|
العلاقة بين الشعر والقارئ
التجاني بولعوالي*
س: هل هناك إشكالية برأيكم في العلاقة الحالية بين الشعر والجمهور
؟ وإذا كان هناك من إشكالية، ما هي برأيكم الأسباب؟
ج: إن العلاقة بين الشاعر وقارئه تظل محكومة بالسياق الزماني
والمكاني الذي ينتظم عبره كل منهما، حيث تكتسي هذه العلاقة طابعًا
يواكب طبيعة ذلك السياق، لذا أعتقد أن أي مقارنة بين مكانة الشاعر
في الزمن العربي الغابر، ومكانته في الزمن الحاضر، ليست في محلها،
إذ لا قياس مع وجود الفارق، وإلا فلماذا خصّ القرآن الكريم كل قوم
بنبي معين، ومعجزة معينة، ولماذا لا نتعلم من المنهج القرآني الذي
يطرح قضايا على مقاس البيئة التي هو بصدد تناولها أو إفهامها. على
هذا الأساس أنفي وجود أي إشكالية في علاقة الشعر بالجمهور، لأن
إطلاق مصطلح الإشكالية يعني من جهة اغتيال الشاعر، وجعله يخاطب
مخلوقات منظورة وليست محسوسة، وهمية وليست واقعية، ومن جهة أخرى
يشير إلى غياب كلي للقارئ، ومن ثمة تهجيره من عالم الشاعر المنعزل
والقصي. من هنا أسلم بأن هناك شيء آخر يطرأ في هذه العلاقة، مثل
تناقص الإقبال على قراءة الشعر وتعاطيه، وهذا لا يعني النفور منه
أو عدم قبوله، بقدرما يحيل على أن السياق العام استحال وتبدل،
فاكتشف الإنسان/القارئ فسحات وعوالم جديدة استبدل بها الشعر خاصة،
والقراءة عامة، مثل الشاشة والإنترنت والمسرح والسينما والتشكيل
وغير ذلك، وكل هذه الإبداعات البشرية لم تكن موجودة قديما، مما
مكّن الشعر آنذاك من الهيمنة على كل الصُّعُد، فكان طوال قرون
عديدة الفن الأول الذي شد إليه أنظار وألباب ونفوس القراء، من كل
الأجناس والشرائح والمستويات.
س: هل الحديث عن انكماش جمهور الشعر وتقوقعه على نفسه حديث نظري
أكاديمي فقط، وإذا لم يكن كذلك هل ترون من مُلام في ذلك؟
ج: في اعتقادي أن قضية انكماش جمهور الشعر وتقوقعه على نفسه، ليس
فقط حديثا نظريا أكاديميا، وإنما حقيقة واقعية، ينبغي التسليم بها
من غير جدل، وعندما أقرن ذلك بالسياق الراهن، أدرك أن هذا الانكماش
أمر طبيعي، لأنك إذا قمت باستفتاء، وخيّرت القراء والمتلقين، على
سبيل المثال، بين قراءة الشعر ومشاهدة الفيلم أو الشاشة عموما،
سوف تتوصل إلى أن أكثر من 70% سوف يميل إلى الاختيار الثاني، الذي
هو مشاهدة الفيلم، ونفس هذا الانكماش حصل أيضا، وبشكل لافت للنظر،
في الإقبال على الاستماع إلى المذياع، وقراءة الصحف وغير ذلك.
استنادا إلى هذا يبدو أن تناقص متتبعي الشعر ومتذوقيه أمر لا مراء
فيه، لكن هذا لا يعني بشكل من الأشكال أنه لم يصبح للقصيدة متسع
على الأرض، كما يعبر الشاعر الفلسطيني محمود درويش! بقدرما يدل على
أن القصيدة أو الشعر بالرغم من صخب الحياة الحديثة واندفاعها،
وبالرغم من بريق التكنولوجيا الجذاب وسطوته، استطاعت أن تخلق
لنفسها فضاء معتبرا داخل ذلك الصخب الذي لا يرحم، فتسللت إلى أشكال
ثقافية حديثة جمة، وتمكنت من أن توجد لها فيها حيزا مهما، فصارت
القصيدة لا تلتقط فقط من أفواه الشعراء كما كان الأمر قديما، ولا
تقرأ في القراطيس والصحائف فقط، وإنما يتلقاها الجمهور بصيغة
مباشرة وغير مباشرة من خلال شتى الوسائل والأصناف الإبداعية،
ابتداء من الأغنية وصولا إلى الإنترنت، مما يجعلنا، كما أشرت في
حوار أجراه معي موقع عربستان، نتحدث عن رسالة الشعر في زمن
الماركوتينغ! حيث استطاع الشعر
أن يحيا ويستمر رغم التبدلات العميقة التي غيرت وجه التاريخ
البشري، ولو أننا نعيش في زمن الثورة المعلوماتية، وفي زمن الصورة
والعولمة، فالشعر ما يزال حاضرا، ليس ذلك الحضور التقليدي، وإنما
حاول أن يتأقلم مع المناخ الجديد، فطوّع التكنولوجيا الحديثة
لصالحه، فاستعمل الإنترنت في تقريب المتلقي من الشعر، وأصبح الحديث
حول الماركوتينغ حتي في ميدان الأدب والشعر!
س: هل تفكرون أثناء عملية الكتابة بالقارئ والتفاعل المرتقب
بينه وبين النص؟ هل تفكرون بإرضاء القارئ؟
ج: أكيد أن القارئ يظل حاضرا أثناء تشكيل قسمات النص الشعري، إلا
أن كل شاعر يفترض زمن الكتابة قارئا معينا، حسب ذوقه ومقاسه
واحتماله، وهذا الافتراض من شأنه أن يشكل أحيانا ضغطا إضافيا على
الشاعر، فيحاول تحري الجودة في الكتابة والإيقاع واختيار المعجم
ونحو ذلك، لأنه يهاب ليس من سلطة النقد فحسب، وإنما من ذوق القارئ
كذلك، ففيما أرى أن الناقد قارئ غير عادي، والعكس صحيح، فالقارئ
ناقد غير عادي! فإذا كانت مهمة الناقد تقف عند تقييم النص وتبيين
غثاثته وسمنته، فإن القارئ يتعدى ذلك إلى ما هو أخطر ومصيري
بالنسبة إلى الشاعر، وهو قبول ذلك النص أو رفضه، فعند القبول يسلم
الشاعر ويصبح إبداعه متداولا، وأثناء الرفض يموت الشاعر، فيندثر
إبداعه فورا. لذلك فقد أصابَ الرأي الذي يقول بأن الشاعر بمجرد ما
ينتهي من كتابة نصه، يصبح ذلك النص ملكا للقارئ! مما يحث عليه (أي
الشاعر) ليس إرضاء المتلقي، ولكن أخذه بعين الاعتبار، باحترام ملكة
ذوقه، وإشراكه في عملية الكتابة، عن طريق تناول قضاياه، والوقوف في
صفه، وغير ذلك من الجوانب المهمة.
س: هل يُكتب الشعر من أجل أيّ قارئ؟ من أجل قارئ معيّن؟ من أجل
نفسه؟ أو من أجل الشعراء فقط؟
ج: لقد أشرت في الجواب السالف إلى شيء من ذلك القبيل، حيث أن كل
شاعر يحتمل قارئا معينا، لذلك يمكن الحديث عن تعددية قُرَّاء
الشعر، وهي تعددية ليست جديدة، نجم عنها في التأطير النقدي أو
الفكري تعددية ملازمة، في التفسيرات التي انصبت على ما هو شعري،
وأودّ هنا الإشارة إلى خلاصة بحث جامعي قمت به منذ ما يعادل عقد من
الزمن، كان تحت عنوان (الشعر العربي بين سلطة المعيار ولذة
الانزياح)،
حيث تناولت الشعر العربي في علاقته مع المعيار الذي يضبط بنيته
الدلالية والجمالية، وكيف يحاول الشعراء على مر العصور والأحقاب
الانزياح عن هذا المعيار أو الضابط. ومهدت لهذا البحث بالحديث عن
التفسيرات السائدة التي قامت بمقاربة الشعر، فتوصلت إلى أنه ثمة
العديد من التفسيرات، أهمها التفسير الفني الذي يختزل الشعر فيما
هو جمالي بحت، فلا يتعدى ذلك إلى ما هو مضموني إلا نادرا، ثم
التفسير الأيديولوجي الذي يقف إما عند الجانب الشكلي من الشعر ولا
يتجاوزه إلى ما هو دلالي، فلا يرى الشعر إلا من حيث أنه شكل، كما
كان سائدا عند الشكلانيين الروس، وكثيرا ما كان روّاد هذا التوجه
يدعون الحياد الشكلي تحت ذريعة الفن للفن أو الشعر للشعر، وفي
المقابل، وكنقيض لهذه المدرسة تنتصب المدرسة السوسيولوجية التي
تؤكد أهمية الجانب المضموني للخطاب الشعري، فيصبح الشعر مجرد بوق
لما هو أيديولوجي وسياسي، ساعيا بشكل حثيث إلى إثبات رسالية الشعر،
مما يؤثر على الخصوصيات الفنية للنص الشعري، فنجد أنفسنا أمام
بيانات حزبية، أو شعارات أيديولوجية خالية من ماء الشعر وطلاوته!
وفي الأخير يمكن الحديث عن التفسير الإنساني، وهو تفسير يوازن بين
ما هو دلالي وما هو جمالي، وهذا ما يهب النص قيمته الفذة التي بها
يمتد مكانيا أو يستمر تاريخيا، وأغلب الشعراء الذين ما يزالون
أحياء بشعرهم في الذاكرة الشعبية والنخبوية على سواء، إنما المرجع
في ذلك إلى انتهاجهم قانون التوازن في الكتابة الشعرية، فخلفوا لنا
تراثا شعريا، قابلا لكل إنسان ولكل زمان ولكل مكان، تراثا شعريا لا
يأبه بإحداثيات الجغرافيا، ولا بالحواجز الزمانية، وخير مثال على
ذلك، قديما شعراء المعلقات والمتنبي وأبو العتاهية وأبو فراس
الحمداني وغيرهم كثير، وحديثا بدر شاكر السياب وأمل دنقل والبياتي
وعبد المعطي حجازي والمجاطي وغيرهم.
انطلاقا من هذه التفسيرات يمكن أن نستكنه أن أي تيار شعري أو أدبي
يضع في الحسبان قارئا معينا، يوجه إليه خطابه الشعري، لذلك بدا أن
مستوى ذلك الإنتاج الشعري مرهون بنوعية الأيديولوجيا التي يتبناها
مبدعوه، إلا أن التفسير الأخير الذي ننعته بالإنساني، يتجاوز كل
الأيديولوجيات فنية كانت أم فكرية، ليقدم لنا نصا شعريا صالحا لكل
زمان ومكان، نصا يبلور ما هو مشترك بين كل الناس من قواسم دلالية
وجمالية، بغض النظر إلى الأزمنة أو الجغرافيا أو الأرومة أو
الثقافة أو ... التي ينحدرون منها.
س: هل ترون مشكلة في أشكال أو مضامين الكتابة الشعرية المعاصرة؟
وهل ترون في هذه الأشكال أحد الأسباب في تراجع قراءة الشعر؟
ج: إن قضية الأشكال أو المضامين التي تميز الكتابة الشعرية، سواء
قديما أم حديثا، ليس لها باع في تراجع قراءة الشعر، فهي قضية
مرهونة بالسياق العام الذي يندرج فيه ذلك الشعر، حقا أن النقد
انقسم في جداله إلى تيارات متباينة، منها ما يؤيد القالب الشعري
التقليدي، ومنها ما يعارضه، ومنها ما يزاوج بين التراث والحداثة
وهكذا، وهذا الانقسام صحي، لأنه على تنافره يحمل بذرات التنوع
والثراء للشعر والأدب العربي خصوصا، والعالمي عموما، لذلك أرى أن
ذلك النقد ذا الطابع الهجومي والسبابي والعدائي، سواء من مؤيدي
الشعر التقليدي، على الأشكال الشعرية المستحدثة من قصيدة التفعيلة
وقصيدة النثر، أم من مؤيدي الشعر الحديث على الشعر التقليدي، إنما
ينبني على أهواء أيديولوجية لا أكثر، فهو أولا لا يأخذ بعين
الاعتبار السياق العام الذي يوجد فيه، وثانيا لا يبالي بالتراث
الذي يظل مسكونا بروح الحداثة، ولو أنه ينتمي إلى الماضي.
أما فيما يخص علاقة هذه المضامين والأشكال المستحدثة بتراجع قراءة
الشعر، فهذا ليس واردا، لأن الشعر يظل شعرا، وإن كتب في قوالب
متنوعة، واهتم بموضوعات وتيمات جديدة، فهو ليس شيئا آخر، فهو ثابت،
لكن المتغير هو الآليات التي يقدم بها إلى القارئ، فإذا كان الشاعر
الجاهلي يقف في حلقة من الناس فينشد شعره، وإذا كان الشاعر
الإسلامي على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما الإمام ينتصب خلف
المنبر، وينطلق في قراءة شعره، وهذا شرف عظيم قلّما مُنِحَهُ
الشاعر عند الأمم الأخرى، وإذا كان الشاعر أثناء حكم بعض الدول
الإسلامية، يجلس بجانب الخليفة أو السلطان فيمتعه بنفاثات صدره،
فإنه يستوجب على الشاعر المعاصر أن ينتهج آليات شتى للتجاوب مع
جمهوره، وهي آليات أكثر فاعلية وانتشارا، فإذا كانت، مثلا،
الأمسيات الشعرية تستقطب قراء محدودين، فإن المواقع الإلكترونية
تستجلب قراء كثر، يعدون بمئات الآلاف، وهذه آلية جديدة من شأنها أن
تفعّل إقبال الجمهور على قراءة الشعر.
س: هل يجب الاهتمام بجماهيرية الشعر ؟ أم أن تساؤلا استهلاكيّا
كهذا يقع خارج وظيفة الفن السامية؟
ج: إن القارئ هو جزء لا يتجزأ من العملية الشعرية، فهو حاضر شئت أم
أبيت، بل وهو ثابت، لأنه من دونه يظل مفهوم الشعر مختلا وناقصا،
إلا أن ما ينبغي تأكيده هو أن جماهيرية الشعر ينبغي أن تقنن وتنظم،
وفي هذا الصدد يمكن لنا أن نستفيد من بعض المجالات الثقافية
والفنية، والكيفية التي استطاعت بها أن تستقطب أعدادا لا يستهان
بها من المتتبعين، ومن بين هذه المجالات نجد السينما والرياضة
والأغنية وغير ذلك، وقد سبق للدراسات النفسية والاجتماعية أن
استفادت من مختلف العلوم الفلسفية والطبيعية، فتوصلت بذلك إلى
نتائج باهرة، وسبق كذلك للنقد الأدبي أن استفاد من المناهج
الفلسفية والنفسية والاجتماعية، فلماذا لا يحاول الشعراء الاستفادة
من آليات مختلف الأشكال الثقافية والعلمية الحديثة في علاقته مع
القارئ المُحاصر بشتى وسائل التثقيف والترفيه والترويح، مما يضع
الشعر أمام تحديات حقيقية، لن يفلح في تخطيها إلا بالنزول إلى واقع
الحياة، والانفتاح على السياق الجديد الذي يتموقع فيه، والاستفادة
من الآليات المعاصرة المتاحة له، التي إن أُفلح في توظيفها تمكن
الشعر من ينتقل نقلة نوعية، في اتجاه القارئ.
---------
شاعر وكاتب مغربي مقيم
في
هولندا
tijanib@yahoo.com
|