في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - أرخبيل لانجذاب الذات
     التجاني بولعوالي

  - جيل الوداع

    قيصر عفيف

  - نصوص الخارج عن متنه

    سعد جاسم

  ومن الأثر المربوط بالعدم

    أكرم قطريب

  - يابائي وبوابتي

    أديب كمال الدين

  - تعتعات البجع الجريح

    ناديا يقين

- قصيدتان من الألمانية

    جيزيلا كيرباج

 

قصة

  - قصتان

     وديع العبيدي

  - مساء الورد

     اعتقال الطائي

 

ملفات ودراسات

  - الأدب العربي الأميركي المعاصر

     لطفي حداد

  - الشاعر عبد الوهاب البياتي

     د . عدنان الظاهر

 

مقالات ونصوص

  - العنف ووحشية التهميش الثقافي

     د . فاضل السوداني

  - المجتمع المدني: كيفية نشوئه وتعزيزه

     د . تيسير الناشف

 

تجارب أدبية

  - حوار مع محمد النبهان

     حديث عن غربته الأخرى

  - الكاتب - النص - الخيال

     سلام ابراهيم

 

تراث مهجري

  - جورج صيدح

   

غاليري

  - سليمان الزموري

 

السنة الأولى - العدد  الثالث  ،  آذار / مارس 2005   

 First year . Issue No: 03 - March  2005 
 

  قصتان

بقلم: وديع العبيدي*

 

التلفون

 

  كالملدوغ.. يرنّ جرس التلفون... تزرر.. تزرررر.. تزرررررررر

- هالو.. هالو.. من على الخطّ؟

- هذا منزل السيد لطفي الأزعر؟

- نعم نعم..

- حضرتك زوجته..؟

- نعم.. ومن أنت..؟

- أنا المسؤول في شركة جنرال موترز..

- تفضل..

- يؤسفني أن أبلغك أن..

- ماذا !

- أن السيد لطفي قد مات!..

   دهمته الجلطة.. أثناء العمل وفارق الحياة!..

  الزوجة تضع سماعة الهاتف وكل ما فيها يرتجف.. لونها يتبدل بسرعة خاطفة.. ملامحها تبدو محيرة بين الضحك والبكاء.. وصوتها يخرج كالصرير.. لا هو نحيب ولا كركرة.. وهي تدور في أرجاء البيت الذي بدا مثل مدينة ممسوحة الملامح!.

  تبسط راحتيها على فوديها.. وتعيد خصلات شعرها إلى الخلف.. ثم تعيدهما إلى نفس النقطة ممرِّرة إياهما على جانبي وجهها.. ماسحة بأطراف أصابعها قطرات الدموع والعرق التي اعتصرها انفعالها غير المتوقع.. تندفع كالمجنونة بين غرف البيت..

- أولاد.. أولاد.. اصحوا يا أولاد اصحوا..

-..................

- أنت يا إيمان.. مضر.. كريمة

- .............

وقف أحدهم على عتبة الحجرة وأثر النوم على وجهه وملابسه.. جلست الأخرى على فراشها تشدّ شعرها.. ردّدت كالمجنونة..

- أولاد.. أ.. أبوكم مات!

  كانت تنظر في وجوههم متوسّلة منكسرة.. أن تجد في عيونهم خيطاً من العطف أو الحنان يجمّع أشلاء نفسها التي صعقها الشؤم الصباحي في وحشة الغربة..

  ارتدّ الولد على عقبه متذمّراً.. وهو يعتصر بين شفتيه الملتصقتين:

- ألهذا تزعجيننا يا أماه..

  نكشت الصغيرة شعرها وعادت هي الأخرى غير مبالية.. أما الكبيرة فقد بقيت تحملق في أمها بعيون ميتة.. كانت الأم تتابع ردود أفعال أطفالها بانكسار وخيبة.. تعزي لا مبالاتهم مع نفسها بكونهم أطفال (!!) غير ناضجين.. دون أن تخفي أثر صدمتها المضاعفة.. بينما ركنت إلى ابنتها الكبيرة إيمان.. البكر التي ياما لم تكن تسقط من الأحضان.... مثل كريمة.. آخر العنقود.. لا أكثر.. أكثر بكثير... وبكل تلقائية وعفوية التقت عيناها بعيني ابنتها..

  لا.. لم تتصوّر أن عيون ابنتها الجميلة في ريعان ربيعها يمكن أن تكونا ميتتين إلى هذا الحدّ.. محمّـلتين بالتقريع والشؤم.. اقتربت منها وجلة لتحتضنها رغما عنها..

- ما لك.. هل أصابك شيء يا ابنتي.. أنا آسفة....!

- هذا أمر عادي.. كل الناس يموتون.. أما أنت.. فقد رفع عنك الكابوس..!

-  هذا كل ما يعنيه لك أبوك؟!!

- أب..!! بالكاد كنا نراه..  كما أنني لست الوحيدة بلا أب.. أو..

- هل هذا جزاء عمله وكفاحه ليوفر لكم حياة لائقة!!

- تقصدين هذه..!!

- معك حق!

- إنجابكم لنا لا يعطيكم الحق في استعبادنا..

- يكفي.. يكفي.. هذا السخف الذي تتعلّمينه..

- هه.. هه.. أخشى أن أصدّقك.. على الأقل أنت الآن حرة.. شابة.. والطرق مفتوحة أمامك!!!!!..

- هكذا تكلّمين أمـ.. ..

  ولم تستطع أن تكمل.. فألقت بنفسها على الأريكة وهي تنكش شعر رأسها..

  قلبت إيمان شفتيها وهي تلج الحجرة مترنحة تاركة الأم تداري نكساتها المتوالية..

 دارت الدنيا بسرعة أكثر من المتوقع في ذلك الصباح الربيعي الرائق.. وبين لحظة وأخرى كان قلبها يسقط أسفل السافلين لتعيده قوة معاكسة أعلى عليين..  بينما كانت المدن والحدود والبلدان تتداخل في ذاكرة مشوشة عاجزة.. لا أم تحضنها في هذه اللحظة ولا جيران يحملون عنها جلل الحدث.. بعد قلبل ينفتح الباب قليلاً فتخال ابنتها قد راجعت نفسها لتمسح عنها وحشة الموقف:

- ماذا عن حقوقه التقاعدية؟!!

  هل اتصلت بالشركة لترتيب تعويض الإصابة.. إننا نريد حقوقنا!!!!.

الأربعاء 25/4/2001 

 

بي هابي.. بي هابي

أو .. استراحة العامل

 

  عاد إلى مقصورته، ارتفع إلى الموقع رقم 2 المشرف على سكك استلام البضائع.. قلب الصندوق على جانبه.. وضعه في الجهة المقابلة ثم جلس مسنداً ظهره الى منضدة التجهيز. استغرب كيف لم تراوده هذه الفكرة من قبل.. قرّب قدح القهوة المرّة من شفتيه.. ارتشف.. تحسس مرور خيط المرارة عبر المرئ.. عندما استقرت القطرة هناك.. في نقطة تحت نقرة الصدر.. استشعر بسكينة دفينة..

  رفع ساقيه على الصندوق المقابل.. أرسلهما حتى الآخر.. فوجد أن الأرض أصغر من أن تسعَ ساقيه.. أغمض عينيه وارتشف جرعة ثانية.. بينما كان المذياع يقدم إعلاناً لأحد البنوك عن السكن المريح  على الحدود الغربية وبالتقسيط المريح.. إنتبه لحركة أحد العاملين على مؤخرة السكك لتحسين وضع بعض المواد.. بدأ المذياع يبث أغنية من أيام الثمانينات لبرونو برونو تقول: نحن جميعاً فوق الأربعين.. لدينا هموم وصحتنا جيدة.. نحن جميعاً فوق الأربعين.. وما نزال في الحياة....

  من موقعه كان يطلّ على الرفوف العلوية للمخزن ومن فتحة مستطيلة يستطيع أن يرصد حركة العاملين في الباحة دون أن ينتبهوا له وهم يسرعون في عرباتهم الناقلة لتجهيز الطلبيات.. كان الخدر قد بدأ يسري في أطرافه.. وجفناه يبتلاّن شيئاً فشيئاً بسكرة النعاس..

- أنت سعيد دائماً..

- لماذا..

- دائم الابتسام.. وكلما سئلت عن حالك تقول : جيد..

- كذب.. كله كذب.. ألا يجوز أن نكذب..

- عادي جداً.. لم لا.. ها ها..

- للأسف.. بدون كذب لا تسير الأمور !..

- لا تأبه.. ألم تسمع أن الكذب ملح الحياة..

- هل رأيت.. ولكن لا تصدق.. في الداخل عكس الظاهر..

- هذا صحيح..

- أنت لا تحلِق يومياً.. ها.. مثلي!

- وقت الشباب ولى..

- أخذ الشيب يظهر هنا وهنا.. مثلي!..

- الشيب أفضل من الشعر الأسود هنا.. أليس كذلك!

- لديك مشاكل.. ها..

- طبعاً..

- في البيت.. ها..

- البيت.. الناس.. العمل.. الحكومة.. في كل مكان..

- كم عمر أكبر الأولاد..

- أربعة عشر..

- ابنتي سوف تبلغ الحادية والعشرين في الشهر المقبل.... لم يمضِ عليك وقت طويل هنا.. ها

- لا..

- لغرض التقاعد.. تعرف.. تحتاج خمسة وأربعين عاماً من العمل..

- لا تحمل همّاً.. أنا أموت قبل ذلك..

- هاهاهاهاها.. هاهاهاهاهاه......

- وأنت.. كم يلزمك بعد..

- اثنا عشر عاماً..

-  وتخرج على عكازة.. ها..

- ها هاهاها.. أرجو أن أبقى في صحة جيدة..

  كان المذياع قد انتهى من تقديم موجز الأنباء وراح يقدم أغنية سريعة.. لم يلتقط منها غير كلمة واحدة يرددها كورس من الشباب والشابات نصف العاريات على ساحل البحر.. وهو يتقافزون من السكر والعربدة.. اميريكانا.. اميريكانا...

  انتبه على صراخ المجموعة فاتحاً عينيه في نصف إغماضة.. انسابت من بين شفتيه كلمة (شايسه ‡) اعتدل في جلسته وهو يقترب ليخفض صوت المذياع.. في الأيام الأخيرة زادت الأغاني عن أميركا.. الكبير والصغير يتحدث عن أميركا.. وأميركا دخلت في كل شيء..

- أنت لا تكف عن التفكير في أشياء لا معنى لها!.. انظر لحالك..

قالت زوجته مواسية ومشتكية..

- ليس بيدي.. ليس بيدي..

وأشار إلى رأسه:- أتمنى لو أستطيع أن أفعل مثل الآخرين..

- وحدك تحمل كل هموم الدنيا يا رجل.. الناس لا يسمعون حتى نشرة الأخبار.. كل ما يهمهم التجارة والتسلية.. لقد دمّرتنا معك.. أنت لا تفكر في الأطفال..

  تساقطت الكلمات عليه مثل الرماح بينما هو يغور في سابع أرض.. أغمض عينيه ثانية على بقعتين حارقتين من دم يابس..

  قبل ثلاثين عاماً.. عندما كانت الشمس تحمي على باب الدكان.. كان والده يدندن وهو يرمق نقطة فارغة في المجهول..

  ضاع العمر يا سعد...           ضاع الأمل للأبد

  الحيـل خـلّى الجسد        خـلّي الحـلم للولد

  كانت الدقائق والثواني تجري مسرعة.. تشير إلى انتهاء وقت الاستراحة.. بينما المذياع يصرخ فيه معنفاً قبل أن يعود للعمل..

دونت ووري.. بي هابي.. بي هابي دونت ووري!!..

الخميس 14/3/2002 النمسا

 

إشارات:

‡ شايسه: كلمة ألمانية كثيرة التداول في الحديث اليومي بمناسبة وبغيرها.. معناه اللغوي (خراء).          

 

------------- 

* وديع العبيدي كاتب وشاعر مقيم في النمسا رئيس تحرير مجلة ضفاف الثقافية.

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group