|
الشعر والقارئ
أمال نوّار*
أنا ميالة إلى الاعتقاد بأنّ الأسباب الكمينة والغامضة التي تدفع
بالمرء إلى كتابة الشعر، أو ممارسة أي فن من الفنون، لهي في غنىً
تام عن أي محفزات خارجية تغذي وجودها الأصلي النابع من الذات. لا
بل أذهب إلى أبعد من ذلك للقول بأن أية عوامل خارجية أخرى من شأنها
التحريض على العمل الإبداعي قد تأتي بمفعول عكسي يطال صدقية النص
ومدى عفويته، وتالياً جودته وقيمته الإبداعية القائمة على شرط عدم
ارتهانه إلاّ لنداء ذاك الصوت الداخلي للموهبة، ولما يتولد عنها من
طاقة مشاعر نابعة من جذور الانفعال. الكتابة هي وسيلة تعبير عن
مكنون الذات، بغض النظر عن وجود قارىء من عدمه، وتالياً فإنّ مفهوم
الغائية في هذا الفعل الحرّ يفقده قدسية ما، ويحوله من مرتبة الفعل
والانفعال، إلى مرتبة التفاعل والافتعال. هذا بالطبع لا ينفي
إمكانية وأهمية تفاعل القارىء مع النص، ولكن هذه المسألة في رأيي،
يجب أن تسقط من حسابات المبدع أثناء الكتابة. القارىء يحتاج إلى
الصدق، خصوصاً في الكتابة الشعرية، التي هي فعل كينونة خالص. الصدق
هو مقياس تواصل العالم الداخلي مع العالم الخارجي. من دونه لا
يستطيع الكاتب أن يبدع حتى ولو كان موضوع كتاباته يتقاطع ورغبات
القراء. من هنا، فإن مسألة فقدان الشعر جمهوره الواسع، هي في نظري
أمر لا علاقة له البتة بمدى استجابة المبدع أو مدى تفاعله ورغبة
المتلقي. فالشاعر على سبيل المثال لا يخترع الأفكار، إنه فقط يعيد
صياغتها بإحساسه الذاتي المتميز والمتفرد. فموضاعات كالحب أو الألم
أو الحلم أو الحرية أو الغربة أو الفقد أو الوطن أو الموت الخ...هي
كلها موضوعات أزلية تمسّ الوجود، وما من إنسان في كل مكان وزمان لا
يتفاعل مع ما يمسّ كينونة وجوده. لكن مقياس هذا التفاعل يكمن في
مدى صدقية انفعال الشاعر، وأصالة موهبته ومدى قدرته التعبيرية لغةً
وأسلوباً على تحميل نصه بتضاعيف هذا التواتر المشحون للحالة التي
يتناولها شعرياً. ولعل تراجع جمهور الأدب والفن عموماً (الرسم
والموسيقى والمسرح الجدي) والفلسفة والشعر خصوصاً، وميله أكثر إلى
بعض القراءات الخفيفة المسلية التي لا تتطلب منه القيام بأي مجهود
فكري، وإلى بعض الوسائل الترفيهية مثل ممارسة الرياضة البدنية أو
مشاهدة التلفاز، واتكائه على بعض الوصفات الجاهزة مما تروجه وسائل
الإعلام عن بعض النشاطات الثقافية في تحديد ذائقته الأدبية
والفنية، كل ما سلف تعود أسبابه إلى ظروف اجتماعية وسياسية
واقتصادية تهيمن على حاجات الفرد ورغباته. فنحن نحيا في زمن الآلة
والسرعة والاستهلاك، زمن الاستنـزاف للطاقات البشرية في كل من
مجالي العمل اليدوي والذهني. من هنا فإن حاجة الإنسان للتسلية
والترويح عن نفسه من عبء مسار الحياة الضاغط، يدفع ميوله نحو كل ما
هو قليل التكلفة وسهل التناول، من وجبة المعدة السريعة إلى وجبة
الفكر الخفيفة إلى وجبة الروح والوجدان الخفيفة والسريعة معاً.
المشكلة إذن تتجاوز حدود المتلقي والمبدع على حد سواء. المشكلة
تكمن في طبيعة الظروف الموضوعية التي تحكم مساريْ الأدب والفن في
زمننا الراهن. حتى أننا لنجد أن ثمة تباين واضح، في ما يخص الكاتب
على سبيل المثال، ما بين قدرته على العطاء وقدرته على التلقي.
فشاعر هذا الزمن حتى ولو كان غزير الإنتاج، إلاّ أنه ليس قارئاً
مثابراً ومتعمقاً ومتبحراً كشاعر الأزمان الغابرة. وهذه ربما هي
مسألة أخرى تضاف إلى غيرها من الأسباب التي تساهم في الإخلال من
مستوى النص الإبداعي الحالي. فشاعر هذه الأيام لا يغذي موهبته
بالثقافة الكافية التي تدفع بالنص إلى أقصى روح التجربة، وإلى
اختبار فضاءات جديدة تميزه عن سواه، ما يدفع بالقارئ في الطرف
الآخر إلى التفاعل معه إلى الحدود القصوى. والشاعر المتلقي
هنا/الآن يخضع أيضاً للظروف الموضوعية ذاتها التي يخضع لها
الجمهور، وعلى رغم انتشار وسائل المعرفة والتكنولوجيا، والسهولة
التي يتسم بها اليوم المسعى إلى تحصيل الثقافة في شتى المجالات،
إلاّ أنّ عامل ضيق الوقت يتفوق على عامل اتساع آفاق المعرفة، وعامل
الإرهاق الجسدي والنفسي الطاغي يتفوق على عامل العطش الروحي وهلم
جرّ ... وهذا بعض مما يساهم في حالة التبلد الوجداني التي تطغى
اليوم على كمٍ هائل من النصوص.
لكل عصر ظروفه ومعطياته التاريخية التي تتحكم بمستوى الثقافة فيه،
ومستوى نتاج مبدعيه. وبعض هذه المعطيات هي خارجة عن إرادة الفرد،
إلاّ أنّ الإبداع بعينه أو القدرة الإبداعية (الموهبة) بغض النظر
عن العلاقات التي تحكمها بالقارئ هي غير مرهونة أو مشروطة بأي ظروف
أو عوامل من خارج مكنون الذات نفسها وما يعتمل فيها من انفعالات.
على المبدع فقط أن ينميها بالقراءة والانفتاح على عوالم الفنون
بأسرها والثقافات الأخرى في الماضي والحاضر، والانغماس في أسئلة
الحياة، والنهل من أسرار وكنوز الطبيعة، لأن هذا ما يغذي المخيلة
والإلهام الشعري ويرتقي بالنص إلى مستوى لا تعود معه المشكلة في
النص ذاته بل تنحصر في المتلقي. والأغلب أن النصوص الجيدة ستجد
طريقها إلى قلوب قرائها حتى ولو كان عددهم ضئيلاً، إذ أنّ جودة
الإبداع لا تخضع إلى المقياس الكمي بل النوعي، أي نوعية القارئ.
والقارئ النوعي لطالما كان عدده قليلاً على مر الزمن. وثمة العديد
من الشعراء والكتاب والفنانين الذين سبقوا أزمانهم، وتالياً لم
يُعرفوا ولم تُقدر نتاجاتهم إلا بعد مماتهم. وهذا ما يدفعنا للقول
بأن ثمة مواهب وقدرات إبداعية موجودة اليوم لا تنتمي لا إلى زمانها
ولا إلى مكانها، ولكنها تحيا وتترعرع وتنتج وتبدع مستعينةً بهذا
الشعور بالانفصال واللاانتماء وغربة الروح في بلورة مقدرتها
الإبداعية. الفن لا يموت بفعل التقادم ولا الشعر، وعلى حد قول
"غاستون باشلار" "فإن الشعر لا تاريخ له"، بمعنى أنه يمكنه
الاحتفاظ بطزاجيته لدى القارئ في أي زمن، وعلى هذا فإن ما لا يجد
طريقه إلى قارئ اليوم، قد يجدها إلى قارئ الغد ولو بعد حين ولو في
أقاصي العالم. من شأن الشاعر إذن أن يشتغل على نفسه، وليس من شأنه
بعد ذلك الجلوس على عتبة رغبة القارئ ودفعها إلى التواصل مع نصه.
الشاعر يكتب حتى ولو لم يكن هناك من قارئ غيره. يكتب للمتعة، لكي
يستطيع الاستمرار في الحياة، يكتب كي لا يموت، كي يتنفس، كي يتحرر
من صمته. يكتب بفعل إلحاح وطغيان الإلهام. يكتب لأنه لا يستطيع إلا
أن يكتب، لا لشيء، لا لسبب محدد، فقط من أجل الكتابة، هذا الفعل
الذي لا ترتهن أهميته بأهميته.
وإذا عدنا إلى مسألة مدى استجابة المبدع لرغبة المتلقي، وما إذا
كان في هذا الأمر من الأسباب التي تحكم علاقة القارئ الراهنة
بالشعر أو بالفن عموماً، لوجدنا أن ثمة استجابة عفوية وتلقائية من
قبل الشاعر تتماهى ورغبة القارئ ولكن بطريقة غير مباشرة. بمعنى أن
الشاعرحين يستجيب بكتاباته لطبيعة الحياة المعاصرة، فإن في هذا
استجابة للقارئ المعاصر الذي يشاركه هموم ومعطيات هذه الحياة. ولو
قمنا بإلقاء نظرة على قصيدة اليوم، لوجدنا أنها تتماهى إلى حد بعيد
مع تجليات ومعطيات حياتنا الراهنة. فهي تعبّر بتجاربها المتنوعة
والمتفاوتة في أهميتها، على اختلاف أجيالها، عن توق حقيقي إلى
اختراق مألوف اللغة والتراث، إلى أشكال ومضامين وفضاءات تواكب
إيقاع حياتنا المضطرب والمضطرم. وهي تبدو لكأنها على وشك الانعتاق
من قوالب الماضي، برطانتها وإطنابها وتصلّفها وثقلها إلى مشاهدات
ومعاينات تفوقها خفة وتحرراً وعراءً في البوح الشعري، وتفوقها
جهارةً في التعبير حدّ الفظاظة أحياناً، وتفوقها تآلفاً مع مكنون
طبيعتنا الراهنة الميالة إلى تأمل اللحظة لا المطلق، والغرف
الضيّقة لا الوجود، والقلوب الراكضة لا المتنسكة على التل. ولا
يقتصر هذا على تجارب شعراء مرحلة التسعينات، بل يتعداه إلى نتاجات
شعراء الحداثة الأولين الجديدة. إذ نجدها ابتعدت عن موضوعات الماضي
الأثيرة (الوطن، القضية السياسية، المجتمع، الطبيعة...) لتلتصق
أكثر بالذات وبالشارع وبالجدار وبخيط اللحظة الطائرة. عدا عن أن
العولمة والمواقع الثقافية المتكاثرة اليوم على الإنترنت، سلحتنا
بآليات تمكننا من اختزال الزمن والمسافة، ومن اقتضاب وتكثيف القول
الشعري لغةً ومضموناً. فالنَفَس الشعري لم يعد طويلاً وصاخباً، بل
متقطعاً ومتلعثماً ومضغوطاً، ومنذ التسعينات راحت النصوص الشعرية
الطويلة النَفَس، المُفرطة في الهَذر، والناهلة من الأساطير، تقصر
وتتسطح و تتشيء وتتكثف وتميل إلى التلميح والومض، إلى حد جعل من
جسد القصيدة أحياناً يقتصر على سطرين، وروحها على جذوة. وعليه فإن
مسار الكتابة الشعرية اليوم يبدو أميناً على مسألة الصدق مع الذات،
ونجد أن العديد من شعراء اليوم تتجاوب وتتناغم عطاءاتهم وحاجات
قرائهم التي باتت تشيح بوجهها عن كل ما هو مُغالٍ ومُتعالٍ ومثرثر
ومتكلّف. وثمة ما يُستشف طعمه في قصيدة اليوم دون أن يتجسد في
فاكهة لغوية. لكأن الشعر الراهن يأخذ بثأره من لغة الماضي،
مستعيناً بالسلوك اليومي الكسول وغير المبالي أحياناً بمظهره،
وأيضاً بطبيعة الأشياء الجامدة والعادية وربما غير الجمالية، من
أجل بث وخلق أبعاد ودلالات جمالية وشعرية في أقل الأشياء شاعرية
وجوهرية. من هنا يجوز القول أن تمثيل الكتابة الشعرية الراهنة
لواقع الحياة واللغة هو إلى حد ما في حالة تماس وتماهٍ معه. وعليه
فإن مسألة تراجع جمهور قراء الشعر لا تبدو أسبابها متعلقة بمضامين
الكتابة الشعرية المعاصرة بقدر ما هي أسباب تعود إلى الموقف من
الشعر بحد ذاته، وإلى الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
والنفسية ، كما سبق وأشرنا، التي تحكم حاجات الفرد وذائقته
ورغباته.
--------
*شاعرة لبنانية مقيمة في أمريكا
anawar63@yahoo.com
|