في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - أرخبيل لانجذاب الذات
     التجاني بولعوالي

  - جيل الوداع

    قيصر عفيف

  - نصوص الخارج عن متنه

    سعد جاسم

  ومن الأثر المربوط بالعدم

    أكرم قطريب

  - يابائي وبوابتي

    أديب كمال الدين

  - تعتعات البجع الجريح

    ناديا يقين

- قصيدتان من الألمانية

    جيزيلا كيرباج

 

قصة

  - قصتان

     وديع العبيدي

  - مساء الورد

     اعتقال الطائي

 

ملفات ودراسات

  - الأدب العربي الأميركي المعاصر

     لطفي حداد

  - الشاعر عبد الوهاب البياتي

     د . عدنان الظاهر

 

مقالات ونصوص

  - العنف ووحشية التهميش الثقافي

     د . فاضل السوداني

  - المجتمع المدني: كيفية نشوئه وتعزيزه

     د . تيسير الناشف

 

تجارب أدبية

  - حوار مع محمد النبهان

     حديث عن غربته الأخرى

  - الكاتب - النص - الخيال

     سلام ابراهيم

 

تراث مهجري

  - جورج صيدح

   

غاليري

  - سليمان الزموري

 

السنة الأولى - العدد  الثالث  ،  آذار / مارس 2005   

 First year . Issue No: 03 - March  2005 
 

الكاتب ـ النص ـ الحياة

سلام إبراهيم *


سألوني عن تجربتي الكتابية مع أول نشري لنصوص قصصية في الصحف والمجلات العربية.. دوخني السؤال فخلدت إلى ذاتي متفحصا.. وجدتني أسأل:
- ماذا أقول عن تجربتي القصصية ؟ كيف أعبّر وأنا أشعر بأني أخوض في المسافة الضحلة المُفضية إلى محيط الإبداع الزاخر والعصيب المحيط الذي لا يمنح أسراره إلا لمن مُنح موهبة ودأب على تطويرها العمر كله. ما زلت في المخاضة أخطو نحو الأمكنة العميقة أحاول الغوص في أعماقها واكتشاف الجديد هل سأتمكن؟ لا ادري ؟؟
فرغم كتاباتي قرابة أربعين قصة قصيرة بين 1972-1982 نشرت منها واحدة في صحيفة التآخي 1975 وتركت بقيتها في الوطن. ورغم كتابتي عشرات القصص أثناء وجودي بين رجال العصابات في الجبل 1982-1988 نشرت بعضاً منها في مجموعتي الأولى - رؤيا اليقين - أشعر بأنني كنت أبحث في متاهة الكلمات والنفوس .. الوجوه والأحلام .. الأحداث والأفكار عن جسد نص يخصني، عن تكوين يتخلق من تفاعل عناصر المتاهة في نفسي ، بناءٍ أشيده من ثمرة روحي لأرتكن إليه وقت تعبي بغبطة عاشق. كنت أبحث .. أغزل بصمت فوضى الكلمات .. أجهد إلى استخراج ما تشيده مخيلتي من أمكنة وحيوات وأحاسيس ، أتصيد بالحبر الجاف مناخ خيالاتي بطقوسها الغربية الحزينة، شموسها، أنهارها، وجوه بشرها، أشجارها، عصافيرها، وحيواتها المختلفة عما أراه بعيني المجردتين..
كنت أحاول أن أشيد خيال اللحظة قبل انفلاتها..
كم من مناخاتٍ وأشكالٍ، أفياءٍ ، جدران وعصافير ، بيوت ومشاعر؟ ، كم من الوجوه والمرايا؟.. كم من الانفعالات مضت وتبددت في سديم الرأس.
كنت أهرع إلى خلوة الورق، طفولة الإنسان والظلال لأحتدم بمحنة الكلمات التي تتوهج وتضيء بين أصابعي أحيانا فأرقص طرباً . وترمّدني غالباً عندما تذهب فورة الروح لأستيقظ وأجدها عليلة مرصوفة بشكل مغاير لما كان متخلقاً في المخيلة من أشكال وظلال ووجوه وروائح. أترمد شاعراً بضالتي وعجزي قبل أن أشتعل بالغضب من وهن الكلمات ، ومن اهتزاز الجسر الموصل بين أمكنة المخيلة واشتباك الحروف وحكمة المفردة وبلاغة الجملة وطلاوة السرد.
الكتابة سر الكاتب ، ولحظتها قدر الكاتب ، كيف تنبعث لحظة الكتابة ؟ أهي غريزة ؟ أهي صنعة ؟ أهي مزيج من كليهما ؟ أم أنها تجلّ غامض لأسرار النفس الإنسانية تتكثف في كل عصر بذات مُبدعيه؟
بغتة تضطرم الروح وتهدر بالكلمات ، في الاصطخاب ذلك تتبلور القصة بأمكنتها وأزمنتها وحيواتها المعذبة من بشر وحيوان، شجر وماء ، والمكثفة بلحظة الكتابة المجهولة حيث تضاف للكاتب قوة لا يدرك هو كنهها، اللحظة العذاب ، اللحظة النشوة التي في مسافاتها يتخلق الجمال في فعل يحاكي فعل الخالق الجليل الحاضن بذاته فساحة الأكوان..
تعصفني اللحظة في جنونها الغامر، فأجدني مهموماً في التعبير عن أمكنة المخيلة ومخاض نفسي في ملجأ وسط سهوب البصرة المقفرة المحرقة بعد أن يؤوب الجند إلى أفرشتهم أو ينشغلوا في الرد على قذائف الإيرانيين المتباعدة في أوقات هدوء الجبهة، أو حين أفض بكارة الورق المدعوك في جيوب البدلة الكردية الفضفاضة لائذا بظل صخرة على قمة جبل ناسيًا واجبي بحماية رفاق موشكين على الاشتباك في قتال داخلي، أو أسهر جوار مدفأة الصفيح المتجمرة ألقمها بالمزيد من الحطب قبل أن أنحني على الورقة المضاءة بنور فانوس أغبر كليل، أخط جرح الحرف على وقع شخير المقاتلين المتعبين، وخطوات الحراس المناوبين من فجوة القاعة، من أحشاء حلكة الليل لأنسحر بعدها بهمس الصلاة وتصاعد إيقاع يستجلب إلى أعماقي رهبة غامضة يرددها الفلاحون الكرد وهم ينودون كالسكارى في عمق السحر
– الله حي … الله حي .. لا اله إلا الله
يخدرني النغم الواثق .. يسكرني حد الإغفاء، في الصبيحة قد أمزق السطور التي كتبتها وأنثر أشلاء الورق في الأودية العميقة والمسالك البعيدة وأجرجر قدمي بذيل المفرزة شارداً عن التفاصيل اليومية وحالماً طوال الوقت بقربي من الوصول إلى لحظة الإمساك بمناخات وبنى عوالم تثقل نفسي بضوء اللغة البارق..
أصبحت واثقاً بأن الإنسان ليس سوى حالم كبير.. أبدي يعيش لحظته الراهنة في مزيج فريد من أمكنة المخيلة والواقع، ولا يختلف عن المبدع إلا بكون الأخير مُنح موهبة جعلته يستطيع احتضان ذلك المزيج والمناخ بشرك الكلمات والمعاني..
في صيف 1987وصلتُ إلى أقصى الخيبة والأسف على موتي الوشيك . كنت شديد الحزن أعالج سكراتي محروقاً كمن شُوي بفرن، تعز علي النفس والرؤية.
تأرجحت على حافة الموت لأيام .. وشعرت بأسف عميق ليس على الحياة ولا على موتي غريباً بين الصخور ولا على ترك زوجتي الجميلة التي أعيش معها قصة حب محترمة إلى الآن، ولا على ابني الذي تركته خلفي في مدينتي الجنوبية البعيدة، فهذا لابد منه عاجلاً أو آجلا، ولكن أسفًا على قضائي دون أن أستخرج وأحيط وأشيد على الورق أمكنة وحيوات مخيلتي بأنفاسها ومشاعرها ولهاثها وأسرارها الدفينة والعصية على البوح ، أسفت رغم خطي أكثر من عشرين قصة حاورتُ فيها الإنسان من الداخل في مأزق خيارات صعبة في مواجهة الموت والخسارة ولا معقولية الحرب والتطبع بأحكام الغرائز عن اغتراب الإنسان والتباس معناه..
أسفت على موتي المبكر الوشيك لقوة إيماني بأنني على وشك الوصول إلى بابي المضيء الذي ما لبثت أن طرقته أول مرة بعد طول معاناة في خريف 1987 بنص – الصراط المستقيم – تجاوزت هاوية العدم ، بقيت حياً معلولاً ، ووجدتني في لحظة بارقة في بحر ليل من ليالي صيف اوردكاه زرعان- خوي ـ المنزوية في أقصى الشمال الإيراني مضاءً بدفق الكلمات المتراكضة المتسقة التي أوصلتني شرخ بابي المنير وأولجتني من شقة الضيق لألتذ بفعل الكشف عن فضاء محيط ظللت أبحث عنه من 1982-1988، فضاء متخلق في أتون نفسي فكتبت نص – رؤيا اليقين – المتخلق أصلاً من عالم النوم ومجاهله، ففي غبش مختلف استيقظت مذهولاً من الرؤيا، بكيت وأنا استعيد رحلتي الحزينة. تسلُّلي في أحشاء ليل دامس إلى بيت جدي القديم الذي هُدّ قبل ثلاثين عاماً ، مذهولاً من وضوح الحلكة وعبق الروائح وباحة الدار المندرسة، وأمي بصمتها الجليل وهي توقد أصابع الشمع وتسقي آس الأضرحة القائمة وسط الغرف الخالية. من الحلم شُيد النص وتهيكل ممتلئاً بالشأن البشري في التجربة المحددة. قبل هذا النص كنت أحاور الحلم لكنه يأتي منفصلاً عن الواقع يفسره، يحاوره، يحاكيه، ينقضه، وكانت الأمكنة بمكوناتها المرئية بعيني هي الحاضرة في الذهن والفاعلة لحظة الكتابة ، وكان التدله بالغاية المباشرة وهدف الكتابة يكبّل النص المؤطر بالمنهج الواقعي وتجليات أسلوبه الساكن والمتراتب رغم استخدامي لكل التقنيات الحديثة من تقطيع وتداعي وأحلام ومنلوغ وديالوغ ومشهد بانورامي ومشهد تفصيلي … الخ. لكن هذه التقنيات الحديثة محاصرة بمنهج الكتابة وضيق الرؤيا.. هل كان سبب ذلك قربي من الأيدلوجيا الماركسية بما تفرضه من تفسيرات مسبقة وجاهزة للظواهر المختلفة والتي تؤثر على طبيعة فهمي لاتجاهات العواطف والأحاسيس والأمكنة والأحداث الفردية والعامة؟ أم كنت أغذ السير في متاهة الكلمات باحثاً عن عدتي لتشكيل قالبي – قاربي الخاص الذي به سأصل إلى بابي المدفون باللغة والأمكنة وخلاصات التجارب في الوجوه والأقنعة في الحلكة الشديدة وفي سطوع الضوء المعمي؟
- لا ادري ؟؟؟……
ولكن الذي أصبحت واثقاً منه هو طرقي باب الرؤيا وتجسيد المخيلة أول مرة في – الصراط المستقيم – لينفتح لاحقاً في – رؤيا اليقين – حيث تحطّم الفاصل الواهي بين الحلم والواقع فأصبحت الأمكنة لحظة الكتابة غير تلك التي أراها بعيني المجردتين بل أيضا بما يشيّده الحلم والخيال الحكاية والكابوس مدغوماً بأمكنة الذاكرة في كُلّ يخترق الإنسان ويحطم تسلسل الزمن المنطقي وإيقاعه الرتيب نافذاً إلى جوهر الإنسان، إلى فضائه الحقيقي وزمنه الخاص. الفوضوي المطلق غير المنطقي الشبيه بأجواء الحلم والشرود، والكوابيس والأماني، التذكر والغياب، الزمن المحيط الذي استعان الإنسان من فوضاه باكتشاف الساعة الزمنية ليخرج قليلاً من فوضى الروح وأحلام الرأس والأماني.. هل أمسكت بفوضاي الممتعة ؟ هل تخلصت من رتابة القص الواقعي بإطاره المعلوم؟
هذا ما حاولته في –رؤيا اليقين – أولى المخاضة التي أأمل أن تقودني إلى أعماق غير معروفة تخصني وحدي، إلى بنى تنبعث متسقة من فوضاي السديمية..وبعد .. هل يحق لي الحديث عن تجربتي الإبداعية ؟ الإجابة بنعم تفترض أولا تحقق التجربة بالنص وثانياً تفردها ، جديدها ، مغامراتها ، وبالتالي قيمتها الجمالية المضافة. أنا غير مؤهل للإجابة بنعم! فمازلت أخطو خطوتي الأولي أحاول قطع المخاضة إلى أعماق الفوضى التي يتوجب علي ترتيبها في نسق الكلمات السرد.
هل سأستطيع إنجاز حلمي وجعله حياً على الورق ؟ أولج فيه متى اشتد بي الوجد وحاصرتني الدنيا ؟ لا أدري، وإذا أفلحت فسوف يكون بمقدوري ويحق لي الخوض في ماهية تجربتي ومحاورتها وهي مستقلة عن الذات الخالقة. أنا في طور التشكيل وأدعوا من راعي السماوات أن يمد بعمري، ففي كل شتاء أتأرجح على حافة الموت بأمراض البرد، أدعوه ليأخذ بيدي إلى مناخ جديد في أحشاء النفس البشرية – نفسي.
- ماذا بعد المخاض إذن ؟ ماذا بعد رؤيا اليقين ؟
هبطت نحو قيعان جديدة وطوال أربع سنوات تأملت بروية شساعة الأحلام وفظاعة الكوابيس ، قسوة وبشاعة حياة عشتها في اللجة المضطربة الدامية وفقدت في أتونها أغلى الأحباب قتلاً بيد أبناء جلدتي، تأملت بحور الذعر وطوفان المخاوف وتشوهات الروح وما حدث لنا من دمار وخراب عمّ النفس والأمكنة والأحلام وجعلت أتساءل – ماذا جنيت من رحلتي؟
أين أنا من أحبابي الغياب ؟ لستُ سوى عليل منسي يقبع في ضاحية مدينة روسكلدة الدنمركية، معبودٌ كليّا لذاكرة دامية مستعرة بفراغ الوقت بعد إحالتي على التقاعد هنا. أعيش مع أطياف أصدقائي وزملائي الجنود ورفاقي من رجال العصابات القتلى في الصحو والمنام. أفزُّ مرعوباً وكأنني عدت إلى العراق سراً وحُصِرتْ كابوس أدمنني. أفزّ ناشف الريق مختنقاً لاعناً الماضي الذي قوّض حاضري وجعله محض ذكرى دامية. أربع سنوات من الخمرة والقراءة، من التسكع والأحلام، ووجدتني في صبيحة باردة من شتاء ـ1994ـ أنزوي في مكتبة المدينة لأخوض في اشتباك الحروف متتبعاً دروب الحب في متاهة الرعب والدم في غزارة الكوابيس والتذكر في محاولة لنحت أمكنة المخيلة ووجه أخي الحبيب كفاح إبراهيم الغائب بكينونته الخاطفة، وما خلفه غيابه المرير في النفوس والأمكنة.. ليس غير الحب باعثاً على الكتابة .. ليس غيره دليلاً يوصلني إلى فوضى النفس وسديمها الغامض . عشت يومياً طوال عامين بصحبة أخي الصغير كفاح إبراهيم طالب الهندسة والرسام– الذي اعتقل وصُفي في أقبية الأمن العام العراقي عام 1983 وضيعت جثته وكان عمره آنذاك لا يتجاوز الثالثة والعشرون.
التقيتُ به من جديد في الجوامع والبارات، في ساحة الإعدام وأمكنة الطفولة ، في أبراج عالية تعوم بين قناديل الكون، وفي متاهات أبنية فخمة مدفونة في أعماق الأرض ، في البيت وفي باحة غسل الموتى … في…في.. تعانقنا ، تفارقنا ، تحاورنا، اختلفنا، أطاح بنا الوجد، تصابرنا، اكتشفتُ وأنا أخوض في سديمي الخاص . أيّ حب حبيس يفور في أعماقي لأحباب رحلوا ؛ أي حزن مقيم أورثني إياه الفقدان المتكرر للآخر .. ومع توغلي في دروب الحب والأحلام صارت الأمكنة تتشكل وفق هوى الروح في مسار لحظة الكتابة فتنفتح مثلاً أبواب بغتة في جدران غرف المخلية تضيء أدراجا صاعدة نازلة إلى باحات وأبراج، تنفتح ممرات تفضي إلى مفازات، أروقة، وجدتني أعيد صوغ حبي في الأمكنة والتجربة في نص طبَع يومي بمزاجه وأخذني كلياً من وحشة الحاضر وجحيم الذاكرة ليلقي بي في طقس لذة يومية خالصة ليس لها علاقة بالحرفة – حرفة الكتابة – بل أجلس قبالة الورق برغبة ثم يصيبني هلع ورهبة فأفتعل الأعذار كي أهرب منها – الورقة – من الصمت ودوي الرأس المزدحم بالفواجع، أقوم لأدور بأرجاء المكتبة علّي أعثر على أحد ينقذني.. دون جدوى، فأعود مجبراً لأخوض في عالم الكلمات والمعاني الحاملة للأحاسيس بمزاج شاعر عامي. أكتب الجملة وأنا أرددها بهمس مسموع مصغياً لإيقاعها وصداها في نفسي، فإن لم يرق لروحي أحطمها وأعيد تشكيلها المرة تلو المرة إلى أن أقع على علائقها السرية وأجدها مصطفة بنسق وإيقاع له وقع وروح ليس بحرفة عالية من لغة بليغة متينة بل بمقدار ما يكون التكوين ، النسيج ذو الإيقاع، متناغم، أو بعبارة أخرى السرد الذي راكمته في المشهد يوازي عمق التجربة وفعلها في النفس ، أثرها المحسوس والمعجوز عن البوح به والتعبير عن كليته المتماهية عما يختفي خلف السرد الشفاهي للأحداث ووصف المشاعر ، عمق الحب والفاجعة في النفوس ، أعيد صياغة الجملة حتى تنبعث منها نفس رائحة الأبنية والحدائق والظلال وأشكالها وروحها التي تحيا في مخيلتي…..
لستُ كاتباً محترفاً ولا أبغي ذلك مستقبلاً ، لا أريد نزع الحياة من كلماتي بل أريدها حية تطهرني من آثامي وآلامي وكلما عدت إلى قراءتها أجدها مطربة مثل أغنية، مثل قصيدة عامية، فتجدني أنط صارخاً في صمت المكتبة الجليل كلما حققت مقطعاً، مشهداً، سطراً، سطرين أخطو بهما مقدار ذرة في غور الذات البشرية الصامتة، المقاومة المخذولة الضعيفة المستلبة المعاندة المحزونة العاشقة الكارهة. لا تهمني فخامة المفردة، تكرارها، غرابتها، ألفتها، معناها إلا بمقدار ما تقودني في متاهة نفسي قبل الآخر فأنا أكتب لاكتشاف نفسي أولا، وعندما أكتب عن الآخر أتلبسه ليس مثلما يلبس الممثل دوره بل أحلّ به كاملاً بلحمه ودمه وأحاسيسه، لا استخدم اللغة بروح الصانع المحترف النحوي الباحث عن قوة ومتانة البناء الظاهري للجملة، بل بغائيتها البدائية وهي تتخلق في روح وعقل الإنسان البدائي، الطفل عند احتكاكه بالأشياء ومحاولته محاكاتها بترميزها بالحركة – الإشارة الرسم ثم الصورة، أريد المفردة الصوت – دالة على الرائحة – الألم – الفرح – الخوف – الحفيف – الضجيج في بنى سردية تجعل القارئ يحس ويرى المشهد المتخيل كما تخيلته وشعرت بمناخه فوجدتني أنجذب دون وعي إلى مفردات وصياغات تقترب من أفعال انبثقت من احتكاك حواس الإنسان بقوى الطبيعة وأفعالها، وأستثقلُ الأفعال المركبة الأكثر تطوراً وتجريداً، الحاملة مدلولات الفكر والفلسفة. لم أختر، أو بعبارة أدق،لم أصغ جملتي السردية بوعي بل وجدتني مفطوراً عليها، ومع تبلور وعيي النقدي الموازي لاستقرار هاجس الكتابة وتحوله إلى هم، أخذت الجملة السردية البسيطة ترتقي بالغريزة لتُناسب الإحساس، وهذا أحد أسباب إعادتي صياغة السرد مرات قد تبلغ العشر كما أسلفت حتى أقع على الإيقاع المتسق ، فعل المفردة الأولى، براءة نغمها الهابط في الحواس بمجرد السماع..

كيف أقيّم أن النص بلغ غايته في الانفتاح والتواصل مع فضاء الإنسان وحفر في جليده المدفون في ظلمات النفوس الباردة؟
السؤال إشكالية جدية أوقعتْ العديد من الكتاب بوهم الكمال، فراوح نصهم بمكانه مكرراً نفسه، الإشكالية قائمة ومستمرة مادام الإبداع قائماً وحل هذه المعضلة هو من يساعدني على المغامرة بالخوض في مجاهل النفس وكونـِها لاكتشاف المزيد من الخبايا والأسرار والتفاصيل التي تجري سرًّا في الظلام أو في النفس المسكوت عنها، مازلت وسأظل في جدل محتدم مع نفسي والنص واضعاً نصب بصري
وبصيرتي حقيقة أن النص كالحياة لا كمال نهائي له بل يسعى مثلها نحو الكمال في معادلة سرمدية، والنص يكون مميزاً بمقدار جماليته وقوة تعبيره عن سمات عصره. وبمقدار ما يكون النص بسيطاً وعميقاً يكون فعالاً وممتعًا..
شغلتني المعضلة منذ زمن وسعيت إلى حلها باتجاهين ، الأول هو الانغمار المتواصل في قراءة التجارب الجديدة، بغثها وسمينها ودراستها بالتمعن بجسد النص لسبر أغواره والانشغال التام بأبنية النص الجميل وفضائه لتشرب كينونته لحظة الخلق، وتفحص مواطن الخلل في النص الضعيف بحاسة هي أقرب إلى حاسة إذن موسيقية مدربة تلقط أوهى نشاز في النغم، أو حساسية عين معماري خبير تنجذب من أول نظرة لكتل الأبنية المتسقة بتناغم وتنفر من بشاعة الكتل المتنافرة.. إحساس موضوعي أوصلني إلى تأمل أسرار الخلق الفني في تنوعه المذهل وجعلني أتذوق النص دون نظرية أو معايير مسبقة فتمتعت به باختلاف أساليبه،هذه الذائقة أحجمتني عن نشر أكثر من مجموعة قصصية كتبتُ نصوصها في سنين حرب العصابات بجبال العراق وبها أحاكم النص حال فراغي منه ومفارقة مناخه لأيام، فتسرني بلحظة الإشباع الجمالي مع آخر جملة ، إشباع ودهشة من يرى شجرة.. وردة.. صبية فاتنة.. لوحة منحوتة.. أو يسرني بمواضع الضعف والخلل في جسد النص كأن تكون الجملة مملة ، قاصرة ، الإحساس غير مرتب ، أو ثمة استطراد زائد مفردة ، محشورة في غير محلها ، أو أن البنية مرتبكة، مختلفة، أو لا معنى للنص وخوائه .
والاتجاه الثاني هو عين الآخر، فبعد أن أرتبط به، ألفّه، أعرضه على نماذج متباينة الأذواق والمستويات الثقافية من القراء وأولهما ناقدي الأول والقديم زوجتي والتي غالباً ما تشخص بدقة الجميل والقبيح ، أنصت لكل ملاحظة أو انطباع وأقارنه بالنص بروح نستْ أنه نصها ، لذا لا يهدأ النص لدي فمع كل قراءة جديدة أشطب، أضيف، أختصر، أكثف، استطرد، وحتى ما هو منشور لا يسلم فـ – رؤيا اليقين – المنشورة في مجلة البديل 1991 حذفت منها وأعدت صياغة العديد من الجمل السردية عند نشرها في المجموعة 1994.
أعود إلى السؤال الذي أثار ما أسلفت ، ماذا بعد المخاضة ؟ ماذا بعد رؤيا اليقين ؟ كنت أظن عندما شرعت في صيف 1994 بالكتابة بعد انقطاع أنني أكتب قصة قصيرة تهيكلتْ في حلم حلمت به بأخي المقتول،لكن ما أن فرغت منها حتى دلّتني حاستي الغامضة إلى أنها تحتاج إلى شيء رغم استقرار بنيتها لكن ما هو ؟
اضطربتُ وانتابني حالة قلق مركبة وسقطت في بحور من الحزن والكآبة إلى أن جاء الخلاص من عالم النوم والأحلام ،فتخلقت قصة أخرى من حلم جديد فجرَّ أمكنة وأيقظ زوايا وأشجان وأحيا حيوات، أعقبه ثالث لتتشكل بنية ثلاثة نصوص مستقلة متفرقة متصلة ليست متتالية لكنها متماسكة المناخ لكل منها ذرواته تفضي إلى بعضها البعض ولا تفضي بنفس الوقت ، وبعد الفراغ منهاومغادرة مناخها الحزين المرعب قرأتها بعين الناقد الدارس فوجدتها ليس غير إعادة لصياغة فاجعة مقتل الحسين بن علي ـ ع ـ حتى أن الشكل الفني أخذ بنية الفاجعة المدفون في الضمير الشعبي والمتجلي بمفاصلها الثلاث ، المقتل – الدفن – المراثي - ، بنية استلهمت تراث الجنوب العراقي الحزين .
أليس تاريخ العراق المعاصر ما هو إلا مقاتل وسبايا تتناص مع فاجعة المقتل ؟
أليس ما حدث ويحدث من قتل وقمع وتشريد وخراب ما هو إلا تعميم لفاجعة الشيعة الأبدية على باقي الطوائف والأديان والأقوام القاطنين بوادي الرافدين ؟
النص انبجس دون تخطيط، تخلق في لعبة موجعة – ممتعة كنت فيها أجرب استحضار أرواح أحبة وأمكنة غادرتها أو غادرتني إلى الأبد . دفعت النص إلى النشر على أنه رواية صدرت عن دار المدى عام1996 وماذا بعد أيضاً؟ ماذا أفعل لمقاومة عزلتي ووحشتي واختناقاتي الليلية؟
انغمرتُ منذ أشهر عدة في رحلة جديدة متتبعاً دروب الحب في جحيم التجربة ، أخوض في فوضى روحي المضطربة، وأعيد ترتيب مشاعري إزاء حبيبتي – حواء – الأنثى ، النص الآخر لمعنى الكينونة، قصة حبي في مخاض مجتمع مغلق، وبين رجال عصابات هاجسين بموت قريب، أعيد صياغة أمكنة عشتها، حلمت بها، عبرتها مسرعاً ، أحاور أشجان ومآزق بشر قتلوا اندثرت ذكراهم، ما زالوا أحياء. أنزوي في مكتبة روسكلدة غير شاعر بوطأة المنفى.. أنا المنفي منذ الطفولة.. فقر وقسوة – واضطراب صباي ومأزق مراهقتي العنيفة، قمع عائلة محافظة ، وقيم مجتمع منغلق، ثم قمع سلطة قاسية – دموية، ضخمَّتْ رعبي المقيم وأرتْني الويل في أقبية العذاب الرطبة التي كنت أتخيلها معتمداً على حواس السمع والشم واللمس دون النظر الحبيس في حلكة القماش ، والأقبية استضافتي لمرات أربع بين 1970 – 1980 انحفرتْ بروحي وجعلتني أدمن الكوابيس، أقفز من نومي صارخاً مرعوباً من وقع أحذيتهم الخفيفة على بلاط الممرات، من صوت محرك سيارتهم الفخمة، أنطُّ من الفراش لحظة إحاطتهم بي لاهثاً مرتعداً، ثم قساوة رجال العصابات المساكين والمؤسسة الحزبية – الأيدلوجيا – التي لا تختلف عن قمع السلطة إلا بالموقع من الحكم !. .

لي علاقة حميمة مع الموت منذ الطفولة، ثلاث مرات أغرق بنهر الديوانية وينقذني المارة.. لا زال طعم الماء المتسرب إلى قصباتي الهوائية طرياً في روحي، صدمتني سيارة نقل وفقدت الوعي لأيام ثلاث.. رأيته يحطم أجساد زملائي الجنود في جبهة الحرب الإيرانية – العراقية وحرب العصابات في الجبل، ثم رأيته يهبط عليَّ من سماء غروب صيفي رائق ألقته آلهة الحديد المزمجرة التي مرقتْ للحظة خاطفة فوق وادي زيوة المظاهر لمدينة العمادية لتُأرجحني على حافة موت حقيقي ظل يزورني كل شتاء فكيف لي إذن الشعور بوطأة المنفى .
أعتبر نفسي محظوظاً – على حد تعبير البرفسور الدنمركي الذي أشرف على فحصي وقرر عدم صلاحيتي لسوق العمل في الدانمارك – بمطاف رحلتي الأخيرة مكتفياً في عزلتي بطفلي الحبيبين وزوجتي التي ترافقني منذ عشرين عاماً وأدويتي اليومية، أغزل أحاسيسي في نسيج الكلمات وكأنني في العراق ليس لدي علاقة بأحد ولا يسألني أحد بعد أن أحالوني على التقاعد وجعلوني أعيش فعلاً إحساسًا ظل يراودني كل غبش منذ الطفولة ظهر في نص – رؤيا الغائب – على لسان الجندي الهارب الذي اضطر إلى تسليم نفسه للسلطات العسكرية لحظة استيقاظه في غبش أول ليلة له في السجن .
- أختنق بأسى الفجر كحاله في مطلع كل فجر منذ الطفولة حيث يصيبه مبدأ الغبش بوهن ينبعث من حب غامر، غامض، مطلق، مستحيل يمتلك كيانه، يجرفه نحو الأشياء كلها، فيتخدر في اللحظات التي تسبق صحوة الأشياء شاعراً بودّ شجن حتى لأعدائه ينصت ويحملق بالحيوات وهي غارقة في غفوتها تبكيه الرغبة المستعرة بمعانقة الشجر والجدران، الماء والتراب، الشرطي والحبيبة، الضوء والفيء، العصافير والجنود، رغبة مفعمة غير مثقلة بالأسئلة والمبررات، الأسباب والمعاني .. و .. سرعان ما تتوارى مع استيقاظ الأشياء وضجيجها، هاهو الآن مغموراً بسلام اللحظة، مسكوناً بالأدعية وضجة العصافير وخرير الماء المنسكب من حنفية الحوض وصياح الديكة. يدفق وداً طيباً -.
هاأنذا أعيش سلام اللحظة، تلك ناصيتي التي أطلّ منها وأحاور احتدامات الإنسان في بقعة تراب عمري الدامي، أحاول التعبير نثراً أو سرد قصة ذلك العراقي المحب الحائر المحاصر، والذي قال عنه الشاعر العامي العراقي الراحل طارق ياسين في قصيدة مكثفة فذة :
"وين رايح بالمحبة ؟!!!
بروح ما خضر سعفها
والديوجة الغبشت بتالي حنينك محد إشكالت
عرفها
وإمتله بدمك عرفها
أشكثر رغباتك ؟ .. إمنين تفوت ؟
والدنية شكصفها"

أنا لست سوى مشروع ينوي التحقق، تجربة في طور التخلف والتكوين هل سأستطيع تجسيد فوضى الروح في حصارها الدامي بالنص ؟
هل سأعقل آلامي، وأتطهّر من وطأتها بإلقائها على كاهل الورقة ؟
هل سأصمد مقاوماً ضيق أنفاسي واختناقي الليلي بهواء الكلمات ؟
لا أدري.. سأسعى إلى ذلك، وإذا لم أبلغ غايتي يكفيني أنني حاولت.

8-3-2004

 

-------------

* كاتب عراقي مُقيم في الدانمارك
 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group