|
العنف ووحشية التهميش الثقافي
في زمن العولمة
(في زمن الفوضى الكونية)
د. فاضل سوداني
*
إذا كان الإنسان عموماً في زمن العولمة يشعر بعزلته جراء التطور
التكنولوجي الهائل، فإن المثقف والفنان المعاصر يعاني من اغتراب
وعزلة مضاعفة :
-
عزلته لعدم تكاملية منجزه الفني ومفردات لغته الفنية لعدم امتلاكه
قدرة التعبير المطلقة عن أسرار الحياة والوجود .
-
وعزلة أخرى تحاصره من خلال اغترابه الذي تخلقه الآلة والثورة
التكنولوجية .
وبالتأكيد فإن هذا يعمق الهوة بين المثقف - الفنان وذاته وبينه
والعالم الآخر، وينسحب هذا الاغتراب أيضاً على مجالات ثقافية أخرى،
مما يضع المثقف كذات والعالم الآخر في زمن العولمة، أمام أزمة فكرية
ومعرفية تثير الكثير من الالتباس والغموض. ومما يعمق هذا الاغتراب
والعزلة وهستيريا الروح المعاصرة هو: وجود الفوضى الكونية المنظمة
التي تبدو حضارتنا من خلالها وكأنها تنحدر نحو هاوية النهاية. وليس
غريباً أن يفنى كل شئ ويعود الإنسان إلى الغابة .
وبالرغم من أن العولمة منحتنا حق الشك في كل اليقينيات من جديد بما
فيها الطواطم المقدسة، إلا أن ما يزيد عمق الأزمة المعاصرة هو العمل
وبقصدية على استلاب الإنسان الثقافي ومحاولة محو أي اختلاف فكري
وتفرد ذاتي وتمايز للهوية عن طريق سلطة العنف والقمع الحضاريين، وعكس
هذا يؤدي إلى وضع الإنسان (والمجتمعات) في زاوية التمرد واكتشاف
الوسائل المناسبة من أجل السيطرة عليه، مما يخلق اتجاهاً استغلاليًا
يجعل من العولمة انقلاباً يتسم بالهيمنة والتعالي على المراكز
الحضارية الصغيرة الذي يؤدي إلى بروز سمة مميزة في الثقافة الإقليمية
- في هذه المراكز الحضارية الصغيرة - هو :
الحنين إلى الماضي الذي يبدو وكأنه يوتوبيا متخلفة لأنه ماضٍ يشكله
النهب الامبريالي والاستعماري فيصبح وكأنه حنين إلى صور الفقر
والبدائية كما يؤكد رايموند وليامز في كتابه طرائق الحداثة .( عالم
المعرفة ـ الكويت )
والحنين إلى الماضي سببه التمسك والبحث عن الهوية والخصوصية، وهو
سلوك لمواجهة غزو الاغتراب السايكولوجي الذي يفرضه التبادل السلعي
العابر للقارات في المجال الثقافي أي الغزو الثقافي الذي يحرص على أن
يتحول إلى أشكال ثقافية وفنية ووسائل إعلام تفرضها الأقمار
الاصطناعية على الثقافة الإقليمية.
وبالتأكيد فإن هذا يفرضه واقع جديد هو أن مراكز الإنتاج الثقافي
والإعلامي والفني العالمي حددت بأماكن حضرية قليلة فرضت مايسمى
بالقرية العالمية، في محاولة لفرض ثقافة متجانسة تفرضها شركات
الاحتكارات التي تعمل على إشاعة التجانس والتهميش الثقافي، وكذلك
وجود نخبة من المثقفين الذين ينظرون لأديولوجيا التجانس، وبالتأكيد
فإن هذه الآديولوجيا تجد ضالتها في التطور التكنولوجي لفرض غزو ثقافي
يخلق الاغتراب ويمجده. ومثل هذه الآديولوجيا ضيعت فرص التبادل
الثقافي الأصيل والمتنوع بين الشعوب والأمم ( انظر المصدر السابق )
وبالتأكيد فإن هذا يخلق سوء التفاهم بين البشر ويعمم الحروب
والكراهية والعنف التكنولوجي - الحضاري ضد الإنسان .
ومن أجل خلق الحصانة الداخلية إزاء هيمنة السطو الثقافي في زمن
العولمة تتحول المجتمعات الإقليمية إلى مايشبه الكيانات المعزولة مما
يؤدي إلى العودة إلى السلفية وإلى كل ماهو ماضوي وفطري وبدائي مما
يحتم نبذ ميراث الفكر الحديث ، وانحسار النظرة الكوسموبولوتية -
الكونية للعالم وإبداع البشر الحضاري .
ولكن إذا نظرنا إلى التبادل الثقافي والتطور التكنولوجي المعاصر على
أساس تكاملية التكنولوجيا وجميع الثقافات في عالمنا فإن العولمة تصبح
ضرورة عالمية، وبالتأكيد فإن هذا يعني التبادل والتكامل الثقافي الحر
بعيداً عن الهيمنة من طرف واحد لمراكز القوى، فيصبح فتح الحدود أمام
هذا التطور الهائل هو تحقيق النزعة التفائلية التي دعى لها فلاسفة
القرن الثامن والتاسع عشر، بمواجهة فلسفة نهاية التاريخ والإنسان.
هذه النظرة المعاصرة والمتشائمة التي يقلقنا بها فلاسفة العولمة.
ومن جانب آخر فإن الثقافة والفن والفكر بأبعادها الكوسموبولوتية
بعيداً عن مركزية الهيمنة لثقافة ما، ستحقق طرفي المعادلة وستكون هذه
الثقافة والفن الإقليميتان بخلفيتهما التكاملية من أجل تحقيق شمولية
الوعي الإنساني. هذا النزوع التكاملي هو الذي يعطي لخصوصية الهوية
تمايزها وفي ذات الوقت يمنح الفكر والفن العالمي غناه وتنوعه
واختلافه نتيجة لاختلاف المصادر وتنوعها.
وإذا كانت هنالك خطورة نتيجة لهيمنة الآلة وتعميم آلية العقل
التجريدي المعاصر وإشاعة التجانس والتشابه الفكري والفني مما يخلق
ثقافة اغترابية وإنساناً معزولاً ، فإن الخطورة تكون مضاعفة في
الإبداع الثقافي والفني، لأن كل هذا سيحول نتاج الحواس إلى آلية
وعقلانية تؤدي إلى تشيئ الذات والفكر وتحويله إلى فكر استهلاكي،
وتخلق نوعاً من انتفاء القدرات الحسية في الفن وتحتم قاحلية اللغة
الفنية وتهميش الفن .
وبالرغم من هذا التطور التكنولوجي الهائل وما انعكس على تطور في
الفنون البصرية في الفن العالمي إلا أن السؤال الجوهري يبقى ملحاً
وهو: هل يتحول الفن والإبداع الحسي إلى فن تتحكم به الكابلات
والأقمار والفضائيات؟ وهل تكيف تقنية العقل التكنولوجي الجديد هذه
الثقافة والفن ؟
أم أن الفن مازال يمتلك خطابه ولغته وتأثيره الذي سيشمل الإنسان
والآلة معًا من خلال اكتشاف الفنان لتلك الوسائل التي تكيف
التكنولوجيا لخدمة الإبداع واللغة الفنية التي ستستغل العلم لتطوير
مفردات خطاب الإبداع الفني وهدفيته. وهل سيتولى الكمبيوتر (الآلة)
أمرنا أم أن القلب النابض ومشاعر الإنسان تحت قيادة عقل متنور حاضن
ومبدع للتطور التكنولوجي هي التي ستخلق اللغة الفنية والإبداعية
الجديدة .؟ إذن ماهي الحصانة الداخلية في مواجهة هذه الخطورة ؟
إن المشكلة الجوهرية هي أن حواضرنا المعاصرة لا تمتلك أساساً الحصانة
الداخلية في مواجهة الغزو الفكري، لأنها مدن متلقية للفكر
والتكنولوجيا الأوربية ويمكن أن تستجيب إلى الغزو الثقافي
(الاستهلاكي وليس الفكري) مما يخلق التهميش. وهنا يكون من الضروري
إغناء ومعرفة الكيفية التي يمكن أن تتحول من خلالها هذه التكنولوجيا
إلى جزء من ثقافتنا ومفردات لغتنا الفنية. لكن الالتباس الذي يعيق
تطور الثقافة والفن العربي الآن ويخلق جوهر أزمته هو التلقي الثقافي
بوعي ببغاوي (إذا جاز التعبير) وكذلك سكونية اللغة الفنية بالنسبة
إلى المشاهد وحصراً فيما يخص الفنون .
لذا فإن ديناميكية الثقافة والفن لايمكن أن توجدا إلا في قدرتها على
إثارة الأسئلة المصيرية، وهذا يدفعنا إلى التفكير بالفن العربي
المعاصر من جديد مع تشخيص الخطورة التي تواجهه والتي تكمن في أن هذا
الفن سيفني ذاته كفن…..لأسباب ثلاثة :
ـ إما كونه فنًا واقعيًا فوتوغرافيًا يخدعنا برؤية الواقع والطبيعة
مرة ثانية في اللوحة .
ـ أو لأنه فن استهلاكي يلتزم بسوق العرض والطلب التجاري، مبتعداً عن
معالجة القيم الإنسانية والمعرفية
العميقة وقلق الإنسان بسبب الخوف من انهيار حضارته، وإنما يعتمد على
السذاجة الاستهلاكية وخاصة ماتقوم به الفضائيات العربية في الوقت
الحاضر .
ـ أو باعتباره فناً لايعالج أسئلته اعتماداً على لغة الفن البصرية
والتي تؤثر على البصر والبصيرة.
ومن أجل أن يؤثر الفن التشكيلي العربي في الوعي الفكري والجمالي
للفنان والمتلقي يكون من الضروري التفكير بجوهر وماهية الفن باعتباره
بحثاً قوامه وطبيعته اجتماعية فلسفية جمالية وفينومينولوجية ـ
ظاهراتية ـ وهذا يتطلب تغيراً في المفاهيم الأساسية للغة الفن البصري
بحيث يشمل التغيير :
1) الوعي البصري للفنان
2) السرد البصري لمكونات فضاء المنجز الفني ( التشكيل ، المسرح الأدب
.. الخ ) .
3) علاقة فضاء المنجز الفني بالمشاهد ـ المتلقي ـ المتفاعل أي عن
طريق ماندعوه بالتفاعلية في الفن والثقافة.
ولا يمكن أن يتحول الفن إلى رؤيا بصرية إبداعية وصورة فنية متشبعة
بالدلالات مالم يوجد حيز للبعد الرمزي
والتأويلي وكذلك اعتماد الحس الإنساني .
و بالرغم من عظمة التطور التكنولوجي الهائل وأفكار مثل العولمة
والحداثة ومابعد الحداثة ..كل ما أنجز من إبداع ثقافي وفني حتى هذه
اللحظة يعتبر مقدمة لمستقبل الثقافة والإبداع الفني الذي ستتحكم به
قدرة الفنان على اكتشاف الوسائل التي ستغني لغته البصرية ـ والأفنية
والإبداعية الجديدة من خلال استغلال هذه الثورة التقنية لتصبح خدمة
للفن البصري الذي يجوهر قلق الإنسان الأبدي والذي لايمكن أن يُنجز
ويكون مؤثراً و أبدياً إلا اذا امتزجت فيه لغة الحواس ولغة العقل
وبهذا فقط يمكن للفن أن يتجاوز الفوضى الكونية المنظمة في حياتنا.
--------------
* مخرج وباحث مسرحي عراقي مقيم في
الدانمارك
fasoudani2@hotmail.com
|