في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - نشيد محنتنا الشبيه بالصلوات
     نصيف الناصري

  - في الحادي والحربين

    محمد جابر النبهان

  - مدونة البلاد

    علي رشيد

  - الإمام

    كمال سبتي

  - قصائد

    صبري هاشم

  - لحظات للتأمل

    عبدالحكيم نديم الداوودي

  - قصائد

    فرات إسبر

  - اليوم يشيء

    بديعة كشغري

 

قصة

  - إجازة مرضية

     وديع العبيدي

  - اللغز

     عادل التميمي

 

أدب عالمي مترجم 

  - شجرة الكرز المشقوقة

     ترجمة: فاطمة ناعوت

  - مسرحية الموت والعذراء

     ترجمة: علي كامل

  - قصائد مترجمة

     ترجمة: عبدالهادي سعدون

 

مقالات ودراسات

  - الشعر ومحنة القارئ

     عدنان الصائغ

  - فريد الأطرش

    د. عدنان الظاهر

  - المحظور الفكري والانطلاق الفكري

     د. تيسير الناشف

  - مع المتنبي

    د. عدنان الظاهر

  - انطلاق الفكر

    د. تيسير الناشف

 

ملف

  - أبحاث في العلاقة المسيحية الإسلامية

     لطفي حداد

 

نقد

  - تأملات في التجربة الشعرية المعاصرة

     التجاني بولعوالي

  - منابع الخوف عند جاسم الرصيف

    شوقي عبدالحميد يحي

  - هاربون عبر نهر إفروس

     د. عدنان الظاهر

 

نصوص

  - حركة الراديو البصري الشعرية

     أسعد الجبوري

  - سكران.. الميت الكلب أنا

    فراس سليمان محمد

  - باريسا ألكسندروفنا

     كمال العيّادي

 

حوارات

  - حوار مع جاكلين سلام

 

فنان العدد

  - ربى ندى

 

 

السنة الأولى - العدد  السادس  ،  حزيران / يونيو 2005   

 First year . Issue No: 06 - June  2005 
 

الموت والعذراء

مسرحية في ثلاثة فصول

                                           تأليف : آرييل دورفمان 

ترجمة : علي كامل*

       مقدمة المترجم

" أنا ذلك الكذاب ، الذي يقول الحقيقة دائماً "

جان كوكتو

 

      لم تستطع سنوات المنفى الثقيلة والخانقة أن تثبط آماله الكبيرة ، ولا المكان أن يطمس هويته ، فقد قرر لحظة وصوله أمريكا ، لاجئاً ، أن يجعل من كتاباته سلاحاً ، ومن غرفة مكتبه الصغير ، ورشة عمل يومي وساحة حرب ضد من شردوه .. ضد من خنقوا صوت الحرية في بلاده.. ضد وحشية الإستبداد وبربريتة في كل مكان .

 

على أحد جدارن غرفة مكتبه المعتم ، كان دورفمان يعلق صورة مواطنه بابلو نيرودا ، كانت تضيء له وحشة سنوات الأغتراب ، وبالقرب منها كتب بخط يده عبارة ، كان استعارها من أحد معارفه القدامى ، الروائي الأرجنتيني " هارولد كونتي " سلفه في المنافي . تقول العبارة : " هنا ساحة الحرب ، ساحة معركتي ، ولن أغادرهاً أبداً " .

 

كتب دورفمان الشر والرواية والقصة القصيرة والنصوص المسرحية والسينمائية والدراسات النقدية في الأدب والفن . وقد ترجمت نتاجاته تلك الى ما يقرب الخمسين لغة . .

 

شغل ومايزال ، موقع بروفيسور في جامعة ديوك في نيويورك ، لتدريس أدب أمريكا اللاتينية ، إضافة إلى نشاطه كمحرر دائم في صحف واسعة الأنتشار أمثال نيويورك تايمس ، لوس أنجلوس تايم ، ناشينال ، فيليج فويس ، وغيرها . عرف عنه أيضاً ناشطاً بارزاً في منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان .

عاد دورفمان إلى تشيلي ، برفقته زوجته وولداه عام 1990 بعد زوال الدكتاتور بينوشيت وقيام السلطة الوطنية المنتخبة ، ومنذ ذلك التأريخ وهو موزع  بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية وأوربا .

 

  ( لابد لأحد ما أن  يبقى حياً ، ليروي ماحدث )

 

لقد تم تصفية الكثير من  أصدقاء دورفمان ورفاقه في ذلك اليوم الفاجع الرهيب ، يوم الإنقلاب على حكومة أليندي ، في الحادي عشر من سبتمبر 1973 ساعة اقتحام قوات بينوشيت قصر لامونيدا .

أما هو فقد نجا بإعجوبة من موت محتم !

كان دورفمان يشغل موقع بروفيسور لمادة الأدب والنقد محاضراً في جامعة تشيلي . وكان ُرشح

في عام 1971  مستشاراً ثقافياً ضمن هيئة المستشارين الخصوصيين للرئيس أليندي في قصر لامونيدا . 

 

في مقابلة أجراها معه داني بوستل في مجلة The Progressive الأمريكية عام 1998 قال دورفمان:

( .. كان عليّ أن أكون في قصرلامونيدا في ذلك اليوم الفاجع . كانت هناك قائمة بأسماء الأشخاص الذين ينبغي تواجدهم في الأحداث أو الأوقات الطارئة ، وكان اسمي واحداً من تلك الأسماء ، لكن أحداً لم يتصل بي ذلك اليوم ، وتركوني أستمتع بنومي ذلك الصباح .

لم أفهم السبب مطلقاً !!

وبعد ثلاث سنوات ، وبطريق الصدفة ، قابلت الشخص الذي كان مسؤولاً عن تنظيم تلك القائمة آنذاك واسمه فرناندو فلوريس ، وفي ذلك اللقاء فقط عرفت سر بقائي حياً !!

لقد أخبرني فرناندو أنه شطب اسمي من قائمة المناوبة تلك في ذلك الصباح ، وحين سأ لته عن السبب ، صمت قليلاً وغار عميقاً ، عميقاً ، كما لو أنه اراد إن يسترجع تلك اللحظات المرعبة ثانية .

 أخيراً ، تطلع نحوي قائلاً : " حسناً .. كان لابد أن يبق أحد ما حياً ، ليروي ماحدث " ..

لم تكن ثمة معجزة دينية وراء بقائي حياً ، ولاأؤمن بأن قوى غيبية هي التي أنقذتني من ذلك الموت المحتم . لكنني موقن بشيء اسمه قدر الإنسان أو هو ذلك الشيء الذي يحيل الأحداث التي تمر في حياة الإنسان ، إلى شيء ضروري  لابد من وقوعه .

مافعلته أنا ، حسب ظني ، هو أنني أحلت نفسي إلى راوي حكايات .

وهكذا أمضيت الخمسة والعشرين عاماً الأخيرة أروي قصة شيلي بطرق مختلفة .

الكثير من كتاباتي تتحدث عن إنسان تنتابه فكرة ما تلازمه على نحو دائم ، وهي أنه يعيش كالشبح ، وأن كل شيء ماهو إلا مجرد وهم ، وأن ثمة أناس يموتون من أجل أن نستمر نحن على قيد الحياة .     فلزاماً علينا أن نقدم لهم شيئاً ما . كيف يمكننا أن نفعل ذلك ؟ كيف يمكننا أن نتحدث إليهم ، نحكي قصصهم ، ومن أجلهم ، بل وعلىالرغم منهم ؟ ومع ذلك ، فإن  قصصي هي ليست قصصاً عن الموت فقط . كلا ، إنها قصص عن  الحياة ، والتغني بها أيضاً . )

 

استوحى الكاتب عنوان مسرحيته " الموت والعذراء " من رباعية شوبرت الوترية التي تحمل ذات العنوان ، وهي قصيدة مغناة من تأليف ماتياس كلاوديوس 1740 ـ 1815 . أما الثيمة فقد استقاها من خبر كان قرأه في صحيفة تشيلية ، يحكي قصة رجل أنقذ حياة شخص انقلبت عربته في الطريق العام وكادت تودي بحياته . وأثناء دعوة الرجل لذلك الغريب ضيفاً إلى منزله ، تحدث المفاجئة المروعة .

ففيما هما يتحدثان ، تميز الزوجة نبرة صوت ذلك الرجل الغريب ، وتكتشف أنها نفس نبرة الرجل الذي عذبها واغتصبها في السجن قبل سنين . عندذاك تقرر سجنه في المنزل وإخضاعه الى محاكمة شخصية ، تنتزع  خلالها اعترافاً كاملاً منه بتلك الجريمة ، ثم تحكم عليه بالموت ! .

 

يقول دورفمان : " .. لقد تأملت تلك الحادثة عميقاً ، وبدأت أستكشف في مخيلتي ، بشكل خجل ومتردد ، حالة دراماتيكية أصبحت فيما بعد نواةً لمسرحية " الموت والعذراء " . 

كنت أجلس بين الحين والآخر أفكر بهذا الموضوع وأخربش على الورق ماتخيلته أن يكون في يوم ما رواية ! . لكن ، بعد جلسات عدة وبضع صفحات غير مقنعة عدلت ، خائباً ، عن الفكرة كلها تماماً ، بسبب أن ثمة شيئاً ما كان غائماً ، شيئاً ما جوهرياً وضرورياً في الحكاية كان مفقوداً . فمثلاً لم أستطع أن أستكشف شخصية زوج تلك المرأة . ترى من هو ؟ وكيف ستكون استجابته إن صدقها ؟

لم تكن واضحة عندي أيضاً ، الوقائع والظروف والإلتباسات التفصيلية ، تلك التي ظهرت من خلالها تلك الحكاية . كذلك كان ثمة غياب للعلاقات الرمزية والدلالية بين العام والخاص . بمعنى آخر ، ما نوع علاقة هذه الحكاية بالوضع العام للحياة في البلاد نفسها .

لم أفهم أيضاً ، صورة العالم الذي كان يقف خلف تلك الحدود الضيقة والخانقة والمغلقة لمنزل تلك المرأة ! " .

هكذا ولسوء الحظ ظلت المسرحية تنتظر مكرهة مثل دورفمان نفسه لوقت طويل ، لحين زوال النظام الديكتاتوري في البلاد عام 1990 وعودة الكاتب وعائلته إلى تشيلي بعد نفي إستغرق سبعة عشر عاماً . ففي زحمة الأحداث السياسية الجديدة والشائكة ، عثر الكاتب على إجابات على تلك النقاط التي كانت غائمة في رأسه ، وإستطاع أن يمسك بالخيط الذي قاده أخيراً إلى الطريقة التي ستروى بها تلك الحكاية .

 

( ديموقراطيات في دور النقاهة )

 

كان الوضع السياسي في تشيلي إبان زوال نظام بينوشيت الفاشي وقيام السلطة الوطنية المنتخبة ، ينذربإحتمال وقوع حرب أهلية في البلاد ، بسبب الإجراءات المؤقتة التي إتخذتها الحكومة الجديدة ، والتي في مقدمتها الإبقاء على الكثير من رموز النظام السابق في مواقع خطيرة وحساسة ، مثل المؤسسات القضائية والبرلمان والمجالس البلدية وكذلك المؤسسات الإقتصادية ، ناهيك عن ترك الكثير من أزلام السلطة من العسكر ورجال الأمن والمخابرات طليقين دون عقاب !

 

كان ذلك قد أثار غيظ الناس وضغينتهم ، خصوصاً أولئك الذين ظل يسكنهم الخوف رغم سقوط الدكتاتور، والذين أحا لتهم زنازين الدكتاتور الى مجرد أشباح ، أوأنصاف بشر . لقد أثارت فيهم تلك الإجراءات المؤقتة حقاً مخاوف عودة النظام القديم الى السلطة . لكن واقع الأمر، إن الرئيس الجديد المنتخب ـ باتريسيو ايلوين ـ كان يسعى من خلال تلك الإجراءات ، إلى تطبيق برنامج إصلاحي برغماتي للبلاد ، ووضع حلول وسطية بشأن التعامل مع أدوات النظام القديم ، خوفاً من تجدد الوضع الإرهابي ، وتحت غطاء الديموقراطية هذه المرة ، وخشية من قيام مذابح جديدة وعمليات ثأر شخصية ، قد تقود البلاد فعلاً إلى حرب أهلية ن والى فوضى قد تفقد البلاد فرصتها التأريخية تلك ، وتفضي الى عودة النظام الديكتاتوري ثانية الى البلاد .

 

فلأجل تطبيق ذلك البرنامج قامت السلطة بتشكيل هيئة تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان ، تلك التي اُرتكبت في زمن الدكتاتور بينوشيت سميت بـ " هيئة ريتيج "  والتي كانت تنتهي عقوباتها بالموت أو احتماله ، شرط أن لايعلن عن أسماء المجرمين أو تجرى محاكمهم علناً . علق دورفمان حينها قائلاً :  " إستطاع الرئيس ايلوين حقاً أن يدير الدفة بحذر وتبصر وشجاعة ، بإتباعه مسلكاً وسطاً يوفق مابين أولئك الذين يؤثرون دفن الخوف ، خوف الماضي الإرهابي كلياً ، وبين أولئك الذين يريدون الكشف عنه كاملاً " .

 

قامت تلك اللجنة حينها، وكاجراء إحترازي ، بحجب أسماء أولئك المتهمين وعدم استدعائهم لحضور تلك المحاكم علناً ، خشية وقوع صدامات دموية بين عوائلهم وأهالي المتهمين . لكن المأزق الأكبر هو أن تلك العدالة المنتظرة كانت منقوصة ، فعلى الرغم من التجربة الموجعة لمئات الآلاف من ضحايا النظام القديم ، وخصوصاً أولئك الذين استطاعوا أن ينجوا من الموت ، إلا أن الكثير من     حقوقهم الشخصية ضاعت وسط زحمة الأحداث العامة ، حيث كل شيء كان مؤجلاً ، كسباً للوقت ورغبة في إستتباب الوضع العام للبلاد .

 

هذه الخلفية السياسية هي التي قدمت المفتاح الرئيسي لحل مغاليق الحكاية ، وأجابت عنتلك الأسئلة التي كانت أجوبتها مبهمة في رأس الكاتب .

 

يقول دورفمان : ( ... وفيما أنا أرقب بدهشة لجنة التحقيق تلك ، وهي تقوم بإنجاز مهمتها الشاقة والشائكة ، بدأت أدرك شيئاً فشيئأً وببطء ، أنني أعثر أخيراً على الإجابة عن السؤال الملتبس للحكاية ، ذلك السؤال الذي ظل يدوي في رأسي لسنوات عديدة . وكانت الإجابة ، هي إن اعتقال المرأة للرجل الغريب في منزلها واخضاعه الى محاكمة شخصية ، لايمكن أن تتم في دولة يتربع على السلطة فيها دكتاتور ، كما حدث في زمن تلك الحادثة التي قرأتها في تلك الصحيفة ، بل في دولة هي في مرحلة إنتقال إلى الديموقراطية ، حيث جراح الكثير من التشيليين لم تندمل بعد ، وحيث الكثير من الجناة مازالوا أحراراً يتساءلون برعب عن المصائر التي تنتظرهم فيما لو تم الكشف عن جرائمهم .

لقد أصبح واضحاً أن الطريقة التي يمكن أن نجعل فيها من زوج تلك المرأة التي تعرضت للأغتصاب والتعذيب ، يعيش حالة رهان مروعة ومربكة ، كونه زوجاً لتلك المرأة التي اعتقلت ذلك الرجل الغريب من جهة ، وفي نفس الوقت عضواً في لجنة التحقيق من جهة أخرى ! وهو الوضع المشابه إلى حد ما ن الى وضع المحامي العجوز الذي عينته الحكومة الجديدة لرئاسة هيئة التحقيق " ريتيج " في الواقع  ) .

 

لم يتطلب من دورفمان الوقت الطويل لإتخاذ قرار حاسم بشأن العمل ، وكان القرار ، هو أن الهدف كتابة نص مسرحي وليس رواية . وقد تم إنجاز" الموت والعذراء " عام 1991 وهو في نيويورك ، لكنه أرجأ إرسالها الى تشيلي ، خوفاً من الأستجابات السلبية التي قد تثيرها أسئلتها المعبئة بخيارات صعبة ،  وهي ذات الأسئلة التي كانت تسعى شخصياتها لأن تفهمها وتجيب على جملة منها ، والتي كان التشيليون يطرحونها على أنفسهم في السر ، ونادراً ماتجد من يرغب في طرحها علناً .

كيف يمكن للجلادين وضحاياهم العيش على أرض واحدة ؟

هل في الإمكان معافاة بلد قاسى صدمة القمع والكبت ، ومازال الخوف من إبداء الرأي سائداً في جنباته ؟

كيف يمكن الوصول إلى الحقيقة ، إذا كان الكذب قد أصبح عادة ؟

كيف يمكننا الإبقاء على الماضي حياً ، شرط أن لانكون سجناءه ؟ وكيف يمكننا أن ننسى ذلك الماضي دون المخاطرة بألا يتكرر في المستقبل ؟

ماهي عواقب كبح صورة ذلك الماضي ، وثمة حقيقة تهمس في آذاننا أو تنبح في وجوهنا ؟

هل من المنطقي أن نضحي بالحقيقة ، لكي نضمن الطمأنينة والأمن ؟

هل الناس أحرار حقاً في بحثهم عن العدالة والمساواة ، وتهديدات العسكر تلازمهم كالوسواس ؟

هل يمكن تجنب العنف في البلاد في ظروف كهذه ؟ وكم نحن ، جميعاً ، ودون إستثناء ، مذنبون إزاء ماحدث لأولئك الذين قاسوا أكثر من غيرهم ؟

ومن المحتمل أن المأزق الأكبرهو ، كيف يمكننا مواجهة كل هذه المشاكل ، دون أن يؤثر ذلك في تقويض الإجماع العام ن ذلك الذي يرسخ الأستقرار للمضي في تحقيق الديموقراطية ؟

 

كتب دورفمان يومها : " كنت أدرك جيداً أنني سأ نتقد بضراوة من قبل البعض في بلادي لأنني " هززت القارب بقوة " عبر تذكيري الناس بوقع الإرهاب والعنف الذي قاسوه طوال تلك الفترة الطويلة ، في وقت مطلوب منا جميعاً أن نكون حذرين الى حد كبير .

لقد شعرت على أي حال ، أنني كمواطن ن ينبغي علي أن أتحلى بروح عالية للمسؤولية ، وكفنان ، علي أن أجيب على النداء المروّع  والعاصف لشخصياتي ، وأن أحطم ذلك الصمت الذي كان يلقي بثقله على كاهلهم . كنت أتأمل من كان يتابع كتاباتي بوّد من الأصدقاء ، وخوفهم الجميل من أنني ، ربما ، أسهم ومن دون قصد ن في خلق مأزق لتلك الديموقراطية الهشة . لكنني كنت على يقين من قبل ، وزاد الآن يقيني أكثر من أي وقت مضى ، بأن الديموقراطية الهشة تتصلب ويقوى عودها ، عبر المكاشفات وإتباع نهج المصارحة والوضوح ، لكي يرى الجميع  كيف ستتفتح وتزهرالأعمال الدرامية العميقة الرؤى ، ويرى أيضاً الأحزان العميقة والآمال الكبيرة ، تلك التي تشكل جميعها مرتكزات وجود صلبة للديموقراطية .

بهذه الطريقة فقط ، وليس عبر جلد الذات ، نستطيع أن نتفادى تكرار ماحدث لنا .. " 

 

( هواجس الكاتب .. هواجس الشخصيات .. )

 

إن موضوع " الذاكرة " يكاد يشكل هاجساً دائماً لدورفمان ولشخصياته . الذاكرة التي تستعيد ماضي بلد جريح مثل تشيلي ، مجسداً بشكل كوابيس في النوم ووساوس في اليقظة ، والتي تلازم ضحايا الأمس ، أولئك الذين نجوا من الموت ، بشكل دائم . أما " الخوف " فهو يشكل موضوعاً جوهرياً في البناء الإجتماعي والسيكولوجي لشخصيات الكاتب . إنه يجري في عروقهم ، يؤرقهم ، ويشل حيواتهم .

فإذا كان ذلك الخوف يتشظى في الماضي سراً ، فقد أصبح في الحاضر معلناً ، لدرجة الخشية من أن يتحول الى تأريخ رسمي للبلاد ، ومن الممكن جداً أن يقود إلى إعادة إنتاج مجتمع تمزقه النزاعات والحزازات ،  تلك التي يسعى الكاتب أصلاً إلى نسيانها .

 لايدعو دورفمان الى تكريس ذلك الخوف ، بل الى فهم مغزاه  وأبعاده ، كي لايتكرر في المستقبل .

 

موضوع " النسيان " هو أيضاً  هاجس آخر له وجوهه المتعددة لدى الكاتب . فوجهه الأول ، طوي صفحة ذلك الماضي والبدء من جديد ، حيث الناس يسعون إلى نسيان أوجاعهم ومخاوفهم والعنف الذي نزل بهم ، وثمة أسباب عديدة وراء الرغبة في ذلك النسيان ، سواء للناس الذين تعرضوا للإساءات أو للبعض ممن إرتكبها . هؤلاء يشعرون أن استعادة الماضي هو تحطيم لهم . إنهم يقولون أن ثمة مستقبلاً  ينتظرنا ، دعنا نطوي هذه الصفحة ، دعنا ننس ذلك ، دعنا نبدأ من جديد ، وهذا كله نعثر عليه ساطعاً في شخصية المحامي وعضو هيئة التحقيق جيراردو في " الموت والعذراء " وأيضاً في شخصية الكابتن في مسرحية " الأرامل " .

 

أما الوجه الثاني للنسيان فهو ذلك الذي يتعامل غالباً مع الناس الذين يخوضون نضالاً مسعوراً ضد من يريد إلغاءهم  وتهميشهم  وتجاهلهم ، بل وحتى محوهم من وجه الأرض . هؤلاء الناس ذاقوا جور الماضي ومرارته ، وخرجوا من تلك المحرقة مشوهين ومشوشين ، وحين استيقظوا على حاضر آخر جديد ، وجدوا أنفسهم منسيين مهمشين ، يسيرون على رصيف واحد وجلاديهم .

هذا مانعثر عليه بصورة جلية لا لبس فيها في شخصية باولينا في " الموت والعذراء " والرجال المفقودين في " الأرامل " .

 دورفمان يذهب أبعد من ذلك ، حين يضيف وجهاً ثالثاً لمغزى مفهوم النسيان وهو ذلك الذي  يتعلق بالهوية . فقد كتب يقول : 

" .. ومشكلة الذاكرة هي ليست مشكلة أننا نتذكر المخاوف التي مورست معنا وعلينا نسيانها ، بل تلك التي لها تأثير أيضاً على الهوية ، هويتنا التي فقدناها .

أين هويتنا ؟ علينا أن نفكر عميقاً وبدقة في هذا السؤال .

 

( الموت والعذراء )

 

شخصيات المسرحية :

ـ باولينا سالاس : الزوجة ( 40 عاماً ) .

ـ جيراردو إيسكوبار : الزوج ، محام ، عضو هيئة التحقيق . ( 45 عاماً ) .

ـ روبيرتو ميراندا : الطبيب ( 50 عاماً ) .

 

تجري أحداث المسرحية في زمننا الحالي ، في بلد هو على الأرجح " تشيلي "  أو أي بلد استيقظ تواً من كابوس الدكتاتورية ، وشرع  في بناء دولته الديموقراطية .

 

بيت صيفي على شاطىء البحر . باولينا تجلس وحيدة ، يعكس صخب موج البحر مايمور في أعماقها من أفكار وهموم ، وهي بانتظار قدوم زوجها من الأجتماع الذي دعي إليه من قبل الحكومة الجديدة  والمنعقد بشكل طارىء في العاصمة .

كانت باولينا قد تعرضت الى عملية خطف من قبل البوليس السري قبل خمسة عشر عاماً حين كانت طالبة في كلية الطب ، بسبب آرائها السياسية المناوئة للسلطة . حينها تعرضت الى التعذيب بالصدمات الكهربائية ، وجرى اغتصابها داخل زنزانتها بطريقة بشعة .

على الرغم من مرور كل هذه الفترة الطويلة على تلك الحادثة ، إلا إن آثار الصدمة مازال باقياً . 

باولينا هي الشخصية المركزيه في هذه الدراما ، فهي الضحية بأسطع صورها ، ضحية للنظام الدكتاتوري الوحشي القديم ، وضحية التهميش والتسويات السياسية للنظام الجديد .

إنها صورة مصغرة للكبت الإجتماعي والنفسي والسياسي ، مختزلاً في شخصية واحدة . ويمكن القول أنها ترميز لمجتمع كامل مختنق ، خرج تواً الى الهواء الطلق . 

يصل جيراردو في ساعة متأخرة من الليل ومعه رجل غريب يدعى الطبيب روبيرتو ميراندا الذي يوصله لغاية  منزله بعد العطل الذي أصاب عربته في الطريق العام . يغادر الطبيب روبيرتو بإتجاه منزله الساحلي على أمل العودة ثانية في الغد تلبية لدعوة جيراردو له على حضور وجبة غداء. 

الحوار الأستهلالي بين باولينا وجيراردو ، المتسم بالحذر والحدة والتراشق الخفي بالأتهامات ،   يكشف عن هوة سحيقة تفصل رؤى الزوجين . فعلى الرغم من حذره الشديد من  إخبارها في البدء بموافقته على القبول بترشيحه من قبل الرئيس ، بمنصبه الجديد ، عضواً  في هيئة التحقيق ، إلا إن باولينا ضمناً تتكهن بذلك ، فيضطر هو بدافع من إصرارها أن يعلن لها عن موافقته تلك ، وهذا ماسيخلق الأرضية الخصبة لنمو النزاع  للمعركة القادمة . 

مشكلة باولينا إزاء جيراردو هي أنها غيرواثقة من صدق وحسن نوايا أعضاء هيئة التحقيق الذين سينتسب إليهم زوجها ، بسبب تبعية الكثير منهم إلى النظام القضائي القديم . وهي أيضاً  ليست مؤمنة بالإجراءات القانونية الجديدة أصلاً ، تلك التي تتعامل فقط  مع ملفات الموتى من ضحايا النظام الفاشي ، دون الأحياء منهم ،  ناهيك عن عدم كشفهم لأسماء المجرمين أو محاكمتهم علناً .

 أما جيراردو فعلى النقيض منها ، يرى في تلك الإجراءات سبيلاً وحيداً للحفاظ على النظام الجديد من الإنهيار . فهو ، كمحام ، عليه أن ينخل تراب أنقاض الدكتاتورية البشعة ، قبل اتخاذ أي قرار .

هدفه هو إشاعة الأمن والطمأنينة في نفوس الناس ، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة !! .

صحيح ، أنه كمحام وشخص قاسى لوعة الإستبداد ، يسعى الى تطبيق العدالة ، لكنه في نفس الوقت ، يستميت من أجل الحفاظ على الزورق من الغرق . أما باولينا فإن جل ماتسعى إليه الآن ، أكثر من أي وقت مضى ، هو الخروج من صمتها المهلك ، والمطالبة بتطبيق العدالة بحق مجرمي الأمس .

من هنا تبدأ الهوة تتسع أكثر فأكثر  بين تلك الرؤيتين ، بين وجهتي النظرالراديكالية والتوفيقية لمفهوم العدالة . 

فجأة تُسمع طرقات على الباب في آخرة الليل . الطبيب روبيرتو ثانية ، عاد لتهنئة جيراردو على منصبه الجديد بعد أن استمع اليه تواً في المذياع  عبرأخبار المساء ، وعرف أيضاً أن لدى جيراردو اجتماعا مهماًً في الغد في العاصمة ، عندذاك يبادر في عرض مساعدته ثانية على جيراردو بأن يوصله الى العاصمة بسبب عطل سيارة هذا الأخير . والنتيجة ، يبقى روبيرتو ليبيت في المنزل بعد إلحاح من جيراردو ، لكي ينطلقا سوية في الغد إلى العاصمة .

 وهكذا تجتمع الشخصيات الثلاث ، في هذا المكان المنعزل الشبيه بسجن صحراوي ، لتشكل الأعمدة الأساسية الثلاثة التي سيرتكز عليها بناء المسرحية ، ولتمضي الدراما قدماً نحو الأمام . 

إن إقتحام روبيرتو لهذا المنزل المنعزل في آخرة الليل وبهذه الطريقة ، أثار الريبة والخوف في نفس باولينا ، التي هي مازالت تحت تأثير تلك  الصدمة التي حدثت لها في الماضي ، حيث يرافقها هاجس دائم بتهديد مبهم يمكن أن يداهمها في أية لحظة ، ناهيك عن أن أزلام السلطة مازالوا طليقين .

فجأة ، وفيما هي تنصت للحديث الذي يدور بين زوجها والرجل الغريب ، تصيبها حالة ذعر مفاجئة أشبه بصدمة كهربائية .  فنبرات صوته ، وطريقة ضحكته ، واستخدامه لبعض المفردات ، واستشهاداته المتكررة بنيتشة ، وعشقه الهائل لرباعية شوبرت " الموت والعذراء "  كل ذلك ، أومض في رأسها كالبرق صورة جلادها القديم وهو يحل ضيفاً في بيتها . وهكذا تبدأ في اتخاذ الأستعدادات الكاملة لإنجازتلك المهمة التي كانت  تنتظرها منذ زمن طويل .  

تنطفىء الأنوار ويرقد الجميع فيما يعلو صخب الأمواج في الخارج . 

تتسلل باولينا كالشبح الى غرفة الطبيب روبيرتو ، لتظهر بعد قليل وسط العتمة وهي تجرجر جسده على الأرض ، مغمى عليه إثرضربة تلقاها على رأسه بعقب مسدسها . حين يجرب أن يصرخ ، تسارع  وتخلع سروالها الداخلي وتكمم به فمه وتغلقه بشريط لاصق ، ثم تربط قدميه وذراعيه وتشدهما الى الكرسي . تلتقط  بعجالة مفاتيح سيارته وتهبط إلى الطريق العام لتحجز تاكسي من التلفون العمومي ، لينقل زوجها الى العاصمة صباحاً . وحين تفتح باب السيارة تعثر وبالصدفة داخل الصندوق الأمامي على شريط كاسيت لرباعية شوبرت " الموت والعذراء " تلك الرباعية التي كان يستمع إليها جلادها لحظة تعذيبها واغتصابها في السجن ! .

شهادة واحدة وتكتمل دائرة اليقين في أن الرهينة هو الرجل نفسه . تفك أزرار قميصه وتبدأ في شم رائحة جسده ، فتصرخ دون صوت ، إنه هو !  فتكتمل تلك الدائرة في مخيلتها .  

  

إن صورة الطبيب وهو قادم ليدخل المصيدة بنفسه ،  تتماهى هنا الى حد ما ، و صورة البطل التراجيدي  في الإسطورة الإغريقية ، ذلك الذي يكون مدفوعاً بقدر حتمي نحو مصيره . 

والآن . هل حقا ، إن الطبيب روبيرتو هو نفس الرجل الذي أشرف على تعذيبها وإغتصابها في

السجن ، أم هو مجرد استجابة مرضية للوساوس التي تنخر في عقلها الباطن ، والذي هو بمثابة المعادل السيكولوجي لصدمة الخوف والعنف الذي قاسته باولينا في الماضي ؟

باولينا ، في حالتها السيكوباثية تلك التي رسمها لها المؤلف ، يمكن أن يدفعها سلوكها العصابي إلى اتهام أي شخص عابر معتبرة إياه جلادها أو مغتصبها . وهذا مايرد على لسان الطبيب روبيرتو وهو يشخص لزوجها نوعاً من الشيزوفرينيا البدائية في سلوكها المضطرب . 

المؤلف هنا لايقدم أية تلميحات عن ماضي هذا الرجل وتأريخه ، ربما لأنه أراد أن يدخلنا دائرة الشك قبل أن نسارع  ونتعاطف وباولينا ، وهذا مادفع بالحبكة بقوة الى الأمام .

 وإيغالاً في خلق الحيرة فينا ، أظهره  لنا في حديثه وسلوكه مع جيراردو ، رجلاً دمثا ًرقيقاً يمتلك روح الإيثار ، ومن الممكن جداً أن يكون بريئاً . أما مواقفه السياسية إزاء مايجري من تغييرات ، فقد أثبتت آراؤه أنه واحد من المثقفين المتنورين والمؤيدين للإجراءات الجديدة للحكومة ، وذلك من خلال  إشادته  بتشكيل هيئة التحقيق تلك ، وزعمه أنها ستنهي فصلاً مؤلماً من تأريخ العنف في البلاد ، وستغلق الباب بوجه الخلافات والتقسيمات التي حدثت في الماضي الخ ..

وهكذا يظل دورفمان مبقياً على هذه الشخصية حتى النهاية ، غائمة ومبهمة تتأرجح بين الواقع والخيال ، وهذا ربما السر وراء تعقيد حبكة هذه الدراما .

 حين يسري اليقين في أوصال باولينا بأن خطواتها الإستكشافية تسير على نحو موصول بشكل صحيح ، تتحول فجأة إلى شخصية إقتحامية وعدوانية ، وتهجم على فريستها مثل نمرة متوحشة .

إنها إزاء فرصة كهذه ، ليس أمامها خيار آخر سوى أن تقوم هي بنفسها في تطبيق العدالة التي عجزت السلطة الجديدة عن تطبيقها . وهكذا تبدأ في ممارسة طقس الحرية الذي تنشد من خلال استجواباتها المربكة والملتبسة ، وهي تلعب دور الضحية والحَكم في آن .

إلا أن إستجوابات المؤلف هنا تتجاوز حدود الشخصي ، لتطال الحقيقة بل اللغة نفسها ، فتغيم المسافات مابين الذاتي والموضوعي ، بين الأخلاقي والسياسي ، ويمتزج كل شيء في بوتقة واحدة .  

هذه التركيبة الدرامية تجد لها تعبيراً ساطعاً في ذلك المزج الدقيق الرائع  بين الولاءات الشخصية والوقائع السياسية والمشكل الأخلاقي ، ذلك الذي  يمكننا أن نعثر عليه واضح بجلاء في أعمال كانت تنضوي تحت ما اصطلح على تسميته بـ " دراما المشكلة " في نتاجات جان بول سارتر وهارولد بنتر ، وفي مسرحية " البوتقة " لآرثر ميللر على وجه الخصوص ، في معالجتها للمكارثية .

 على أن الشيء الجديد في المسرحية ، والذي يكاد يكون مصدر قوتها ، هو تعقيد حبكتها كما أشرت من قبل ، فعلى الرغم من واقعية الأحداث والشخصيات ، إلا أن المسرحية تترك إنطباعاً واضحاً ، من زاوية أخرى  بأنها ليست واقعية .     

 إن دعوة باولينا الأخلاقية لقيام عدالة حقيقية ، تقودها إلى نزاع من نوع جديد . فتصبح دعوتها تلك نوعاً من التحدي لمجتمع لايؤمن إلا بعدالة التسويات والحلول الوسطية .

باولينا ، بمغزى أعمق ، يمكن أن تكون ترميزاً للديموقراطية وهي في دور النقاهة .

 دورفمان نفسه ، كان يدرك جيداً أن الديموقراطية الناشئة تواً ، تكون عادة هشة ، وهي دائماً محفوفة بالمخاطر والتناقضات ، ومسرحيته هذه ماهي إلا مناظرة مدروسة ، أكثر منها جدلاً عدوانياً عنيفاً .

 حين يستيقظ جيراردو ويرى مشهد الدكتور وهو مقيد الى الكرسي وفمه مكمّم ، يُصعق . فهو إزاء وضع كهذا ، عليه أن يوفق ما بين عاطفته كزوج ، وواجبه كرجل قانون ، وأن يعثر على حلول منطقية تستجيب لروح التسوية التي تسم شخصيته . فهو لايستطيع رؤية زوجته وهي تسعى لإدامة وتكرار نهج من آذوها ، على الرغم من أنه يدرك ضمناً أن حاجتها لتطبيق العدالة بحق الجناة ، تتطابق تماماً وحاجة معظم الناس الذين تعرضوا للأذى .

ومن أجل حل هذه المعضلة يلجأ الكاتب الى حل غرائبي ، عبر مكيدة بيضاء يحيلها لبطله جيراردو " رمز السلطة الجديدة " لأن يمارس سحره التوفيقي ، وهو حل افتراضي خاضع لرؤية افتراضية بالطبع .

فلأجل إنقاذ حياة الطبيب من موت أصبح  محتوماً ، من جانب ، ولتحقيق رغبة باولينا في إرساء مفهوم صائب للعدالة من جانب آخر ، ينجح في إقناع  روبيرتو في القيام بإعتراف ملفق بتلك الجريمة ، بعد أن يسرد له تفاصيل ماضي زوجته . وهكذا تبدأ اللعبة لتستأنف حتى الفجر .

 في مشهد المحاكمة ، والذي سيتواصل تواتره حتى ختام المسرحية ، تتحول باولينا من ضحية إلى مستبد ، فالأستجواب يتحول لديها بالتدريج من مجرد متابعة لحيثيات القضية إلى نوع  من الأستمتاع السادي . والنتيجة ، أنها وعبر تداعياتها للحادثة ، تنتزع منه عنوة ، رغم موافقته الأولية ، على اعتراف كامل بالجريمة ، مدوناً بخط  يده ومسجلاً على شريط صوتي .

 دورفمان يعالج تداعيات هذا المشهد بإسلوب تغريبي ، وذلك حين يجعل من باولينا  تعيد تمثيل ماحدث لها في الماضي ، فتقوم بلعب دور الطبيب الذي كان يشرف على تعذيبها ، ودور مساعده الذي يقوم باغتصابها بأوامر منه ، مستخدمة شريط الكاسيت الذي جلبته من سيارته ، لتكون موسيقى سيمفونية " الموت والعذراء " خلفية صوتية للمشهد .

هكذا يتوضح هدف المؤلف في أنه يسعى لأن يروي  قصة ماض حزين لإمرأة تريد أن ترفع عن كاهلها ثقل  ذلك الكابوس ، الذي ظل يلازمها سنين طويلة ، عبر استدعائها ذلك الماضي وجلبه إلى منطقة الضوء  من جديد .

 الأغتصاب الذي تعرضت له باولينا في الماضي يتخذ له شكلاً ترميزياً أعمق من كونه مجرد إعتداء عادي على فتاة شابة ، فهي حين تطلب من زوجها أن يقوم باغتصاب الطبيب روبيرتو أثناء المحاكمة وأمام عينيها ، فإن الإغتصاب هنا لايعني بالضبط  مجرد اعتداء جسدي أو جنسي ، بل  يتخذ له ملمحاً رمزياً ودلالياً آخر ، من الممكن أن يمثل لباولينا نوعاً من الأنتصار على سلطة القمع والعنف تلك ، ذلك إن الأغتصاب الذي تعرضت له يعكس الصورة البشعة للسلطة ، بجبروتها واستبدادها وعنفها إزاء الفكر والوجود الإنساني . 

حين ينتهي إعتراف روبيرتو ويُسجل على شريط كاسيت ليصبح وثيقة دامغة ضده ن يتقدم جيراردو لتحريره من قيده ، بعد أن أيقن أن اللعبة قد انتهت ، إلا أنه يفاجىء باشارة تهديد من باولينا تطالبه بمغادرة المنزل ، حيث تنتظره التاكسي في الخارج لتنقله الى العاصمة .  

حين يخسر أوراق اللعب ، وتبقى في يده ورقة واحدة أخيرة ، يكشف روبيرتو لها  سر مزحة الإعتراف الملفق ، لكنها تنفجر بوجهه مسعورة  ساخرة ، مخبرة إياه أنها كانت على اطلاع  بتلك المزحة الغبية ، والتي لم تُنجز بشكل دقيق على حد قولها ، فقد ذكر لها في اعترافه أشياء لم تكن هي قد أخبرت زوجها بها قط من قبل ، وهي أشياء حدثت معها حقيقة في السجن ! وهذه شهادة أخرى ضده .  

ومع ذلك ، فإن باولينا وبعد أن تحررت من صمتها ونطقت كلمتها التي تريد ، وهي تفرغ كل تلك الشحنات التي كانت تمور في أعماقها ، يتغير فيها الكثير ، وتبتدأ تستعيد شيء من توازنها وبعض من عافيتها ، عندذاك تقرر وبشكل مفاجىء ، العدول عن قتله ، وتتعهد له أن تطلق سراحه ، شرط أن يعلن وبصوت عال توبتة وندمه ، طالباً الصفح ، إلا أنها تفاجىء بالصمت ، صمته المطبق !!

وفجأة ، تنطفىء أنوار المسرح ..

 

مشهد الختام

 

يحضرالثلاثة حفلاً موسيقياً في قاعة كبيرة ، يفترضها المؤلف قاعة عرض المسرحية نفسها .

جيراردو وباولينا يجلسان على مقعديهما جنباً الى جنب ، فيما يجلس روبيرتو بعيداً على أحد المقاعد ، يتبادل النظرات وباولينا بخلسة واحتراس على إيقاع نغمات سمفونية " الموت والعذراء " التي تعزفها الفرقة الموسيقية ..

تهبط  من بعد ، وبهدوء ، من أعلى المسرح ستارة ، هي عبارة عن مرآة بلاستيكية  ضخمة .

تتوهج فجأة أنوار القاعة ، فتنعكس وجوه المتفرجين على صفحة المرآة ، فينبثق  حينها سؤال الخاتمة ، السؤال الأصعب والأشمل وهو  : من نحن من بين هؤلاء الثلاثة !؟ .

دورفمان لايريد أن يكون صوتاً بديلاً لصوت شخصياته . فهو بصفته كاتباً يمنح تلك الأصوات الفرصة والمصداقية كاملة ، يمنحهم فسحة من الحرية ليقولوا كلمتهم ، والأكثر من ذلك ، أنه  يشيّد فيما بينهم جسوراً لكي يلتقوا ويتحاوروا .

إن المحاكم التي يقيمها المؤلف هي بمثابة منابر أخلاقية تتعامل مع الحقيقة والضمير الإنساني . أما عقوباته  فهي تبتعد عن مدلولها المادي  والواقعي ، ذلك المتمثل بالسجن أو الموت ، وتتخذ لها دلالات رمزية ،  تلامس  شغاف القلب والروح ووخز الضمير ،  وتهدف إلى نوع  من التطهير . عقوبات  ليست أكثر من إحساس الجاني بفداحة جريمته إزاء ضحيته  وأخيه الإنسان ، وشعوره بالأسف والتوبة والندم على  تلك الخطيئة ، ومن ثم ، طلبه الصفح من الضحية .

إن مأزق باولينا هو مأزق جميع الناس الذين قمعت أصواتهم ، والذين يطلق عليهم دورفمان مجازاً

بـ " المناطق الخاضعة للرقابة " .

لذا فالكاتب يدعو في العهد الديموقراطي الجديد ، تلك الأصوات التي تعرضت إلى عمليات قمع وكبت وتعذيب في عهد الدكتاتور ، إلى الخروج الى النور ، إلى البوح  بكل شيء ، جهاراً  ودون تردد أو خوف .  

كتب يومها دورفمان : " ... إن الكثير من الناس الذين تعرضوا للتعذيب لديهم قصصهم المكبوتة ، تلك التي لم تُحكَ بعد . أعرف أن التعذيب هو الجريمة الأولى ، نعم ، لكنني أؤكد أن الجريمة الأكثر بشاعة هي الصمت !! .

بصفتي كاتباً ، يقلقني جداً هذا الصمت ، وأستطيع عمل الكثير بشأنه .. "  .

 وهكذا أصبح دورفمان حقاً ، راوياً لتلك الأحداث التراجيدية . ففي عالمه التخييلي يصبح فن القص أو سرد الحكاية ، هو شكل من أشكال الحرية ، فيما الصمت هو شكل من أشكال العبودية .

 المسرحية لم تكن تحكي فقط عن بلده تشيلي ، أو أي بلد عانى ويعاني الخوف وهو بحاجة قصوى لمعرفة مغزى ذلك الخوف وآثاره . ليس فقط عن التأثيرات الطويلة الأمد للتعذيب والقمع والعنف الذي مورس على الناس وعلى  أوطانهم الجميلة ، بل أيضاً عن موضوعات أخرى كانت وماتزال تقلق دورفمان ، وتستحوذ على تفكيره بشكل مستمر :

ماذا يحدث مثلاً لو أن النساء تسلمن زمام السلطة ؟

كيف يمكنك قول الحقيقة إذا كان القناع الذي ترتديه يتطابق تماماً مع وجهك  كيف يمكن للذاكرة أن تضللنا ، وفي نفس الوقت ، تهدينا وتنقذنا ؟

كيف يمكننا أن نحتفظ ببراء تنا ونحن نتذوق طعام الشيطان ؟

كيف يمكن الصفح عن أولئك الذين آذونا بشكل يتعذر نسيانه ؟

كيف يمكننا العثور على لغة سياسية طازجة تنأى عن الشعاراتية القاتلة ؟

كيف يمكن حكاية القصص التي هي على حد سواء ، مألوفة وملتبسة ،

قصص يدركها جمهور واسع من الناس ،  قصص ماتزال تتضمن طرائق تجريبية ، قصص تعالج موضوعات خرافية ، وإنسانية مباشرة ، أيضاً ؟

 الموت والعذراء تتحدث بلغة سياسية طازجة ، وبانفعال حاد ذي مغزى ، عن تأريخ يتجاوز تخوم الأحداث الآنية ، أو تلك الخسارات الشخصية التي عادة ماترافق التغييرات السياسية المفاجئة .

في هذا الكوكب العجيب حيث تسود القوة ، من الممكن جداً أن سكنته لايستطيعون حقاً معرفة ما حدث لهم ، لكن من المحتمل جداً أن بإمكانهم سرد قصصهم وعذاباتهم في الأقل .

بهذا المعنى ، تصبح هذه المسرحية ابنة زمنها .. 

 

        ( شخصيات المسرحية )

باولينا سالاس :  الزوجة  (40 عاماً )

جيراردو إيسكوبار : الزوج ـ محام - ( 45 عاماً )

روبيرتو ميراندا : الطبيب ( 50 عاماً )

 تجري أحداث المسرحية في زمننا الحالي ، في بلد هو على الأرجح " تشيلي "  أو أيّ  بلد استيقظ  تواً من كابوس الدكتاتورية الثقيل ، وشرع  في بناء دولته الديموقراطية .

 

( الفصل الأول )

 

" المشهد الأول "

 

( صوت البحر بعد منتصف الليل ..

بيت جيراردو إيسكوبار الصيفي ، تطل شرفتة على ساحل البحر من الجانب الخلفي  للمسرح .

غرفة واسعة تحتل الجزء الأمامي للمسرح ، هي بمثابة غرفة طعام واستقبال في آن ، تحوي مائدة مجهزة بالطعام  وضع حولها كرسّيان .

بوفيه وضع فوقها جهاز تسجيل ومصباح كهربائي .

شبّاك تتطاير ستائره بفعل الريح ، يفصل ما بين الشرفة وغرفة الطعام ـ الأستقبال .

باولينا تجلس وحيدة في الشرفة ، تبدو كما لو أنها  كانت تحتسي شراباً تحت ضوء القمر ..

صوت سيارة يُسمع من بعيد .

تنهض مسرعة بأتجاه الغرفة الأخرى . تتوقف لتتطلع إلى الخارج من خلال النافذة .

ترشق اضاءة  المصابيح الأمامية للسيارة ، غرفة الاستقبال والطعام ، فتحني باولينا رأسها وجسدها ، حتى تبدو هيئتها أشبه بجنين في رحم .

تتوقف السيارة فيما يظل محّركها يشتغل .

وهج ضوء مصابيح السيارة يضايق باولينا . تلتفت نحو البوفيه ، ثم تتحرك نحوها . تفتح درج البوفيه وتخرج منه  مسدساً .  فجأة ، يتوقف محرك السيارة . تتوقف باولينا وهي تصغي إلى الأصوات القادمة من الخارج ، فتميّز حالاً صوت زوجها وهو يتحدث إلى شخص ما .. ) .

 

جيراردو : ( يُسمع صوته من بعيد ) تفضّل ، أرجوك .  أوه ، لماذا ؟  ؟ هيا ، أرجوك ، كأس واحدة فقط ( جواب غير مسموع ) .. حسنٌ إذاً ، سنلتق قبيل مغادرتي . ها ، أنا سأغادر يوم الإثنين . . فما رأيك بـ .. يوم الأحد ؟ . ( جواب غير مسموع ) ستشرب معنا كوكتيل المارغريتا* وهو من صنع زوجتي ، سيقف شعر رأسك لمذاقه . أريد أن تعرف يادكتور ..

أوه ، لا أعرف حقا كيف أعّبر لك عن شكري ..

( جواب غير مسموع ) .. إذن ، إلى يوم الأحد.. ( يضحك )

( باولينا تخفي المسدس ، ثم تقف خلف الستائر . تغادر السيارة المكان فيرشق ضوء

  مصابيحها الغرفة ثانية . يدخل جيراردو )

جيراردو : باولينا ؟ باولينا ؟

( يراها وهي مختبئة خلف الستائر . يفتح الضوء ، فتخرج ببطء من بين تلك الستائر )

باولينا !  ماذا تفعلين هناك ؟  أوه ، هل أنت خا .. ؟

أوه ، أعذريني لأنني تأخرت ...

باولينا : ( تحاول اخفاء هيجانها ) ومن كان معك ؟

جيراردو : لا ، لا ، لاتقلقي ، إنه .. ( تقاطعه بحدة )

باولينا : من ؟

جيراردو : إنه ، أوه باولينا لاتقلقي ، لاشيء ، السيارة عطلت في الطريق وو .. ولحسن الحظ أن الرجل توقّف و .. تصوري ،  انفجر إطار سيارتي وسط الطريق  وو. . باولينا ، أنا لا أستطيع رؤية أيّ شيء بدون ..

( يفتح ضوء المصباح الآخر ، فيرى مائدة الطعام جاهزة )

أوه ، ماهذا ؟ حبيبتي المسكينة . لابدّ أنه أصبح بارداً الآن ، أليس كذلك ؟

 

باولينا : ( بهدوء تام ) بإمكاننا تسخينه ، طالما ان هناك شيء ما سنحتفل من أجله .

                             ( وقفة قصيرة ) 

جيراردو ( تتطلع في وجهه ) مظهرك يوحي أن لديك مفاجئة ، ها ، شيئاً ما تريد أن نحتفل من أجله ، أليس كذلك ؟

جيراردو: ذلك يتوقف عليك . ( وقفة قصيرة . يخرج من جيبه مسماراً كبيرا ويخفيه في كفه )

أحزري ماهذا ؟

باولينا : ماهذا ؟

جيراردو : هذا من كان ينتظرني بلهفة وشوق وسط الطريق . ( يفتح كفه ويريها المسمار ) إبن الزنا هذا ، هو من ثقب لي إطار السيارة . فتحت الصندوق الخلفي لأستبدل الاطار ، فاذا بالاطار الاحتياطي هو الآخر مثقوب  ، ها .. والآن ، ماذا كان يحدث لو أن زوجتي الحبيبة تذكرّت بأنه مثقوب ، وسارعت الى تصليحه ، قبل أن .. ؟

باولينا : الزوجة ، الزوجة .  على الزوجة دائما أن تصلح كل شيء . جيراردو ، كان عليك أن تصلحه بنفسك ، و ...

جيراردو : أوه ، باولينا ، أرجوك ، لاتبدأي . ليس لديّ مزاج للجدال ،  أنا متعب جداً صدقيني .

لقد سبق أن اتفقنا على أن ..

باولينا : اتفقنا على ماذا ؟ كان يفترض بك أن تصلح الأطار بنفسك وانتهى الأمر . أنا مسؤولة عن شؤون البيت ، وأنت ..

جيراردو : أوه ، باولينا ..

باولينا : سيارتك في الأقل .

جيراردو : أوه ، أنت دائماً تتذمرين .

باولينا : أنا لم أتذمر مطلقاً .

جيراردو : كفى ، كفى  أرجوك . هذا نقاش عقيم . ( وقفة صمت قصيرة )

باولينا ، لماذا نحن نتشاجر ؟ لقد نسيت حقاً عن أي شيء كنا ...

باولينا : نحن لانتشاجر ياعزيزي . اتهمتني أنت ، بأنني لم أصلح إطارك الأحتياطي ...

جيراردو :        إطاري الأحتياطي ؟

باولينا : .. وأنا أجبتك بشكل منطقي إنني ..

جيراردو : إنتظري ، انتظري لحظة .. قلت أنك لم تصلحي اطاري الاحتياطي.. تقصدين ، إطارنا الأحتياطي . نعم ، نعم ، نعم ، ذلك هو الذي فتح باب النقاش . أوه ، ومع ذلك ، هناك قضية أخرى .. مسألة صغيرة ..  تتعلق بـ .. بـ .. الرافعة ...

باولينا : الرافعة !  .. أية رافعة ؟

جيراردو : آه ، أية رافعة ؟ رافعة السيارة ، الرافعة التي أرفع بها ( ... ) لم أعثر عليها في الصندوق الخلفي . أين وضعتها ؟

باولينا : آه ، أعطيتها لوالدتي .

جيراردو : ( يسحب ذراعيه منها ) ماذا ! أعطيتها لوالدتك ؟ أعطيت .. الرافعة .. لوالدتك ؟

باولينا : حسنا ، أعرتها لها . نعم .

جيراردو : وهل أستطيع معرفة السبب ؟

باولينا : بالطبع . كانت بحاجة اليها .

جيراردو : وأنا ؟ آه ، باولينا ، حبيبتي ، ليس من عادتك القيام بمثل هذه الأشياء ..

باولينا :  جيراردو ، والدتي سافرت إلى الجنوب ، وكانت فعلاً بحاجة إليها ، أما أنت ..

جيراردو : أما أنا فلأذهب الى الجحيم .

باولينا : كلا.

جيراردو : نعم . هل تعرفين بأنني استلمت برقية عاجلة من الرئيس يطلب فيها مني الذهاب إلى مركز المدينة لحضور اجتماع .

باولينا : اجتماع ؟

جيراردو : نعم اجتماع ، وهو اجتماع مهم ، بل هو أهّم اجتماع في حياتي . و ..

باولينا : وماذا ؟

جيراردو : وكان ابن الزنا هذا ( يشير الى المسمار ) مستلقياً وسط الطريق في انتظاري . من حسن الحظ أن ذلك قد حدث أثناء عودتي الى البيت وليس في طريقي الى المدينة لحضور الأجتماع .

المهم ، عطلت السيارة وسط ذلك الطريق الملعون دون اطار إحتياطي ودون رافعة .

باولينا : كنت أحدس أنك ستجد أحداً ما ليساعدك .

هل كانت جميلة ، هه ؟  كانت جذابّة ، أليس كذلك ؟

جيراردو : أوه ، باولينا ، لقد أخبرتك توا أنه رجل .

باولينا : لم تخبرني بذلك .

جيراردو : باولينا ، لماذا تظنين دائماً أن هناك امرأة...

باولينا : لماذا . حقاً ، لماذا ؟ أنا نفسي لا أستطيع معرفة السبب ؟

( وقفة قصيرة ) وهل كان الرجل الذي (... ) لطيفاً ؟

جيراردو :انسان رائع . من حسن حظيّ أنه ..

باولينا : أرأيت ؟ أنت دائماً قادر على ادارة الامور بحيث تصبح في النهاية لصالحك ..

أمّا والدتي ، فتأكّد لو حدث لها ماحدث لك فانها سوف لن تظنه مسماراً بل .. أنت تعرفها جيداً كيف تنجذب كالمغنطيس نحو المواقف المشؤومة ..

جيراردو : آه ، لايمكنك ان تتخيلي النشوة التي كنت سأشعر بها وأنا أتأمل أمك وهي

تستكشف الجنوب مع رافعتي دون أن يقلقها شيء اطلاقاً ، فيما أنا عالق وسط الطريق لساعات ...

باولينا : جيراردو ، لاتبالغ ...

جيراردو : خمس وأربعون دقيقة . خمس وأربعون . كانت السيارات تتخاطف على جانبي كما لو أنني أرتدي طاقية اخفاء . ماذا أفعل !! .. أتعرفين أخيراً ماذا فعلت ؟ بدأت أحرّك ذراعاي هكذا ، مثل طاحونة هوائية ، نعم ، هكذا ، لأرى هل .. لكن عبثاً .  فكرت حينها ، قلت مع نفسي ، ماالذي يحدث ؟ هل فقد  الناس أحاسيسهم حقاً ؟

أين ذهب ذلك التضامن الإنساني في هذا البلد ؟ لكن ، فجأة ، ومن حسن الحظ ، ظهر لي هذا الرجل مثل ملاك ، نعم ، ملاك اسمه روبيرتو ، روبيرتو ميراندا ..

على فكرة ، باولينا ، قبل أن أنسى باولينا ، لقد دعوته الى ..

باولينا : سمعتك .

جيراردو : عظيم ، ومارأيك في يوم الأحد ؟

باولينا : جيد .

                   ( وقفة قصيرة )

جيراردو : وبما إننا مضطرين إلى العودة إلى المدينة يوم الإثنين ، في الأقل أنا ، أظن أنك أيضاً تريدين العودة معي ، هه ..

باولينا : إذاً ، الرئيس هو الذي قام  بتعيينك ؟

                                          ( وقفة قصيرة ) 

 

جيراردو : نعم .

باولينا : معنى ذلك أنك وصلت إلى قمة مجدك .

جيراردو : لا ، لا ، لا ، أنا لاأسميها قمة . رغم أنني أصغر جميع المرشحين سناً .

باولينا : صحيح . إذن ستصبح وزيراً للعدل في السنوات القليلة القادمة  . حينها تكون قد قفزت إلى أعلى القمة . هه ؟

جيراردو : إن ذلك الأمر لا يتوقف عليّ  بالتأكيد.. 

باولينا : وهل أخبرته بذلك ؟

جيراردو : من ؟

باولينا : ملاكك الطيب .

جيراردو : تقصدين روبيرتو ميراندا ؟  أوه ، كيف أخبره . لقد تعّرفت عليه تواً . ثم ، إنني لم أقرر بعد حتى الآن سواء ...

باولينا : لقد قررت كل شيء جيراردو .

جيراردو : كلا ، كلا ، أخبرته .. قلت له أنني سأعطيه الجواب في الغد . نعم ، و .. وقلت له أنني أشعر بالفخر أن تمنحي هذا المنصب ، وأن ذلك هو بمثابة وسام شرف لي ، نعم ، لكنني

بحاجة إلى ...

باولينا :  قلت ذلك للرئيس ؟

جيراردو : نعم ، قلت له إنني بحاجة إلى وقت لأفكر في الموضوع ..

باولينا : أيّ موضوع جيراردو . لقد اتخذت قرارك وانتهى الأمر .

أليس هذا هو ما كنت تسعى إليه طوال كل تلك السنوات ، فلماذا تتظاهر أنك ... ؟

جيراردو : لأنني .. لأنني ، وقبل كل شيء ، باولينا ، أنتظر الاشارة الأخيرة منك . أقصد ،

موافقتك . أنتظرك أنت أن تقولي " نعم " .

باولينا : حسنا إذن ، نعم .

جيراردو : كلا ، هذه ليست " نعم " التي أنتظرها .

باولينا : وهذه هي " نعم " الوحيدة التي لدّي للأسف الشديد جيراردو .

جيراردو : كلا ،  لقد سمعت  " نعم " أخرى .

( وقفة قصيرة )

إذا وافقتُ على هذا المنصب ، فعليّ أن أعرف قبل كل شيء ، ان كان بامكاني الاعتماد عليك في .. في .. في أن لاتعاودك .. أعني أن لا تسوء حالتك ثانية لأن ذلك من الممكن أن  يعرضّني ..

باولينا : للانتقاد . نعم ، يجعلك عرضة للانتقاد. أو ، ربما سيجردونك من منصبك الجديد .

وستضطر في هذه الحال أن تقوم في العناية بي مرة أخرى ، من جديد .

جيراردو : باولينا إنك تظلمينني .

                   ( وقفة قصيرة )

         هل تـوجهين اللوم لي لأنني أعتني بك ؟

باولينا : وهذا ماقلته للرئيس هه  ! أن زوجتك تعاني من مشاكل بشأن ...

                             ( وقفة )

جيراردو : الرئيس لايعرف ذلك . لا أحد يعرف . والدتك نفسها لا تعرف بذلك .

باولينا : ثمة أناس يعرفون ذلك .

جيراردو : أنا لا أتحدث عن أولئك الناس . لا أحد في الحكومة الجديدة يعرف ذلك . انني أتحدث عن حقائق ووقائع حدثت ، لكننا سوف لن نعلن عنها مطلقاً . لا أنت ولا أنا ..

لن نبلغّ عن تلك القضايا التي قام بها  ...

باولينا : إذاً ستحققون فقط في قضايا الناس الذين ماتوا ، هه ؟

جيراردو : باولينا ، عذراً ، ماذا قلـ ..؟

باولينا : أقول ، هل ستحقّق اللجنة التي عُينّت  فيها أنت ، فقط في القضايا التي كانت نتيجتها الموت ؟

جيراردو : ان هذه اللجنة خُصصّت للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان . الانتهاكات التي كان نتيجتها الموت أو موت مبنيّ على الافتراض والاحتمال . نعم .

باولينا : معنى ذلك ، انها ستحقق في الحالات الأكثر خطورة فقط ، هه ؟

جيراردو : الفكرة ياباولينا هي أننا اذا استطعنا تسليط الضوء على أسوأ الجرائم في البلاد ، فان الشرور الأخرى ستظهر جميعها الى النور.

باولينا : تلك الأكثر خطورة ، فقط ؟

جيراردو : دعينا نقول ..  القضايا المتعذر علاجها ..

باولينا : المتعذر علاجها . تلك الميؤوس منها ، هه ؟

جيراردو :  باولينا ، أنا لا أحب أن أتحدث عن هذا .

باولينا : ولا أنا .

جيراردو : لكن رغم ذلك ، ينبغي أن نتحدث عن ذلك ، أنا وأنت باولينا ، أليس كذلك ؟

على أي حال ، لو أنني أمضيت الشهور الثلاثة القادمة أستمع فيها لشهادات الناس ولأقارب الضحايا وشهود العيان ، ولأولئك الذين نجوا من الموت ، وإذا كان في كل مرة أعود فيها الى البيت ، تطلبين مني أن أحكي لك عن كل ذلك . فهذا ..

( يأخذها بين ذراعيه )  باولينا ، تعرفين كم أحبك . .  آه ، لو تعرفين ، كيف إن ماحدث لك مايزال حتى الآن يؤرقني ويؤذيني .

 ( وقفة قصيرة )

باولينا : ( تمسك به بشكل عنيف ) نعم ، نعم ، نعم . أهذه " نعم " التي أردتها مني ؟

جيراردو :  نعم ، نعم ، هذه هي ألـ " نعم" التي أردتها منك .

باولينا : جيراردو . حاولوا أن تعرفوا كل شيء ، وتتحروا عمّا حدث للناس . عن كل شيء .

أعدني ياجيراردو أنكم ستعثرون على كل شيء ، كل شيء ..

جيراردو :كل شيء . كل شيء نستطيعه . سنعمل بالقدر الذي .. ( وقفة ) بقدر  ما ..

باولينا : هو مسموح.

جيراردو : بل ماهو ممكن .  إننا محددّين . لكن صدقيني أننا سنحقق الكثير ضمن هذا الممكن .. سنقوم بنشر استنتاجاتنا وأحكامنا  النهائية . سيكون هناك تقرير رسمي ، كل الأشياء التي حدثت ستثبّت بشكل رسمي وموضوعي ، حيث لايستطيع أحد أبداً أن ينكر ذلك ، وكي يوضع حدّ لكل تلك التجاوزات حتى لاتتكرر مرة أخرى ..

باولينا : وبعد ذلك ؟

( يصمت جيراردو )

تستمعون لأقارب الضحايا ثم تشجبون الجرائم ، وماذا بشأن المجرمين ؟

جيراردو : هذا يتوقف على القضاة . المحاكم ستستلم نسخاً من الشهادات والقضاة سيواصلون من هناك ..

باولينا : القضاة ؟ القضاة ؟ نفس القضاة القدامى ، القضاة الذين لم يتجرأوا أن يعترضوا أو يتدخلوا مرة واحدة من أجل إنقاذ حياة إنسان واحد لفترة سبعة عشر عاماً من  حكم الدكتاتورية ؟ القضاة الذين لم يوافقوا أبداً على مثول السجناء أمام محاكمهم ؟ القاضي بـيرالـتا ، ذاك الذي أجاب تلك المرأة المسكينة التي جاءت تسأله عن زوجها المفقود ، قائلاً لها بأن زوجها ربما قد ضجر أو تعب منها وهرب مع إمرأة أخرى ؟ أتسمي هؤلاء قضاة ؟ أهؤلاء قضاة ؟

قضاة ؟ قضاة ؟

(باولينا تضحك بهدوء ، لكن الضحكة تتحول تدريجياً الى صراخ هستيري )

جيراردو : باولينا . كفى . باولينا .

( يأخذها بين ذراعيه لحين أن  تهدأ شيئاً فشيئاً )

حمقاء . حبيبتي الحمقاء .

                   (وقفة قصيرة)

إذاً ، ماذا كنت ستفعلين لو انفجر إطار سيارتك وبقيت واقفة وسط الطريق العام ؟ تخيلي نفسك وأنت عالقة في الطريق والسيارات تمر قربك مسرعة كالبرق ، وأضواؤها تتخاطف من جانبيك ، تصرخين دون أن يتوقف أحد . هل فكرت ماذا سيحل بك وأنت لوحدك وسط الطريق في ذلك الظلام المخيف ..

باولينا : سيتوقف أحد ما حتماً. ومن المحتمل أن يكون هو نفسه ، ميراندا ، هه ؟

جيراردو : محتمل . ليس كل الناس أولاد زنا .

باولينا : لا ، ليس كلهم .

جيراردو :لقد دعوته على جلسة شراب يوم الأحد . مارأيك ؟

باولينا : كما تحب .

( وقفة قصيرة )

تعرف ، لقد كنت خائفة جداً حين توقفت السيارة . وتضاعف خوفي حين تطلعت من النافذة ولم أجد سيارتك ..

جيراردو : لم يكن هناك شيء يثير الخوف على الإطلاق .

باولينا : كلا .

                             ( وقفة قصيرة )

جيراردو ، قلت لي إنك أخبرت الرئيس أنك موافق ، أليس كذلك ؟ كن صادقاً  جيراردو ، أم إنك ستستهل عملك في اللجنة بالكذب ؟

جيراردو : لم أكن أريد إزعاجك .

باولينا : قلتَ للرئيس إنك موافق ، أليس كذلك ؟ قلت له ذلك قبل أن تسألني رأيي ، أليس كذلك ؟ أريد معرفة الحقيقة ، جيراردو .

جيراردو : نعم . قلت له إنني موافق . نعم . وقبل أن أسألك رأيك .

 

                                         ( يتلاشى الضوء عن خشبة المسرح )    

 

***

 

" المشهد الثاني "

             

(  مرور ساعة من الوقت .. المسرح خال الا من ضوء القمر ، الذي أصبح أقل وهجاً من قبل وهو يتسلل إلى الداخل عبر الشبابيك . أطباق العشاء قد رفعت من على المائدة . يُسمع صوت البحر من خلف المسرح ، و كذلك صوت سيارة تقترب من المنـزل ، تضيء أنوارها غرفة الطعام  لهنيهة ، ثم تنطفىء . يُفتح باب السيارة ويُغلق . أحد ما يطرق على الباب .  تبتدىء الطرقات بتردّد وحياء ، ومن بعد تزداد قوة . يُضاء مصباح من خلف الكواليس ويطفىء فوراً فيما تتوالى الطرقات على الباب أكثر فأكثر . يدخل جيراردو قادماً من غرفة النوم مرتدياً بيجامة النوم . )

جيراردو : ( يتكلم مع باولينا وهما خلف الكواليس ) لا شيء ، لا شيء ..

اهدأي .. حسناً ، حسناً حبيبتي ،  سأكون حذراً .

 ( يفتح ضوء المصباح . الطرقات مستمرة )

نعم ، قادم ، قادم ..

روبيرتو : أنا آسف جداً على هذا التطفل . ظننت أنكما مازلتما تحتفلان . هل أيقظتكما ؟

جيراردو : أوه ، تفضل . تفضل أدخل . ( يدخل روبيرتو )

الحقيقة إننا مازلنا غير متعودين على ذلك .

روبيرتو : متعودين على ماذا ؟

جيراردو : نعم ، مازلنا غير متعودين على أجواء الديموقراطية . أن يطرق أحد ما عليك الباب في منتصف الليل ، ولا تدري إن كان صديقاً أم ..

( تتقدم باولينا شيئاً فشيئاً نحو الشرفة ، حيث يمكنها أن تسمعهما دون أن يرونها  أو تراهما )

روبيرتو : ( يكمل جملة جيراردو ) واحداً من أولاد الزنا ؟

جيراردو : لقد توترت زوجتي بعض الشيء .. أنت تفهم ذلك . الواقع أنها غير متعودة على

طرق الباب في آخر الليل .. عفواً ، هل في الامكان أن نخفض صوتنا قليلاً .

روبيرتو : نعم بالطبع ، إنها غلطتي ، أنا فقط كنت أريد ...

جيراردو : اجلس أرجوك . تفضل اجلس .

روبيرتو : ... أن أقوم بزيارة خاطفة . حسناً ، هل تستطيع أن تخمّن سبب زيارتي المفاجئة ...

هه ؟ لا تتعب نفسك .  حين غادرتكم ومضيت باتجاه منزلي الساحلي  ..

جيراردو : عفواً ، هل يعجبك أن تشرب شيئاً ؟ ..  اسمع ، لدّي كونياك معفى من الضريبة الجمركية ..

( تقترب باولينا أكثر وهي تصغي )

روبيرتو : كلا ، كلا شكراً .  هه ، حسناً ، سأشرب ، ولكن قليل جداً .. ماذا كنت أقول ؟ ها ، كنت أستمع الى الراديو في سيارتي و .. وفجأة ، ورد اسم جيراردو إيسكوبار في نشرة الأخبار ضمن قائمة أسماء اللجنـه التحقيقية التي اختارها الرئيس . جيراردو إيسكوبار !

جيراردو إيسكوبار ! قلت لنفسي  ،هذا الأسم ليس غريباً علي ، أين سمعته ، ومن هو ؟ وظل اسمك يدور ويجول في رأسي طوال الطريق . وحين وصلت إلى البيت ، ها ... عرفت  صاحب هذا الأسم . ( يضحك متفاخراً ) وتذكرت أيضاً أننا وضعنا اطار سيارتك الأحتياطي المثقوب في صندوق سيارتي وأنك في الغد بحاجة الى تصليحه ، ها ، وأيضاً ... الحقيقة ، الحقيقة ، هل تريد أن تعرف الحقيقة ياسيد إيسكوبار ؟

جيراردو : ولاشيء غيرها .

روبيرتو : الحقيقة إنني فكرت مع نفسي ، قلت ، إن هذا الرجل  قد ُكلف بمهمة شاقة

وكبيرة ، مهمّة نبيلة وشريفة  ، مهمة من أجلنا جميعاً ، مهمّة من شأنها أن تغلق الباب في وجه خلافات وحزازات الماضي . وهكذا ، قلت مع نفسي ، ربما هذه هي عطلته الأسبوعية الأخيرة التي سيكون فيها خالي البال ، وبعدها ستبدأ المتاعب . لأنني أعرف أن عليك ومنذ الآن أن تجول في عرض البلاد وطولها لتصغي لآلاف الناس ... لاتقل لي أنك ..

جيراردو : هذا صحيح بدون شك ، لكنني لن أذهب بعيدا إلى هذا الحد الذي .. 

روبيرتو : لذلك قلت لنفسي ، أن أقل مايمكنني عمله هو أن أعود ثانية إلى هنا وأجلب لك الإطار الإحتياطي كي لاتضطر إلى الخروج لتـتلفن وتطلب تاكسي أو لوري لسحب سيارتك من الطريق العام ، أعني ..

جيراردو : أنت تجعلني أحس كما لو أنني قديس ..

روبيرتو : كلا ، كلا . صدقني أن  كل ما أقوله لك الآن ، يخرج من القلب مباشرة . لجنتكم هذه ياعزيزي ، ستساعدنا على نحو فريد ، في أن نغلق فصلاً موجعاً جداً في تأريخنا  .

سيد إيسكوبار ، لاتقلق بشأني ، العائلة ليست معي ، انا قادم هذه المرة  لوحدي في عطلتي الأسبوعية ، ثمّ لاتنس أن علينا جميعاً أن يساعد بعضنا البعض ، رغم أن ما أقوم به هو شيء تافه ، ولايستحق الذكر ، لكن ..

جيراردو : أظن أن غداً سيكون يوماً جميلاً .

روبيرتو : غداً ؟ وكيف ستستطيع الوصول إلى سيارتك دون اطار إحتياطي .. هذه هي المسألة ..

لهذا السبب ، قلت لنفسي ، مؤكد أنك ستقوم في البحث عني ، هه  ، بعدها فكرت ، أن بامكاني أيضاً مرافقك إلى هناك ومعي رافعتي .  ( يضحك ) .

على فكرة ، هل عرفت ماحلّ برافعتك ؟

جيرردو : أعارتها زوجتي لوالدتها .

روبيرتو : لوالدتها ؟

 جيراردو : أنت تعرف طبع النساء ..

روبيرتو : ( يضحك ) أوه ، لاتحدثني عنهن ، أعرفهن جيداً . إنهن اللغز الأخير في هذا الكون . البشرية والعلم ياصديقي سيكتشفان  كل شيء ، كل شيء ، إلا هذا اللغز العجيب الذي يسمونهالمرأة . أتعرف ماذا كتب نيتشة مرة ؟ قال ، أعتقد أنه قال ذلك ، قال ، إننا لانستطيع مطلقاً ، الهيمنة على الروح الأنـثوية . لاأدري إن كان نيتشة قالها أم غيره  . لكن ، مع ذلك ، كن على ثقة ، أن نيتشة العجوز سيقولها ، لو عطلت سيارته في الطريق العام  في عطلة نهاية الأسبوع  ،  وهو دون رافعة ..

جيراردو : ودون إطار إحتياطي .

روبيرتو :  وبدون أطار إحتياطي مثقوب !! ها ، ها ، ها ( يضحك ) . ولذا رأيت أن لزاماً عليّ حقا أن أكون معك ، والعملية كلها لا تستغرق وقتاً طويلاً ...

جيراردو : تعرف ، أحس كما لو أنني أستغلك أو أتطفل عليك .

روبيرتو : أرجوك ، لاتتحدث هكذا . أنا بطبعي رجل يحب مساعدة الناس ، ثم لاتنس أنني طبيب . أعتقد أنني أخبرتك بذلك ، أليس كذلك ؟ وأرجو أن لايساورك الظن أنني أساعد فقط ، الشخصيات المهمة في المجتمع . كّلا .

جيراردو : لو كنت تعرف ما ستواجهه من متاعب معي ، لسرت بأقصى سرعتك كي لا ..

روبيرتو : ( يضحك )  كلا ، لاتقل ذلك أرجوك . إن ماقمتُ به ، هو شيء يشرفني .

أما سبب مجيئي هذه الساعة المتأخرة من الليل ، فهو لتهنئتك على منصبك الجديد ، ولأقول لك أيضاً ، أنك الشخص المناسب لهذا الموقع ، الذي يحتاجه هذا البلد ، من أجل معرفة الحقيقة مرة واحدة وإلى الأبد ...

جيراردو : إن ما يحتاجه البلد حقاً هو العدالة .  فلو استطعنا أن نثبت في الأقل جزءاً من الحقيقة ...

روبيرتو : آه ، لقد سبقتني ، لأن هذا ، هو بالضبط ما أردت قوله الآن . أقول ، حتى لو لم نتمكن أن نحيل هؤلاء الناس إلىالمحاكم ، وحتى لو أنهم احتموا بهذا العفو العام ، ففي الأقل ، سنرى أسماءهم منشورة في الصحف ..

جيراردو : كلا ، كلا ، ستبق تلك الأسماء غير معلنة . لا يفترض بلجنة التحقيق الكشف عن أسماء مرتكبي تلك الجرائم أو ...

روبيرتو : لكن كل شيء في هذا البلد سيظهر إلى العلن في النهاية. سيسألهم أبناؤهم وأحفادهم ، هل صحيح أنكم فعلتم ذلك ؟ هل صحيح أنكم اقترفتم ما يتهمكم الناس به ؟

بماذا سيجيـبون ؟  سيضطرون إلى الكذب . نعم . سيقولون هذا افتراء ، أو هذا تآمر شيوعي ، هراء مثل هذا .. لكن الحقيقة ستدوّن كل شيء عنهم ، هنا وفي كل مكان . وسيشعر أبنائهم نحوهم بالأسى ، الأسى ، والاشمئزاز .

جيراردو : من المحتمل في يوم ما ...

روبيرتو : من المحتمل ، أن يخرج الناس عن طورهم ، ويتصاعد لهيب غضبهم ، حينها يمكننا حتى أن نلغي العفو العام نفسه .

جيراردو : أنت تعرف أن هذا شيء غير ممكن .

روبيرتو : أنا مع فكرة تصفية جميع تلك الزمرة  ، لكنني أستطيع أن أفهم ...

جيراردو :  عفوا ، أنا لا أحب أن أخالفك الرأي ياروبيرتو ، لكن من وجهة نظري إن عقوبة

الموت ، لن تحل مطلقاً أية ...

روبيرتو : وأنا مجبر أن أخالفك الرأي ياصديقي جيراردو بأن هناك بعض الناس ، ببساطة ، لايستحقون البقاء على قيد الحياة ، وما أردت لفت إنتباهك إليه حقاً ، هو أنكم ستواجهون مشكلة كبيرة ...   

جيراردو : بل قل أكثر من مشكلة . أولاً ، سيحارب الجيش لجنة التحقيق بكل الوسائل . تعرف ، لقد أخبروا الرئيس بأن هذه التحقيقات هي نوعاً من  الأهانة والاذلال ، وأنها تشكل خطراً علينا ، نعم إنها خطيرة على الحكومة الجديدة لأنها ستفتح الجروح القديمة . ظننت في البدء أن الرئيس يخشى أن يفعلها أو لا يمتلك الشجاعة في الأستمرار بها ، لكنه وحمداً للّه مضى في مشروعه على كل حال . ونحن جميعاً نعرف كيف أن هؤلاء الناس هم على أهبة الإستعداد للقفز والإنقلاب علينا لأتفه خطأ نقوم به .

روبيرتو : وهذه بالضبط هي وجهة نظري . حين أخبرتني قبل قليل أن الأسماء لن تعلن أو تنشر في الصحف ، فقد جعلتني أفكر بأنك من الممكن أن تكون محقاً في ذلك ، ومن الممكن في الآخر أننا سوف لن نعرف أبداً ، أي نوع من البشر هم هؤلاء . هل كانوا هم يشكلّون نوعاً من ...

جيراردو : المـافيا .

روبيرتو : المـافيا ، نعم ، تلك المنظمة السرية الرهيـبة . لن يكشف أحد منهم عن الأسماء ، وهكذا سيحمي كل واحد منهم ظهر الآخر . القوات المسلحة لن تسمح لرجالها أن يعطوا شهادة أو دليلاً إلى لجنتكم ، وإذا ما إستدعيتوهم للمثول أمام القضاء ، فإنهم ببساطة سيتجاهلون ذلك ولن يحضروا ، وسيقولون لكم ، فلتذهبوا إلى الجحيم ..

من المحتمل أنك على حق . أما هذه الأشياء التي تحدثتُ أنا عنها عن الأبناء والأحفاد فلم تكن سوى مجرد وهم  أو حلم جميل . محتمل أن الأمر ليس سهلاً كما تخيلته أنا .

جيراردو : لقد أخبرني الرئيس ، وهذا سر بيننا ، أن هناك  أناساً مستعدين لإعطاء إفاداتهم ، شرط أن يبقى ذلك سراً .

وهكذا وما أن يبدأ الناس يتكلمون حتى تبدأ الأعترافات والأسماء تتدفق تماما مثل تدفق  شلاّل المياه . تماماً مثلما قلت أنت : في هذا البلد ، كل شيء سينكشف للعيان في الآخر . لذا فإن حلمك من الممكن أن يبقى ...

روبيرتو : أتمنى لو أستطيع مشاركتك تفاؤلك . لكن ، للأسف ، هناك أشياء لايمكننا أن نعرفها مطلقاً .

جيراردو : إن صلاحياتنا محددّة ياصديقي ، لكن ، ليست مقيدّة جداً ..  نحن نتوقع ، في الأقل ، نوعاً من العقاب الأخلاقي ، وهذا هو الحد الأدنى ... مثل ما نحن لانستطيع أن نتوقع العدالة من المحاكم ...

روبيرتو : أتمنى أن تكون محقاً . أوه ، لقد تأخر الوقت . ياإلهي ، إنها الساعة الثانية ! سأعود إليك في الغد مثلما إتفقنا ، لنقل الساعة ... التاسعة ؟

جيراردو : لم لاتبق هنا ، إن لم يكن أحد ما ينتظر عودتك الى البيت

 روبيرتو : لا ،لا ، قلت لك لا أحد . أنا لوحدي هذه المرة .   

جيراردو : إذاً ، طالما أنت لوحدك ...

روبيرتو : الواقع إن زوجتي سافرت هي والأطفال لزيارة والدتها ، ولم أستطع السفر معهم ،لأإنني أكره السفر بالطائرة ، ووو .. لا أحب التنقل من مكان إلى آخر . ثم  لاتنسى ، إن لدّي مرضى عليّ مراجعتهم . 

جيراردو : وهل يقيم مرضاك في منـزلك الساحلي ؟

روبيرتو : كلا ، بالطبع .

جيراردو : إذاً ، في هذه الحال ، يمكنك البقاء معنا هذه الليلة .

روبيرتو : أوه ، هذا كرم عظيم منك ، لكنني ، حقيقة ، أحب أن أكون لوحدي بعض الوقت ، أرقب الأمواج وأسمع الموسيقى التي أحبها . الواقع ، أنا حضرت إلى هنا لمساعدتك وليس لأزعاجك . حسناً ، سأعود غداً ، لنقل في الساعة ...

جيراردو :  دكتور ميراندا ، بيتك يبعد من هنا حوالي نصف الساعة  ..

روبيرتو :  حوالى أربعين دقيقة عبر الطريق الساحلي . لكنني لو ...

جيراردو : روبيرتو ، انتهى الموضوع ، ستبقى هنا الليلة. ستكون زوجتي مسرورة جداً . وغداً ستتذوق افطارها اللذيذ ، هه ، ساندويتشات شطائر لحم بالمايونيز .

روبيرتو : أوه ، شطائر لحم بالمايونيز ! حسناً ، في هذه الحال ، لاأدري ماأقول . تعرف ياسيد إيسكوبار ، لقد أقنعتني حقاً الآن ، لأنني أعشق  شطائر اللحم بالمايونيز .

تذكرت الآن ، لا أظن أن لدي شيء في المنزل ، ولا حتى قنينة الحليـب .

الحقيقة انا متعب بشكل لا يصدق وأود الآن ، ان سمحت ..

( تعود باولينا بسرعة عبر الشرفة إلى غرفة نومها )

جيراردو : لا أدري إن كنت بحاجة ، ربما ، الى ... ؟ الواقع إن الشيء الوحيد الذي لا أستطيع تقديمه لك هنا حقاً ياصديقي هو فرشاة الأسنان ...

روبيرتو : شيئان لايمكنك أن تشارك فيهما أحد مطلقاً ، الأول فرشاة الأسنان ، والثاني ...

جيراردو : صحيح . ( يضحكان )

روبيرتو : تصبح على خير .

جيراردو : أحلاماً سعيدة .

( يذهب الأثنان ، كلاً إلى غرفة نومه الخاصة . وقفة قصيرة . المسرح خالي ، ولاشيء سوى الصمت وضوء القمر . )

جيراردو : ( صوته يأتي من غرفة النوم ) باولينا ، حبيبتي ... الدكتور ، الرجل الذي أوصلني ، سينام عندنا هذه الليلة ، لأنه سيذهب معي غداً لجلب السيارة .. باولينا ، باولينا ، هل تسمعينني ؟

باولينا : ( صوتها يوحي بالنعاس ) نعم ، نعم حبيبي .

جيراردو : ( صوته قادم من غرفته ) انه صديق ، فلا تخشي شيئاً ... آه ، باولينا ، لا تنسي غداً صباحاً أن تجّهزي لنا إفطاراً شهياً ، هه ...

                               ( يُسمع صوت البحر وسط عتمة جزئية )

 

***

 

" المشهد الثالث "

 

 ( مرور فترة زمنية وجيزة . تمر سحابة على وجه القمر . يرتفع صوت موج البحر ، ومن ثم يتقهقر . صمت .

 تدخل باولينا إلى غرفة الطعام ـ الأستقبال ، حيث يمكن رؤيتها عبر ضوء القمر وهي تتجه صوب

البوفيه . تفتح الدرج وتخرج مسدساً ، ومعه تخرج أيضاً شيء ما غير واضح ، يتضح فيما بعد أنه زوج جوارب نسائية . تتوقف فجأة عن الحركة ، ظناً منها أنها سمعت جيراردو وهوينتقل إلى غرفة النوم . ترتدي الجوارب . )

باولينا : جيراردو ؟ جيراردو ؟

( تقطع غرفة الطعام والاستقبال ، باتجاه المدخل الذي يؤدي إلىغرفة النوم الاحتياطية التي يرقد فيها الدكتور ميراندا . تنـتظر للحظة ، وهي تصغي ، ثم تقتحم غرفة نومه . تمضي بضع لحظات ومن بعد ، نسمع صوتاً  مضطرباً ومكتوماً ، يتبعه شيء أشبه بالصرخة ، وبعد ذلك يسود الصمت .

نرى باولينا بعد لحظات ، وخلال ضوء خافت جداً ، تخرج من الغرفة وتعود إلى غرفة نومها .

تفتح الباب وتأخذ المفتاح من الجانب الآخر من الباب ، ثم تقوم بقفله .

تعود ثانية إلى غرفة النوم الأحتياطية ، حيث يرقد الدكتور ميراندا ، وبعد هنيهة نراها وهي تسحب شيء ما يشبه جسد انسان . ترفع الجسد ثم تجلسه على كرسي وتقوم بربطه بحبل نحو ذلك الكرسي . تسرع إلى غرفة النوم الأحتياطية ، تجلب  سترة روبيرتو ، وتخرج حزمة مفاتيح من جيبه  ثم تستعد إلى الخروج من المنزل ، لكنها تتوقف فجأة . تلتفت نحو الجسد ، الذي أصبح واضحاً  أنه جسد الدكتور روبيرتو . تخلع سروالها الداخلي وتكورّه ثم تحشو به فم الدكتور ميراندا وتلصقه بشريط  ، ثم تغادر المنزل .

نسمع  بعد لحظات صوت سيارة الكتور ميراندا تتحرك ويكتسح ضوء مصابيحها الأماميه خشبة المسرح ، فيكشف لنا وهج النور القوي الكتور ميراندا وهو مربوط  بحبل إلى الكرسي ، مغمى عليه بشكل كامل ، وفمه ملصق بشريط .  نسمع صوت السيارة  وهي تغادر ، وتسود العتمة من جديد .. )

 

***

 

" المشهد الرابع "

      

( الوقت الآن هو قبيل الفجر .. يفتح الدكتور ميراندا عينيه ، محاولاً النهوض الا أنه يدرك حالاً أنه مربوط إلى كرسي . يدير جسده بصعوبة ، محاولاً بشكل يائس تحرير نفسه ، لكنه يواجه باولينا وهي جالسة أمامه ، تحمل في يدها مسدساً . يتطلع نحوها وتعبير الرعب واضح في عينيه) .

باولينا : ( بهدوء كامل ) صباح الخير ، دكتور ... ميراندا ... ميراندا ، أليس كذلك ؟ ( توجه المسدس نحوه بطريقة مازحة لكنها مُعذبّة )

كانت لدّي صديقة في الجامعة اسمها ميراندا ، آنا ماريا ميراندا . هل تربطك صلة قرابة بعائلة ميراندا في سان ستيبان ، هه ؟

كانت ذكية جداً ، ولديها ذاكرة قوية ومدهشة . كنا نسميها  " موسوعتنا الصغيرة " . لا أعرف الآن عنها أي شيء . ربما أكملت دراستها الجامعية وأصبحت طبيبة .. مثلك بالضبط . أما أنا فلم أحصل على  شهادة الدبلوم . لأنني لم أستطع اكمال دراستي ، دكتور ميراندا . والآن  لنرَ إن  كان بإستطاعتك أن تخمّن ، لماذا لم أحصل أنا على شهادة الدبلوم . هه ؟ أنا واثقة جداً أن معرفة السبب لن يتطلب من مخيلتك جهداً كبيراً .

لحسن الحظ ، ان جيراردو كان هناك . . حسنا ، لن أقول أنه كان ينتظرني ، لكن دعنا نقول أنه كان مايزال يحبني . المهم ، لم يكن في مقدوري العودة إلى الجامعة ثانية على الاطلاق . وكان ذلك من حسن حظي ، لأنني أحسست يومها بنوع  من .. حسناً .. الفوبيا .  كلا ، كلا ، فوبيا ، ليست هي الكلمة المناسبة تماماً . كنت .. كنت أشعر بخوف ما من دراسة الطب . لم أكن واثقة تماماً من اختيار المهنة التي أريد بعد . لهذا السبب كنت أتساءل ، ربما ، ليس من الصائب أن أعود إلى الجامعة

ثانية ، أو أطلب السماح لي مرّة أخرى في اعادة قبولي .

وفي يوم آخر قرأت في الصحف أن القوات المسلحة قد جُرّدت من مسؤوليتها عن الجامعة ، وان الجامعة بدأت تسمح  للطلبة المفصولين أن يتقدموا بطلباتهم لأعادة قبولهم ثانية .

أوه ، كان يجب أن أهييء لك الفطور بدل هذه الثرثرة ، هه ، فطور شهي  ؟

والآن ، دعنا  نرَ ، ماذا تحب أن .. ساندويتشات شطائرلحم بالمايونيز ، هه ، هذا ما قلته لجيراردو ، أليس كذلك ؟ أوه عذراً ، ليس لدينا مايونيز . لدينا فقط شطائر لحم . جيراردو يحب هذه الشطائر أيضا. سأتعرف على ذائقتك الأخرى ، وآسفة جدا بشأن المايونيز .

آمل أن لا أكون قد أزعجتك لأنني احتكرت الحديث كله لنفسي طوال هذا الوقت . لكن ثق يا دكتور أنك ستأخذ فرصتك الكاملة في الحديث . ربما السبب هو الكمّامة . لا أريد أن أرفع هذه الـ .. أنت تسّميها " كماّمة " ، أليس كذلك ؟ لا أريد رفعها الآن ، في الأقل ، ولحين أن يستيقظ جيراردو .

أوه ، كان يجب عليّ ايقاظه . هل أخبرتك أنني اتصلت من كابينة التلفون العمومي بورشة التصليح؟  انهم سيأتون حالاً . 

( تذهب إلى باب غرفة النوم ، تفتحها بالمفتاح ، وتبقيها مشرعة )

الحقيقة ، الحقيقة ، أنت تبدو مضجراً بعض الشيء .

( تخرج شريط الكاسيت من جيبها )

لقد أخذت هذا الشريط من سيارتك . أعتذر لأنني تجاوزت الأصول . مارأيك لو نسمع معاً ، شيئاً من شوبرت ، ريثما أهيّء لك فطاراً لذيذاً ، دكتور ، هه ؟ وهذه هي " الموت والعذراء " التي تعشقها ، أليس كذلك ؟

( تضع الشريط في جهاز التسجيل ونبدأ في سماع رباعية شوبرت " الموت والعذراء " .. )

 أتعرف كم مضى من الوقت ، على آخر مرة سمعتُ فيها هذه الرباعية ؟ لم أكن أحتمل سماعها إطلاقاً . كنت أغلق المذياع  حين يبثونها بعض الأحيان ، وكنت أخشى سماعها في المناسبات الأجتماعية ، لدرجة تضطرني إلى عدم الخروج كثيراً مع جيراردو ، رغم ولع زوجي الكبير بحضور تلك المناسبات .

أما إذا عينّوه وزيراً ، أوه ، أوه ، فسنجول في البلاد طولاً وعرضاً ، نصافح هذا ونبتسم لذاك ، وسنقابل الكثير من الغرباء ، لذا كنت أتمنى وأصلّي  أن لايسمعني أحد شوبرت .

مرةً ، وفي إحدى الأماسي تناولنا  العشاء مع .. لاأتذكر ، نعم ، كانوا أناساً من كبار القوم ، يعني ، شخصيات مهمة ، وحدث أن مضيفتنا أسمعتنا سوناتة البيانو لشوبرت ، حينها أُصبت بما يشبه .. فكرّت حينها مع نفسي ، ماذا أفعل ، هل أذهب لأوقف الاسطوانة ، أم أغادر المكان ؟

وفجأة أحسست بجسدي يرتعش ثم أصبت في حالة إغماء ، فاضطر جيراردو أن ينقلني فوراً إلى البيت ، وتركنا الجميع يستمعون لشوبرت ، دون أن يعرف أحد السبب من وراء إغمائي .

لذا كنت أتوسل أن لا يُسمعوني شوبرت في أي مكان أذهب إليه .

شيء غريب ، دكتور ميراندا ، أليس كذلك ؟ أمعقول هذا ؟ شوبرت ، شوبرت هذا الذي كان وما يزال هو أحد أفضل الموسيقيين بالنسبة إليّ ، يصبح كابوساً يلاحقني !

لكنني كنت أطمئن نفسي دائماً  بأن الزمن سيبعث يوماً ما ، شوبرت من القبر  ليتكلم . وأجلس أنا وأنت هنا نستمع اليه وهو يتكلم .

كنت وما أزال اؤمن أن الكثيرمن الأشياء ستتغير من الآن فصاعداً ، أ ليس كذلك ؟

أتعرف أنني كنت على وشك أن أرمي كل مالديّ من مختارات شوبرت في وعاء القمامة ؟ 

هذا جنون !!

( ترفع صوتها ، موجهة حديثها لجيراردو وهو في غرفة النوم ) جيراردو ، أ ليست مذهلة هذه الرباعية ؟

( تتجه نحو روبيرتو ) وها أنا الآن بامكاني الاستماع مرة أخرى إلى موسيقاري المفضل ، بل وحتى الذهاب مع جيراردو لحضور الحفلات الموسيقية مثلما كنا نفعل من قبل .

هل تعرف أن شوبرت كان لوطياً ؟

أنت تعرف ذلك  بالطبع . الم تكن ترّدد ذلك في أذني مرّات ومرّات ومرّات ، حين كنت تعزف " الموت والعذراء " .

أهذا هو الشريط الأصلي ، يا دكتور ، أم أنك تشتري كل عام شريطاً جديداً ، كي تحافظ على نقاوة الصوت ؟

( يدخل جيراردو قادماً من غرفة نومه ، بادياً عليه النعاس )

جيراردو : صباح الخير باولينا ، هل استيقظ الدكتور ؟ باولينا ، الفطور ، الفطور ، هل الافطار جاهز .. ؟

( يبذل روبيرتو جهوداً يائسة لتحرير نفسه من الحبل ، حال رؤيته جيراردو . جيراردو يراقب المشهد وهو في ذهول تام . )

جيراردو : باولينا ! ماهذا ؟ باووو . ياإلهي .. رو.. روبير.. روبيرتو .. دكتور ميراندا .

( يتجه نحو  الدكتور . )

باولينا : لا تلمسه .

جيراردو : ماذا ؟

باولينا : ( تشهر المسدس نحوه ) لاتلمسه .

جيراردو : ماالذي يحدث هنا بحق  السماء !! أي نوع من الجنون هذا ...

باولينا : إنه هو .

جيراردو : أعيدي المسدس إلى مكانه ..

باولينا : إنه هو .

جيراردو : من ، من ، من هو ؟

باولينا : الدكتور .

جيراردو : أيّ دكتور ؟

باولينا : الدكتور الذي كان يعزف رباعية شوبرت .

جيراردو : الدكتور الذي كان يعزف رباعية شوبرت  !؟

باولينا : نعم ، الدكتور ميراندا ..

جيراردو : وكيف عرفتِ ؟

باولينا : عرفته .

جيراردو : كيف ، كيف ، لكنك قلتِ أنك ...

باولينا : نعم . قلت لك أنني كنت معصوبة العينين .  هذا صحيح ، كنت معصوبة العينين  ولم أكن أرى شيئاً ،  لكنني كنت أسمع جيراردو ، نعم ، عرفته من صوته ..

جيراردو : باولينا .. أنت متعبة ، باولينا ، أنت مريضة .

باولينا : كلا ، لست مريضة .

جيراردو : نعم ، أنت مريضة .

باولينا : حسنٌ ، أنا مريضة . لكني رغم ذلك أستطيع أن أميّز الصوت .

ولاتنس يا جيراردو ، أننا حين نفقد احدى حواسنا ، فإن الحواس الأخرى تعوضنا عن ذلك ، فتصبح أكثر حدة وذكاء . أليس كذلك ، دكتور ميراندا ؟

جيراردو : الذاكرة المشوشة لا تستطيع أن تبرهن على شيء ، من مجرد صوت .

باولينا : إنه صوته ، صدقني جيراردو . لقد استطعتُ أن أميزّه  فوراً ، وحال دخوله المنـزل أمس . الطريقة التي كان يضحك بها ، والعبارات التي يستخدمها ، هي تماماً ، نفس العبارات .

جيراردو : لكن ذلك ليس ...

باولينا : ربما ، ربما يكون ذلك دليلاً ساذجاًً وتافهاً  بالنسبة لك ، إلا أنه واف وكاف بالنسبة

إليّ . هذا الصوت ، الصوت ، الصوت الذي لم يفارقني لحظة واحدة طوال كل تلك السنين . الصوت نفسه ، نعم ، الصوت المجاور لي ، القريب إلى أذني ، الصوت الذي كان يختلط  باللعاب .

هل تظن أنني سأنسى صوتاً كهذا الصوت ؟

( تقلد صوت روبيرتو أولاً ومن ثم صوت الرجل  الآخر )

 صوت الدكتور : مرة أخرى ، مرة أخرى ، حاول معها أكثر .. أكثر . هيا ، أكثر .

هذه العاهرة تحتمل المزيد ، هيا ، هيا ، أكثر..

 صوت الرجل : دكتور ، هل أنت واثق مما تقول ؟ ماذا لو ماتت هذه .. العاهرة بين أيدينا ؟           

 صوت الدكتور : كلا ، كلا ، هيا ، هيا ، حاول أكثر ، أكثر ، طالما  لم تفقد وعيها بعد . هيا ، هيا ، قلت لك .. 

جيراردو : باولينا ، أعطني هذا المسدس ، أرجوك .

باولينا : كلا .

جيراردو : لا يمكننا التحدث وأنت تشهرين السلاح  بوجهي هكذا .

باولينا : على العكس ، لأنني حالما أبعد فوهة المسدس عنك ، سينتهي الحديث بيننا أتوماتيكياً ، لأنك ستستخدم قابلياتك المهنية لتربح النقاش في الآخر .

جيراردو : باولينا ، يجب أن تفهمي جيداً أن ما تقومين به الآن سيكون له عواقب خطيرة .

باولينا : خطيرة ، هاه ؟  نتائج .. متعذر علاجها ، هاه ؟

جيراردو : نعم ، متعذر علاجها ، باولينا .

دكتور ميراندا ، إنني أطلب منك العفوعما بدر من زوجتي من ..

باولينا : لا تطلب المعذرة من هذا الوضيع .

جيراردو : باولينا ، فكيّ وثاقه .

باولينا : كلا .

جيراردو : إذاً ، أنا سأقوم بذلك .

( يتقدم جيراردو نحو روبيرتو ، وفجأة تنطلق رصاصة مدوية من مسدس باولينا . تشعر باولينا بالذهول ، وترتد الى الوراء حين تنطلق الرصاصة من المسدس ، تماماً مثل ردةّ الفعل التي حدثت لروبيرتو وجيراردو . واضح جداً أنها لاتجيد استعمال السلاح .  )

جيراردو : لا تطلقي مرة أخرى ، باولـ .. أعطني المسدس . ( صمت )

باولينا ، أنت لست من النوع الذي يفعل ، أو يستطيع أن يفعل مثل هذه الأشياء .

باولينا : متى ستتوقف ، جيراردو ، عن قولك ماالذي أستطيعه وماالذي لا أستطيعه.

" لا تستطيعين هذا ، لا تستطيعين ذاك ، لا تستطيعين ذاك " .

إنني أستطيع أن أفعل أيّ  شيء ، وها أنا أفعل ما أريد .

جيراردو : ولكن ماهو السبب الذي يدعوك لمعاقبة هذا الرجل ؟ اذا كنت تمتلكين سبباً وجيها ، أو تهمة ضده ، فعليك أن توجهي له ذلك فقط  في المحكمة وأمام  القاضي ..

  ( تضحك باولينا بازدراء )

القاضي ، نعم ، مهما يكن ذلك القاضي ، سواء كان مرتشياً ، فاسداً أو جباناً .

باولينا ، إن التهمة الوحيدة التي يمكنك أن توجهيّها لهذا الرجل ، هي إحسانه ، نعم ، باولينا . هذا الرجل وقف لي طواعية في الطريق السريع لكي يساعدني وينقذني من المأزق الذي حلّ بي . لقد أوصلني إلى هنا ، إلى البيت ، نعم ، ولم يكتفي بذلك ، بل عرض عليّ ، فوق ذلك أن ...

باولينا : آه ، تذكرت . لقد اتصلت بورشة التصليح ويمكن أن يصل عامل الورشة في أية لحظة .

جيراردو : ماذا ؟

باولينا : حين خرجتُ مبكراً هذا الصباح لاخفاء سيارة ملاكك الطيب ، اتصلت بالورشة ورتبتّ معهم كل شيء . لذا من الأفضل لك أن ترتدي ملابسك الآن ، وتتهيأ للخروج ، لأن العامل يمكن أن يصل في أية لحظة ، مفهوم .

جيراردو : باولينا ، أرجوك ، هل يمكننا معالجة الأمر بطريقة أخرى ؟

هل بامكاننا أن نحتكم إلى العقل فيما نفعل ؟

باولينا : بامكانك أنت أن تحتكم إلى العقل . بالطبع ، أنت تحتكم إلى العقل لأنهم لم يؤذوك مطلقاً  .

جيراردو : كلا . لقد آذوني أيضا . نحن لانتنافس هنا من أجل الفوز  بجائزة من منا تعرّض أكثر للرعب والخطر والأذى . اللعنة ... دعينا نكن منصفين وواقعيين باولينا .

 لو افترضنا ، أقول ، حتى لو افترضنا أن هذا الرجل كان هو المسؤول عن تلك الحوادث المريعة ، على الرغم من أن ذلك مستحيل ، إذ لايوجد سبب لذلك . حسناً ، ومع ذلك ، لنفترض أنه هو الفاعل ، فأنك حتى في هذه الحالة ، لا تمتلكين الحق أن تتصرفي معه بهذا الشكل الشنيع ..

باولينا ، حبيبتي ، أرجوك ، انظري إلى ماتفعلين . فكرّي في نتائج ...

( صوت محرك شاحنة يُسمع خارج المنزل )

باولينا : ( تسرع باتجاه الباب ، ثم تفتحه على النصف وتنادي بأعلى صوتها )

نعم ، نعم إنه قادم ، إنتظر قليلاً ..

( تغلق الباب ، ثم تقفله بالمفتاح . تغلق الستائر وتنظر إلى جيراردو . )

 هيا ، ارتدي ملابسك بسرعة . إنه عامل ورشة التصليح . سيذهب معك إلى الطريق العام ، حيث موقع السيارة ، وسيقوم بسحبها من هناك . الاطار الاحتياطي موجود في الخارج .

لقد أخذتُ رافعته أيضاً ( تشير نحو روبيرتو )

جيراردو : سرقتِ رافعته ؟

باولينا : كي تحتفظ أمي برافعتنا .

           ( وقفة قصيرة )

جيراردو : ألم يخطر ببالك ، أنني .. من الممكن أن أذهب وأبلغ الشرطة بذلك ؟

باولينا : أشك أن تفعل ذلك ، لأنك رجل يؤمن ايماناً مطلقاً في قدرته على الاقناع . ومع ذلك ، أتعرف ماذا سيحدث لو أن رجال الشرطة جاءوا حقاً وحشروا أنوفهم في هذه القضية ؟ أقسم أنني سأطلق رصاصة الرحمة مباشرة في رأس هذا الرجل . نعم ، جيراردو ، وبعدها سأوجه فوهة المسدس إلى فمي وأضغط الزناد .

جيراردو :  حبيبتي ، أوه باولينا ، كلا ، ياإلهي ، أنت لست باولينا .. كيف يمكنك أن تتصرفي هكذا ، أو تتحدثي بهذه الطريقة ؟

باولينا : دكتور ميراندا ، أخبرْ زوجي ما فعلتهُ بي ، لكي يفهم سبب جنوني .

جيراردو : حسناً ، باولينا أريد منك أن تخبرينني بالضبط ، ماالذي تنوين القيام به ؟

باولينا :  لست أنا وحدي ، بل نحن الاثنين ، جيراردو . سنقوم معاً بمحاكمته .. وهنا ، في هذا

البيت ، وفي هذا اليوم ، أنا وأنت . أم تريدني أنتظر لجنتكم الموقرة ، ذائعة الصيت ، لتفعل ذلك ؟

 

                                                  ( تطفأ الأنوار )

 ------------

  بيبلوغرافيا :

 

آرييل دورفمان ( 1942) مواطن تشيلي أمريكي الجنسية .

 

الدراسات

ـ كيف تقرأ دونالد دِك ( عمل مشترك مع الكاتب أرماند ماتيلارت ) 1971 .

ـ ملابس الإمبراطور العجوز 1983 .

ـ بضع كتابات من أجل المستقبل 1991

ـ مسرح اللامعقول بين أربعة جدران " مسرح هارولد بنتر " .

ـ رحلة مزدوجة " عين نحو الجنوب ، وأخرى نحو الشمال " مذكرات وثائقية  1998

 

الروايات

 

ـ الأرامل 1883 . أغنية مانويل سينديروالأخيرة 1987 . ماسكارا 1988.

المطر القاسي 1990 . الثقة 1995 . مذكرات صحراء 2004 ( رحلة في شمال تشيلي ) .

المجاميع القصصية الأخيرة

ـ الفالس الأخير وقصائد عن المنفى والإختفاء 1988 . وطني وسط النار 1990 .

 

المسرحيات

 

ـ ثلاثية المقاومة ( الأرامل 1989. القارىء 1990 . الموت والعذراء 1991 ) .

( ماسكارا ) و ( قائمة في سيرة حياة المشهورين ) 2004 .

الجانب الآخر 2005 .

 

السيناريوهات

 

ـ الموت والعذراء ( كتابة مشتركة مع روفائيل إيغليسياس  1992 . أنتج عام 1994  وقام بإخراجه المخرج السينمائي رومان بولونسكي  . تمثيل : بن كنسلي  و سيكورني ويفار ) .

ـ سجناء في الموعد المحدد ( مشترك مع ولده الأكبر رودريغو 1995 ) .

ـ وطني وسط النار ( سيناريو وإخراج مشترك مع رودريغو 1999 ) .

ـ الموعد الأخير ( سيناريو وإخراج مشترك مع رودريغو 2002 ) .

ـ أعزل في نيويورك ( كتبه دورفمان ولعب أحد أدواره ، وأخرجه دانيال ألغرانت  2003 ) .

 

* الجوائز التي نالتها مسرحية " الموت والعذراء "

 

نالت جائزة Time Out Award عام 1991 كأفضل عرض مسرحي في لندن .

نالت جائزة السير لورنس أوليفيه عام 1992 كأفضل عرض مسرحي في لندن .

نالت جائزة 9th Dong Award  1993  في كوريا .

نالت جائزة Dora Mavor  Award 1994 كأفضل عرض مسرحي في كندا .

نالت جائزة Yoshiko Yusasa Prize  1995 كأفضل مسرحية أجنبية في اليابان .

-------- 

* علي كامل ممثل ومخرج مسرحي وسينمائي عراقي مُقيم في لندن

** مقطع من المسرحية الكاملة المنشورة لدى دار المدى 2005

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group