|
الشاعرُ شهيداً ..
كمال سبتي*
ولو أنها نفسٌ تموت جميعة ً
ولكنها نفس تساقطُ أنفسا
امرؤ القيس
هذه كتابة لا يرضى عنها الأكاديميون المنهجيون، ولا الفقهاء.
لكنها كتابة قد لا يعترض عليها شاعرٌ واحد قط، حتى لو كان من شعراء
الدولة.
الأكاديميون سيعترضون على الخلط في الأسماء، وفي الأزمنة. وعلى
الخلط بين قول شعري وواقعة حياتية.
والفقهاء سيعترضون على المعنى الذي نرتضيه هنا للشهيد ، فهم لا
يرون فيه غير المعنى الديني، بينما نحن نريد له هنا معنى شعرياً.
فيكون: ذلك الذي يموت في الموت غير العضوي في بيت شعري، وفي الموت
العضويّ: جوعاً، فقراً، ألماً، حزناً، حباً، غضباً، تحدياً، يأساً،
سكراً، برداً، خوفاً، تشرداً، قلقاً، توحداً، سأماً، رفضاً.. الخ
موت عضوي في الحياة، ما كان ليتم لولا الشعر. أو ما كان ليُضاء
لولا الشعر.
وهذا الأمر طبيعي في اللغات، عندما يغادر كيانٌ لغوي مدلوله الديني
إلى مدلول وظيفي آخر. فأنت تجيب على السؤال: كيف حالك؟ بـ الحمد
لله ، إجابة لغوية يجيبها المسلمون والمسيحيون واليهود والصابئة
واليزيديون والملحدون وغيرهم. لقد أخذت تعني أن الحال جيدة.
بل هناك مدلول ديني تحول إلى مدلول وظيفي آخر، في اللغة العربية
أولاً، ثم انتقل إلى شعب آخر لا يدين بالدين نفسه فيستخدمه بمعناه
الوظيفي بلا أية معرفة لما كان عليه في ماضيه، كالقول العربي: إن
شاء الله، المستخدم في اللغة العربية بمعان عديدة مثل يا ليت،
وعسى، ولعل، الخ والمنتقل الى اللغة الإسبانية في مفردة
Ojala
بالمعاني ذاتها التي أشرت إليها، وبالمدلول الوظيفي الجديد. لا
بالمدلول الديني وقد كان المسيحيون من الإسبان في حرب ضروس مع
المسلمين.
اذن سيرى القارئ أنني أستخدم مفردة شهيد بجمعها وفعلها وما يأتي
منه، شعرياً، بالطاقة المعنوية المعروفة، ولكن في اتجاه يصب في
الشعر. وليرحمني الفقهاء.
***
دخل الشعراء إلى اتحاد الأدباء، قادمين تواً من حفلة التكريم فرحين
كبنات مخطوبات.
لقد حصلوا على مكرمات: سيارات، ودنانير، وساعات تحمل صوراً لرئيس
البدو.
كان كلامي مع نادل نادي الاتحاد تحوَّلَ إلى صراخ في الممر المؤدي
إلى الحديقة . لقد رفض الحمار أن يكون الشرب في ذلك اليوم بالديْن
بحجة أن ديْني الذي لم أكن سددته بعد ، كان جد مرتفع.
جلس الشعراء حول موائدهم في الحديقة. يفتحون الظروف ـ المكرمات،
ويغلقونها أكثر من مرة. كلٌّ يحمل سعره.
حملني غضبي من نادل البار إلى الخارج، موقناً أن أمر الشرب سيتم في
غير هذا المكان، كما في كل مرة أكون فيها مفلساً.
توجهت إلى شارع أبي نؤاس، وفي ذهني قائمة من الأصدقاء. وفي كل مرة
أتذكر فيها اسماً آخر لأضيفه إلى القائمة أشعر بهون الأمر.
كنت أدمدم وحدي:
( تَعلَّمْ : أنّ في دمك سراً، لا تذكره الآن. قل إنما هو دولة لا
تخرج في الليل أو في النهار. ) كتبته حتى لا أنساه. وبقي قلبي
محتفظاً به، سنواتٍ ، حتى بدأت كتابة آخر المدن المقدسة بعد الهرب
، ليكرمني بحضوره في بلاد البرد.
لم أكتب أو بالأحرى لم أتذكر هذا ، لأتم مفارقة بين نقيضين. ربما
كانت لدي رغبة مّا لتحقيقهـــا ، ربما. لكـــنني تذكرتها، أعني هذه
المفــــارقة، في بلاد لا ترى فيها غير المفارقات. لأنني كنت
قبـــلها تساءلت عن معـــنى الشاعر في تلك البلاد، التي كـما
يقولون، أنجبت، وتنجب آلاف الشعراء.
كذب الأكاديميون. وكذب المصنفون والمعرِّفون معهم.
كل تلك الكتب الصفراء التي تتحدث عن معان للشاعر: زبالة ينبغي أن
ترمى.
ثمة معنى واحد للشاعر.
ثمة شعراء رسميون، مهرجون، بلاغيون، باعة جوالون و.. و..
لكن ثمة آخرون.. غرباء، شهداء..
غرباء عن هذا العالم، وضحاياه
الرسميون، والمهرجون، والبلاغيون، والباعة الجوالون هم أعداء أولئك
في حياتهم المريرة، ومنتحلون لعذابهم في كل مرة، ينتصر فيها الشعر.
ولكن أين ينتصر الشعر، والشهداء في كل مرة مشردون، فقراء، مرضى،
وموتى في ميتات لا تشبه ميتات أعدائهم؟
كنت وأنا أدمدم مع نفسي شعراً عن الدولة التي لا تخرج في الليل أو
في النهار، تذكرت كتاباً للعقاد عن الحسين قال فيه إن استشهاده
أسقط دولاً وأقام أخرى.
بهذا المعنى يتغرب الشاعر ويستشهد، ليسقط دولاً ويقيم أخرى.
وبهذا المعنى ينتصر الشعر.
ربما يغير العسكريون رئيساً مع وزرائه في انقلاب. لكن الشعراء
الذين أعنيهم يغيرون الدولة برئيسها، ونظامها المقدس في كل ما هو
ثقافي واجتماعي وتاريخي. إنهم يغيرون الناس، والتاريخ.. التاريخ
كله بكل ما فيه من مقولات ترسخت وحوادث حُفظَت.
ولأن افعالهم تشبه الأقدار المحتمة التي لا بد أن يرتكبوها يطردون
من الجمهوريات. ولنتذكر ميتات بعضهم، شعرياً وعضوياً:
طرفة بن العبد، الغلام القتيل في قطع يديه ورجليه وفي (وما زال
تشرابي الخمور ولذتي/وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتْلدي). مجنون ليلى في
موته من الحب وفي (وقالوا لو تشاءُ سلوتَ عنها/فقلت لهم، فإني لا
أشاءُ) وفي (وعروة مات موتاً مستريحاً/وهاأنذا أموت بكل يوم..).
وضاح اليمن في رميه في البئر بعد تغزله بابنة أمير المؤمنين وفي
(ترجَّلَ وضاح وأسبلَ بعدما/تكهَّلَ حيناً في الكهول، وما احتلمْ).
صالح بن عبد القدوس في صلبه زنديقاً بأمر المهدي وفي (خرجنا من
الدنيا ونحن من آهلها/فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى). بشار بن
برد، الأعمى، في مقتله زنديقاً بالجلد بالسياط، وقيل إنه دفن حياً،
كما طرفة، وفي (لا أستطيع الهوى وهجرتها/قلبي ضعيف وقلبها حجرُ).
أبو نؤاس في كل حياته وفي كل شعره، بوقوفه أمام أمير المؤمنين
متهماً بالزندقة، بكرمه، بإفلاسه، بموته في الحانات كل يوم، بتخفيه
عن الأمين، وبموته آخر المطاف مسموماً، كما يقال، أو مضروباً.. وفي
آخر شعر قاله: (دبّ فيّ البلاء سفلاً وعلوا/وأراني أموتُ عضواً
فعضوا) وفي ما قاله غلامه: غلام أزدي بعد موته: (ماتَ البديع وماتت
دولة الفطن.. الخ). دعبل الخزاعي في هجوه الخلفاء وفي (إني لأفتح
عيني حين أفتحها/على كثير ولكن لا أرى أحدا). أبو تمام في بكائه
على نفس الشعر التي ماتت وفي (لم آتها، من أيّ صوب جئتها/إلاّ
حسبتُ بيوتها أجداثا). ابن الرومي البغدادي في موته مسموماً وفي
(ومبيتي بلا ضجيعٍ لدى القرِّ وللوغدِ شادنٌ مخضوبُ). الحلاج في ما
قاله قــــبل الموت: (قيامي بحقك ناسوتية، وقيامك بحقــــي
لاهوتية) وفي بكائه في يوم مّا، قبل الصلب: (أكثرْ أعدائي في
بلادك). المتنــبي في محنة ألا يذكرَ في حياته اســــمَ أبيه، وألا
يذكره أحد غيره في حياته، أو بعد حياته إلى الأبد. وفي (واحرّ
قلباه..) وفي (أرى العراق طويل الليل..). المعريّ في إنقاذ المعرة
من حصار صالح بن مــــرداس وفي (أنا أعمى أهدي الى المنهج والناسُ
كلهم عميان). ابن سبعين في تركه القضـاء، ليهيم في الشوارع فيركض
الصبيان وراءه، ويرمونه بالحجارة وفي (بد العارف). السهروردي
المقتول بأمر صلاح الدين وفي (ما حييت لغسل اللبّاد) وفي (الغربة
الغربية). ثربانتس في بكائه في الصفحة الأخيرة من دون كيخوته بعد
أن نشر أحدهم ـ قبله ـ قسماً ثانياً لها. فيصرخ (دون كيخوته ولِد
من أجلي، وأنا ولدت من أجله). مارلو في مقتله البائس بسبب بضعة
فلوس. شيللي في رفضه أن يتخلى عن كتاب نشره ضدّ الدين ، فلا ينعم
بوراثة أبيه، ويموت بعدها غرقاً مع كتاب لسوفكليس. بايرون في وقوفه
مع نابليون ضدّ بلده انكلترا وفي موته جندياً في اليونان. شيللر في
صدّه بتهوفن عن رؤية نابليون. هولدرلين في شرقياته الفارسية وفي
جنونه. أدغار ألان بو في شكل موته وفي جواب غرابه كل مرة: أبداً..
أبداً. ديكنسون معتزلة لا تُري نفسها لأيّ مخلوق. رامبو المقبل على
الموت، يدمدم (الله كريم) باللغة العربية. يسينين المنتحر بسبب
روزا دونكان. لوركا في توسله إلى السفلة من أفراد الحرس المدني
الإسباني: (ألا تقتلوني). آرتو المجنون، المنتقل من مصح إلى آخر،
في إبلاغه اندريه بريتون أنّ عشرات الالوف قد ملأوا شوارع لوهافر
مطالبين بإطلاق سراحه لحظة إلقاء القبض عليه، وأن بريتون نفسه قد
قتِل بالفعل أثناء المجزرة التي حدثت تبعا لذلك . السياب في توسله
إلى لواء ركن كان مديراً للموانىء العراقية ومخاطبته إياه: (سيدي
اللواء الركن مدير الموانىء العراقية). عبد الأمير الحصيري في
تنقله مطروداً من مائدة الى اخرى في اتحاد الأدباء، وفي (أنا
الشريد، لماذا الناس تذعر من وجهي، وتهرب من أقدامي الطرق)، خليل
حاوي في انتحاره هو والاعمى المغني والكلاب، أمل دنقل في بكائه مع
زرقاء اليمامة وفي (لا تصالح ولو قلدوك الذهب) صلاح عبد الصبور في
(ينبئني شتاء هذا العام/ بأنني سوف أموت/ ذات شتاء مثله، ذات
شتاء).. الجواهري في غرباته عن بلاده وفي (طه، وما جزعاً أبث
شكايتي..)..
ولست أنوي المضي طويلاً في تذكر الميتات وتعداد أسماء لا أدري متى
أنتهي منها. ما كتبته هنا هو ما بدر إلى الذهن. وللقارىء الفطن أن
يستذكر قائمة أخرى في ذهنه بدءاً من شاعر ملحمة جلجامش في مقتل
أنكيدو مثلاً، ويمر بأرستو فان في مرثيته لسوفكليس في الضفادع:
(قانع وسط الأحياء، قانع وسط الموتى)، وبآخرين من أزمنة لاحقة حتى
يصل بعد قرون إلى غوته في الروح الرافضة في فاوست، وبودلير في
علاقته بأمه، ولوتريامون، الميت غضباً ويأساً، في انتهاكه النظام
والفوضى معاً..
ويستطيع أن يتذكر من شعوب قريبة منا، في الهند وباكستان وايران
وكردستان وتركيا وغيرها، شعراءَ كباراً في ميتات ملفتة.
* * *
أولئك كانوا شعراء، ولدوا لكي لا يعيشوا مثل بقية الخلق.. ولكي لا
يموتوا مثلهم. ولقد تعمدت أن أخلط الغربيين بالعرب ليلاحظ القارئ
أن هناك تناغماً روحياً بينهما، حتى لكأنهما أبناء قبيلة واحدة.
وسأدع الغربيين جانباً في هذه الكتابة، فالأدب الغربي انتهى منذ
زمن طويل من رسم صورة الشاعر الشهيد في الغرب، بل لا يعد فيه
الشاعر شاعراً حقاً إلا إذا كان من تلك القبيلة التي ذكرت بعض
أسمائها.
وسأذهب الى ما أسميه : دولة المتوكل والغزالي.. أعني عرب اليوم.
فصورة الشاعر عندهم، لما تزل، مضحكة، بعيدة عن أية مأساة. ومن
المضحك المبكي أن العرب تسمي نفسها أمة شاعرة.
الشاعر هو قوال كذاب، لا يتوانى عن أي قول. بل أن في عراق اليوم
شتيمة مؤذية هي شعّار يقولها الناس ضد القوّال الكذاّب، وضد الذي
لا شرف في أفعاله ولا كبرياء، بل تهريج. وأحسب أن المفردة قد اشتقت
من الجذر ذاته الذي جُبِلَ منه الشاعر.
عالم اجتماع، كالراحل علي الوردي، يقدم صورة مضحكة عن الشعراء في
كل مرة يذكرهم فيها، مثل (وكعادتهم أو هذا ديدنهم) ، ويستغرب من
الذين يقولون إن الشعراء شموع تحترق لتنير الدرب للآخرين، وأشياء
أخرى كثيرة، تجدها مبثوثة هنا وهناك، في كتبه.
يوحي الوردي ـ وانا أقرأه، لأنني لا أملك آخرَ غيره، يحدثني عن
تاريخي الشخصي بالنضج والأمانة المعروفين عنه ـ في بعض أفكاره أنه
ضد دولة المتوكل والغزالي. يحاول في أحيان كثيرة، التلميح إلى هذا.
لكنه عندما يتعلق الأمر بالشعراء، نجده غارقاً في صورة كاريكاتورية
عجيبة عنهم. ربما ثمة حادثة شخصية في حياته هي التي جعلته ينظر
إليهم تلك النظرة الهزلية. أو ربما بسبب بيئته الاجتماعية التي عاش
فيها، والتي جعلته يرى شعراء مجالس فاتحة أو حسينيات .. أو.. أو..
لكنه كمؤرخ، وكعالم اجتماع، لابد أنه قرأ عن غير ما رأى.
أفمن المعقول أنه لم يسأل نفسه: ما كل تلك الصلبان؟ وما كل تلك
الميتات الغريبة؟ وما كل ذاك الجنون؟
لقد ظلم الشاعر العربي كثيراً، لأسباب لها علاقة بالسلطة والدين.
كان الخليفة يصور نفسه أنه الواهب المعطي. وهو محق هنا، في وقت كان
الشاعر فيه مادحه، لأن المدح كان غرضاً شعرياً، ووسيلة نشر، ولأنه
كان يتم أيضاً، لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية، لسنا بصددها
الان.
هذا الأمر ما كان عربياً منذ البدء حتى النهاية، فالأدب الغربي كله
يعج في ذلك الوقت القرين للوقت العربي بقصائد المديح والرثاء
والإهداءات إلى الملوك والقادة والكونتات وما إلى ذلك من رتب
معروفة.
لكن الشاعر العربي، وأنا أعني من ينتمي إلى قبيلة الشهداء التي
أشرت اليها، كان يعبر في شعره عن شخصية قوية ومتطرفة أحياناً في
أوج مدحه للآخر. فلا أحد يستطيع التصور، مجرد التصور أن يقول
المتنبي في حضرة سيف الدولة:
سيعلم الجمعُ ممّن ضمَّ مجلسُنا
بأنني خيرُ من تَسعى به قَدَمُ
ومع حق الخليفة في تصوره عن نفسه أنها المركز الكوني، الذي يتزاحم
الشعراء على الفوز به. فقد كان هناك شعراء لا يذهبون ـ أحياناً ـ
إليه، إلاّ بعد أن يطلبهم، وسيكون أبو نؤاس مثلاً. فكم مرة أراده
هارون ومن بعده الأمين، فلا يجدانه إلا بعد وقت من البحث، في بار
بغدادي، مخموراً مع غلام. ولنتذكر أن أول مرة رآه الرشيد فيها كان
مقبوضاً عليه بتهمة الزندقة. ولنتذكر ـ أيضاً ـ أنه كان يرهن ثيابه
وخلع خليفة بني العباس عليه من أجل الخمر.
كم مرة سجن أبو نواس وكم مرة كان رأسه سيقطع عن جسده، كم مرة مات
في حياته، كما يتشكى امرؤ القيس في البيت الذي قدمنا به هذه
الكتابة.
تجمّع مرة عند الرشيد، وشاة السلطة من الفقهاء ومجالسي الخليفة.
قالوا عن أبي نؤاس: إنه زنديق فهو القائل:
يا أحمد المرتجى في كل نائبةٍ
قم سيدي نعص جبار السمواتِ
وكاد رأس الشاعر أن يقطع، لولا ذكاؤه فيقول للرشيد: أنى يكون
زنديقاً من يقرّ أن للسموات جباراً.
السلطة والدين عاملان أساسيان في تدمير فكرة الشهادة عند الشاعر
العربي، وهما حتى هذه اللحظة قائمان ومتحكمان في دولة المتوكل
والغزالي.
الخليفة حاكم باسم الدين، والدين قوي بقوة الخليفة، ومناصرته
وبينهما الشاعر المسكين، المرتد، الزنديق.
إنهما لا يكتفيان بقتل الشاعر، بجلده، بدفنه حياً، بصلبه، بحرقه،
بتعليق رأسه في الكرخ، وباقي جسده في الرصافة، إنما يسفهان موته
خوفاً من بقائه حياً بعد الموت. فكان الشعراء الشهداء عندهما
مداحين، مرتزقة، في صورة هزلية مشوهة، ستنتقل كما هي إلى عقل عالم
الاجتماع، المتنور.
لقد قاما بدعاية مضادة ضد الموت الشعري، عبر تلك القرون كلها. لكن
الشاعر، المسكين، الشهيد، كان ينتصر بعد حياته، في كل مرة. وسيكون،
مرة أخرى، أبو نؤاس مثلاً، فتتفق كتب التاريخ عنه بأنه كان شاعر
غلمان وسكر ومجون. حسن، لم يعرفا ،أعني ـ السلطة والدين ـ أن
الشاعر ربما سينتقم منهما جاراً التاريخ كله له ومعه.
يروي لنا ابن منظور وأبو هفان في كتابيهما عن أخبار أبي نؤاس أن
الشاعر كان يشرب ذات مرة مع الخليفة الأمين الذي نشط للسباحة فلبس
ثياب ملحم (من الحرير) ووقع في البركة فنظر أبو نؤاس إلى بدن محمد
فرأى شيئا لم ير مثله قط فلما كان من غد قال أبو نؤاس لراوي الخبر:
ويلك، رأيته فرأيت بلية لا توصف وفتنة لا تطاق ثم أنشأ يقول:
إني لَصبُّ ولا أقول بمن
أخافُ من لا يخافُ من أحدِ
إذا تفكَّرتُ في هوايَ لَهُ
مسستُ رأسي هل طارَ عن جسدي
إني على ما ذكرتُ من فرقٍ
لآملٌ أنْ أنالهُ بيدي
وبعد أن قال الشاعر أبياته هذه ، بقي بعدها ـ في آخر أيام الأمين ـ
مستخفياً، فلم يظهر حتى قتل الخليفة.
ولم يمر انتقام شعري كهذا ، مروراً سهلاً في كتابة التاريخ.
فغير تخفي الشاعر الأعزل عن الخليفة وحرسه ووشاته وعيونه ، غير هذا
القتل، نعثر على قتل آخر للشاعر في كذب الرواة لإبعاد الأبيات عن
الخليفة وجسده. فيقول بعضهم إنها كانت في كوثر خادم الأمين، ويقول
ثانٍ إنها كانت في أخيه أبي عيسي، بل أن ثالثاً يقول إنها كانت في
مديح الأمين!!... و.... و..
أبو نؤاس شاعر غلمان . حسن، إن الأخيرة وفق سياقها هذا، تعني
فروخاً في اللهجة العراقية، وربما في اللهجة الكويتية أيضاً،
وللتحقق من هذا الأمر ينبغي أن نسأل كويتياً!
وفي مختار الصحاح والمعجم الوسيط نقرأ تعريفاً للفرخ: ولد الطائر
كما يقول الرازي، ويؤيده المعجم الوسيط، لكنه يضيف الى أن الفرخ من
الرجال هو الذليل، وربما من هذا المعنى نستطيع أن نفهم لماذا يقال
في الكلام العراقي: الفرخ مكسور العين.
لقد أراد أبو نؤاس ذات مرة، أن يكسر عين أمير مؤمنين، عربي.
---------
* شاعر عراقي مقيم في هولندا
|