في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - أرخبيل لانجذاب الذات
     التجاني بولعوالي

  - جيل الوداع

    قيصر عفيف

  - نصوص الخارج عن متنه

    سعد جاسم

  ومن الأثر المربوط بالعدم

    أكرم قطريب

  - يابائي وبوابتي

    أديب كمال الدين

  - تعتعات البجع الجريح

    ناديا يقين

- قصيدتان من الألمانية

    جيزيلا كيرباج

 

قصة

  - قصتان

     وديع العبيدي

  - مساء الورد

     اعتقال الطائي

 

ملفات ودراسات

  - الأدب العربي الأميركي المعاصر

     لطفي حداد

  - الشاعر عبد الوهاب البياتي

     د . عدنان الظاهر

 

مقالات ونصوص

  - العنف ووحشية التهميش الثقافي

     د . فاضل السوداني

  - المجتمع المدني: كيفية نشوئه وتعزيزه

     د . تيسير الناشف

 

تجارب أدبية

  - حوار مع محمد النبهان

     حديث عن غربته الأخرى

  - الكاتب - النص - الخيال

     سلام ابراهيم

 

تراث مهجري

  - جورج صيدح

   

غاليري

  - سليمان الزموري

 

السنة الأولى - العدد  الثالث  ،  آذار / مارس 2005   

 First year . Issue No: 03 - March  2005 
 

تحدث عن غربته و"غربته الأخرى"

محمد النبهان: ساحتنا الأدبية خالية من الشعراء الحقيقيين

 

أجرى الحوار: محمد المغربي
نُشرت بعض أسئلة الحوار في جريدة القبس الكويتية بتاريخ : 25 يناير 2005 ، وهنا نص الحوار الكامل

   رغم أنه بدأ الكتابة في أواخر ثمانينات القرن المنصرم، فإن الشاعر محمد النبهان تأخر في إصدار مجموعته الشعرية الاولى إلى ما قبل أشهر قليلة حيث أصدرها بعنوان «غربة اخرى» مُجسدًا فيها المعنى الأول لتلك الغربة التي يعيشها في كندا بعيدًا عن الوطن.
عن البدايات وما آلت إليه، وعن هذه المجموعة الشعرية المميزة، وعن قضايا شعرية وإبداعية وإنسانية أخرى، كان هذا اللقاء مع الشاعر محمد النبهان مُتحققا عبر فضاء الأنترنت:

   - كيف تصف تجربتك الإبداعية في الشعر ؟
   ليس باستطاعتي أنا أن أصف تجربتي فهذه مهمة النقد وهو الذي يحدد إبداعها ، ليس كلامًا يُقال أو تهربًا من الإجابة بقدر ما هي حاجة أن أتامل التجربة بغير عيوني ، أعرف تطور الكتابة لدي خلال 15 سنة بالرغم من شحة النشر ، أعرف تماما التجارب التي طورت النظرة الفنية للقصيدة والأفكار والقراءات التي قدمت رؤى جديدة ، أعي الظروف والسفر الذي كان له دور كبير في انعطافات الشعر ، أعرف أن ثمة قصائد ومشاريع قادمة أعوّل عليها كثيرا ، إنما كل ذلك من وجهة نظري ، القصيدة الآن ملك الآخر ، هو من يستطيع أن يصفها ويحدد نجاحها أكثر مني.

   - متى بدأت كتابة الشعر ؟ وإلى من ترجع تنمية هذه الموهبة و تشجيعها؟
   لا أعرف تماما متى بدأت كتابة الشعر ، البدايات هي ذاتها عند أغلب الشعراء وليس لها أيّ قيمة إن لم تتطور وتخرج من الذاكرة أكثر خصوبة . في فترة ما في المرحلة الدراسية الثانوية عرفت أن ثمة قصيدة تكتبني بقوة ولم أكتبها بعد حتى الآن ، ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول ، مرة أنجح وأحس أن القصيدة خرجت كما أشتهي ومرة أكتشف أن ثمة شيء لم يُعبّر عنه كما ينبغي ، المسألة التي أدركتها مؤخرا هي أنه من الصعب جدا أن تقول كل شيء في قصيدة واحدة ، ربما هذا الأمر هو الذي نبهني أن ثمة ارتباط عام فيما أكتب وأن المحصلة النهاية ربما هو ما أريد أن أكتبه في نص واحد مع استحالته . شجعني في المرحلة الأولى الأستاذ المرحوم محمد ابراهيم فكثيرا ما كنت أهرب من صفوف المواد العلمية كي نذاكر المتنبي وأعرض عليه جديدي ويقوم هو بنشر هذه الكتابات ، وفي المرحلة اللاحقة الأستاذ الشاعر فيصل السعد الذي قدم الكثير للشعراء الشباب في رابطة الأدباء وأثناء عمله في جريدة الفجر الجديد ولم يذكره أحد.

   - من هو أول شخص تحتكم رأيه في ما تكتبه من قصائد ؟
   ليس هناك شخص محدد ، عندما أنتهي من كتابة قصيدة جديدة أحاول أن أصطاد فريسة (قارئ) أقرأها له ، أبدأ، أنظر إلى وجهه وأقرأ في تعابيره مدى نجاح القصيدة أو إخفاقها ؛ أتلمس أي سؤال فتحت وأي نافذة شرعت ... أؤمن كثيرًا بعقلية القارئ ، قارئ الشعر ليس غبيّا أو جاهلا كي لا يفرق بين قصيدة جيدة وأخرى خرجت قبل اكتمالها معاقة ، القارئ يعرف تماما الفرق بين الشعر وما هو دخيل على الشعر ، الإشكالية تكمن في أنه لم يعد هناك تواصل مباشر بين الشاعر والقارئ . هذا لا يكفي بالطبع ، فأول وأهم قارئ وناقد للشاعر هو الشاعر ذاته ، صوته الداخلي ، هو الذي يعرف تماما كل إحداثيات القصيدة وأبعادها وتركيبها وصورها ويعرف تماما روحها والجديد الذي تقدمه .

   - برأيك .. هل يجد جيلك من الأدباء والكتاب التشجيع الكافي .. وهل تمكنوا من إثبات وجودهم الأدبي ؟
   بالرغم من أني ضد مسألة التجييل خصوصا عندنا في الكويت ولكن مجموعة الشعراء الذين خرجوا للساحة منذ منتصف الثمانينات إلى أواخر التسعينات لم يجدوا أي تشجيع يذكر ، أمسية واحدة يتيمة نظمّتها ورعَتها رابطة الأدباء ، الجهة الأدبية الرسمية الأولى إلى جانب المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في البلد لشعراء شباب خلال عشر سنوات . قد يكون هذا حال الشعراء كلهم في الوطن العربي ، فالمؤسسة الثقافية عاجزة وفقيرة ومُسيّسة ضمن فعاليات وبرامج لا ترضي الطموح ، رابطة الأدباء - مع احترامي الشديد لأعضاء وأصدقاء وأساتذة شجعونا بحذر في البدايات – لم تقدم أي منجز يذكر وأغلب أنشطتها يفعلها أدباء من خارجها ، فمؤسسة ثقافية يعتبر الحصول على بطاقة العضوية فيها أصعب بكثير من الحصول على شهادة الجنسية، لك أن تتخيل المنجز الثقافي الذي تقدمه للساحة الأدبية ، ثم نَسأل ونُسأل عن المشهد الثقافي الشعري في البلد ونعجز عن تقديم إجابة . أيضا مسألة النشر كانت معاناة أخرى أكثر خيبة ، من المؤسف حقا أن تعاني قصيدة الشاعر في البحث عن مساحة صغيرة في الصفحة الثقافية في حين تزدحم هذه الصفحات بما ليس له علاقة بالشعر بسبب أهواء ومزاج القائمين عليها فضلا عن مسألة الوصاية التي يقوم بها هذا المحرر ، فيعطي لنفسه الحق مثلا بإجراء تغييرات في نص الشاعر أو أن يرفضه لأسباب شخصية . لا توجد مصداقية أو قواعد نشر ثابته يمكن تطبيقها وإن انتقدتَ ذلك اتُهمت وحوربت . النشر، إلى جانب الرقابة الأمية، يخضع لواسطة وشللية مخيفة ليس هنا فقط إنما في أغلب المؤسسات الثقافية ودور النشر عربيا إلا استثناءات قليلة جدا . شخصيا .. لا ألوم أي مؤسسة ثقافية بسبب ظروفها الروتينية البيروقراطية والتي تقوم أحيانا برامجها على اعتبارات كثيرة منها ما هو شخصي . المُلام هنا هو الشاعر الذي ينتظر أن تقدمه المؤسسة أو الجريدة أو دار النشر وكثيرون صدموا وحاربوا المؤسسة على هذا الأساس . الآن فقط قد يكون انتبه الشعراء عندنا لهذه النقطة مع انفتاح قنوات النشر والتواصل مع الآخر بلا حدود ولا جوازات سفر ولا أمسيات لا يحضرها إلا الأصدقاء ولتبق المؤسسة في تخلفها وجلسات الشاي والفضائيات .

   - من مِن الشعراء الشباب الموجودين في الساحة الأدبية تتوقع لقلمه مستقبلاً باهراً في عالم الأدب ؟ وكذلك من كتاّب النثر ؟
   بسبب بعد المكان وقلة ما يصل من إصدارات دعني أجيبك بصورة أخرى . الساحة الأدبية عندنا - في الكويت - خالية من شعراء حقيقيين أو لنقل فقيرة جدًّا ، البعض يلوم النقد كثيرا وقد يكون هذا جزء من هذه الإشكالية إنما أعتقد أن الشعر هنا يفتقد لروح المكان وتجارب الشعراء خليط من تجارب شعرية خارجية ، حيث لا وجود للأرض ، للبيئة ، لروح المكان ، للخصوصية . لا يستطيع أن يقنعني أو يقنع المتلقي شاعر كويتي يكتب عن بيئة أخرى ومكان آخر نقلا عن السياب أو أدونيس أو درويش أو غيرهم . شعراؤنا كلهم تأثروا بتجارب الآخرين وكتبوا متأثرين بها من دون إيجاد خصوصية لأصواتهم ، ويمكنك بسهولة أن تصطادهم متلبسين بعباءات غيرهم . مع هذا أقول لدينا شعراء جيدون ومبدعون حقيقيون بالرغم من قلتهم ، بعضهم لايزال يحاول غير مبال بالتعتيم الإعلامي وتجاهل النقد وضيق مساحة النشر ، وبعضهم من غاب تماما ، كذلك توجد أسماء جديدة تشكل بدايات جيدة إنما كل ذلك لا يشكل حركة أو تيار أو لون يمكن تسمية بشعر كويتي . لاتزال لدينا مساحة فارغة تحتاج لشاعر عظيم أن يملأها . وهذا ينطبق على الكتابة النثرية أيضا .

   - أصدرت ديوان (غربة أخرى) حديثاً .. فهل تحدثنا عنه قليلاً ؟
   أفضل أن نسمي العمل مجموعة شعرية وهي أول إصدار شعري مطبوع قد يكون تأخر كثيرا للظهور . هل تعرف ، مع ذلك أحس أحيانا أنني تسرعت في إصداره إذ لم يكن في ذهني أبدا إصدار المجموعة الآن وإن راودتني في منامات قديمة . هذه المجموعة تأجلتْ كثيرا وانتظرت طويلا في المطبعة . العمل الأول يا صديقي مخيف و مرعب ويدخلني في الحدث رغما عني وهذا ما يسبب لي قلق دائم ، أفضل أن أنظر للحدث من على المقاعد الخلفية كي ألمه في ذاكرتي فلا يفلت منه شيء ، بي رغبة شديدة للإصغاء أكثر ، ولكن تظل تجربة لابدّ من خوضها للإستمرار . المجموعة نتاج سنوات عزلة حقيقية وذاكرة مكان ورائحة أرض وغربة أخرى ، قد أختلف الآن مع نفسي كثيرا في طرحها ومواصفاتها إلا أنها جزء لا يمكن انتزاعة من ذاكرة جماعية شاملة ذات موضوع متشابك وفيه بذور كل نتاج جديد قادم باعتبار استمرارية الحدث واستمراية السؤال الذي لم يجد بعد الإجابة ولا ينبغي له أن يجدها . لا أثق بقصائد تجيب على الأسئلة الكبرى في حياتنا .

   - بدأت الكتابة في أواخر الثمانينيات ، لماذا إذا هذا التأخر في إصدار المجموعة ؟
   كما قلت لك قبل قليل البداية يا صديقي لا تعني شيئا ، كثيرون هم الشعراء الذين بدؤوا معي وقبلي أيضا ولم يصدروا سوي مجموعة واحدة أو اثنتين ومنهم من ينتظر ، ربما تكون هذه مشكلة هذه المجموعة من الشعراء . لم يكن هاجس النشر يلح عليّ بشدة وإن كنت قد أعددت مجموعة قصائد بِنيّة نشرها قبل هذه المجموعة ثم ألغيتُ الفكرة تماما . هذه المجموعة أيضا عانت كثيرا من أجل النشر ، انتظرت سنة كاملة تبحث عن دار نشر وسنة أخرى في المطبعة .

   - من هم أكثر الشعراء و الكتاب الذين تأثرت بكتاباتهم ؟
   كل قصيدة جيدة تأسرني .. لا أهتم كثيرا بالأسماء أو الأجيال أو الأماكن ، أبحث أكثر عن النص وفي النص .. النص فقط ، لهذا ربما أستطيع أن أقول أنني لم أقرأ شاعرا بعينة متأثرا كليّا بنتاجه ولا أعيد قراءة شاعر لذاته ، النص هو ما أحتفظ به ، وقد تستغرب إذا قلت لك أنني لا أقرأ شعرا كثيرا بأن يكون قراءتي الأولى ، فقراءاتي أضعفها الشعر وإن كان كثيرا باعتبار المتابعة والتواصل وحاجة الشاعر لقصيدة تهزه من الأعماق .

   - كيف تصف جمهور شعر الفصحى الكويتي بشكل خاص والعربي بشكل عام ؟
   الجمهور هو الجمهور في أي مكان ، ربما يكون أقل حضورا في بلد عن آخر ، لكنه بالرغم من ندرته فهو جمهور ذكي ولا يمكن خداعه . جمهور الشعر أيضا لا يعني عدد الحضور في الندوات والأمسيات إنما هو القارئ والمتابع الذي يكتب المشهد الحقيقي ، هو الشعراء والكتاب والمثقفون الآخرون الذين من الصعب جدا أن تحتال عليهم بنص لا يحمل نكهة الشعر وإن تم تمريره ونشره واحتفى به الأشباه .

   - هل ما زال الشعر هو ديوان العرب . ولماذا ؟
   شخصيا، أعول كثيرا على الشعر ، الشعر بوصفه الدهشة والسؤال الضارب بعمق الذاكرة والتأريخ والمستقبل ، بوصفه البحث في المستحيل عن لؤلؤته الضائعة ، بوصفه الفضول ، والأفق المفتوح لسماوات أكثر زرقة واتساعا ، وليس النظم وفق مقاييس واشتراطات النقد الجاف . الشعر الأدب الأكثر تفوقا في كل بلدان العالم وكل اللغات وليس عند العرب فقط ، عند كل الشعوب تجد هناك احتفاء خاصا بالشاعر المبدع .

   - هل توافق على مقولة أن شعر التفعلية استنفد مخزونة لذا وجب علينا التوجه للنثر ؟
   إن كان ثمة استنفاذ مخزون كما تقول فلا بد أنه من طرف الشاعر نفسه ، الشعر لا يستنفذ مخزونه أبدا سواء أكان شعرا قريض أو تفعيلة أو أي تسمية أخرى ، الشعر شعر بالنهاية وفوق هذه التسميات ، الشاعر الفذ هو الذي يستطيع أن يستخرج الشعر من مكامنه العصية ، ثم تجد ثمة حديث واسع عن أزمة في الشعر ، لا أعرف حقا كيف يكون الشعر في أزمة ، الشعراء هم من يعيش هذه الأزمة لأسباب كثيرة . أما مسألة وجوب التوجه للنثر فلا أفهمها حقا ، من يريد أن يتوجه للنثر فليفعل ، ربما يكون هذا أفضل للشعر كي يتخلص من مرتكبيه بحجج الحداثة وقصيدة النثر .

   - ما هي الكتابة النثرية (قصيدة النثر) التي تعجبك ؟
   المصطلح هذا ملتبس ، وحقيقة لا أتعاطف معه أبدا ، هناك عدة مسائل مهمة بخصوص هذه الكتابة ، فمن الشعراء من يجرب مزج أوزان ببعضها انطلاقا من تجارب وخبرات للخروج بشكل جديد بمعنى أنه قادم من خلفية شعرية ودراية تطورت لدية لتصبح شكلا جديدا، وليس معنى هذا القول بوجوب أن يكتب الشاعر شعرا قريضا ثم التفعيلة لتكون لديه شرعية التجربة إنما أقصد الدراية والمعرفة بجزء مهم جدا من العملية الشعرية وهو موسيقاها ، ومنهم من يكتب ولا يعرف الفرق ما بين الوزن والقافية بمعني أنه لا يعرف أصلا أي شيء عن التفعيلة أو القريض سوى شكلهما إن كان يستطيع أن يفرق بين ذلك وهذا أضعف الإيمان .
الشعر هو فقط ما يمكن أن تسميه شعرا وإن حاولت الوصول إلى مصطلح جديد ، كل هذه المصطلحات والتسميات تضرّ بقيمة الشعر وتحد من انطلاقه ، ليس تقليلا من قيمة النثر مثلا ، لكنهما شيئان مختلفان تماما . أنا لست ضد أي شكل بشرط وجود القيمة الشعرية ، ثم أن كتابة (قصيدة النثر) ليست من السهولة بمكان بحيث تكون مخرجا شرعيا لكل نشاز ، أن تكتب (قصيدة نثر) لا تستطيع أن تجد فيها ارتباكا موسيقيا أو عثرات تربكك كقارئ فهذا يحتاج لشاعر حقيقي .

   - يميل معظم شعراء العصر الحديث إلى الغنائية (الذاتية) لماذا ؟ وهل تواجه ذات الميل لكتابة سيرتك أو بعضا منها ؟
   كل كتابة هي من صميم الذاتية ، الشعراء كلهم في كل العصور يكتبون سيرهم في قصائدهم ، سيرهم الحقيقية والمنتحلة وما احتالوه ، لكل منهم عالم مليء بالدهشة، بأحداث وتواريخ ورؤى تكوّن في داخله ذاكرة متقدة لا يمكنه الكتابة بدونها . حين أكون أمينا جدا لشعري، بأن لا أستعير صوتا آخرا في القصيدة ، أكتب مستسلما لأكثر الأدوات طوعا لي ، مخيلتي ولغتي التي كونتها تجربة خاصة . الشاعر يا صديقي لا يمكن أن يكتب بناء على خطط مسبقة ومقاسات مدروسة ومقررة وإلا ما هي ميزة الشعر ؟ بالرغم من ذلك تجد الخاص ينطلق بشكل أو بآخر لمساحات أبعد ، فالجرح الإنساني والمعاناة الإنسانية تتشابه وتتشابك فيما بينها وللقصيدة أن تنطلق أكثر من عالمها الخاص لأكثر العوالم اتساعا، ولها أكثر من احتمال هنا ، وأكثر من قراءة .. أكثر من مساحة للبوح ، أكثر من وطن ، وإلى أن نكتبها نظل نجرب في احتمال أن نضع جزءًا من هذا التاريخ كله والذاكرة كلها في النص . القصيدة الأجمل هي التي لم نكتبها بعد وكأنها ذاكرة باتجاه المستقبل ، ذاكرة مليئة بأحداث وشخوص أؤثّث لهم أبيات القصيدة كي تتلمس طريقها نحو الخارج .
سيرتي إن حاولتُ أن أكتبها فلن أخرج عن نطاق القصيدة ، ما كتبته وما سأكتبه ، أحيانا أنتحلها وأحيانا أخرى تكون كما حدثت تماما أو كما احتفظت بها الذاكرة ولا أعرف حقا هل هي الصورة الحقيقة أم ما تم انتحاله ذات قصيدة أولى ، أجد حنينا لطفولة متعبة تتمدد على طول القصيدة . الطفولة بما تحمل من ذكريات ودهشة وما وجدته من غربة في مدن لا تحمل هاجسي ، ربما تعلمني ترتيت القصيدة فنيا إنما شعري يجرني لعالم آخر لا أزال أكتشفه كل يوم مثل طفل .

   - هل تكتب القصيدة دفعة واحدة ؟ وهل تغيّر بعد الانتهاء منها ؟
   في الكتابة الشعرية أعيش قلقا حقيقيا .. عندما تأتي القصيدة أعيشها قبل أن أكتبها ، أكتبها أحيانا على مراحل لا أنتبه إليها إلا عندما تغادرني حماها لأجمع كل ماكتبت ودفعة واحدة أطلقها ، أحيانا قصيدة واحدة تعيش معي فترة زمنية طويلة ، لهذا ربما أكون مقلا في الكتابة .

   - ما أبرز طقوس الكتابة لديك ؟
   ليس لدي طقس كتابي معين ، أكتب في أي مكان على أي ورقة أصادفها بأي قلم أعثر عليه ، عندما أجمع هذه القصاصات أحيانا تتشكل لدي ألوان وأحجام مختلفة : قصاصة بيضاء ، أخرى ظهر فاتورة - وأحيانا وجهها فثمة فواتير تغري مساحاتها البيضاء على تهريب جملة شعرية - ، تذكرة باص ، علبة سجائر ... تجميع هذه القصاصات هو الطقس الأجمل وفكرة جميلة لعمل كولاج مميز .

   - ما مدى ظهور صوت الأيدلوجيا في شعرك ؟
   الأيدلوجيا ليس مكانها الشعر، والشعر المأدلج ليس من الشعر في شيء لأنه ببساطة يتخلى عن أهم ما في القصيدة من فتنة الكشف والدهشة، الشعر ليس فكرًا أيدلوجيا أو سياسيا أو فلسفيا حتى ، ليس تركيبة رياضية لإيجاد حلول أو مفاتيح للأسئلة الكبرى في حياتنا ، ربما هي لخلق أسئلة من بطن أسئلة أخرى – ليست أيدلوجية بالضرورة - . ليس لدي أيدلوجيا أكتب من خلالها قصيدتي ولن أفعل ، قصيدتي هي ما أحمله داخلي من غموض واضطراب وفرح وحزن ومزيج غريب من أكوان وبشر وصداقات وخيانات وحروب وغيابات ، من نساء ورجال ، من أطفال بثياب مهدلة يركضون في قيظ الله الحارق ويدخلون من سفر إلى سفر بلا نية للوصول ، الأيدلوجيا وعي لا يمكن أن يكتب قصيدة .. ليس ثمة مراجع أمامي سوى ذاكرتي وهؤلاء الصبية الصعاليك .

   - ما رأيك من نبوءة الشاعر أو الشعر ؟ وهل يمكن أن تعبر القصيدة بنا أفقا آخر ؟
   كل قصيدة هي عبور آخر لأفق أكثر اتساعا ورحابة، هي غوص في عوالم أكثر دهشة، هي البحث المستحيل والكشف المستمر في غياهب أكثر استحالة ، ليست مسألة نبوءة بقدر ما هي رؤيا، ليس ثمة من يستطيع أن يعبر من حجاب لآخر دونما تجربة وخزين وتدريب وقراءة. من لا يستطيع قراءة ذاته لا يستطيع قراءة ما حوله؛ الشاعر الحقيقي برأيي هو الأقدر على الوصول لمساحات وآفاق مفتوحة مُنطلقًا من ذاته التي هي جزء من هذه التركيبة المعقدة للكون.

   - كثيرًا ما يقال أن القصيدة هي من يكتب الشاعر ، فكم قصيدةً قصدت كتابتها ولو افتعالا ؟
   القصيدة الأجمل هي التي تكتبني وأكتبها في ذات الوقت، قد أتعمد أن أكتب قصيدة وأحضر لها كل ما يمكن لتأتي فلا تأتي، وقد تتعمد هي كتابتي فأغيب عنها فتظل رابضة على صدري ورابضا على صدرها حتى يرحم كل منا الآخر.

   - في ديوانك قصائد مهداة لأصدقاء ، فإلى أي مدى تؤثر علاقات الصداقة في روح الشاعر محمد النبهان سلبا وإيجابا ؟
   سؤالك هذا حوار بذاته ... أنا عشت حياتي كلها منذورا لأصدقائي ، شعري كله إهداءات لأصدقاء وإن لم أشر لذلك ، الرحيل أيضا عزز هذه الفكرة كثيرا ، لم أتخيل أنني أستطيع أن أعيش خارج دائرة الأصدقاء القليلين الذين هم وطن صغير لا أنتمي لغيره ، الأصدقاء بكل انفتاحهم معي وبكل اسرارهم ، بكل حبهم/وفائهم وخياناتهم ، بكل طيبتهم وصعلكاتهم .. هم دائما يكتبون معي قصائدي، أعرف أنني فقدت منهم من فقدت وغبنا عن بعضنا كثيرا لكني لست ممن يخلع أصدقاءه، مرة قلت لهم صديقك من يفكر أمامك بصوت عالٍ، وعشت معهم بلا سر أو قناع ، ربما لهذا السبب يحضرون معي في إغماءة الشعر، الأصدقاء ذاكرتي الأكثر اتقادًا نحو غد أراه معهم فقط وإن لم يكونوا هناك. اميلي ديكنسون الأكثر عزلة ووحدة قالت أنهم أوطان صغيرة ، نعم لا يعرف هذا سوى من يعيش في مدينة بلا أصدقاء .. من يعيش عزلة وغياب ويطلق قصيدته جنونا باتجاه أكثر الوجوه دفئا وعناقا ... مجنونا يا صديقي أو كما يقول صعلوك مثل فتحي أبو النصر سكرانا من قال أن الأصدقاء وطن.

   - ما علاقة قصيدتك المكتوبة أو المنتظرة بالموروث والتأريخ ؟ وهل تؤمن باستخدامهما وتوظيفهما في الشعر الحديث ؟
   هناك عدة قصائد في (غربة أخرى) وغيرها من قصائد تستحضر التاريخ والموروث وتوظفهما من خلال سياق القصيدة، أحيانا كثيرة لا أتعمد ذلك، التاريخ في داخلنا ، نحن نعيشه، نتحاور به يوميا، نحن أمة تختلف كثيرا على تاريخها ، في أي مكان تذهب إليه وفي أي جلسة عائلية أو على مستوى أصدقاء أو ثقافية أو في العمل نتحدث عن تاريخنا بشكل أو بآخر ، خلافاتنا العقائدية فيها كثير من السيرة التي نختلف بشأنها ، خلافاتنا السياسية والاجتماعية كذلك، أغلب حروبنا الدامية وأسباب تناحرنا من التاريخ الذي نعيشه بشكل لا يدفعنا للأمام مطلقا. تجد يوميا دعاوى كثيرة للعودة لأمجاد التاريخ ، نحن لا نعيش من الحاضر سوى اسمه واسمنا فيه أننا عشناه وشهدناه . استخدام التاريخ والموروث هو لقراءته ولمعالجته المعالجة الجديدة أضف إلى ذلك قراءاتي في التاريخ التي أثرت حتما على توظيفه في القصيدة.

   - هل كتبت في الروحانيات أو المناجاة الروحية بأي طرق كانت ؟ وما شكل خطابك بالله في الشعر ؟
   سأجيب على الشق الثاني من السؤال أولا لأنه يحمل جواب الأول. برأيي الشخصي أن الخطاب مع الله مفتوح وليس له شكل أو طريقة معينة وليس له شعائر أوطقوس ثابتة ، قد يدخل في سياق القصيدة في أي لحظة دون الحاجة لتراتيب أو بخور ، الإسلام نفسه جاء ليلغي الوساطة بين المرء وربه ويسفّه أوثان كان العرب يعبدونها لاعتقادهم أنها طريق يوصلهم إلى الله ، الرسول الكريم قال أن الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ، أرفض من يقيم نفسه وصيًّا من خلال سلطة دينية يحدد بها علاقات الناس بربهم بطريق واحد لا يرى غيره . ثمة جاهلية أخرى تحتاج إلى مخلص جديد يسفّه وثنية قائمة بلحى وعمائم.

   - ظاهرة الإلحاد شعريا ، باعتباره موضوعا للقصائد ، هل تجده انعكاسا لمعتقد الشاعر أم رغبة بالظهور أم رجما بالغيب ؟
   الشعر ليس لطرح مواضيع أو أفكار من أجل طرحها، ليس بحوثا في العقائد. بغض النظر عن مناطق مشروعة أومناطق محرمة إذ الأمر لا يقاس هكذا فإن أي منطقة تدخلها القصيدة إن لم تكن موجودة في ذات الشاعر فهي صناعة ، قد تسميها رغبة بالظهور أو رجما بالغيب لكنها ليست شعر .
 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group