|
قصائد رائعة
الشاعر عبد الوهاب البياتي
د. عدنان الظاهر
*
قصيدة " أولدُ وأحترق بحبي "
تُمثّل هذه القصيدة القمة الثانية في شعر البياتي بعد قصيدة " حبٌ
تحت المطر" أو تكاد توازيها. أعدُّ القصيدتين معاً من أنضج وأكمل ما
قال البياتي من شعر خلال فترة مشواره الشعري الطويل ( 1926 – 1998 )
وخلاصة عمره وفنه ومذهبه وأسلوبه في قول الشعر.
في القصيدة السابقة " أحملُ موتي وأرحل " قرأنا ولأول مرّةٍ إسم
الفتاة الروسية لارا ورأيناها تحتلُّ مكاناً غيَر مرموقٍ يتنافس
رجلان عليها ويطارحانها الهوى برّاً وبحرا في مدينة سوجي على سواحل
البحر الأسود في الإتحاد السوفييتي السابق. فضلاً عن وضعها ضدّاً لا
نِدّاً مقابلَ فتاة أردنية طاهرة الذيل متدينة (( وخزامى نذرت للبحر
ضفائرها ولنجم الميلادْ )). أما في قصيدة " أولد وأحترق بحبي " فلقد
قفز البياتي قفزة جدَّ موفقة بعد أن أخذ تمريناً جيداً في القصيدة
السابقة وتعلّم أشياء جمّة سواء في كيفية التعامل مع موضوع لارا
وحيدةً دون غريم أو منافس أو في اختيار الظروف والأحوال الأنسب
للتفاعل مع شخصيتها وحثها أن تهبَ المزيد من العطاء الشعري المبدع ثم
تسليط الضوء الأقوى على حضورها العياني و( الدرامي ) امرأةً ورمزاً
ومثالاً عصيّاً على النوال، يتراءى لكنه لا يُمسك ولا يُرى. تماماً
كما قال المتنبي في مناسبة قريبة من موضوع لارا :
وما صبابةُ مشتاقٍ على أملٍ
من اللقاءِ كمشتاقٍ بلا أملِ
راحت لارا تتراءى له قطّاً تترياً ( وهو تعبير مجازي معروف في روسيا
يُقال للمرأة الروسية الممتلئة الجسد ) في المدن القطبية وراح يسأل
عنها عاملة المقهى ومقاهي العالم وحاناته وقطارات الليل. ثم طفقت
تتهيأ له حتى في لوحات متحف اللوفر الفرنسي في باريس وفي أيقونات
الكنائس وفي عيون الملكات بل وتحت أقنعة بعض ملكات الفراعنة الذهبية.
لارا الروسية والقط التتري تتحول إلى جارية في قصر الحمراء في مدينة
غرناطة الأندلسية تعزف على العود لكنها تذرف الدموع كظبية.
نقرأ أجمل ما في هذه القصيدة من تحليقات فذّة وخيال غير مسبوق ولوعة
حب حقيقية بعيدة عن المبالغات والشطحات الصوفية والإغراق الممل في
لعبة التحول والتبدل والحلول.
سأكتبها كما كتبها البياتي وبالشكل المثبّت في الكتاب وأتركها لحاسة
القارئ النقدية
وطريقته في تذوق هذا اللون من الشعر… فلربما يختلف معي الكثير من
القرّاء.
- 1 -
تستيقظ " لارا " في ذاكرتي : قطّاً تتريّاً، يتربصُ بي، يتمطّى،
يتئاءبُ، يخدشُ وجهي المحمومَ ويحرمني النومَ. أراها في قاعِ جحيمِ
المدنِ القطبيةِ تشنقني بضفائرها وتعلّقني مثلَ الأرنب فوق الحائط
مشدوداً في خيط دموعي. أصرخ: " لارا " فتجيبُ الريحُ المذعورةُ:
" لارا " ، أعدو خلف الريح وخلف قطارات الليل وأسأل عاملةَ المقهى.
لا يدري أحدٌ. أمضي تحت الثلج وحيداً، أبكي حبي العائرَ في كل مقاهي
العالم والحانات.
- 2 -
في لوحاتِ " اللوفرَ " والأيقوناتْ
في أحزانِ عيون الملكاتْ
في سحر المعبوداتْ
كانت " لارا " تثوي تحت قناع الموت الذهبيِّ وتحت شعاع النورِ
الغارقِ في اللوحاتْ
تدعوني، فأُقرّبُ وجهي منها، محموماً أبكي
لكنَّ يداً تمتدُّ، فتمسحُ كلَّ اللوحاتِ وتُخفي كلَّ الأيقوناتْ
تاركةً فوق قناعِ الموتِ الذهبيِّ بصيصاً من نورٍ لنهارٍ ماتْ.
- 3 -
" لارا ! رحلتْ "
" لارا ! انتحرتْ "
قال البوّابُ وقالت جارتها، وانخرطتْ ببكاءٍ حارْ
قالت أخرى : " لا يدري أحدٌ، حتى الشيطانْ ".
- 7 -
في قصر الحمراءْ
في غُرفات حريم الملك الشقراواتْ
أسمع عوداً شرقياً وبكاءَ غزالْ
أدنو مبهوراً من هالات الحرف العربيِّ المضفورِ بآلاف الأزهارْ
أسمع آهاتْ
كانت " لارا " تحت الأقمارِ السبعة والنور الوهّاجْ
تدعوني فأُقرّبُ وجهي منها، محموماً أبكي، لكنَّ يداً تمتدُّ فتقذفني
في بئر الظُلُماتْ
تاركةً فوق السجادة قيثاري وبصيصاً من نورٍ لنهارٍ ماتْ.
- 11 -
أرسمُ صورتها فوق الثلجِ، فيشتعلُ اللونُ الأخضرُ في عينيها
والعسليُّ الداكنُ، يدنو فمُها الكرزيُّ الدافيء من وجهي، تلتحمُ
الأيدي بعناقٍ أبديٍّ، لكنَّ يداً تمتدُّ ، فتمسحُ صورتها، تاركةً
فوق اللونِ المقتولِ بصيصاً من نورٍ لنهارٍ ماتْ.
كرر البياتي عبارة ( لكنَّ يداً تمتدُّ ) ثلاث مرات لكن ما تفعله هذه
اليد يختلف من حالة إلى حالة وباختلاف المناسبات. فمرة (( تمتد فتمسح
كل اللوحات وتُخفي كل
الأيقونات )) وفي المرة الثانية (( تمتد فتقذفني في بئر الظُلمات ))
وفي المرة الأخيرة (( تمتد فتمسح صورتها …)). لا أمل في لارا ! اليأس
منها !
( كتب الشاعرُ هذه القصيدة بتاريخ 26- 10- 1974 وكان ذلك الحين في
بغداد ).
قصيدة " حبٌّ تحت المطر "
هنا اكتملت موهبة البياتي الشعرية كما أخال وأحسب. وهنا قد اكتمل
نضجه الوجداني وعرف جيداً كيف يوظف وكيف يطوّر طرق وأساليب التعبير
عن نزعة الحلول الصوفي القابع في أعمق أعماق روحه والإتحاد مع
وبالطبيعة شجراً ومطراً وظلمةً وفجراً ونوراً وبأرصفة المدن ثم الميل
الشديد لارتياد بعض المقاهي جواً دافئاً مناسباً للتلاقي وتبادل
المعلومات والسؤال والجواب وربما لعقد صفقة صداقة ومدّ جسور ألفة
تُنسي الشاعر وحدته في مدينة غريبة عليه زارها سائحاً أو لحضور
مناسبة أو للمشاركة في مؤتمر.
واترلو كان البدء…
واضحٌ أنَّ الشاعر قد وصل مدينة لندن قادماً إليها مستخدماً القطار
واسطةً نقلته من مكان آخر… ربما من مدينة أوربية أخرى. ذاك لأنَّ "
واترلو " هو اسم محطة مركزية لقاطرات السكّة الحديد القادمة إلى لندن
ولتلك التي تغادرها. ويقع بالقرب منها جسر شهير في لندن يحمل اسم جسر
واترلو. وهذا الاسم في الأساس اسم لموقع في بلجيكا يقع إلى الجنوب من
العاصمة بروكسل وقعت فيه المعركة الشهيرة التي خسرها نابليون بونابرت
عام 1815 أمام الجيوش الألمانية بقيادة الفيلد مارشال بلوشر وحليفتها
الإنجليزية بقيادة المارشال ويلنكتون. تُكتب الكلمة بالإنجليزية
Waterloo
.
محطةُ وسائط للنقل وقطارٌ جاء بالشاعر من أرض أخرى وأدخله إلى مدينة
لندن وجسر قريب يحمل ذات الاسم سيأخذه مباشرةً إلى قلب العاصمة
البريطانية. نصرٌ لا شكَّ فيه للرجل الزائر الذي وصل لندن بعد منتصف
الليل ولكنَّ الاسم هذا هوكارثة بالنسبة للآخر : للقائد المغامر
نابليون بونابرت !! أية مفارقة عجيبة يواجهها الشاعر في هذه المدينة
!! سيخسر الشاعر المغامر، هو الآخر، لعبة الفجر الجديدة على أرض
البلد الذي سبق وأنْ حقق على تربة واترلو نصراً تاريخياً مُؤَزَّراً.
فأية مرارة مزدوجة يحسها هذا المغامر الشاعر !! سيخسر معركتة الخاصة
بعد أن يغادر المحطة التي تحمل اسم رمز النصر اللامع
" واترلو " وبعد قليلٍ من عبوره جسر النصر " واترلو ". المغامرون
يخسرون في نهاية المطاف. فلقد سبق وأنْ تكبّد نظيره المغامر الجنرال
نابليون بونابرت خسارة مماثلة. خسر نابليون معركته الكبرى على أرض
ليست فرنسية. كذلك سيخسر الشاعر معركته الجديدة على أرض غريبة وبعيدة
عن وطنه العراق. هل كانت محض صدفة أن يستحضر البياتي الأضداد، وهو
يُعدُّ نفسه لجولة رومانسية جديدة، فيجمع ما بين النصر والهزيمة على
أرض غريبة؟
الشعراء غالباً ما يلتقون، هنا أو هناك، بهذا الشكل أو بذاك، سرّاً
أو علانيةً، منتصرين أو مهزومين. فإذا ذكر البياتي واترلو ذكراً
عابراً فإن الشاعر الإنجليزي جورج غوردون لورد بايرون كتب ( في أو
قبل عام 1818 ) عن نابوليون وعن معركة واترلو في النشيد الثالث من
قصيدته الطويلة " طواف تشايلد هارولد أو أسفار تشايلد هارولد
Childe
Harold s Pilgrimage
" . سأنقل ما كتب هذا الشاعر من باب أنَّ الشيء بالشيء يُذكرُ.
And Harold stands upon
this place of skulls,
The grave of France, the
deadly Waterloo!
How in an hour the power
which gave annuls
Its gifts, transferring
fame as fleeting too!
In “ pride of place “ here
last the eagle flew,
Then tore with bloody
talon the rent plain,
Pierced by the shaft of
banded nations through;
Ambition s life and
labours all were vain;
He wears the shatter d
links of the world s broken chain.
كما خصَّ هذا الشاعرُ نابوليون بأجزاء كبيرة من قصيدته التي أسماها "
العصر البرونزي
The Age of Bronze
" فتهكّم وسخر منه أيما سخرية وقارنه بالإسكندر المقدوني إذ حاول
كلاهما سُدى السيطرة على العالم وقهره كلٌّ بطريقته وأساليبه الخاصة
وبشعاراته الخاصة. قال عنه بعد موته منفيّاً في جزيرة سانت هيلانة :
Small care hath he of what
his tomb consists;
Nought if he sleeps – nor
more if he exists :
Alike the better - seeing
shade will
smile
On the rude cavern of the
rocky
isle,
As if his ashes found
their latest
home
In Rome s Pantheon or Gaul
s mimic dome .
He wants not this; but
France shall feel the
want
Of this last consolation,
though so scant :
Her honour, fame, and
faith demand his bones,
To rear above a pyramid of
thrones;
نواصل قراءة المقطع الأول من القصيدة كما كتبها الشاعر في الكتاب:
" واترلو " كان البدءُ، وكلُ جسور العالم كانت تمتدُّ لواترلو،
لتعانقه، لترى مُغتَربَين التقيا تحت عمود النورِ، ابتسما، وقفا
وأشارا لوميضِ البرقِ وقصفِ السحب الرعديةِ. عادا ينتظرانِ، ابتسما،
قالت عيناها : " من أنتَ ؟ " أجاب : " أنا ! لا أدري " وبكى، اقتربتْ
منه، وضعتْ يدها في يده، سارا تحت المطر المتساقط، حتى الفجرِ، وكانت
كالطفلِ تغنّي، تقفزُ من فوق البرك المائيةِ، تعدو هاربةً وتعودُ.
شوارعُ لُنْدُنَ كانت تتنهدُّ في عمقٍ والفجرُ على الأرصفة المبتلّةِ
في عينيها، يتخفى في أوراقِ الأشجارِ. أجابَ : " أنا، لا أدري "
وبكى. قالتْ : " سأراكَ غداً " ، عانقها، قبّلَ عينيها تحت المطر
المتساقطِ. كانت كجليد الليلِ تذوبُ حناناً تحت القبلاتْ.
هذه هي اللوحة الأولى في قصيدة وضعها البياتي كما توضع بعض
السمفونيات. مقدمة فيها غموض ويختلط فيها الأمل بالخيبة. نور من جهة
وبروق وسُحُب ورعود ومطر متساقط من الجهة الأخرى. بداية لقصة تعارف
مع فتاة إنجليزية وربما صداقة معها جديدة. لم يعطها الشاعر اسماً. هي
حتماً ليست لارا الروسية التي عرفنا في الصفحات السالفة. عاش البياتي
قرابةَ خمسة أعوام في موسكو فعرف أسماء الروسيّات لكنه لم يُقمْ في
بريطانيا.
في القصيدة الكثير من البكاء. " أنا ! لا أدري " وبكى. كررها مرتين
في المقطع الأول من هذه القصيدة. ولقد رأيتُ في جُلِّ شعره إنه يبكي
إذ يٌقبّلُ أو يهمُّ بالتقبيل.
وما دام اللقاء لقاء غرباء وفي ساعة متأخرة من ليلة بارقة راعدةٍ
ماطرة فمن حق الفتاة
( وقد تكون هي الأخرى مثل لارا من فتيات الليل ) أن تسأل الرجل الذي
بادلها البسمة عن اسمه وربما عن أصله. الرجل أجاب إنه لا يدري، لا
يعرف من هو !! إنه ضائع ورقم فارغ في أجواء المدينة الكبيرة لندن
التي تكون عادةً معتمة في ساعات الفجر الشتائية.
لا يعرف من هو وفتاته تلعب وتتقافز أمامه وتغني لتزيد عامدةً من
حيرته وعذاب روحه.
( العصفور يتفلّى والصيّاد يتقلّى…) كما يقول العراقيون.
لقد أبدع البياتي في رسم صورة رائعة وبارعة يُمهّد فيها للحظة الفراق
:
شوارعُ لُنْدُنَ كانت تتنهدُّ في عُمقٍ
والفجرُ على الأرصفةِ المبتلّةِ في عينيها
يتخفى في أوراقِ الأشجارْ.
صورة زئبقية غائمة عائمة وعصيّة لا تسلّمُ مفتاح السر ولا تُعطي
القارئ مَمسكاً فتبقى لُغزاً مُحيّراً. ( والفجرُ على الأرصفة
المبتلّةِ في عينيها يتخفى في أوراقِ الأشجار ). ماذا يمكن أن نفهم
من هذا التعبير ؟ ( الأرصفة المبتلّة في عينيها ) تعبير أفضّل أن
أدعه دون تفسير. التفسير يُفسد تجلّي الصورة في مقام هيبة النفس
الصوفية ويحشرها في إطار يابس شديد البؤس. أم تُرى أنأى بنفسي عن
مستلزمات ودواعي وتأثيرات مظاهر الأبهة والجلال وأتجرأ على القول
أنَّ دموع الفراق التي كانت تتساقط من عيني الفتاة بللت فأغرقت
الأرصفة. ثم ما شأن الفجر يتخفّى في أوراق الأشجار ؟ ألا يُطيق فراق
الأحبة فيغطي عينيه فَرَقاً وجبناً ؟ (( أما تُطيقُ فِراقاً أيها
الرجلُ ؟ … كما قال أحد الشعراء )).
نقرأ المقطع الرابع :
كان يراها في الحُلْم كثيراً منذ سنينٍ. كانت صورتها تهربُ منه إذا
ما استيقظَ أو ناداها في الحُلْمِ. وكان بحمّى العاشقِ يبحثُ عنها في
كلِّ مكانٍ. كان يراها في كلِّ عيون نساءِ المدنِ الأرضية، بالأزهارِ
مغطّاةً وبأوراقِ الليمونِ الضاربِ للحمرةِ، تعدو حافيةً تحت
الأمطارِ، تُشيرُ إليهِ : " تعالَ ورائي " يركضُ مجنوناً، يبكي
سنواتِ المنفى وعذابَ البحثِ الخائبِ والترحالْ.
نفهم من هذا المقطع أن الشاعر هو ( كازانوفا ) خائب خرج من مغامرة
الفجر اللندني بخُفيّ حنين. ضاعت من عَيانه فراحَ شبحها يطارده أو
يلاحقه فيما بعد في عالم الأحلام حسبُ. حتى هذا الشبح الليلي صار
يتهرب منه ويصدُّ عنه حين يناديها في الحلم مجرد نداء ويختفي تماماً
حين يصحو من منامه. مع ذلك، كان الشاعر يرى هذا المخلوق الغائب عنه
حيثما حلَّ وارتحل. بل وأكثر من ذلك ( كان يراها في كل عيون نساء
المدن الأرضية )، مقترباً من قول الشاعر الإنجليزي لورد بايرون (
أُوّاه ! لو أنَّ للنساءِ في العالم أجمع ثغراً واحداً إذنْ لقبّلته
واسترحتُ ). يراها مغطاة بالأزهار وبأوراق الليمون الضارب للحمرة.
كيف يتحول اللون الأصفر إلى الأحمر ؟ التحوّل… التحوّل… والتناسخ
الصوفيان. وإلاّ كيف يكون لون الليمونة ضارباً للحمرة والكل يعرف أن
الليمونة صفراء ؟ قد يقول البعضُ إنها رؤية الشاعر الخاصة للأشياء.
فقد يرى اللون الأصفر أحمرَ والعكس بالعكس. الألوان أسماء تعارفَ
عليها البشر وتواضعوا كما هو الأمر بالنسبة لكل الأشياء والمسميات.
هذه الفتاة الإنجليزية التي ما زلنا نجهل اسمها أو من هي ظلّت حيّةً
في وجدان الشاعر طيفاً يلاحقه أينما وحيثما كان. وظلَّ الشاعر
مفتوناً ومشغولاً بذكرى هذا الطيف الذي يُقضُّ مضاجعه ولا يعطيه
فُرصةً لراحة البال والضمير. لقد طفق يمارس كالمهووس عادة اجترار
الذكريات واستحضار تفصيلات الحدث الذي وقع له فجر يوم ماطر في عاصمة
الضباب لندن. وكان يحلم بلقاء آخر معها ترتبه يد الأقدار العمياء.
في انكفائه الجارف إلى داخل نفسه يحاورها ويسائلها ويناجيها، أبدع
البياتي في صوغ نوع من " الدايالوج " الرائع الذي هو مزيج من الأماني
ومخاطبة الذات واسترجاع حلو الذكريات. نقرأ المقطع الثامن :
كان يراها في كلِّ الأسفارْ
في كلِّ المدن الأرضيةِ بين الناسْ
ويناديها في كل الأسماءْ.
وفي المقطع التاسع :
كانت تتخفى في أوراقِ الليمونِ وأزهارِ التفّاحْ.
وفي المقطع العاشر :
" واترلو " كان البدء وكلُّ جسور العالم كانت تمتدُّ لواترلو، تسعى
للقاءِ الغرباءْ.
وفي المقطع الحادي عشر :
تحت النورِ التقيا، ابتسما، وقفا وأشارا
لوميضِ البرقِ وقصفِ السحبِ الرعديةِ، كانا يعتنقانْ.
وفي المقطع الثاني عشر :
كان يمارسُ سحراً أسودَ في داخله : تأتي أو لا تأتي؟ من يدري؟
مجنوناً كانْ.
قبيل اللقاء يرسم البياتي أندرَ صورٍ عرفها الشعر العربي المعاصر
للحظات الترقب والأمل المرتجِّ والخوف من استحالة تحقق اللقاء مع
امرأة طال انتظار وعدها على الأرض الغريبة.
المقطع الثالث عشر :
كانت في يدهِ دُميةُ شمعٍ يغرزُ فيها دبّوساً من نارْ
" حبيني " قال لها، واتّقدت عيناهْ
بشرارةِ حزنٍ يصعدُ من قلبِ المأساةْ.
إنه يتحرق شوقاً للّقاء فيتخيل الفتاة كدمية من شمع ينصهر بين يديه
تحت تأثير حرارة نار تولعه هو وعنفوان هواجس التأرجح ما بين احتمالات
الأمل واليأس.
يتمنى الشاعر أن تحبه هذه المرأة – اللغز الغامض، يتمنى لكنْ (( ما
كل ما يتمنى المرء يدركه // تجري الرياحُ بما لا تشتهي السَفَنُ /
المتنبي )). ما أن ذكر الحب وفعل الأمر
(( حبيني )) حتى بلغ منه القلق مبلغه. وجد هناك ما يشبه اليأس من ذلك
أو استحالة أن يحصل هوى صادق بينه وبين هذه الفتاة. (( حبيني قال
لها، واتقدت عيناهْ، بشرارةِ حزنٍ يصعدُ من قلبِ المأساةْ )). هل
المأساة في أنْ تحبه هذه المرأة أو أنَّ المأساة هي في أنْ لا تُحبهُ
؟ تلكم هي المسألة. الحيرة الحيرة. حيرة الرجال أمام احتمالات الحياة
المتغيرة أبداً.
تأتي أو لا تأتي ؟؟؟ تحبه أم لا تحبه ؟؟؟
ثمَّ هل ستفي الفتاة بالوعد الذي قطعت حين قالت له لحظة الوداع ((
سأراك غداً / المقطع الأول )). هل سأل الشاعر نفسه أين، تُرى، ستراه
غداً ؟ إنها لم تحدد له مكاناً ولا زماناً لمثل هذا اللقاء. فلماذا
قبل مثل هذا الوعد الغائم والعائم ؟ يقول الإنجليز
See
you tomorrow
أو
See you latter
كما يقول واحدنا للأخر إذ يفترقان " مع السلامة " دون الالتزام
بموعد ثابت يترتب عليه لقاء مُحدد.
نجد الجواب في المقطع رقم 14 (( أراها صورته بلباس البدوِ
الرُحّل…)). بدوي ساذج ينخدع بالكلام ويتعجّل وقوع الأحداث نتيجة
قلّة الصبر وضعف النسيج العصبي المركزي.
بعد السياحة الطويلة نقف لنلتقط على مهلٍ أنفاسنا فنجد أنفسنا أمام
حُلُم سريع جميلٍ غريب التفاصيل مُثير في بنائه وهندسته. ما كان
وعداً ما حسبناه وعداً. مجرد ذكرى يلوكها الشاعر اجتراراً ومن باب
الإستمناء أو التمنّي (( والتمني رأسُ مالِ المفلسِ )).
وكما يحدث في عالم السينما والأفلام، يعود الشاعر بذاكرته في المقطع
الخامس عشر إلى أحداث المقطع الأول وما جرى له ولها خلال دقائق
التعارف الأولى:
عانقها، قبّلَ عينيها، لُنْدُنُ كانت تتنهدُّ في عمقٍ، والفجرُ على
الأرصفةِ المبتلّةِ في عينيها يتخفى في أوراقِ الأشجارْ.
في المقطع الأخير تتجلى حقيقة هذه الفتاة لنفاجأَ بأنها ليست حقيقية
وبأن قصة محطة قطارات واترلو وجسر واترلو، ما هي إلاّ خيال محبوك
بإتقان واقتدار ومُكنة. وبأن الشاعر البياتي فنان ساحر يُتقن اللعب
على قارئه ويجيد توظيف موهبة التخيل واستخدام تكنيك تقريب وإبعاد
عدسات التصوير من بؤر ومراكز دوائر وقائع التاريخ. الفتاة التي
إلتقته في لندن لقاء غرباء ما كانت إلاّ " عائشة " إياها التي
رافقناها منذ قصيدة " الموتى لا
ينامون " علىالصفحة 71 من المجلد الثاني لمجموعة أشعار الشاعر. وأنَّ
عائشة هذه لا وجود حقيقي لها إنما زالت هي بزوال مملكة أبيها في
الألف الثالث قبل الميلاد . المقطع السادس عشر :
" عائشةٌ اسمي " قالت : " وأبي ملكاً أسطورياً كانْ
يحكمُ مملكةً دمّرها زلزالٌ في الألف الثالثِ قبلَ الميلادْ ".
أجلْ، الموتى لا ينامون.
ملاحظة : كتب الشاعر هذه القصيدة بتأريخ 2-12-1974.
-------------
* شاعر وكاتب عراقي مُقيم في ألمانيا
|