه العدوانية منك؟ بدأتِ تعتدين عليّ،
بالله عليك اتركيني.. لكن دون جدوى، صارت هذه المرأة أكثر مرارة
وشراسة، تحولت الأم إلى نمرة، لبوة جائعة، كلبة مسعورة، صارت تعبث
بكياني، بدأت تمزقني إربا إربا، نالت من الأحمر والأبيض، حتى
الأبيض لم يسلم منها.
يا إلهي إنها تمزق لوحتي من جديد، امرأة شريرة للغاية، شرّانية
تقدح عيناها بالشرر، شرٌّ هذا أم غضب من الله عليها وأهلها وناسها،
يا إلهي ماذا حلّ بهذا القوم؟ حتى نسائهم تقطر أجسادهن الشر
والرغبة في القتل والدمار، مزقت اللوحة، بدأت بغرس سكين في صدر
شابة يافعة برزت مفاتنها بسبب اهتراء ملابسها وسياط الشرطة، قالت
الأم الأفاقة "هذا إغواء، هذا يفسد بنتي"، ياربي! اللوحة، حتى
اللوحة لم تنجُ منها مرة ثانية، هشّمتها، كسرتْ إطاراتها صارت
تضربني بها، الإطارات قوية، من النوع الجيد والغالي، تضربني هذه
المرأة المسعورة بإطارات اللوحة، كسرتها على رأسي، كتفي، ماذا
سأقول لهذه النفوس البشرية الممزقة؟
من أين ساحصل لها على مثيل لها، الإطارات تكسرت، تضربني بلوحتي، يا
إلهي أية قسوة هذه؟ من أين لكم يا ناس مثل هذه القسوة؟ أين المحبة
والأخلاق التي تدعون وتنادون بها؟ لم يعد لديها شيء تضربني به،
صالت وجالت في المكان، راحت عيناها تبحث عن شيء تكسر به رأسي، وقعت
عيناها على سلة الخضروات الجميلة، أخذت السلة بيديها المتورمتين،
نظرت إليّ بعينين صخريتين وكانت أرنبة أنفها ترتجف والعرق يتصبّبُ
من صدغيها، تضربني بالسلة، ياإلهي، آخ رأسي، آخ رأسي، ماعلاقة رأسي
بالموضوع؟ طيّب الله يخليك اتركي رأسي لي وخذي الباقي لك! رأسي قوي
أقوى من السلة، رأسي صخرة تتناثرعليه السلة، تضربني باللوحة من
جديد! لم يعد في اللوحة شيء يذكر، أين البنت العراقية الأصيلة
الرفيقة الفاضلة المناضلة العنودة المغتصبة؟، أين البنت النرويجية
المدللة المرحة؟ أين تلك الزوجة المظلومة المتهمة بالخيانة زورا؟
أين البنت التي حرموها من حلمها؟ أين تلك التكوينات العراقية
البشرية القابعة تحت السياط؟ أين نظرات الشرطة؟ لوحتي، آه لوحتي
الجميلة كانت تحتوي كل رموز القهر والاستباحة. وسلة الخضروات، أين
هي؟ الرمانة الكبيرة الثقيلة سقطت على رأسي، يا الله، هذي تضربني
بالسلة مرة أخرى، من أين جاءت إمدادات الِسلاح؟ عفوا أقصد السِلال؟
آخ، آخ آخ، رأسي يؤلمني، آخ رأسي، يابا رأسي راح ينفجججججججر.
أفاق من نومه، أخبرالجميع بما جرى، حدّثهم عن الرؤيا، عن منامه، عن
همومه، نظروا إليه متسائلين بغباء:
- إلى متى تبقى تفكر في هذه السخافات؟
لايثقون بالأحلام فكيف سيفهمون الكَوْوون، يا إلهي؟!
الدَنمارك، روسكيلده 1990-1994
----------
* كاتب عراقي مُقيم في الدانمارك
|