|
الموت والعذراء
مسرحية في ثلاثة فصول
تأليف
: آرييل دورفمان
ترجمة : علي كامل*
مقدمة المترجم
" أنا ذلك الكذاب ، الذي
يقول الحقيقة دائماً "
جان كوكتو
لم تستطع سنوات
المنفى الثقيلة والخانقة أن تثبط آماله الكبيرة ، ولا المكان أن
يطمس هويته ، فقد قرر لحظة وصوله أمريكا ، لاجئاً ، أن يجعل من
كتاباته سلاحاً ، ومن غرفة مكتبه الصغير ، ورشة عمل يومي وساحة حرب
ضد من شردوه .. ضد من خنقوا صوت الحرية في بلاده.. ضد وحشية
الإستبداد وبربريتة في كل مكان .
على أحد جدارن غرفة مكتبه
المعتم ، كان دورفمان يعلق صورة مواطنه بابلو نيرودا ، كانت تضيء
له وحشة سنوات الأغتراب ، وبالقرب منها كتب بخط يده عبارة ، كان
استعارها من أحد معارفه القدامى ، الروائي الأرجنتيني " هارولد
كونتي " سلفه في المنافي . تقول العبارة : " هنا ساحة الحرب ، ساحة
معركتي ، ولن أغادرهاً أبداً " .
كتب دورفمان الشر والرواية
والقصة القصيرة والنصوص المسرحية والسينمائية والدراسات النقدية في
الأدب والفن . وقد ترجمت نتاجاته تلك الى ما يقرب الخمسين لغة . .
شغل ومايزال ، موقع
بروفيسور في جامعة ديوك في نيويورك ، لتدريس أدب أمريكا اللاتينية
، إضافة إلى نشاطه كمحرر دائم في صحف واسعة الأنتشار أمثال نيويورك
تايمس ، لوس أنجلوس تايم ، ناشينال ، فيليج فويس ، وغيرها . عرف
عنه أيضاً ناشطاً بارزاً في منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان .
عاد دورفمان إلى تشيلي ،
برفقته زوجته وولداه عام 1990 بعد زوال الدكتاتور بينوشيت وقيام
السلطة الوطنية المنتخبة ، ومنذ ذلك التأريخ وهو موزع بين بلاده
والولايات المتحدة الأمريكية وأوربا .
( لابد لأحد ما أن يبقى حياً
، ليروي ماحدث )
لقد تم تصفية الكثير من
أصدقاء دورفمان ورفاقه في ذلك اليوم الفاجع الرهيب ، يوم الإنقلاب
على حكومة أليندي ، في الحادي عشر من سبتمبر 1973 ساعة اقتحام قوات
بينوشيت قصر لامونيدا .
أما هو فقد نجا بإعجوبة من
موت محتم !
كان دورفمان يشغل موقع
بروفيسور لمادة الأدب والنقد محاضراً في جامعة تشيلي . وكان ُرشح
في عام 1971 مستشاراً
ثقافياً ضمن هيئة المستشارين الخصوصيين للرئيس أليندي في قصر
لامونيدا .
في مقابلة أجراها معه داني
بوستل في مجلة
The
Progressive
الأمريكية عام 1998 قال دورفمان:
( .. كان عليّ أن أكون في
قصرلامونيدا في ذلك اليوم الفاجع . كانت هناك قائمة بأسماء الأشخاص
الذين ينبغي تواجدهم في الأحداث أو الأوقات الطارئة ، وكان اسمي
واحداً من تلك الأسماء ، لكن أحداً لم يتصل بي ذلك اليوم ، وتركوني
أستمتع بنومي ذلك الصباح .
لم أفهم السبب مطلقاً !!
وبعد ثلاث سنوات ، وبطريق
الصدفة ، قابلت الشخص الذي كان مسؤولاً عن تنظيم تلك القائمة آنذاك
واسمه فرناندو فلوريس ، وفي ذلك اللقاء فقط عرفت سر بقائي حياً !!
لقد أخبرني فرناندو أنه
شطب اسمي من قائمة المناوبة تلك في ذلك الصباح ، وحين سأ لته عن
السبب ، صمت قليلاً وغار عميقاً ،
عميقاً ، كما لو أنه اراد إن يسترجع تلك اللحظات المرعبة ثانية .
أخيراً ، تطلع نحوي
قائلاً : " حسناً .. كان لابد أن يبق أحد ما حياً ، ليروي ماحدث "
..
لم تكن ثمة معجزة دينية
وراء بقائي حياً ، ولاأؤمن بأن قوى غيبية هي التي أنقذتني من ذلك
الموت المحتم . لكنني موقن بشيء اسمه قدر الإنسان أو هو ذلك الشيء
الذي يحيل الأحداث التي تمر في حياة الإنسان ، إلى شيء ضروري لابد
من وقوعه .
مافعلته أنا ، حسب ظني ،
هو أنني أحلت نفسي إلى راوي حكايات .
وهكذا أمضيت الخمسة
والعشرين عاماً الأخيرة أروي قصة شيلي بطرق مختلفة .
الكثير من كتاباتي تتحدث
عن إنسان تنتابه فكرة ما تلازمه على نحو دائم ، وهي أنه يعيش
كالشبح ، وأن كل شيء ماهو إلا مجرد وهم ، وأن ثمة أناس يموتون من
أجل أن نستمر نحن على قيد الحياة . فلزاماً علينا أن نقدم لهم
شيئاً ما . كيف يمكننا أن نفعل ذلك ؟ كيف يمكننا أن نتحدث إليهم ،
نحكي قصصهم ، ومن أجلهم ، بل وعلىالرغم منهم ؟ ومع ذلك ، فإن قصصي
هي ليست قصصاً عن الموت فقط . كلا ، إنها قصص عن الحياة ، والتغني
بها أيضاً . )
استوحى الكاتب عنوان
مسرحيته " الموت والعذراء " من رباعية شوبرت الوترية التي تحمل ذات
العنوان ، وهي قصيدة مغناة من تأليف ماتياس كلاوديوس 1740 ـ 1815 .
أما الثيمة فقد استقاها من خبر كان قرأه في صحيفة تشيلية ، يحكي
قصة رجل أنقذ حياة شخص انقلبت عربته في الطريق العام وكادت تودي
بحياته . وأثناء دعوة الرجل لذلك الغريب ضيفاً إلى منزله ، تحدث
المفاجئة المروعة .
ففيما هما يتحدثان ، تميز
الزوجة نبرة صوت ذلك الرجل الغريب ، وتكتشف أنها نفس نبرة الرجل
الذي عذبها واغتصبها في السجن قبل سنين . عندذاك تقرر سجنه في
المنزل وإخضاعه الى محاكمة شخصية ، تنتزع خلالها اعترافاً كاملاً
منه بتلك الجريمة ، ثم تحكم عليه بالموت ! .
يقول دورفمان : " .. لقد
تأملت تلك الحادثة عميقاً ، وبدأت أستكشف في مخيلتي ، بشكل خجل
ومتردد ، حالة دراماتيكية أصبحت فيما بعد نواةً لمسرحية " الموت
والعذراء " .
كنت أجلس بين الحين والآخر
أفكر بهذا الموضوع وأخربش على الورق ماتخيلته أن يكون في يوم ما
رواية ! . لكن ، بعد جلسات عدة وبضع صفحات غير مقنعة عدلت ، خائباً
، عن الفكرة كلها تماماً ، بسبب أن ثمة شيئاً ما كان غائماً ،
شيئاً ما جوهرياً وضرورياً في الحكاية كان مفقوداً . فمثلاً لم
أستطع أن أستكشف شخصية زوج تلك المرأة . ترى من هو ؟ وكيف ستكون
استجابته إن صدقها ؟
لم تكن واضحة عندي أيضاً ،
الوقائع والظروف والإلتباسات التفصيلية ، تلك التي ظهرت من خلالها
تلك الحكاية . كذلك كان ثمة غياب للعلاقات الرمزية والدلالية بين
العام والخاص . بمعنى آخر ، ما نوع علاقة هذه الحكاية بالوضع العام
للحياة في البلاد نفسها .
لم أفهم أيضاً ، صورة
العالم الذي كان يقف خلف تلك الحدود الضيقة والخانقة والمغلقة
لمنزل تلك المرأة ! " .
هكذا ولسوء الحظ ظلت
المسرحية تنتظر مكرهة مثل دورفمان نفسه لوقت طويل ، لحين زوال
النظام الديكتاتوري في البلاد عام 1990 وعودة الكاتب وعائلته إلى
تشيلي بعد نفي إستغرق سبعة عشر عاماً . ففي زحمة الأحداث السياسية
الجديدة والشائكة ، عثر الكاتب على إجابات على تلك النقاط التي
كانت غائمة في رأسه ، وإستطاع أن يمسك بالخيط الذي قاده أخيراً إلى
الطريقة التي ستروى بها تلك الحكاية .
( ديموقراطيات في دور النقاهة )
كان الوضع السياسي في
تشيلي إبان زوال نظام بينوشيت الفاشي وقيام السلطة الوطنية
المنتخبة ، ينذربإحتمال وقوع حرب أهلية في البلاد ، بسبب الإجراءات
المؤقتة التي إتخذتها الحكومة الجديدة ، والتي في مقدمتها الإبقاء
على الكثير من رموز النظام السابق في مواقع خطيرة وحساسة ، مثل
المؤسسات القضائية والبرلمان والمجالس البلدية وكذلك المؤسسات
الإقتصادية ، ناهيك عن ترك الكثير من أزلام السلطة من العسكر ورجال
الأمن والمخابرات طليقين دون عقاب !
كان ذلك قد أثار غيظ الناس
وضغينتهم ، خصوصاً أولئك الذين ظل يسكنهم الخوف رغم سقوط
الدكتاتور، والذين أحا لتهم زنازين الدكتاتور الى مجرد أشباح ،
أوأنصاف بشر . لقد أثارت فيهم تلك الإجراءات المؤقتة حقاً مخاوف
عودة النظام القديم الى السلطة . لكن واقع الأمر، إن الرئيس الجديد
المنتخب ـ باتريسيو ايلوين ـ كان يسعى من خلال تلك الإجراءات ، إلى
تطبيق برنامج إصلاحي برغماتي للبلاد ، ووضع حلول وسطية بشأن
التعامل مع أدوات النظام القديم ، خوفاً من تجدد الوضع الإرهابي ،
وتحت غطاء الديموقراطية هذه المرة ، وخشية من قيام مذابح جديدة
وعمليات ثأر شخصية ، قد تقود البلاد فعلاً إلى حرب أهلية ن والى
فوضى قد تفقد البلاد فرصتها التأريخية تلك ، وتفضي الى عودة النظام
الديكتاتوري ثانية الى البلاد .
فلأجل تطبيق ذلك البرنامج
قامت السلطة بتشكيل هيئة تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان ، تلك
التي اُرتكبت في زمن الدكتاتور بينوشيت سميت بـ " هيئة ريتيج "
والتي كانت تنتهي عقوباتها بالموت أو احتماله ، شرط أن لايعلن عن
أسماء المجرمين أو تجرى محاكمهم علناً . علق دورفمان حينها قائلاً
: " إستطاع الرئيس ايلوين حقاً أن يدير الدفة بحذر وتبصر وشجاعة ،
بإتباعه مسلكاً وسطاً يوفق مابين أولئك الذين يؤثرون دفن الخوف ،
خوف الماضي الإرهابي كلياً ، وبين أولئك الذين يريدون الكشف عنه
كاملاً " .
قامت تلك اللجنة حينها،
وكاجراء إحترازي ، بحجب أسماء أولئك المتهمين وعدم استدعائهم لحضور
تلك المحاكم علناً ، خشية وقوع صدامات دموية بين عوائلهم وأهالي
المتهمين . لكن المأزق الأكبر هو أن تلك العدالة المنتظرة كانت
منقوصة ، فعلى الرغم من التجربة الموجعة لمئات الآلاف من ضحايا
النظام القديم ، وخصوصاً أولئك الذين استطاعوا أن ينجوا من الموت ،
إلا أن الكثير من حقوقهم الشخصية ضاعت وسط زحمة الأحداث العامة
، حيث كل شيء كان مؤجلاً ، كسباً للوقت ورغبة في إستتباب الوضع
العام للبلاد .
هذه الخلفية السياسية هي
التي قدمت المفتاح الرئيسي لحل مغاليق الحكاية ، وأجابت عنتلك
الأسئلة التي كانت أجوبتها مبهمة في رأس الكاتب .
يقول دورفمان : ( ...
وفيما أنا أرقب بدهشة لجنة التحقيق تلك ، وهي تقوم بإنجاز مهمتها
الشاقة والشائكة ، بدأت أدرك شيئاً فشيئأً وببطء ، أنني أعثر
أخيراً على الإجابة عن السؤال الملتبس للحكاية ، ذلك السؤال الذي
ظل يدوي في رأسي لسنوات عديدة . وكانت الإجابة ، هي إن اعتقال
المرأة للرجل الغريب في منزلها واخضاعه الى محاكمة شخصية ، لايمكن
أن تتم في دولة يتربع على السلطة فيها دكتاتور ، كما حدث في زمن
تلك الحادثة التي قرأتها في تلك الصحيفة ، بل في دولة هي في مرحلة
إنتقال إلى الديموقراطية ، حيث جراح الكثير من التشيليين لم تندمل
بعد ، وحيث الكثير من الجناة مازالوا أحراراً يتساءلون برعب عن
المصائر التي تنتظرهم فيما لو تم الكشف عن جرائمهم .
لقد أصبح واضحاً أن
الطريقة التي يمكن أن نجعل فيها من زوج تلك المرأة التي تعرضت
للأغتصاب والتعذيب ، يعيش حالة رهان مروعة ومربكة ، كونه زوجاً
لتلك المرأة التي اعتقلت ذلك الرجل الغريب من جهة ، وفي نفس الوقت
عضواً في لجنة التحقيق من جهة أخرى ! وهو الوضع المشابه إلى حد ما
ن الى وضع المحامي العجوز الذي عينته الحكومة الجديدة لرئاسة هيئة
التحقيق " ريتيج " في الواقع ) .
لم يتطلب من دورفمان الوقت
الطويل لإتخاذ قرار حاسم بشأن العمل ، وكان القرار ، هو أن الهدف
كتابة نص مسرحي وليس رواية . وقد تم إنجاز" الموت والعذراء " عام
1991 وهو في نيويورك ، لكنه أرجأ إرسالها الى تشيلي ، خوفاً من
الأستجابات السلبية التي قد تثيرها أسئلتها المعبئة بخيارات صعبة
، وهي ذات الأسئلة التي كانت تسعى شخصياتها لأن تفهمها وتجيب على
جملة منها ، والتي كان التشيليون يطرحونها على أنفسهم في السر ،
ونادراً ماتجد من يرغب في طرحها علناً .
كيف يمكن للجلادين
وضحاياهم العيش على أرض واحدة ؟
هل في الإمكان معافاة بلد
قاسى صدمة القمع والكبت ، ومازال الخوف من إبداء الرأي سائداً في
جنباته ؟
كيف يمكن الوصول إلى
الحقيقة ، إذا كان الكذب قد أصبح عادة ؟
كيف يمكننا الإبقاء على
الماضي حياً ، شرط أن لانكون سجناءه ؟ وكيف يمكننا أن ننسى ذلك
الماضي دون المخاطرة بألا يتكرر في المستقبل ؟
ماهي عواقب كبح صورة ذلك
الماضي ، وثمة حقيقة تهمس في آذاننا أو تنبح في وجوهنا ؟
هل من المنطقي أن نضحي
بالحقيقة ، لكي نضمن الطمأنينة والأمن ؟
هل الناس أحرار حقاً في
بحثهم عن العدالة والمساواة ، وتهديدات العسكر تلازمهم كالوسواس ؟
هل يمكن تجنب العنف في
البلاد في ظروف كهذه ؟ وكم نحن ، جميعاً ، ودون إستثناء ، مذنبون
إزاء ماحدث لأولئك الذين قاسوا أكثر من غيرهم ؟
ومن المحتمل أن المأزق
الأكبرهو ، كيف يمكننا مواجهة كل هذه المشاكل ، دون أن يؤثر ذلك في
تقويض الإجماع العام ن ذلك الذي يرسخ الأستقرار للمضي في تحقيق
الديموقراطية ؟
كتب دورفمان يومها : " كنت
أدرك جيداً أنني سأ نتقد بضراوة من قبل البعض في بلادي لأنني "
هززت القارب بقوة " عبر تذكيري الناس بوقع الإرهاب والعنف الذي
قاسوه طوال تلك الفترة الطويلة ، في وقت مطلوب منا جميعاً أن نكون
حذرين الى حد كبير .
لقد شعرت على أي حال ،
أنني كمواطن ن ينبغي علي أن أتحلى بروح عالية للمسؤولية ، وكفنان ،
علي أن أجيب على النداء المروّع والعاصف لشخصياتي ، وأن أحطم ذلك
الصمت الذي كان يلقي بثقله على كاهلهم . كنت أتأمل من كان يتابع
كتاباتي بوّد من الأصدقاء ، وخوفهم الجميل من أنني ، ربما ، أسهم
ومن دون قصد ن في خلق مأزق لتلك الديموقراطية الهشة . لكنني كنت
على يقين من قبل ، وزاد الآن يقيني أكثر من أي وقت مضى ، بأن
الديموقراطية الهشة تتصلب ويقوى عودها ، عبر المكاشفات وإتباع نهج
المصارحة والوضوح ، لكي يرى الجميع كيف ستتفتح وتزهرالأعمال
الدرامية العميقة الرؤى ، ويرى أيضاً الأحزان العميقة والآمال
الكبيرة ، تلك التي تشكل جميعها مرتكزات وجود صلبة للديموقراطية .
بهذه الطريقة فقط ، وليس
عبر جلد الذات ، نستطيع أن نتفادى تكرار ماحدث لنا .. "
( هواجس الكاتب .. هواجس الشخصيات .. )
إن موضوع " الذاكرة " يكاد
يشكل هاجساً دائماً لدورفمان ولشخصياته . الذاكرة التي تستعيد ماضي
بلد جريح مثل تشيلي ، مجسداً بشكل كوابيس في النوم ووساوس في
اليقظة ، والتي تلازم ضحايا الأمس ، أولئك الذين نجوا من الموت ،
بشكل دائم . أما " الخوف " فهو يشكل موضوعاً جوهرياً في البناء
الإجتماعي والسيكولوجي لشخصيات الكاتب . إنه يجري في عروقهم ،
يؤرقهم ، ويشل حيواتهم .
فإذا كان ذلك الخوف يتشظى
في الماضي سراً ، فقد أصبح في الحاضر معلناً ، لدرجة الخشية من أن
يتحول الى تأريخ رسمي للبلاد ، ومن الممكن جداً أن يقود إلى إعادة
إنتاج مجتمع تمزقه النزاعات والحزازات ، تلك التي يسعى الكاتب
أصلاً إلى نسيانها .
لايدعو دورفمان الى تكريس
ذلك الخوف ، بل الى فهم مغزاه وأبعاده ، كي لايتكرر في المستقبل .
موضوع " النسيان " هو
أيضاً
هاجس
آخر له وجوهه المتعددة لدى الكاتب . فوجهه الأول ، طوي صفحة ذلك
الماضي والبدء من جديد ، حيث الناس يسعون إلى نسيان أوجاعهم
ومخاوفهم والعنف الذي نزل بهم ، وثمة أسباب عديدة وراء الرغبة في
ذلك النسيان ، سواء للناس الذين تعرضوا للإساءات أو للبعض ممن
إرتكبها . هؤلاء يشعرون أن استعادة الماضي هو تحطيم لهم . إنهم
يقولون أن ثمة مستقبلاً ينتظرنا ، دعنا نطوي هذه الصفحة ، دعنا
ننس ذلك ، دعنا نبدأ من جديد ، وهذا كله نعثر عليه ساطعاً في شخصية
المحامي وعضو هيئة التحقيق جيراردو في " الموت والعذراء " وأيضاً
في شخصية الكابتن في مسرحية " الأرامل " .
أما الوجه الثاني للنسيان
فهو ذلك الذي يتعامل غالباً مع الناس الذين يخوضون نضالاً مسعوراً
ضد من يريد إلغاءهم وتهميشهم وتجاهلهم ، بل وحتى محوهم من وجه
الأرض . هؤلاء الناس ذاقوا جور الماضي ومرارته ، وخرجوا من تلك
المحرقة مشوهين ومشوشين ، وحين استيقظوا على حاضر آخر جديد ، وجدوا
أنفسهم منسيين مهمشين ، يسيرون على رصيف واحد وجلاديهم .
هذا مانعثر عليه بصورة
جلية لا لبس فيها في شخصية باولينا في " الموت والعذراء " والرجال
المفقودين في " الأرامل " .
دورفمان يذهب أبعد من ذلك
، حين يضيف وجهاً ثالثاً لمغزى مفهوم النسيان وهو ذلك الذي يتعلق
بالهوية . فقد كتب يقول :
" .. ومشكلة الذاكرة هي
ليست مشكلة أننا نتذكر المخاوف التي مورست معنا وعلينا نسيانها ،
بل تلك التي لها تأثير أيضاً على الهوية ، هويتنا التي فقدناها .
أين هويتنا ؟ علينا أن
نفكر عميقاً وبدقة في هذا السؤال .
( الموت
والعذراء )
شخصيات المسرحية :
ـ باولينا سالاس : الزوجة ( 40 عاماً ) .
ـ جيراردو إيسكوبار : الزوج ، محام ، عضو هيئة التحقيق . ( 45
عاماً ) .
ـ روبيرتو ميراندا : الطبيب ( 50 عاماً ) .
تجري أحداث المسرحية في
زمننا الحالي ، في بلد هو على الأرجح " تشيلي " أو أي بلد استيقظ
تواً من كابوس الدكتاتورية ، وشرع في بناء دولته الديموقراطية .
بيت صيفي على شاطىء البحر
. باولينا تجلس وحيدة ، يعكس صخب موج البحر مايمور في أعماقها من
أفكار وهموم ، وهي بانتظار قدوم زوجها من الأجتماع الذي دعي إليه
من قبل الحكومة الجديدة والمنعقد بشكل طارىء في العاصمة .
كانت باولينا قد تعرضت الى
عملية خطف من قبل البوليس السري قبل خمسة عشر عاماً حين كانت طالبة
في كلية الطب ، بسبب آرائها السياسية المناوئة للسلطة . حينها
تعرضت الى التعذيب بالصدمات الكهربائية ، وجرى اغتصابها داخل
زنزانتها بطريقة بشعة .
على الرغم من مرور كل هذه
الفترة الطويلة على تلك الحادثة ، إلا إن آثار الصدمة مازال باقياً
.
باولينا هي الشخصية
المركزيه في هذه الدراما ، فهي الضحية بأسطع صورها ، ضحية للنظام
الدكتاتوري الوحشي القديم ، وضحية التهميش والتسويات السياسية
للنظام الجديد .
إنها صورة مصغرة للكبت
الإجتماعي والنفسي والسياسي ، مختزلاً في شخصية واحدة . ويمكن
القول أنها ترميز لمجتمع كامل مختنق ، خرج تواً الى الهواء الطلق
.
يصل جيراردو في ساعة
متأخرة من الليل ومعه رجل غريب يدعى الطبيب روبيرتو ميراندا الذي
يوصله لغاية منزله بعد العطل الذي أصاب عربته في الطريق العام .
يغادر الطبيب روبيرتو بإتجاه منزله الساحلي على أمل العودة ثانية
في الغد تلبية لدعوة جيراردو له على حضور وجبة غداء.
الحوار الأستهلالي بين
باولينا وجيراردو ، المتسم بالحذر والحدة والتراشق الخفي
بالأتهامات ، يكشف عن هوة سحيقة تفصل رؤى الزوجين . فعلى الرغم
من حذره الشديد من إخبارها في البدء بموافقته على القبول بترشيحه
من قبل الرئيس ، بمنصبه الجديد ، عضواً في هيئة التحقيق ، إلا إن
باولينا ضمناً تتكهن بذلك ، فيضطر هو بدافع من إصرارها أن يعلن لها
عن موافقته تلك ، وهذا ماسيخلق الأرضية الخصبة لنمو النزاع
للمعركة القادمة .
مشكلة باولينا إزاء
جيراردو هي أنها غيرواثقة من صدق وحسن نوايا أعضاء هيئة التحقيق
الذين سينتسب إليهم زوجها ، بسبب تبعية الكثير منهم إلى النظام
القضائي القديم . وهي أيضاً ليست مؤمنة بالإجراءات القانونية
الجديدة أصلاً ، تلك التي تتعامل فقط مع ملفات الموتى من ضحايا
النظام الفاشي ، دون الأحياء منهم ، ناهيك عن عدم كشفهم لأسماء
المجرمين أو محاكمتهم علناً .
أما جيراردو فعلى النقيض
منها ، يرى في تلك الإجراءات سبيلاً وحيداً للحفاظ على النظام
الجديد من الإنهيار . فهو ، كمحام ، عليه أن ينخل تراب أنقاض
الدكتاتورية البشعة ، قبل اتخاذ أي قرار .
هدفه هو إشاعة الأمن
والطمأنينة في نفوس الناس ، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة !! .
صحيح ، أنه كمحام وشخص
قاسى لوعة الإستبداد ، يسعى الى تطبيق العدالة ، لكنه في نفس الوقت
، يستميت من أجل الحفاظ على الزورق من الغرق . أما باولينا فإن جل
ماتسعى إليه الآن ، أكثر من أي وقت مضى ، هو الخروج من صمتها
المهلك ، والمطالبة بتطبيق العدالة بحق مجرمي الأمس .
من هنا تبدأ الهوة تتسع
أكثر فأكثر بين تلك الرؤيتين ، بين وجهتي النظرالراديكالية
والتوفيقية لمفهوم العدالة .
فجأة تُسمع طرقات على
الباب في آخرة الليل . الطبيب روبيرتو ثانية ، عاد لتهنئة جيراردو
على منصبه الجديد بعد أن استمع اليه تواً في المذياع عبرأخبار
المساء ، وعرف أيضاً أن لدى جيراردو اجتماعا مهماًً في الغد في
العاصمة ، عندذاك يبادر في عرض مساعدته ثانية على جيراردو بأن
يوصله الى العاصمة بسبب عطل سيارة هذا الأخير . والنتيجة ، يبقى
روبيرتو ليبيت في المنزل بعد إلحاح من جيراردو ، لكي ينطلقا سوية
في الغد إلى العاصمة .
وهكذا تجتمع الشخصيات
الثلاث ، في هذا المكان المنعزل الشبيه بسجن صحراوي ، لتشكل
الأعمدة الأساسية الثلاثة التي سيرتكز عليها بناء المسرحية ،
ولتمضي الدراما قدماً نحو الأمام .
إن إقتحام روبيرتو لهذا
المنزل المنعزل في آخرة الليل وبهذه الطريقة ، أثار الريبة والخوف
في نفس باولينا ، التي هي مازالت تحت تأثير تلك الصدمة التي حدثت
لها في الماضي ، حيث يرافقها هاجس دائم بتهديد مبهم يمكن أن
يداهمها في أية لحظة ، ناهيك عن أن أزلام السلطة مازالوا طليقين .
فجأة ، وفيما هي تنصت
للحديث الذي يدور بين زوجها والرجل الغريب ، تصيبها حالة ذعر
مفاجئة أشبه بصدمة كهربائية . فنبرات صوته ، وطريقة ضحكته ،
واستخدامه لبعض المفردات ، واستشهاداته المتكررة بنيتشة ، وعشقه
الهائل لرباعية شوبرت " الموت والعذراء " كل ذلك ، أومض في رأسها
كالبرق صورة جلادها القديم وهو يحل ضيفاً في بيتها . وهكذا تبدأ في
اتخاذ الأستعدادات الكاملة لإنجازتلك المهمة التي كانت تنتظرها
منذ زمن طويل .
تنطفىء الأنوار ويرقد
الجميع فيما يعلو صخب الأمواج في الخارج .
تتسلل باولينا كالشبح الى
غرفة الطبيب روبيرتو ، لتظهر بعد قليل وسط العتمة وهي تجرجر جسده
على الأرض ، مغمى عليه إثرضربة تلقاها على رأسه بعقب مسدسها . حين
يجرب أن يصرخ ، تسارع وتخلع سروالها الداخلي وتكمم به فمه وتغلقه
بشريط لاصق ، ثم تربط قدميه وذراعيه وتشدهما الى الكرسي . تلتقط
بعجالة مفاتيح سيارته وتهبط إلى الطريق العام لتحجز تاكسي من
التلفون العمومي ، لينقل زوجها الى العاصمة صباحاً . وحين تفتح باب
السيارة تعثر وبالصدفة داخل الصندوق الأمامي على شريط كاسيت
لرباعية شوبرت " الموت والعذراء " تلك الرباعية التي كان يستمع
إليها جلادها لحظة تعذيبها واغتصابها في السجن ! .
شهادة واحدة وتكتمل دائرة
اليقين في أن الرهينة هو الرجل نفسه . تفك أزرار قميصه وتبدأ في شم
رائحة جسده ، فتصرخ دون صوت ، إنه هو ! فتكتمل تلك الدائرة في
مخيلتها .
إن صورة الطبيب وهو قادم
ليدخل المصيدة بنفسه ، تتماهى هنا الى حد ما ، و صورة البطل
التراجيدي في الإسطورة الإغريقية ، ذلك الذي يكون مدفوعاً بقدر
حتمي نحو مصيره .
والآن . هل حقا ، إن
الطبيب روبيرتو هو نفس الرجل الذي أشرف على تعذيبها وإغتصابها في
السجن ، أم هو مجرد
استجابة مرضية للوساوس التي تنخر في عقلها الباطن ، والذي هو
بمثابة المعادل السيكولوجي لصدمة الخوف والعنف الذي قاسته باولينا
في الماضي ؟
باولينا ، في حالتها
السيكوباثية تلك التي رسمها لها المؤلف ، يمكن أن يدفعها سلوكها
العصابي إلى اتهام أي شخص عابر معتبرة إياه جلادها أو مغتصبها .
وهذا مايرد على لسان الطبيب روبيرتو وهو يشخص لزوجها نوعاً من
الشيزوفرينيا البدائية في سلوكها المضطرب .
المؤلف هنا لايقدم أية
تلميحات عن ماضي هذا الرجل وتأريخه ، ربما لأنه أراد أن يدخلنا
دائرة الشك قبل أن نسارع ونتعاطف وباولينا ، وهذا مادفع بالحبكة
بقوة الى الأمام .
وإيغالاً في خلق الحيرة
فينا ، أظهره لنا في حديثه وسلوكه مع جيراردو ، رجلاً دمثا
ًرقيقاً يمتلك روح الإيثار ، ومن الممكن جداً أن يكون بريئاً . أما
مواقفه السياسية إزاء مايجري من تغييرات ، فقد أثبتت آراؤه أنه
واحد من المثقفين المتنورين والمؤيدين للإجراءات الجديدة للحكومة ،
وذلك من خلال إشادته بتشكيل هيئة التحقيق تلك ، وزعمه أنها ستنهي
فصلاً مؤلماً من تأريخ العنف في البلاد ، وستغلق الباب بوجه
الخلافات والتقسيمات التي حدثت في الماضي الخ ..
وهكذا يظل دورفمان مبقياً
على هذه الشخصية حتى النهاية ، غائمة ومبهمة تتأرجح بين الواقع
والخيال ، وهذا ربما السر وراء تعقيد حبكة هذه الدراما .
حين يسري اليقين في أوصال
باولينا بأن خطواتها الإستكشافية تسير على نحو موصول بشكل صحيح ،
تتحول فجأة إلى شخصية إقتحامية وعدوانية ، وتهجم على فريستها مثل
نمرة متوحشة .
إنها إزاء فرصة كهذه ، ليس
أمامها خيار آخر سوى أن تقوم هي بنفسها في تطبيق العدالة التي عجزت
السلطة الجديدة عن تطبيقها . وهكذا تبدأ في ممارسة طقس الحرية الذي
تنشد من خلال استجواباتها المربكة والملتبسة ، وهي تلعب دور الضحية
والحَكم في آن .
إلا أن إستجوابات المؤلف
هنا تتجاوز حدود الشخصي ، لتطال الحقيقة بل اللغة نفسها ، فتغيم
المسافات مابين الذاتي والموضوعي ، بين الأخلاقي والسياسي ، ويمتزج
كل شيء في بوتقة واحدة .
هذه التركيبة الدرامية تجد
لها تعبيراً ساطعاً في ذلك المزج الدقيق الرائع بين الولاءات
الشخصية والوقائع السياسية والمشكل الأخلاقي ، ذلك الذي يمكننا أن
نعثر عليه واضح بجلاء في أعمال كانت تنضوي تحت ما اصطلح على تسميته
بـ " دراما المشكلة " في نتاجات جان بول سارتر وهارولد بنتر ، وفي
مسرحية " البوتقة " لآرثر ميللر على وجه الخصوص ، في معالجتها
للمكارثية .
على أن الشيء الجديد في
المسرحية ، والذي يكاد يكون مصدر قوتها ، هو تعقيد حبكتها كما أشرت
من قبل ، فعلى الرغم من واقعية الأحداث والشخصيات ، إلا أن
المسرحية تترك إنطباعاً واضحاً ، من زاوية أخرى بأنها ليست واقعية
.
إن دعوة باولينا
الأخلاقية لقيام عدالة حقيقية ، تقودها إلى نزاع من نوع جديد .
فتصبح دعوتها تلك نوعاً من التحدي لمجتمع لايؤمن إلا بعدالة
التسويات والحلول الوسطية .
باولينا ، بمغزى أعمق ،
يمكن أن تكون ترميزاً للديموقراطية وهي في دور النقاهة .
دورفمان نفسه ، كان يدرك
جيداً أن الديموقراطية الناشئة تواً ، تكون عادة هشة ، وهي دائماً
محفوفة بالمخاطر والتناقضات ، ومسرحيته هذه ماهي إلا مناظرة مدروسة
، أكثر منها جدلاً عدوانياً عنيفاً .
حين يستيقظ جيراردو ويرى
مشهد الدكتور وهو مقيد الى الكرسي وفمه مكمّم ، يُصعق . فهو إزاء
وضع كهذا ، عليه أن يوفق ما بين عاطفته كزوج ، وواجبه كرجل قانون ،
وأن يعثر على حلول منطقية تستجيب لروح التسوية التي تسم شخصيته .
فهو لايستطيع رؤية زوجته وهي تسعى لإدامة وتكرار نهج من آذوها ،
على الرغم من أنه يدرك ضمناً أن حاجتها لتطبيق العدالة بحق الجناة
، تتطابق تماماً وحاجة معظم الناس الذين تعرضوا للأذى .
ومن أجل حل هذه المعضلة
يلجأ الكاتب الى حل غرائبي ، عبر مكيدة بيضاء يحيلها لبطله جيراردو
" رمز السلطة الجديدة " لأن يمارس سحره التوفيقي ، وهو حل افتراضي
خاضع لرؤية افتراضية بالطبع .
فلأجل إنقاذ حياة الطبيب
من موت أصبح محتوماً ، من جانب ، ولتحقيق رغبة باولينا في إرساء
مفهوم صائب للعدالة من جانب آخر ، ينجح في إقناع روبيرتو في
القيام بإعتراف ملفق بتلك الجريمة ، بعد أن يسرد له تفاصيل ماضي
زوجته . وهكذا تبدأ اللعبة لتستأنف حتى الفجر .
في مشهد المحاكمة ، والذي
سيتواصل تواتره حتى ختام المسرحية ، تتحول باولينا من ضحية إلى
مستبد ، فالأستجواب يتحول لديها بالتدريج من مجرد متابعة لحيثيات
القضية إلى نوع من الأستمتاع السادي . والنتيجة ، أنها وعبر
تداعياتها للحادثة ، تنتزع منه عنوة ، رغم موافقته الأولية ، على
اعتراف كامل بالجريمة ، مدوناً بخط يده ومسجلاً على شريط صوتي .
دورفمان يعالج تداعيات
هذا المشهد بإسلوب تغريبي ، وذلك حين يجعل من باولينا تعيد تمثيل
ماحدث لها في الماضي ، فتقوم بلعب دور الطبيب الذي كان يشرف على
تعذيبها ، ودور مساعده الذي يقوم باغتصابها بأوامر منه ، مستخدمة
شريط الكاسيت الذي جلبته من سيارته ، لتكون موسيقى سيمفونية "
الموت والعذراء " خلفية صوتية للمشهد .
هكذا يتوضح هدف المؤلف في
أنه يسعى لأن يروي قصة ماض حزين لإمرأة تريد أن ترفع عن كاهلها
ثقل ذلك الكابوس ، الذي ظل يلازمها سنين طويلة ، عبر استدعائها
ذلك الماضي وجلبه إلى منطقة الضوء
من جديد .
الأغتصاب الذي تعرضت له
باولينا في الماضي يتخذ له شكلاً ترميزياً أعمق من كونه مجرد
إعتداء عادي على فتاة شابة ، فهي حين تطلب من زوجها أن يقوم
باغتصاب الطبيب روبيرتو أثناء المحاكمة وأمام عينيها ، فإن
الإغتصاب هنا لايعني بالضبط مجرد اعتداء جسدي أو جنسي ، بل يتخذ
له ملمحاً رمزياً ودلالياً آخر ، من الممكن أن يمثل لباولينا نوعاً
من الأنتصار على سلطة القمع والعنف تلك ، ذلك إن الأغتصاب الذي
تعرضت له يعكس الصورة البشعة للسلطة ، بجبروتها واستبدادها وعنفها
إزاء الفكر والوجود الإنساني .
حين ينتهي إعتراف روبيرتو
ويُسجل على شريط كاسيت ليصبح وثيقة دامغة ضده ن يتقدم جيراردو
لتحريره من قيده ، بعد أن أيقن أن اللعبة قد انتهت ، إلا أنه
يفاجىء باشارة تهديد من باولينا تطالبه بمغادرة المنزل ، حيث
تنتظره التاكسي في الخارج لتنقله الى العاصمة .
حين يخسر أوراق اللعب ،
وتبقى في يده ورقة واحدة أخيرة ، يكشف روبيرتو لها سر مزحة
الإعتراف الملفق ، لكنها تنفجر بوجهه مسعورة ساخرة ، مخبرة إياه
أنها كانت على اطلاع بتلك المزحة الغبية ، والتي لم تُنجز بشكل
دقيق على حد قولها ، فقد ذكر لها في اعترافه أشياء لم تكن هي قد
أخبرت زوجها بها قط من قبل ، وهي أشياء حدثت معها حقيقة في السجن !
وهذه شهادة أخرى ضده .
ومع ذلك ، فإن باولينا
وبعد أن تحررت من صمتها ونطقت كلمتها التي تريد ، وهي تفرغ كل تلك
الشحنات التي كانت تمور في أعماقها ، يتغير فيها الكثير ، وتبتدأ
تستعيد شيء من توازنها وبعض من عافيتها ، عندذاك تقرر وبشكل مفاجىء
، العدول عن قتله ، وتتعهد له أن تطلق سراحه ، شرط أن يعلن وبصوت
عال توبتة وندمه ، طالباً الصفح ، إلا أنها تفاجىء بالصمت ، صمته
المطبق !!
وفجأة ، تنطفىء أنوار
المسرح ..
مشهد الختام
يحضرالثلاثة حفلاً
موسيقياً في قاعة كبيرة ، يفترضها المؤلف قاعة عرض المسرحية نفسها
.
جيراردو وباولينا يجلسان
على مقعديهما جنباً الى جنب ، فيما يجلس روبيرتو بعيداً على أحد
المقاعد ، يتبادل النظرات وباولينا بخلسة واحتراس على إيقاع نغمات
سمفونية " الموت والعذراء " التي تعزفها الفرقة الموسيقية ..
تهبط من بعد ، وبهدوء ،
من أعلى المسرح ستارة ، هي عبارة عن مرآة بلاستيكية ضخمة .
تتوهج فجأة أنوار القاعة ،
فتنعكس وجوه المتفرجين على صفحة المرآة ، فينبثق حينها سؤال
الخاتمة ، السؤال الأصعب والأشمل وهو : من نحن من بين هؤلاء
الثلاثة !؟ .
دورفمان لايريد أن يكون
صوتاً بديلاً لصوت شخصياته . فهو بصفته كاتباً يمنح تلك الأصوات
الفرصة والمصداقية كاملة ، يمنحهم فسحة من الحرية ليقولوا كلمتهم ،
والأكثر من ذلك ، أنه يشيّد فيما بينهم جسوراً لكي يلتقوا
ويتحاوروا .
إن المحاكم التي يقيمها
المؤلف هي بمثابة منابر أخلاقية تتعامل مع الحقيقة والضمير
الإنساني . أما عقوباته فهي تبتعد عن مدلولها المادي والواقعي ،
ذلك المتمثل بالسجن أو الموت ، وتتخذ لها دلالات رمزية ، تلامس
شغاف القلب والروح ووخز الضمير ، وتهدف إلى نوع من التطهير .
عقوبات ليست أكثر من إحساس الجاني بفداحة جريمته إزاء ضحيته
وأخيه الإنسان ، وشعوره بالأسف والتوبة والندم على تلك الخطيئة ،
ومن ثم ، طلبه الصفح من الضحية .
إن مأزق باولينا هو مأزق
جميع الناس الذين قمعت أصواتهم ، والذين يطلق عليهم دورفمان مجازاً
بـ " المناطق الخاضعة
للرقابة " .
لذا فالكاتب يدعو في العهد
الديموقراطي الجديد ، تلك الأصوات التي تعرضت إلى عمليات قمع وكبت
وتعذيب في عهد الدكتاتور ، إلى الخروج الى النور ، إلى البوح بكل
شيء ، جهاراً ودون تردد أو خوف .
كتب يومها دورفمان : " ...
إن الكثير من الناس الذين تعرضوا للتعذيب لديهم قصصهم المكبوتة ،
تلك التي لم تُحكَ بعد . أعرف أن التعذيب هو الجريمة الأولى
، نعم ، لكنني أؤكد أن الجريمة الأكثر بشاعة هي الصمت !! .
بصفتي كاتباً ، يقلقني
جداً هذا الصمت ، وأستطيع عمل الكثير بشأنه .. " .
وهكذا أصبح دورفمان حقاً
، راوياً لتلك الأحداث التراجيدية . ففي عالمه التخييلي يصبح فن
القص أو سرد الحكاية ، هو شكل من أشكال الحرية ، فيما الصمت هو شكل
من أشكال العبودية .
المسرحية لم تكن تحكي فقط
عن بلده تشيلي ، أو أي بلد عانى ويعاني الخوف وهو بحاجة قصوى
لمعرفة مغزى ذلك الخوف وآثاره . ليس فقط عن التأثيرات الطويلة
الأمد للتعذيب والقمع والعنف الذي مورس على الناس وعلى أوطانهم
الجميلة ، بل أيضاً عن موضوعات أخرى كانت وماتزال تقلق دورفمان ،
وتستحوذ على تفكيره بشكل مستمر :
ماذا يحدث مثلاً لو أن
النساء تسلمن زمام السلطة ؟
كيف يمكنك قول الحقيقة إذا
كان القناع الذي ترتديه يتطابق تماماً مع وجهك كيف يمكن للذاكرة
أن تضللنا ، وفي نفس الوقت ، تهدينا وتنقذنا ؟
كيف يمكننا أن نحتفظ ببراء
تنا ونحن نتذوق طعام الشيطان ؟
كيف يمكن الصفح عن أولئك
الذين آذونا بشكل يتعذر نسيانه ؟
كيف يمكننا العثور على لغة
سياسية طازجة تنأى عن الشعاراتية القاتلة ؟
كيف يمكن حكاية القصص التي
هي على حد سواء ، مألوفة وملتبسة ،
قصص يدركها جمهور واسع من
الناس ، قصص ماتزال تتضمن طرائق تجريبية ، قصص تعالج موضوعات
خرافية ، وإنسانية مباشرة ، أيضاً ؟
الموت والعذراء تتحدث
بلغة سياسية طازجة ، وبانفعال حاد ذي مغزى ، عن تأريخ يتجاوز تخوم
الأحداث الآنية ، أو تلك الخسارات الشخصية التي عادة ماترافق
التغييرات السياسية المفاجئة .
في هذا الكوكب العجيب حيث
تسود القوة ، من الممكن جداً أن سكنته لايستطيعون حقاً معرفة ما
حدث لهم ، لكن من المحتمل جداً أن بإمكانهم سرد قصصهم وعذاباتهم في
الأقل .
بهذا المعنى ، تصبح هذه
المسرحية ابنة زمنها ..
( شخصيات المسرحية )
باولينا سالاس : الزوجة (40 عاماً )
جيراردو إيسكوبار : الزوج ـ محام - ( 45 عاماً )
روبيرتو ميراندا : الطبيب ( 50 عاماً )
تجري أحداث المسرحية في زمننا الحالي
، في بلد هو على الأرجح " تشيلي " أو أيّ بلد استيقظ تواً من
كابوس الدكتاتورية الثقيل ، وشرع في بناء دولته الديموقراطية .
( الفصل الأول )
" المشهد الأول "
( صوت البحر بعد منتصف الليل ..
بيت جيراردو إيسكوبار الصيفي ، تطل
شرفتة على ساحل البحر من الجانب الخلفي للمسرح .
غرفة واسعة تحتل الجزء الأمامي للمسرح
، هي بمثابة غرفة طعام واستقبال في آن ، تحوي مائدة مجهزة بالطعام
وضع حولها كرسّيان .
بوفيه وضع فوقها جهاز تسجيل ومصباح
كهربائي .
شبّاك تتطاير ستائره بفعل الريح ، يفصل
ما بين الشرفة وغرفة الطعام ـ الأستقبال .
باولينا تجلس وحيدة في الشرفة ، تبدو
كما لو أنها كانت تحتسي شراباً تحت ضوء القمر ..
صوت سيارة يُسمع من بعيد .
تنهض مسرعة بأتجاه الغرفة الأخرى .
تتوقف لتتطلع إلى الخارج من خلال النافذة .
ترشق اضاءة المصابيح الأمامية للسيارة
، غرفة الاستقبال والطعام ، فتحني باولينا رأسها وجسدها ، حتى تبدو
هيئتها أشبه بجنين في رحم .
تتوقف السيارة فيما يظل محّركها يشتغل
.
وهج ضوء مصابيح السيارة يضايق باولينا
. تلتفت نحو البوفيه ، ثم تتحرك نحوها . تفتح درج البوفيه وتخرج
منه مسدساً . فجأة ، يتوقف محرك السيارة . تتوقف باولينا وهي
تصغي إلى الأصوات القادمة من الخارج ، فتميّز حالاً صوت زوجها وهو
يتحدث إلى شخص ما .. ) .
جيراردو : ( يُسمع صوته من بعيد )
تفضّل ، أرجوك . أوه ، لماذا ؟ ؟ هيا ، أرجوك ، كأس واحدة فقط (
جواب غير مسموع ) .. حسنٌ إذاً ، سنلتق قبيل مغادرتي . ها ، أنا
سأغادر يوم الإثنين . . فما رأيك بـ .. يوم الأحد ؟ . ( جواب غير
مسموع ) ستشرب معنا كوكتيل المارغريتا* وهو من صنع زوجتي ، سيقف
شعر رأسك لمذاقه . أريد أن تعرف يادكتور ..
أوه ، لا أعرف حقا كيف أعّبر لك عن
شكري ..
( جواب غير مسموع ) .. إذن ، إلى يوم
الأحد.. ( يضحك )
( باولينا تخفي المسدس ، ثم تقف خلف
الستائر . تغادر السيارة المكان فيرشق ضوء
مصابيحها الغرفة ثانية . يدخل
جيراردو )
جيراردو : باولينا ؟ باولينا ؟
( يراها وهي مختبئة خلف الستائر . يفتح
الضوء ، فتخرج ببطء من بين تلك الستائر )
باولينا ! ماذا تفعلين هناك ؟ أوه ،
هل أنت خا .. ؟
أوه ، أعذريني لأنني تأخرت ...
باولينا : ( تحاول اخفاء هيجانها ) ومن
كان معك ؟
جيراردو : لا ، لا ، لاتقلقي ، إنه ..
( تقاطعه بحدة )
باولينا : من ؟
جيراردو : إنه ، أوه باولينا لاتقلقي ،
لاشيء ، السيارة عطلت في الطريق وو .. ولحسن الحظ أن الرجل توقّف و
.. تصوري ، انفجر إطار سيارتي وسط الطريق وو. . باولينا ، أنا لا
أستطيع رؤية أيّ شيء بدون ..
( يفتح ضوء المصباح الآخر ، فيرى مائدة
الطعام جاهزة )
أوه ، ماهذا ؟ حبيبتي المسكينة . لابدّ
أنه أصبح بارداً الآن ، أليس كذلك ؟
باولينا : ( بهدوء تام ) بإمكاننا
تسخينه ، طالما ان هناك شيء ما سنحتفل من أجله .
( وقفة
قصيرة )
جيراردو ( تتطلع في وجهه ) مظهرك يوحي
أن لديك مفاجئة ، ها ، شيئاً ما تريد أن نحتفل من أجله ، أليس كذلك
؟
جيراردو: ذلك يتوقف عليك . ( وقفة
قصيرة . يخرج من جيبه مسماراً كبيرا ويخفيه في كفه )
أحزري ماهذا ؟
باولينا : ماهذا ؟
جيراردو : هذا من كان ينتظرني بلهفة
وشوق وسط الطريق . ( يفتح كفه ويريها المسمار ) إبن الزنا هذا ، هو
من ثقب لي إطار السيارة . فتحت الصندوق الخلفي لأستبدل الاطار ،
فاذا بالاطار الاحتياطي هو الآخر مثقوب ، ها .. والآن ، ماذا كان
يحدث لو أن زوجتي الحبيبة تذكرّت بأنه مثقوب ، وسارعت الى تصليحه ،
قبل أن .. ؟
باولينا : الزوجة ، الزوجة . على
الزوجة دائما أن تصلح كل شيء . جيراردو ، كان عليك أن تصلحه بنفسك
، و ...
جيراردو : أوه ، باولينا ، أرجوك ،
لاتبدأي . ليس لديّ مزاج للجدال ، أنا متعب جداً صدقيني .
لقد سبق أن اتفقنا على أن ..
باولينا : اتفقنا على ماذا ؟ كان يفترض
بك أن تصلح الأطار بنفسك وانتهى الأمر . أنا مسؤولة عن شؤون البيت
، وأنت ..
جيراردو : أوه ، باولينا ..
باولينا : سيارتك في الأقل .
جيراردو :
أوه ،
أنت دائماً تتذمرين .
باولينا : أنا لم أتذمر مطلقاً .
جيراردو : كفى ، كفى أرجوك . هذا نقاش
عقيم . ( وقفة صمت قصيرة )
باولينا ، لماذا نحن نتشاجر ؟ لقد نسيت
حقاً عن أي شيء كنا ...
باولينا : نحن لانتشاجر ياعزيزي .
اتهمتني أنت ، بأنني لم أصلح إطارك الأحتياطي ...
جيراردو : إطاري الأحتياطي ؟
باولينا : .. وأنا أجبتك بشكل منطقي
إنني ..
جيراردو : إنتظري ، انتظري لحظة .. قلت
أنك لم تصلحي اطاري الاحتياطي.. تقصدين ، إطارنا الأحتياطي . نعم ،
نعم ، نعم ، ذلك هو الذي فتح باب النقاش . أوه ، ومع ذلك ، هناك
قضية أخرى .. مسألة صغيرة .. تتعلق بـ .. بـ .. الرافعة ...
باولينا : الرافعة ! .. أية رافعة ؟
جيراردو : آه ، أية رافعة ؟ رافعة
السيارة ، الرافعة التي أرفع بها ( ... ) لم أعثر عليها في الصندوق
الخلفي . أين وضعتها ؟
باولينا : آه ، أعطيتها لوالدتي .
جيراردو : ( يسحب ذراعيه منها ) ماذا !
أعطيتها لوالدتك ؟ أعطيت .. الرافعة .. لوالدتك ؟
باولينا : حسنا ، أعرتها لها . نعم .
جيراردو : وهل أستطيع معرفة السبب ؟
باولينا : بالطبع . كانت بحاجة اليها .
جيراردو : وأنا ؟ آه ، باولينا ،
حبيبتي ، ليس من عادتك القيام بمثل هذه الأشياء ..
باولينا : جيراردو ، والدتي سافرت إلى
الجنوب ، وكانت فعلاً بحاجة إليها ، أما أنت ..
جيراردو : أما أنا فلأذهب الى الجحيم .
باولينا : كلا.
جيراردو : نعم . هل تعرفين بأنني
استلمت برقية عاجلة من الرئيس يطلب فيها مني الذهاب إلى مركز
المدينة لحضور اجتماع .
باولينا : اجتماع ؟
جيراردو : نعم اجتماع ، وهو اجتماع مهم
، بل هو أهّم اجتماع في حياتي . و ..
باولينا : وماذا ؟
جيراردو : وكان ابن الزنا هذا ( يشير
الى المسمار ) مستلقياً وسط الطريق في انتظاري . من حسن الحظ أن
ذلك قد حدث أثناء عودتي الى البيت وليس في طريقي الى المدينة لحضور
الأجتماع .
المهم ، عطلت السيارة وسط ذلك الطريق
الملعون دون اطار إحتياطي ودون رافعة .
باولينا : كنت أحدس أنك ستجد أحداً ما
ليساعدك .
هل كانت جميلة ، هه ؟ كانت جذابّة ،
أليس كذلك ؟
جيراردو : أوه ، باولينا ، لقد أخبرتك
توا أنه رجل .
باولينا : لم تخبرني بذلك .
جيراردو : باولينا ، لماذا تظنين
دائماً أن هناك امرأة...
باولينا : لماذا . حقاً ، لماذا ؟ أنا
نفسي لا أستطيع معرفة السبب ؟
( وقفة قصيرة ) وهل كان الرجل الذي
(... ) لطيفاً ؟
جيراردو :انسان رائع . من حسن حظيّ أنه
..
باولينا : أرأيت ؟ أنت دائماً قادر على
ادارة الامور بحيث تصبح في النهاية لصالحك ..
أمّا والدتي ، فتأكّد لو حدث لها ماحدث
لك فانها سوف لن تظنه مسماراً بل .. أنت تعرفها جيداً كيف تنجذب
كالمغنطيس نحو المواقف المشؤومة ..
جيراردو : آه ، لايمكنك ان تتخيلي
النشوة التي كنت سأشعر بها وأنا أتأمل أمك وهي
تستكشف الجنوب مع رافعتي دون أن يقلقها
شيء اطلاقاً ، فيما أنا عالق وسط الطريق لساعات ...
باولينا : جيراردو ، لاتبالغ ...
جيراردو : خمس وأربعون دقيقة . خمس
وأربعون . كانت السيارات تتخاطف على جانبي كما لو أنني أرتدي طاقية
اخفاء . ماذا أفعل !! .. أتعرفين أخيراً ماذا فعلت ؟ بدأت أحرّك
ذراعاي هكذا ، مثل طاحونة هوائية ، نعم ، هكذا ، لأرى هل .. لكن
عبثاً . فكرت حينها ، قلت مع نفسي ، ماالذي يحدث ؟ هل فقد الناس
أحاسيسهم حقاً ؟
أين ذهب ذلك التضامن الإنساني في هذا
البلد ؟ لكن ، فجأة ، ومن حسن الحظ ، ظهر لي هذا الرجل مثل ملاك ،
نعم ، ملاك اسمه روبيرتو ، روبيرتو ميراندا ..
على فكرة ، باولينا ، قبل أن أنسى
باولينا ، لقد دعوته الى ..
باولينا : سمعتك .
جيراردو : عظيم ، ومارأيك في يوم الأحد
؟
باولينا : جيد .
( وقفة قصيرة )
جيراردو : وبما إننا مضطرين إلى العودة
إلى المدينة يوم الإثنين ، في الأقل أنا ، أظن أنك أيضاً تريدين
العودة معي ، هه ..
باولينا : إذاً ، الرئيس هو الذي قام
بتعيينك ؟
( وقفة قصيرة )
جيراردو : نعم .
باولينا : معنى ذلك أنك وصلت إلى قمة
مجدك .
جيراردو : لا ، لا ، لا ، أنا لاأسميها
قمة . رغم أنني أصغر جميع المرشحين سناً .
باولينا : صحيح . إذن ستصبح وزيراً
للعدل في السنوات القليلة القادمة . حينها تكون قد قفزت إلى أعلى
القمة . هه ؟
جيراردو : إن ذلك الأمر لا يتوقف عليّ
بالتأكيد..
باولينا : وهل أخبرته بذلك ؟
جيراردو : من ؟
باولينا : ملاكك الطيب .
جيراردو : تقصدين روبيرتو ميراندا ؟
أوه ، كيف أخبره . لقد تعّرفت عليه تواً . ثم ، إنني لم أقرر بعد
حتى الآن سواء ...
باولينا : لقد قررت كل شيء جيراردو .
جيراردو : كلا ، كلا ، أخبرته .. قلت
له أنني سأعطيه الجواب في الغد . نعم ، و .. وقلت له أنني أشعر
بالفخر أن تمنحي هذا المنصب ، وأن ذلك هو بمثابة وسام شرف لي ، نعم
، لكنني
بحاجة إلى ...
باولينا : قلت ذلك للرئيس ؟
جيراردو : نعم ، قلت له إنني بحاجة إلى
وقت لأفكر في الموضوع ..
باولينا : أيّ موضوع جيراردو . لقد
اتخذت قرارك وانتهى الأمر .
أليس هذا هو ما كنت تسعى إليه طوال كل
تلك السنوات ، فلماذا تتظاهر أنك ... ؟
جيراردو : لأنني .. لأنني ، وقبل كل
شيء ، باولينا ، أنتظر الاشارة الأخيرة منك . أقصد ،
موافقتك . أنتظرك أنت أن تقولي " نعم "
.
باولينا : حسنا إذن ، نعم .
جيراردو : كلا ، هذه ليست " نعم " التي
أنتظرها .
باولينا : وهذه هي " نعم " الوحيدة
التي لدّي للأسف الشديد جيراردو .
جيراردو : كلا ، لقد سمعت " نعم "
أخرى .
( وقفة قصيرة )
إذا وافقتُ على هذا المنصب ، فعليّ أن
أعرف قبل كل شيء ، ان كان بامكاني الاعتماد عليك في .. في .. في أن
لاتعاودك .. أعني أن لا تسوء حالتك ثانية لأن ذلك من الممكن أن
يعرضّني ..
باولينا : للانتقاد . نعم ، يجعلك عرضة
للانتقاد. أو ، ربما سيجردونك من منصبك الجديد .
وستضطر في هذه الحال أن تقوم في
العناية بي مرة أخرى ، من جديد .
جيراردو : باولينا إنك تظلمينني .
( وقفة قصيرة )
هل تـوجهين اللوم لي لأنني
أعتني بك ؟
باولينا : وهذا ماقلته للرئيس هه ! أن
زوجتك تعاني من مشاكل بشأن ...
( وقفة )
جيراردو : الرئيس لايعرف ذلك . لا أحد
يعرف . والدتك نفسها لا تعرف بذلك .
باولينا : ثمة أناس يعرفون ذلك .
جيراردو : أنا لا أتحدث عن أولئك الناس
. لا أحد في الحكومة الجديدة يعرف ذلك . انني أتحدث عن حقائق
ووقائع حدثت ، لكننا سوف لن نعلن عنها مطلقاً . لا أنت ولا أنا ..
لن نبلغّ عن تلك القضايا التي قام بها
...
باولينا : إذاً ستحققون فقط في قضايا
الناس الذين ماتوا ، هه ؟
جيراردو : باولينا ، عذراً ، ماذا قلـ
..؟
باولينا : أقول ، هل ستحقّق اللجنة
التي عُينّت فيها أنت ، فقط في القضايا التي كانت نتيجتها الموت ؟
جيراردو : ان هذه اللجنة خُصصّت
للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان . الانتهاكات التي كان نتيجتها
الموت أو موت مبنيّ على الافتراض والاحتمال . نعم .
باولينا : معنى ذلك ، انها ستحقق في
الحالات الأكثر خطورة فقط ، هه ؟
جيراردو : الفكرة ياباولينا هي أننا
اذا استطعنا تسليط الضوء على أسوأ الجرائم في البلاد ، فان الشرور
الأخرى ستظهر جميعها الى النور.
باولينا : تلك الأكثر خطورة ، فقط ؟
جيراردو : دعينا نقول .. القضايا
المتعذر علاجها ..
باولينا : المتعذر علاجها . تلك
الميؤوس منها ، هه ؟
جيراردو : باولينا ، أنا لا أحب أن
أتحدث عن هذا .
باولينا : ولا أنا .
جيراردو : لكن رغم ذلك ، ينبغي أن
نتحدث عن ذلك ، أنا وأنت باولينا ، أليس كذلك ؟
على أي حال ، لو أنني أمضيت الشهور
الثلاثة القادمة أستمع فيها لشهادات الناس ولأقارب الضحايا وشهود
العيان ، ولأولئك الذين نجوا من الموت ، وإذا كان في كل مرة أعود
فيها الى البيت ، تطلبين مني أن أحكي لك عن كل ذلك . فهذا ..
( يأخذها بين ذراعيه ) باولينا ،
تعرفين كم أحبك . . آه ، لو تعرفين ، كيف إن ماحدث لك مايزال حتى
الآن يؤرقني ويؤذيني .
( وقفة قصيرة )
باولينا : ( تمسك به بشكل عنيف ) نعم ،
نعم ، نعم . أهذه " نعم " التي أردتها مني ؟
جيراردو : نعم ، نعم ، هذه هي ألـ "
نعم" التي أردتها منك .
باولينا : جيراردو . حاولوا أن تعرفوا
كل شيء ، وتتحروا عمّا حدث للناس . عن كل شيء .
أعدني ياجيراردو أنكم ستعثرون على كل
شيء ، كل شيء ..
جيراردو :كل شيء . كل شيء نستطيعه .
سنعمل بالقدر الذي .. ( وقفة ) بقدر ما ..
باولينا : هو مسموح.
جيراردو : بل ماهو ممكن . إننا
محددّين . لكن صدقيني أننا سنحقق الكثير ضمن هذا الممكن .. سنقوم
بنشر استنتاجاتنا وأحكامنا النهائية . سيكون هناك تقرير رسمي ، كل
الأشياء التي حدثت ستثبّت بشكل رسمي وموضوعي ، حيث لايستطيع أحد
أبداً أن ينكر ذلك ، وكي يوضع حدّ لكل تلك التجاوزات حتى لاتتكرر
مرة أخرى ..
باولينا : وبعد ذلك ؟
( يصمت جيراردو )
تستمعون لأقارب الضحايا ثم تشجبون
الجرائم ، وماذا بشأن المجرمين ؟
جيراردو : هذا يتوقف على القضاة . المحاكم ستستلم نسخاً من
الشهادات والقضاة سيواصلون من هناك ..
باولينا : القضاة ؟ القضاة ؟ نفس
القضاة القدامى ، القضاة الذين لم يتجرأوا أن يعترضوا أو يتدخلوا
مرة واحدة من أجل إنقاذ حياة إنسان واحد لفترة سبعة عشر عاماً من
حكم الدكتاتورية ؟ القضاة الذين لم يوافقوا أبداً على مثول السجناء
أمام محاكمهم ؟ القاضي بـيرالـتا ، ذاك الذي أجاب تلك المرأة
المسكينة التي جاءت تسأله عن زوجها المفقود ، قائلاً لها بأن زوجها
ربما قد ضجر أو تعب منها وهرب مع إمرأة أخرى ؟ أتسمي هؤلاء قضاة ؟
أهؤلاء قضاة ؟
قضاة ؟ قضاة ؟
(باولينا تضحك بهدوء ، لكن الضحكة
تتحول تدريجياً الى صراخ هستيري )
جيراردو : باولينا . كفى . باولينا .
( يأخذها بين ذراعيه لحين أن تهدأ
شيئاً فشيئاً )
حمقاء . حبيبتي الحمقاء .
(وقفة قصيرة)
إذاً ، ماذا كنت ستفعلين لو انفجر إطار
سيارتك وبقيت واقفة وسط الطريق العام ؟ تخيلي نفسك وأنت عالقة في
الطريق والسيارات تمر قربك مسرعة كالبرق ، وأضواؤها تتخاطف من
جانبيك ، تصرخين دون أن يتوقف أحد . هل فكرت ماذا سيحل بك وأنت
لوحدك وسط الطريق في ذلك الظلام المخيف ..
باولينا : سيتوقف أحد ما حتماً. ومن
المحتمل أن يكون هو نفسه ، ميراندا ، هه ؟
جيراردو : محتمل . ليس كل الناس أولاد
زنا .
باولينا : لا ، ليس كلهم .
جيراردو :لقد دعوته على جلسة شراب يوم
الأحد . مارأيك ؟
باولينا : كما تحب .
( وقفة قصيرة )
تعرف ، لقد كنت خائفة جداً حين توقفت
السيارة . وتضاعف خوفي حين تطلعت من النافذة ولم أجد سيارتك ..
جيراردو : لم يكن هناك شيء يثير الخوف
على الإطلاق .
باولينا : كلا .
( وقفة
قصيرة )
جيراردو ، قلت لي إنك أخبرت الرئيس أنك
موافق ، أليس كذلك ؟ كن صادقاً جيراردو ، أم إنك ستستهل عملك في
اللجنة بالكذب ؟
جيراردو : لم أكن أريد إزعاجك .
باولينا : قلتَ للرئيس إنك موافق ،
أليس كذلك ؟ قلت له ذلك قبل أن تسألني رأيي ، أليس كذلك ؟ أريد
معرفة الحقيقة ، جيراردو .
جيراردو : نعم . قلت له إنني موافق .
نعم . وقبل أن أسألك رأيك .
( يتلاشى الضوء عن خشبة المسرح )
***
" المشهد الثاني "
( مرور ساعة من الوقت .. المسرح خال الا من ضوء القمر ، الذي أصبح
أقل وهجاً من قبل وهو يتسلل إلى الداخل عبر الشبابيك . أطباق
العشاء قد رفعت من على المائدة . يُسمع صوت البحر من خلف المسرح ،
و كذلك صوت سيارة تقترب من المنـزل ، تضيء أنوارها غرفة الطعام
لهنيهة ، ثم تنطفىء . يُفتح باب السيارة ويُغلق . أحد ما يطرق على
الباب . تبتدىء الطرقات بتردّد وحياء ، ومن بعد تزداد قوة . يُضاء
مصباح من خلف الكواليس ويطفىء فوراً فيما تتوالى الطرقات على الباب
أكثر فأكثر . يدخل جيراردو قادماً من غرفة النوم مرتدياً بيجامة
النوم . )
جيراردو : ( يتكلم مع باولينا وهما خلف
الكواليس ) لا شيء ، لا شيء ..
اهدأي .. حسناً ، حسناً حبيبتي ،
سأكون حذراً .
( يفتح ضوء المصباح . الطرقات مستمرة
)
نعم ، قادم ، قادم ..
روبيرتو : أنا آسف جداً على هذا التطفل . ظننت أنكما مازلتما
تحتفلان . هل أيقظتكما ؟
جيراردو : أوه ، تفضل . تفضل أدخل . (
يدخل روبيرتو )
الحقيقة إننا مازلنا غير متعودين على
ذلك .
روبيرتو : متعودين على ماذا ؟
جيراردو : نعم ، مازلنا غير متعودين
على أجواء الديموقراطية . أن يطرق أحد ما عليك الباب في منتصف
الليل ، ولا تدري إن كان صديقاً أم ..
( تتقدم باولينا شيئاً فشيئاً نحو الشرفة ، حيث يمكنها أن تسمعهما
دون أن يرونها أو تراهما )
روبيرتو : ( يكمل جملة جيراردو ) واحداً من أولاد الزنا ؟
جيراردو : لقد توترت زوجتي بعض الشيء .. أنت تفهم ذلك . الواقع
أنها غير متعودة على
طرق الباب في آخر الليل .. عفواً ، هل في الامكان أن نخفض صوتنا
قليلاً .
روبيرتو : نعم بالطبع ، إنها غلطتي ،
أنا فقط كنت أريد ...
جيراردو : اجلس أرجوك . تفضل اجلس .
روبيرتو : ... أن أقوم بزيارة خاطفة .
حسناً ، هل تستطيع أن تخمّن سبب زيارتي المفاجئة ...
هه ؟ لا تتعب نفسك . حين غادرتكم
ومضيت باتجاه منزلي الساحلي ..
جيراردو : عفواً ، هل يعجبك أن تشرب
شيئاً ؟ .. اسمع ، لدّي كونياك معفى من الضريبة الجمركية ..
( تقترب باولينا أكثر وهي تصغي )
روبيرتو : كلا ، كلا شكراً . هه ،
حسناً ، سأشرب ، ولكن قليل جداً .. ماذا كنت أقول ؟ ها ، كنت أستمع
الى الراديو في سيارتي و .. وفجأة ، ورد اسم جيراردو إيسكوبار في
نشرة الأخبار ضمن قائمة أسماء اللجنـه التحقيقية التي اختارها
الرئيس . جيراردو إيسكوبار !
جيراردو إيسكوبار ! قلت لنفسي ،هذا
الأسم ليس غريباً علي ، أين سمعته ، ومن هو ؟ وظل اسمك يدور ويجول
في رأسي طوال الطريق . وحين وصلت إلى البيت ، ها ... عرفت صاحب
هذا الأسم . ( يضحك متفاخراً ) وتذكرت أيضاً أننا وضعنا اطار
سيارتك الأحتياطي المثقوب في صندوق سيارتي وأنك في الغد بحاجة الى
تصليحه ، ها ، وأيضاً ... الحقيقة ، الحقيقة ، هل تريد أن تعرف
الحقيقة ياسيد إيسكوبار ؟
جيراردو : ولاشيء غيرها .
روبيرتو : الحقيقة إنني فكرت مع نفسي ،
قلت ، إن هذا الرجل قد ُكلف بمهمة شاقة
وكبيرة ، مهمّة نبيلة وشريفة ، مهمة
من أجلنا جميعاً ، مهمّة من شأنها أن تغلق الباب في وجه خلافات
وحزازات الماضي . وهكذا ، قلت مع نفسي ، ربما هذه هي عطلته
الأسبوعية الأخيرة التي سيكون فيها خالي البال ، وبعدها ستبدأ
المتاعب . لأنني أعرف أن عليك ومنذ الآن أن تجول في عرض البلاد
وطولها
لتصغي لآلاف الناس ... لاتقل لي
أنك ..
جيراردو : هذا صحيح بدون شك ، لكنني لن
أذهب بعيدا إلى هذا الحد الذي ..
روبيرتو : لذلك قلت لنفسي ، أن أقل
مايمكنني عمله هو أن أعود ثانية إلى هنا وأجلب لك الإطار الإحتياطي
كي لاتضطر إلى الخروج لتـتلفن وتطلب تاكسي أو لوري لسحب سيارتك من
الطريق العام ، أعني ..
جيراردو : أنت تجعلني أحس كما لو أنني
قديس ..
روبيرتو : كلا ، كلا . صدقني أن كل ما
أقوله لك الآن ، يخرج من القلب مباشرة . لجنتكم هذه ياعزيزي ،
ستساعدنا على نحو فريد ، في أن نغلق فصلاً موجعاً جداً في تأريخنا
.
سيد إيسكوبار ، لاتقلق بشأني ، العائلة
ليست معي ، انا قادم هذه المرة لوحدي في عطلتي الأسبوعية ، ثمّ
لاتنس أن علينا جميعاً أن يساعد بعضنا البعض ، رغم أن ما أقوم به
هو شيء تافه ، ولايستحق الذكر ، لكن ..
جيراردو : أظن أن غداً سيكون يوماً جميلاً .
روبيرتو : غداً ؟ وكيف ستستطيع الوصول
إلى سيارتك دون اطار إحتياطي .. هذه هي المسألة ..
لهذا السبب ، قلت لنفسي ، مؤكد أنك
ستقوم في البحث عني ، هه ، بعدها فكرت ، أن بامكاني أيضاً مرافقك
إلى هناك ومعي رافعتي . ( يضحك ) .
على فكرة ، هل عرفت ماحلّ برافعتك ؟
جيرردو : أعارتها زوجتي لوالدتها .
روبيرتو : لوالدتها ؟
جيراردو : أنت تعرف طبع النساء ..
روبيرتو : ( يضحك ) أوه ، لاتحدثني عنهن ، أعرفهن جيداً . إنهن
اللغز الأخير في هذا الكون . البشرية والعلم ياصديقي سيكتشفان كل
شيء ، كل شيء ، إلا هذا اللغز العجيب الذي يسمونهالمرأة . أتعرف
ماذا كتب نيتشة مرة ؟ قال ، أعتقد أنه قال ذلك ، قال ، إننا
لانستطيع مطلقاً ، الهيمنة على الروح الأنـثوية . لاأدري إن كان
نيتشة قالها أم غيره . لكن ، مع ذلك ، كن على ثقة ، أن نيتشة
العجوز سيقولها ، لو عطلت سيارته في الطريق العام في عطلة نهاية
الأسبوع ، وهو دون رافعة ..
جيراردو : ودون إطار إحتياطي .
روبيرتو : وبدون أطار إحتياطي مثقوب !! ها ، ها ، ها ( يضحك ) .
ولذا رأيت أن لزاماً عليّ حقا أن أكون معك ، والعملية كلها لا
تستغرق وقتاً طويلاً ...
جيراردو : تعرف ، أحس كما لو أنني أستغلك أو أتطفل عليك .
روبيرتو : أرجوك ، لاتتحدث هكذا . أنا بطبعي رجل يحب مساعدة الناس
، ثم لاتنس أنني طبيب . أعتقد أنني أخبرتك بذلك ، أليس كذلك ؟
وأرجو أن لايساورك الظن أنني أساعد فقط ، الشخصيات المهمة في
المجتمع . كّلا .
جيراردو : لو كنت تعرف ما ستواجهه من متاعب معي ، لسرت بأقصى سرعتك
كي لا ..
روبيرتو : ( يضحك ) كلا ، لاتقل ذلك أرجوك . إن ماقمتُ به ، هو
شيء يشرفني .
أما سبب مجيئي هذه الساعة المتأخرة من الليل ، فهو لتهنئتك على
منصبك الجديد ، ولأقول لك أيضاً ، أنك الشخص المناسب لهذا الموقع ،
الذي يحتاجه هذا البلد ، من أجل معرفة الحقيقة مرة واحدة وإلى
الأبد ...
جيراردو : إن ما يحتاجه البلد حقاً هو العدالة . فلو استطعنا أن
نثبت في الأقل جزءاً من الحقيقة ...
روبيرتو : آه ، لقد سبقتني ، لأن هذا ، هو بالضبط ما أردت قوله
الآن . أقول ، حتى لو لم نتمكن أن نحيل هؤلاء الناس إلىالمحاكم ،
وحتى لو أنهم احتموا بهذا العفو العام ، ففي الأقل ، سنرى أسماءهم
منشورة في الصحف ..
جيراردو : كلا ، كلا ، ستبق تلك الأسماء غير معلنة . لا يفترض
بلجنة التحقيق الكشف عن أسماء مرتكبي تلك الجرائم أو ...
روبيرتو : لكن كل شيء في هذا البلد
سيظهر إلى العلن في النهاية. سيسألهم أبناؤهم وأحفادهم ، هل صحيح
أنكم فعلتم ذلك ؟ هل صحيح أنكم اقترفتم ما يتهمكم الناس به ؟
بماذا سيجيـبون ؟ سيضطرون إلى الكذب .
نعم . سيقولون هذا افتراء ، أو هذا تآمر شيوعي ، هراء مثل هذا ..
لكن الحقيقة ستدوّن كل شيء عنهم ، هنا وفي كل مكان . وسيشعر
أبنائهم نحوهم بالأسى ، الأسى ، والاشمئزاز .
جيراردو : من المحتمل في يوم ما ...
روبيرتو : من المحتمل ، أن يخرج الناس
عن طورهم ، ويتصاعد لهيب غضبهم ، حينها يمكننا حتى أن نلغي العفو
العام نفسه .
جيراردو : أنت تعرف أن هذا شيء غير
ممكن .
روبيرتو : أنا مع فكرة تصفية جميع تلك
الزمرة ، لكنني أستطيع أن أفهم ...
جيراردو : عفوا ، أنا لا أحب أن
أخالفك الرأي ياروبيرتو ، لكن من وجهة نظري إن عقوبة
الموت ، لن تحل مطلقاً أية ...
روبيرتو : وأنا مجبر أن أخالفك الرأي
ياصديقي جيراردو بأن هناك بعض الناس ، ببساطة ، لايستحقون البقاء
على قيد الحياة ، وما أردت لفت إنتباهك إليه حقاً ، هو أنكم
ستواجهون مشكلة كبيرة ...
جيراردو : بل قل أكثر من مشكلة . أولاً
، سيحارب الجيش لجنة التحقيق بكل الوسائل . تعرف ، لقد أخبروا
الرئيس بأن هذه التحقيقات هي نوعاً من الأهانة والاذلال ، وأنها
تشكل خطراً علينا ، نعم إنها خطيرة على الحكومة الجديدة لأنها
ستفتح الجروح القديمة . ظننت في البدء أن الرئيس يخشى أن يفعلها أو
لا يمتلك الشجاعة في الأستمرار بها ، لكنه وحمداً للّه مضى في
مشروعه على كل حال . ونحن جميعاً نعرف كيف أن هؤلاء الناس هم على
أهبة الإستعداد للقفز والإنقلاب علينا لأتفه خطأ نقوم به .
روبيرتو : وهذه بالضبط هي وجهة نظري .
حين أخبرتني قبل قليل أن الأسماء لن تعلن أو تنشر في الصحف ، فقد
جعلتني أفكر بأنك من الممكن أن تكون محقاً في ذلك ، ومن الممكن في
الآخر أننا سوف لن نعرف أبداً ، أي نوع من البشر هم هؤلاء . هل
كانوا هم يشكلّون نوعاً من ...
جيراردو : المـافيا .
روبيرتو : المـافيا ، نعم ، تلك
المنظمة السرية الرهيـبة . لن يكشف أحد منهم عن الأسماء ، وهكذا
سيحمي كل واحد منهم ظهر الآخر . القوات المسلحة لن تسمح لرجالها أن
يعطوا شهادة أو دليلاً إلى لجنتكم ، وإذا ما إستدعيتوهم للمثول
أمام القضاء ، فإنهم ببساطة سيتجاهلون ذلك ولن يحضروا ، وسيقولون
لكم ، فلتذهبوا إلى الجحيم ..
من المحتمل أنك على حق . أما هذه
الأشياء التي تحدثتُ أنا عنها عن الأبناء والأحفاد فلم تكن سوى
مجرد وهم أو حلم جميل . محتمل أن الأمر ليس سهلاً كما تخيلته أنا
.
جيراردو : لقد أخبرني الرئيس ، وهذا سر بيننا ، أن هناك أناساً
مستعدين لإعطاء إفاداتهم ، شرط أن يبقى ذلك سراً .
وهكذا وما أن يبدأ الناس يتكلمون حتى
تبدأ الأعترافات والأسماء تتدفق تماما مثل تدفق شلاّل المياه .
تماماً مثلما قلت أنت : في هذا البلد ، كل شيء سينكشف للعيان في
الآخر . لذا فإن حلمك من الممكن أن يبقى ...
روبيرتو : أتمنى لو أستطيع مشاركتك
تفاؤلك . لكن ، للأسف ، هناك أشياء لايمكننا أن نعرفها مطلقاً .
جيراردو : إن صلاحياتنا محددّة ياصديقي
، لكن ، ليست مقيدّة جداً .. نحن نتوقع ، في الأقل ، نوعاً من
العقاب الأخلاقي ، وهذا هو الحد الأدنى ... مثل ما نحن لانستطيع أن
نتوقع العدالة من المحاكم ...
روبيرتو : أتمنى أن تكون محقاً . أوه ،
لقد تأخر الوقت . ياإلهي ، إنها الساعة الثانية ! سأعود إليك في
الغد مثلما إتفقنا ، لنقل الساعة ... التاسعة ؟
جيراردو : لم لاتبق هنا ، إن لم يكن
أحد ما ينتظر عودتك الى البيت
…
روبيرتو : لا ،لا ، قلت لك لا أحد .
أنا لوحدي هذه المرة .
جيراردو : إذاً ، طالما أنت لوحدك ...
روبيرتو : الواقع إن زوجتي سافرت هي
والأطفال لزيارة والدتها ، ولم أستطع السفر معهم ،لأإنني أكره
السفر بالطائرة ، ووو .. لا أحب التنقل من مكان إلى آخر . ثم
لاتنسى ، إن لدّي مرضى عليّ مراجعتهم .
جيراردو : وهل يقيم مرضاك في منـزلك
الساحلي ؟
روبيرتو : كلا ، بالطبع .
جيراردو : إذاً ، في هذه الحال ، يمكنك
البقاء معنا هذه الليلة .
روبيرتو : أوه ، هذا كرم عظيم منك ، لكنني ، حقيقة ، أحب أن أكون
لوحدي بعض الوقت ، أرقب الأمواج وأسمع الموسيقى التي أحبها .
الواقع ، أنا حضرت إلى هنا لمساعدتك وليس لأزعاجك . حسناً ، سأعود
غداً ، لنقل في الساعة ...
جيراردو : دكتور ميراندا ، بيتك يبعد من هنا حوالي نصف الساعة ..
روبيرتو : حوالى أربعين دقيقة عبر الطريق الساحلي . لكنني لو ...
جيراردو : روبيرتو ، انتهى الموضوع ، ستبقى هنا الليلة. ستكون
زوجتي مسرورة جداً . وغداً ستتذوق افطارها اللذيذ ، هه ،
ساندويتشات شطائر لحم بالمايونيز .
روبيرتو : أوه ، شطائر لحم بالمايونيز
! حسناً ، في هذه الحال ، لاأدري ماأقول . تعرف ياسيد إيسكوبار ،
لقد أقنعتني حقاً الآن ، لأنني أعشق شطائر اللحم بالمايونيز .
تذكرت الآن ، لا أظن أن لدي شيء في
المنزل ، ولا حتى قنينة الحليـب .
الحقيقة انا متعب بشكل لا يصدق وأود
الآن ، ان سمحت ..
( تعود باولينا بسرعة عبر الشرفة إلى
غرفة نومها )
جيراردو : لا أدري إن كنت بحاجة ، ربما ، الى ... ؟ الواقع إن
الشيء الوحيد الذي لا أستطيع تقديمه لك هنا حقاً ياصديقي هو فرشاة
الأسنان ...
روبيرتو : شيئان لايمكنك أن تشارك فيهما أحد مطلقاً ، الأول فرشاة
الأسنان ، والثاني ...
جيراردو : صحيح . ( يضحكان )
روبيرتو : تصبح على خير .
جيراردو : أحلاماً سعيدة .
( يذهب الأثنان ، كلاً إلى غرفة نومه
الخاصة . وقفة قصيرة . المسرح خالي ، ولاشيء سوى الصمت وضوء القمر
. )
جيراردو : ( صوته يأتي من غرفة النوم )
باولينا ، حبيبتي ... الدكتور ، الرجل الذي أوصلني ، سينام عندنا
هذه الليلة ، لأنه سيذهب معي غداً لجلب السيارة .. باولينا ،
باولينا ، هل تسمعينني ؟
باولينا : ( صوتها يوحي بالنعاس ) نعم
، نعم حبيبي .
جيراردو : ( صوته قادم من غرفته ) انه
صديق ، فلا تخشي شيئاً ... آه ، باولينا ، لا تنسي غداً صباحاً أن
تجّهزي لنا إفطاراً شهياً ، هه ...
(
يُسمع صوت البحر وسط عتمة جزئية )
***
" المشهد الثالث "
( مرور فترة زمنية وجيزة . تمر سحابة
على وجه القمر . يرتفع صوت موج البحر ، ومن ثم يتقهقر . صمت .
تدخل باولينا إلى غرفة الطعام ـ
الأستقبال ، حيث يمكن رؤيتها عبر ضوء القمر وهي تتجه صوب
البوفيه . تفتح الدرج وتخرج مسدساً ،
ومعه تخرج أيضاً شيء ما غير واضح ، يتضح فيما بعد أنه زوج جوارب
نسائية . تتوقف فجأة عن الحركة ، ظناً منها أنها سمعت جيراردو
وهوينتقل إلى غرفة النوم . ترتدي الجوارب . )
باولينا : جيراردو ؟ جيراردو ؟
( تقطع غرفة الطعام والاستقبال ،
باتجاه المدخل الذي يؤدي إلىغرفة النوم الاحتياطية التي يرقد فيها
الدكتور ميراندا . تنـتظر للحظة ، وهي تصغي ، ثم تقتحم غرفة نومه .
تمضي بضع لحظات ومن بعد ، نسمع صوتاً مضطرباً ومكتوماً ، يتبعه
شيء أشبه بالصرخة ، وبعد ذلك يسود الصمت .
نرى باولينا بعد لحظات ، وخلال ضوء
خافت جداً ، تخرج من الغرفة وتعود إلى غرفة نومها .
تفتح الباب وتأخذ المفتاح من الجانب
الآخر من الباب ، ثم تقوم بقفله .
تعود ثانية إلى غرفة النوم الأحتياطية
، حيث يرقد الدكتور ميراندا ، وبعد هنيهة نراها وهي تسحب شيء ما
يشبه جسد انسان . ترفع الجسد ثم تجلسه على كرسي وتقوم بربطه بحبل
نحو ذلك الكرسي . تسرع إلى غرفة النوم الأحتياطية ، تجلب سترة
روبيرتو ، وتخرج حزمة مفاتيح من جيبه ثم تستعد إلى الخروج من
المنزل ، لكنها تتوقف فجأة . تلتفت نحو الجسد ، الذي أصبح واضحاً
أنه جسد الدكتور روبيرتو . تخلع سروالها الداخلي وتكورّه ثم تحشو
به فم الدكتور ميراندا وتلصقه بشريط ، ثم تغادر المنزل .
نسمع بعد لحظات صوت سيارة الكتور
ميراندا تتحرك ويكتسح ضوء مصابيحها الأماميه خشبة المسرح ، فيكشف
لنا وهج النور القوي الكتور ميراندا وهو مربوط بحبل إلى الكرسي ،
مغمى عليه بشكل كامل ، وفمه ملصق بشريط . نسمع صوت السيارة وهي
تغادر ، وتسود العتمة من جديد .. )
***
" المشهد الرابع "
( الوقت الآن هو قبيل الفجر .. يفتح
الدكتور ميراندا عينيه ، محاولاً النهوض الا أنه يدرك حالاً أنه
مربوط إلى كرسي . يدير جسده بصعوبة ، محاولاً بشكل يائس تحرير نفسه
، لكنه يواجه باولينا وهي جالسة أمامه ، تحمل في يدها مسدساً .
يتطلع نحوها وتعبير الرعب واضح في عينيه) .
باولينا : ( بهدوء كامل ) صباح الخير ،
دكتور ... ميراندا ... ميراندا ، أليس كذلك ؟ ( توجه المسدس نحوه
بطريقة مازحة لكنها مُعذبّة )
كانت لدّي صديقة في الجامعة اسمها
ميراندا ، آنا ماريا ميراندا . هل تربطك صلة قرابة بعائلة ميراندا
في سان ستيبان ، هه ؟
كانت ذكية جداً ، ولديها ذاكرة قوية
ومدهشة . كنا نسميها " موسوعتنا الصغيرة " . لا أعرف الآن عنها أي
شيء . ربما أكملت دراستها الجامعية وأصبحت طبيبة .. مثلك بالضبط .
أما أنا فلم أحصل على شهادة الدبلوم . لأنني لم أستطع اكمال
دراستي ، دكتور ميراندا . والآن لنرَ إن كان بإستطاعتك أن تخمّن
، لماذا لم أحصل أنا على شهادة الدبلوم . هه ؟ أنا واثقة جداً أن
معرفة السبب لن يتطلب من مخيلتك جهداً كبيراً .
لحسن الحظ ، ان جيراردو كان هناك . .
حسنا ، لن أقول أنه كان ينتظرني ، لكن دعنا نقول أنه كان مايزال
يحبني . المهم ، لم يكن في مقدوري العودة إلى الجامعة ثانية على
الاطلاق . وكان ذلك من حسن حظي ، لأنني أحسست يومها بنوع من ..
حسناً .. الفوبيا . كلا ، كلا ، فوبيا ، ليست هي الكلمة المناسبة
تماماً . كنت .. كنت أشعر بخوف ما من دراسة الطب . لم أكن واثقة
تماماً من اختيار المهنة التي أريد بعد . لهذا السبب كنت أتساءل ،
ربما ، ليس من الصائب أن أعود إلى الجامعة
ثانية ، أو أطلب السماح لي مرّة أخرى
في اعادة قبولي .
وفي يوم آخر قرأت في الصحف أن القوات
المسلحة قد جُرّدت من مسؤوليتها عن الجامعة ، وان الجامعة بدأت
تسمح للطلبة المفصولين أن يتقدموا بطلباتهم لأعادة قبولهم ثانية .
أوه ، كان يجب أن أهييء لك الفطور بدل
هذه الثرثرة ، هه ، فطور شهي ؟
والآن ، دعنا نرَ ، ماذا تحب أن ..
ساندويتشات شطائرلحم بالمايونيز ، هه ، هذا ما قلته لجيراردو ،
أليس كذلك ؟ أوه عذراً ، ليس لدينا مايونيز . لدينا فقط شطائر لحم
. جيراردو يحب هذه الشطائر أيضا. سأتعرف على ذائقتك الأخرى ، وآسفة
جدا بشأن المايونيز .
آمل أن لا أكون قد أزعجتك لأنني احتكرت
الحديث كله لنفسي طوال هذا الوقت . لكن ثق يا دكتور أنك ستأخذ
فرصتك الكاملة في الحديث . ربما السبب هو الكمّامة . لا أريد أن
أرفع هذه الـ .. أنت تسّميها " كماّمة " ، أليس كذلك ؟ لا أريد
رفعها الآن ، في الأقل ، ولحين أن يستيقظ جيراردو .
أوه ، كان يجب عليّ ايقاظه . هل أخبرتك
أنني اتصلت من كابينة التلفون العمومي بورشة التصليح؟ انهم سيأتون
حالاً .
( تذهب إلى باب غرفة النوم ، تفتحها
بالمفتاح ، وتبقيها مشرعة )
الحقيقة ، الحقيقة ، أنت تبدو مضجراً
بعض الشيء .
( تخرج شريط الكاسيت من جيبها )
لقد أخذت هذا الشريط من سيارتك . أعتذر
لأنني تجاوزت الأصول . مارأيك لو نسمع معاً ، شيئاً من شوبرت ،
ريثما أهيّء لك فطاراً لذيذاً ، دكتور ، هه ؟ وهذه هي " الموت
والعذراء " التي تعشقها ، أليس كذلك ؟
( تضع الشريط في جهاز التسجيل ونبدأ في
سماع رباعية شوبرت " الموت والعذراء " .. )
أتعرف كم مضى من الوقت ، على آخر مرة سمعتُ فيها هذه الرباعية ؟
لم أكن أحتمل سماعها إطلاقاً . كنت أغلق المذياع حين يبثونها بعض
الأحيان ، وكنت أخشى سماعها في المناسبات الأجتماعية ، لدرجة
تضطرني إلى عدم الخروج كثيراً مع جيراردو ، رغم ولع زوجي الكبير
بحضور تلك المناسبات .
أما إذا عينّوه وزيراً ، أوه ، أوه ، فسنجول في البلاد طولاً
وعرضاً ، نصافح هذا ونبتسم لذاك ، وسنقابل الكثير من الغرباء ، لذا
كنت أتمنى وأصلّي أن لايسمعني أحد شوبرت .
مرةً ، وفي إحدى الأماسي تناولنا العشاء مع .. لاأتذكر ، نعم ،
كانوا أناساً من كبار القوم ، يعني ، شخصيات مهمة ، وحدث أن
مضيفتنا أسمعتنا سوناتة البيانو لشوبرت ، حينها أُصبت بما يشبه ..
فكرّت حينها مع نفسي ، ماذا أفعل ، هل أذهب لأوقف الاسطوانة ، أم
أغادر المكان ؟
وفجأة أحسست بجسدي يرتعش ثم أصبت في حالة إغماء ، فاضطر جيراردو أن
ينقلني فوراً إلى البيت ، وتركنا الجميع يستمعون لشوبرت ، دون أن
يعرف أحد السبب من وراء إغمائي .
لذا كنت أتوسل أن لا يُسمعوني شوبرت في أي مكان أذهب إليه .
شيء غريب ، دكتور ميراندا ، أليس كذلك ؟ أمعقول هذا ؟ شوبرت ،
شوبرت هذا الذي كان وما يزال هو أحد أفضل الموسيقيين بالنسبة إليّ
، يصبح كابوساً يلاحقني !
لكنني كنت أطمئن نفسي دائماً بأن
الزمن سيبعث يوماً ما ، شوبرت من القبر ليتكلم . وأجلس أنا وأنت
هنا نستمع اليه وهو يتكلم .
كنت وما أزال اؤمن أن الكثيرمن الأشياء
ستتغير من الآن فصاعداً ، أ ليس كذلك ؟
أتعرف أنني كنت على وشك أن أرمي كل
مالديّ من مختارات شوبرت في وعاء القمامة ؟
هذا جنون !!
( ترفع صوتها ، موجهة حديثها لجيراردو
وهو في غرفة النوم ) جيراردو ، أ ليست مذهلة هذه الرباعية ؟
( تتجه نحو روبيرتو ) وها أنا الآن
بامكاني الاستماع مرة أخرى إلى موسيقاري المفضل ، بل وحتى الذهاب
مع جيراردو لحضور الحفلات الموسيقية مثلما كنا نفعل من قبل .
هل تعرف أن شوبرت كان لوطياً ؟
أنت تعرف ذلك بالطبع . الم تكن ترّدد
ذلك في أذني مرّات ومرّات ومرّات ، حين كنت تعزف " الموت والعذراء
" .
أهذا هو الشريط الأصلي ، يا دكتور ، أم
أنك تشتري كل عام شريطاً جديداً ، كي تحافظ على نقاوة الصوت ؟
( يدخل جيراردو قادماً من غرفة نومه ،
بادياً عليه النعاس )
جيراردو : صباح الخير باولينا ، هل
استيقظ الدكتور ؟ باولينا ، الفطور ، الفطور ، هل الافطار جاهز ..
؟
( يبذل روبيرتو جهوداً يائسة لتحرير
نفسه من الحبل ، حال رؤيته جيراردو . جيراردو يراقب المشهد وهو في
ذهول تام . )
جيراردو : باولينا ! ماهذا ؟ باووو .
ياإلهي .. رو.. روبير.. روبيرتو .. دكتور ميراندا .
( يتجه نحو الدكتور . )
باولينا : لا تلمسه .
جيراردو : ماذا ؟
باولينا : ( تشهر المسدس نحوه )
لاتلمسه .
جيراردو : ماالذي يحدث هنا بحق السماء
!! أي نوع من الجنون هذا ...
باولينا : إنه هو .
جيراردو : أعيدي المسدس إلى مكانه ..
باولينا : إنه هو .
جيراردو : من ، من ، من هو ؟
باولينا : الدكتور .
جيراردو : أيّ دكتور ؟
باولينا : الدكتور الذي كان يعزف
رباعية شوبرت .
جيراردو : الدكتور الذي كان يعزف
رباعية شوبرت !؟
باولينا : نعم ، الدكتور ميراندا ..
جيراردو : وكيف عرفتِ ؟
باولينا : عرفته .
جيراردو : كيف ، كيف ، لكنك قلتِ أنك
...
باولينا : نعم . قلت لك أنني كنت
معصوبة العينين . هذا صحيح ، كنت معصوبة العينين ولم أكن أرى
شيئاً ، لكنني كنت أسمع جيراردو ، نعم ، عرفته من صوته ..
جيراردو : باولينا .. أنت متعبة ،
باولينا ، أنت مريضة .
باولينا : كلا ، لست مريضة .
جيراردو : نعم ، أنت مريضة .
باولينا : حسنٌ ، أنا مريضة . لكني رغم
ذلك أستطيع أن أميّز الصوت .
ولاتنس يا جيراردو ، أننا حين نفقد
احدى حواسنا ، فإن الحواس الأخرى تعوضنا عن ذلك ، فتصبح أكثر حدة
وذكاء . أليس كذلك ، دكتور ميراندا ؟
جيراردو : الذاكرة المشوشة لا تستطيع
أن تبرهن على شيء ، من مجرد صوت .
باولينا : إنه صوته ، صدقني جيراردو .
لقد استطعتُ أن أميزّه فوراً ، وحال دخوله المنـزل أمس . الطريقة
التي كان يضحك بها ، والعبارات التي يستخدمها ، هي تماماً ، نفس
العبارات .
جيراردو : لكن ذلك ليس ...
باولينا : ربما ، ربما يكون ذلك دليلاً
ساذجاًً وتافهاً بالنسبة لك ، إلا أنه واف وكاف بالنسبة
إليّ . هذا الصوت ، الصوت ، الصوت الذي
لم يفارقني لحظة واحدة طوال كل تلك السنين . الصوت نفسه ، نعم ،
الصوت المجاور لي ، القريب إلى أذني ، الصوت الذي كان يختلط
باللعاب .
هل تظن أنني سأنسى صوتاً كهذا الصوت ؟
( تقلد صوت روبيرتو أولاً ومن ثم صوت
الرجل الآخر )
صوت الدكتور : مرة أخرى ، مرة
أخرى ، حاول معها أكثر .. أكثر . هيا ، أكثر .
هذه العاهرة تحتمل المزيد ، هيا ، هيا
، أكثر..
صوت الرجل : دكتور ، هل أنت
واثق مما تقول ؟ ماذا لو ماتت هذه .. العاهرة بين أيدينا
؟
صوت الدكتور : كلا ، كلا ، هيا
، هيا ، حاول أكثر ، أكثر ، طالما لم تفقد وعيها بعد . هيا ، هيا
، قلت لك ..
جيراردو : باولينا ، أعطني هذا المسدس
، أرجوك .
باولينا : كلا .
جيراردو : لا يمكننا التحدث وأنت
تشهرين السلاح بوجهي هكذا .
باولينا : على العكس ، لأنني حالما
أبعد فوهة المسدس عنك ، سينتهي الحديث بيننا أتوماتيكياً ، لأنك
ستستخدم قابلياتك المهنية لتربح النقاش في الآخر .
جيراردو : باولينا ، يجب أن تفهمي
جيداً أن ما تقومين به الآن سيكون له عواقب خطيرة .
باولينا : خطيرة ، هاه ؟ نتائج ..
متعذر علاجها ، هاه ؟
جيراردو : نعم ، متعذر علاجها ،
باولينا .
دكتور ميراندا ، إنني أطلب منك
العفوعما بدر من زوجتي من ..
باولينا : لا تطلب المعذرة من هذا
الوضيع .
جيراردو : باولينا ، فكيّ وثاقه .
باولينا : كلا .
جيراردو : إذاً ، أنا سأقوم بذلك .
( يتقدم جيراردو نحو روبيرتو ، وفجأة
تنطلق رصاصة مدوية من مسدس باولينا . تشعر باولينا بالذهول ، وترتد
الى الوراء حين تنطلق الرصاصة من المسدس ، تماماً مثل ردةّ الفعل
التي حدثت لروبيرتو وجيراردو . واضح جداً أنها لاتجيد استعمال
السلاح . )
جيراردو : لا تطلقي مرة أخرى ، باولـ
.. أعطني المسدس . ( صمت )
باولينا ، أنت لست من النوع الذي يفعل
، أو يستطيع أن يفعل مثل هذه الأشياء .
باولينا : متى ستتوقف ، جيراردو ، عن
قولك ماالذي أستطيعه وماالذي لا أستطيعه.
" لا تستطيعين هذا ، لا تستطيعين ذاك ،
لا تستطيعين ذاك " .
إنني أستطيع أن أفعل أيّ شيء ، وها
أنا أفعل ما أريد .
جيراردو : ولكن ماهو السبب الذي يدعوك
لمعاقبة هذا الرجل ؟ اذا كنت تمتلكين سبباً وجيها ، أو تهمة ضده ،
فعليك أن توجهي له ذلك فقط في المحكمة وأمام القاضي ..
( تضحك باولينا بازدراء )
القاضي ، نعم ، مهما يكن ذلك القاضي ،
سواء كان مرتشياً ، فاسداً أو جباناً .
باولينا ، إن التهمة الوحيدة التي
يمكنك أن توجهيّها لهذا الرجل ، هي إحسانه ، نعم ، باولينا . هذا
الرجل وقف لي طواعية في الطريق السريع لكي يساعدني وينقذني من
المأزق الذي حلّ بي . لقد أوصلني إلى هنا ، إلى البيت ، نعم ، ولم
يكتفي بذلك ، بل عرض عليّ ، فوق ذلك أن ...
باولينا : آه ، تذكرت . لقد اتصلت
بورشة التصليح ويمكن أن يصل عامل الورشة في أية لحظة .
جيراردو : ماذا ؟
باولينا : حين خرجتُ مبكراً هذا الصباح
لاخفاء سيارة ملاكك الطيب ، اتصلت بالورشة ورتبتّ معهم كل شيء .
لذا من الأفضل لك أن ترتدي ملابسك الآن ، وتتهيأ للخروج ، لأن
العامل يمكن أن يصل في أية لحظة ، مفهوم .
جيراردو : باولينا ، أرجوك ، هل يمكننا
معالجة الأمر بطريقة أخرى ؟
هل بامكاننا أن نحتكم إلى العقل فيما
نفعل ؟
باولينا : بامكانك أنت أن تحتكم إلى
العقل . بالطبع ، أنت تحتكم إلى العقل لأنهم لم يؤذوك مطلقاً .
جيراردو : كلا . لقد آذوني أيضا . نحن
لانتنافس هنا من أجل الفوز بجائزة من منا تعرّض أكثر للرعب والخطر
والأذى . اللعنة ... دعينا نكن منصفين وواقعيين باولينا .
لو افترضنا ، أقول ، حتى لو افترضنا
أن هذا الرجل كان هو المسؤول عن تلك الحوادث المريعة ، على الرغم
من أن ذلك مستحيل ، إذ لايوجد سبب لذلك . حسناً ، ومع ذلك ، لنفترض
أنه هو الفاعل ، فأنك حتى في هذه الحالة ، لا تمتلكين الحق أن
تتصرفي معه بهذا الشكل الشنيع ..
باولينا ، حبيبتي ، أرجوك ، انظري إلى
ماتفعلين . فكرّي في نتائج ...
( صوت محرك شاحنة يُسمع خارج المنزل )
باولينا : ( تسرع باتجاه الباب ، ثم
تفتحه على النصف وتنادي بأعلى صوتها )
نعم ، نعم إنه قادم ، إنتظر قليلاً ..
( تغلق الباب ، ثم تقفله بالمفتاح .
تغلق الستائر وتنظر إلى جيراردو . )
هيا ، ارتدي ملابسك بسرعة . إنه عامل
ورشة التصليح . سيذهب معك إلى الطريق العام ، حيث موقع السيارة ،
وسيقوم بسحبها من هناك . الاطار الاحتياطي موجود في الخارج .
لقد أخذتُ رافعته أيضاً ( تشير نحو
روبيرتو )
جيراردو : سرقتِ رافعته ؟
باولينا : كي تحتفظ أمي برافعتنا .
( وقفة قصيرة )
جيراردو : ألم يخطر ببالك ، أنني .. من
الممكن أن أذهب وأبلغ الشرطة بذلك ؟
باولينا : أشك أن تفعل ذلك ، لأنك رجل
يؤمن ايماناً مطلقاً في قدرته على الاقناع . ومع ذلك ، أتعرف ماذا
سيحدث لو أن رجال الشرطة جاءوا حقاً وحشروا أنوفهم في هذه القضية ؟
أقسم أنني سأطلق رصاصة الرحمة مباشرة في رأس هذا الرجل . نعم ،
جيراردو ، وبعدها سأوجه فوهة المسدس إلى فمي وأضغط الزناد .
جيراردو : حبيبتي ، أوه باولينا ، كلا
، ياإلهي ، أنت لست باولينا .. كيف يمكنك أن تتصرفي هكذا ، أو
تتحدثي بهذه الطريقة ؟
باولينا : دكتور ميراندا ، أخبرْ زوجي
ما فعلتهُ بي ، لكي يفهم سبب جنوني .
جيراردو : حسناً ، باولينا أريد منك أن
تخبرينني بالضبط ، ماالذي تنوين القيام به ؟
باولينا : لست أنا وحدي ، بل نحن
الاثنين ، جيراردو . سنقوم معاً بمحاكمته .. وهنا ، في هذا
البيت ، وفي هذا اليوم ، أنا وأنت . أم
تريدني أنتظر لجنتكم الموقرة ، ذائعة الصيت ، لتفعل ذلك ؟
( تطفأ الأنوار )
------------
بيبلوغرافيا :
آرييل دورفمان ( 1942) مواطن تشيلي أمريكي الجنسية .
الدراسات
ـ كيف تقرأ دونالد دِك ( عمل مشترك مع الكاتب أرماند ماتيلارت )
1971 .
ـ ملابس الإمبراطور العجوز 1983 .
ـ بضع كتابات من أجل المستقبل 1991
ـ مسرح اللامعقول بين أربعة جدران " مسرح هارولد بنتر " .
ـ رحلة مزدوجة " عين نحو الجنوب ، وأخرى نحو الشمال " مذكرات
وثائقية 1998
الروايات
ـ الأرامل 1883 . أغنية مانويل سينديروالأخيرة 1987 . ماسكارا
1988.
المطر القاسي 1990 . الثقة 1995 . مذكرات صحراء 2004 ( رحلة في
شمال تشيلي ) .
المجاميع القصصية الأخيرة
ـ الفالس الأخير وقصائد عن المنفى والإختفاء 1988 . وطني وسط النار
1990 .
المسرحيات
ـ ثلاثية المقاومة ( الأرامل 1989. القارىء 1990 . الموت والعذراء
1991 ) .
( ماسكارا ) و ( قائمة في سيرة حياة المشهورين ) 2004 .
الجانب الآخر 2005 .
السيناريوهات
ـ الموت والعذراء ( كتابة مشتركة مع روفائيل إيغليسياس 1992 .
أنتج عام 1994 وقام بإخراجه المخرج السينمائي رومان بولونسكي .
تمثيل : بن كنسلي و سيكورني ويفار ) .
ـ سجناء في الموعد المحدد ( مشترك مع ولده الأكبر رودريغو 1995 ) .
ـ وطني وسط النار ( سيناريو وإخراج مشترك مع رودريغو 1999 ) .
ـ الموعد الأخير ( سيناريو وإخراج مشترك مع رودريغو 2002 ) .
ـ أعزل في نيويورك ( كتبه دورفمان ولعب أحد أدواره ، وأخرجه دانيال
ألغرانت 2003 ) .
* الجوائز التي نالتها مسرحية " الموت والعذراء "
نالت جائزة
Time
Out Award
عام 1991 كأفضل عرض مسرحي في لندن .
نالت جائزة السير لورنس أوليفيه عام 1992 كأفضل عرض مسرحي في لندن
.
نالت جائزة
9th
Dong Award 1993 في كوريا .
نالت جائزة
Dora
Mavor Award
1994 كأفضل عرض مسرحي في كندا .
نالت جائزة
Yoshiko Yusasa Prize
1995 كأفضل مسرحية أجنبية في اليابان .
--------
* علي كامل ممثل ومخرج مسرحي وسينمائي عراقي مُقيم في لندن
** مقطع من المسرحية الكاملة المنشورة لدى دار المدى 2005
|