|
صاموئيل هازو
ترجمة: فادي سعد*
صاموئيل هازو أحد مؤسسي منبر الشعر الدولي الشهير في مدينة
بطسبرغ وأحد الشعراء المعاصرين البارزين في الولايات المتحدة .
وُلِد عام 1928 في مدينة بطسبرغ لإحدى العائلات المُهاجرة من أصول
آشورية ولبنانية. قام بنشر أعماله الشعرية المختارة بعنوان " الشكر
لملاكٍ ضجرThank
a Bored Angel
" عام 1983 ، بعد أن تم ترشيحه في العام نفسه لجائزة " الكتاب
الوطني " . أحدث أعماله الأدبية رواية بعنوان " سكون " .
جرّبَ هازو أجناسًا أدبية كثيرة قبل أن يستقر على الشعر .
كما كان مناظرًا بارعًا في المجلات الثقافية، وقائدًا مُميّزًا في
الأسطول البحري الأمريكي، ومدرّبًا لكرة القدم الأمريكية والبيسبول
وكرة السلة الأمريكية، وفي عام 1965 أصبح أستاذًا للأدب الإنكليزي
في جامعة "دوكويسني
Duquesne
"، حيث مازال يمارس فيها مهنة التدريس .
تتضمّن مجموعاته الشعرية الإثنتا عشرة أعمالاً مثل : "حقوق
الدم
Blood Rights
" عام 1968 و " مرّة واحدة من أجل السارق الأخير
Once for the last Bandit
" عام 1972 و " إلى باريس
To Paris
" عام 1981. كما نشر هازو روايتين : " السقوط الحقيقي للشمس
The very fall of the Sun
" عام 1977 و " هواء الصيف البهيج
The Wanton Summer Air
" عام 1982 ، ومجموعة قصص قصيرة بعنوان " إهداءات
Inscripts
" عام 1975. كما له العديد من الأعمال والمقالات النقدية التي
نشرت في أهم الدوريات الثقافية الأمريكية. ساهم هازو في ترجمة
العديد من أعمال أدونيس الشعرية والأعمال الفلسفية للمفكر الأوروبي
"دونيس دو روجمان
Denis de Rougement
".
سُمّيَ بشخصية العام للفنون في مدينة "بطسبرغ" عام 1984 ،
كما قام في منبر الشعر الدولي باستضافة العديد من الأسماء الشعرية
البارزة بالإضافة للعديد من الممثلّين والمغنّين والأمراء. أُرسل
مرات عديدة في جولات ومحاضرات أدبية إلى مناطق الشرق الأوسط والهند
الغربية، مبعوثًا من قبل الوزارة الخارجية الأمريكية.
يقيم هازو الآن في مدينة بطسبرغ، مع زوجته ماري آن ، وابنه
صاموئيل الأصغر.
بعض الكلمات للرئيس ولسون
مُعلنًا الحرب على ألمانيا
ولكن ليس على مواطنيها ، لم يستخف
بأيّ من الأعداء، ماعدا الأمريكيين.
أصابوه بالشلل.
بعد أن صعقته سكتة الدماغ
استطاع أن يحافظ على ملامح ابتسامة.
واستطاع
أن يحافظ على هيبة ذقنه الموقّر ونظارته القابعة فوق أنفه
حتى بعد خسارة الرئاسة والغرق
في أثير العاديّة.
تُدثّره امرأتُه وتقرأ له في المساء
امرأةٌ يستحقها القليل من الرجال ،
هامَ فكره على تخوم "برينستون" و"ترينتون" والسنين التي احترقت
أمام "فيرساي "......
لم يخطر على باله
أنه سيكون الرئيس الأخير
ممّن يكتبون خطاباتهم
بخط اليد.
وأنّ
المستقبل الذي تنبّأَهُ ولم يره
سيُعيد نفسه بوجه آخر
فالحروبُ لن تُغيّر أسماءها
ولو غيّرتْ من وجوهها الكثيرة.
إلى
فوزي في القدس
تاركًا عالَـمًا هرمًا حتى الغياب
خالدًا حتى التشبّث ،
هجرتُ صقيع البحر الواسع
إلى عثرة "كولومبوس"
حيث ضاعت حياتي القديمة للأبد.
في "جَرش"، فوق الرمال
رأيتُ أعمدة روما القديمة
تسطعُ في الشمس كهياكل بائدة.
وخلف إحدى المصحّات ، يقفُ جنودٌ بعتادهم
يحرسون أرضًا بيداء
بين اليهود والأردنيين
بين خفاراتٍ عابسة ومَحار.
فوزي ، هزئتَ بلسانكَ العربي من "جيهوشافات"
قبل أن تُلمّع حذائي البطسبرغي
مقابل...لاشيء. لماذا رفضتَ
نقودي المعدنية ؟ لاأحد يعلم
فهذا هو سرّك وانتصارك.
أخبرتني كيف شهدتَ مقتل أبيكَ
علي يد الغازين ، لمّا كان أهالي "بيرشيبان" يندبون قتلاهم
ويطلبون الرحمة في حربهم المُقدّسة،
أخبرتني كيف أصبحتَ لصًّا لتستطيع البقاء حيًّا.
لابدّ أنّكَ ظننتَ أنّي سأدفعُ لك مزيدًا من القروش
عندما أسمع تاريخكَ البائس.
كنتُ مستعدًّا لذلك
إلى أن صرختَ : " لا، أنا لاآخذُ شيئًا.
أنا لاأريدُ أن تظنّ أمريكا أنّي عبدها.
أنا لاأكذبُ "
جلستُ أرقبُ نظرتكَ الفتيّة المليئة بالهمّ
وهي تطلب ثانية بريق السيف
ورائحة الدم والنار من "جيريشو"
لتخلّف وراءها عظام أبناء يهوذا
تسطع في الهواء
كأحجار روما القديمة في سهول "جرش".
وأدرتَ نظركَ بعيدًا عنّي .
القدس ، القدس،
هل هناك من أمل ؟ سألتُ وتضرّعتُ
من أجل السلام
من أجل نسيانكَ. ولكن هل ينفعُ التوسّلُ ؟
اليوم ، أعيش انكساركَ في أرضٍ تسكنني ،
وكلّما تحدّثتُ عن القدرِ
أتذكركَ ، فوزي ، أيها الصديق.
مرورًا ببيتسبرغ
بين المعارك القديمة والمعارك الآتية
أضعتُ عينيّ المسرحيتين.
أعياد الميلاد تفوح برائحة الموت. أشعرُ بتجمّدِ الزمن
خلف عقارب الساعة ،
وخلف ظلال اللهب المحترق في دمي.
أقف أعزلَ في نفس المكان
الذي وقفتْ فيه جيوش الجنرال ( برادَك)
أرى عوضًا عن الهورون ( أعداء المستوطنين)
أراضٍ مُعَدّة لعناق خساراتنا
مملوءة بعظام الهنود والمهاجرين.
ثلاثة قرون في غابات "وليام بِن "
تركتني قريبًا من كلّ الرجال المنْسيين
رجالٍ روّضوا هذه البريّة ليشيّدوا مدينة تخصّهم.
أمشي حيث سار "واشنطن" قبلي
مُلتفحًا بدثاره الجلدي
أمشي عبر ساحات المعارك ، فوق حطام الرموز وأشلاء الحديد،
أتنشّقُ هواء مُفعمًا بثورة مُطفَأة
وألعنُ صفارات الإنذار التي توقظني
كل إثنين من السنة. شيوخ البرلمان
أرادوا حمايتنا بقنابل وملاجئ.
أسوار من القذائف تحيط بالمدينة
بينما مسارح وبنوك المال تملأ المكان.
رعبٌ من هجوم مفاجئ
سيجمع اللصّ والصادق بحميميّة في ملجأ واحد.
لن يعترض أحد. يحمينا رجالٌ ، على مدار الساعة،
يقضون عمرهم أمام شاشات الرادارات،
ندفن ذكريات "هيروشيما" في تراب روما القديمة
ومدينة "تروي" العتيقة، بينما يُتحفنا حكّامنا
بخطابات لاتنتهي. لاأحد يريد الاعتراف،
أننا نسير فوق حطام الجماجم ،
ولاأحد يصلّي "لأشعيا" كي تُقال الحقيقة لنا
ثانية دون مواربة أو كذب .
صفارات الإنذار تدوي. سكان البلاد الأصليين
والرجال البيض الذين قاتلوا هنا، عمرهم ستة حروب.
مقيّدين إلى بنادقنا ، ننامُ
في المقابر المُشبعة برائحة الحروب
ونحلمُ أنّ خنادقنا كالبحار السبعة
ستحمينا من الأعداء.
العالم الذي يصنعه الضوء
تحت أمواج المحيط
والزرقة القاتمة، أبحرُ
مع صدى الرعد الصيفيّ
ورذاذ المطر .
صوتٌ بعيد يأتي من واشنطن
يهمس شيئا عن حربٍ في لبنان...
مُتفجّرًا
كهدير القذائف، يشق اللهب عنان السماء
يُضيء
سواد الليل ويبهرني حتى العمى.
مركبتي ملجأٌ
تحت الحصار.
مصابيح السيّارات القادمة
تلوح كعينيّ نسر الكوندور.
أسمع عويل المطر
عويلاً عربيّا يندبُ مأساة "غيرنيكا"
في بيروت.
أفكر بلوركا
الذي آمن أنّ ممالك الشعر والحبّ
قد تخلو من الأعداء.
لم يحلم أبدًا
ببريق الشارات فوق سواد البدلات العسكرية
ببريق الحروب
بخطوط القتال فوق خرائط المعارك التي أرعبتْ جيلاً كاملا..
صقور هذا الجيل تقتحم إسبانيا أخرى.
هذا المطر يُشبه ابتهال لوركا
المكسور .
الصوت القادم من واشنطن لاينتمي إلى أحد
ولاينتمي إلى العالم.
يحيا الموت!
----------
* شاعر سوري مقيم في أمريكا
f.saad@almouhajer.com
|