|
شجرة الكرز المشقوقة
قصة:
جيسي ستيوارت*
ترجمة:
فاطمة ناعوت**
-" لا أرفض البقاءَ بعد انتهاء اليوم الدراسي، " قلتُ للبروفيسور
هربرت، " ومع هذا أفضل أن تجلدني بسلك الكهرباء على أن تدعني أعود
إلى البيت مبكرًا. أبي سوف يجلدني بالسوط أيضًا إذا ما عدتُ
متأخرًا ساعتين كاملتين عن موعد المدرسة."
-" أنتَ الآن أكبر من أن تُضرب ," قال البروفيسور، " وكان عليّ أن
أعاقبكم على تسلّق شجرة الكرز. تعلمون هذا جيدًا أيها الصبية،
الأولاد الخمسة الآخرون دفع كلٌّ منهم دولارًا، ألا يمكنك استدانة
دولار؟"
-“
لا، " أجبتُ،" أنا مستعدٌ للعقاب، على ألا يستغرقُ وقتا، لن أمانع
مادام سريعا."
وقف البروفيسور هربرت و تأملني. كان رجلا ضخمًا، يرتدي بدلةً
رماديةً تتناغم مع شعره الفضيّ.
-" أنتَ لا تعرف والدي،" قلتُ له،" هو من هذا الطرازٍ العتيق. عرف
كيف يجعل أولاده يهابونه حتى العشرين من أعمارهم. شِعاره:" إن
نحيّتَ العصا أفسدتَ الطفل"، ولذا لن يتفهم أمر شجرة الكرز أبدًا.
فأنا أول من دخل مدرسة ثانوية في عائلتي."
-" إذًا لابد أن تنال العقاب،" قال البروفيسور،" ستمكث في المدرسة
بعد موعد الانصراف، ساعتين اليوم وساعتين غدًا. سأمنحك خمسًة و
عشرين سنتًا عن كلِّ ساعة. هذا مكسب طيب لطالب في المدرسة
الثانوية. سوف تكنس أرضيات المدرسة، تغسل السبورات، تنظف النوافذ.
وسأدفع الدولار عنك."
لم أجرؤ على أن أسأل البروفيسور هربرت أن يقرضني الدولار. فهو لم
يعرض عليّ مطلقا هذا. ولذا كان عليّ البقاء مع الحارس ومساعدته
لأنهي عقوبتي في ربع ساعة. فكرتُ فيما أكنس الأرضية " ماذا سيفعل
أبي بي؟ أيُّ كذبةٍ سأقصُّها حين أعود البيت؟ لماذا نتسلق شجرة
الكرز ونكسرها دائما على هذا النحو؟ لماذا نركض بجنون فوق التلال
مبتعدين عن الضجة والزحام؟ ما الذي يدفعنا لارتكاب كل هذا الحمق ؟
ستة من الأولاد يتسلقون كرزة صغيرة لمطاردة سحليّة صغيرة و
اصطيادها! فلماذا تنزلقُ الشجرة وتنقسمُ تحت أجسادهم ؟ كان على
الشجرة أن تكون أكثر قوةً ! ثم لماذا تصادف وجود العجوز " إيف
كرابتري" صاحب الكرزة في تلك اللحظة بالتحديد ؟ لماذا كان يحرث
الأرض ؟ ليمسك بنا و يغرمّنا ستة دولارات من أجل كرزته تلك ؟"
كانت السادسة حين برحتُ المدرسة. أمامي ستة أميال سيرًا باتجاه
البيت. ربما أصل بعد السابعة. ويكون أمامي الكثير من العمل
لأنجزه. أبي و أنا نقتسم العمل عادةً: حلبُ سبع بقرات، إطعام تسعة
عشر رأسا من الماعز وأربعة بغال وخمسة وعشرين خنزيرًا، تقطيع أخشاب
للنار، وسحب المياه من البئر. أبي سيكون منخرطا في العمل عند
عودتي، ولذا سيثور في وجهي متسائلا عن سبب تأخري !
هرعت إلى البيت. كنت أركض تحت غطاء العتمة والأشجار العارية من
الأوراق. ركضتُ صعودا للتل، ثم نزولا من التل، الأرض مغطاة
بالصقيع، يلزمُ أن أسرع أكثر، كان عليّ أن أجري ،فقط الجري، الجري.
وصلت إلى الضلع الطويل الذي يفضي إلى مرج أبقارنا. الرياحٌ جففت
قطرات العرق على جبهتي. اخترقتُ المرج إلى البيت. ألقيت كتبي على
الأرض، ثم ركضت صوب مخزن الحبوب لأجهّز علف الماشية، لم أستغرق
وقتا في أن أستبدلَ بملابس المدرسة النظيفة ملابسَ العمل البالية.
ركضت خارج الحظيرة فوجدت أبي ينثر العلفَ على الأرض للماشية. تلك
كانت مهمتي! صعدت أعلى السياج وهتفت:" اترك هذا الأمرَ لي، سأؤديه
يا أبي، لم أتأخر إلا قليلا."
- " أرى هذا بالفعل،" قال أبي واستدار ليرمقَني. كانت عيناه ترقصان
لهبًا. " أيُّ أمرٍ في هذا الكون جعلك تتأخر هكذا؟ لماذا لم تكن
هنا في الموعد لتساعدني في العمل؟ "اصنع سيدًا من أبنائك واجعله
يتعلم !" أرسلتك للمدرسة الثانوية لتتعلمَ، وهذا ما جنيتُه أنا !"
لم أقل شيئا. خشيتُ أن أخبره عمّا أخّرني. كفّ أبي عن نثر حِزَم
العلف ورمقني قائلا:" ما الذي أخرّك حتى تلك الساعة من الليل؟
اخبرني وإلا سأحضر عصا التأديب في التو."
- " كان علي المكوث بالمدرسة بعد الموعد."
لم أستطع الكذب، إذ كان بإمكانه الذهاب إلى المدرسة ومعرفة السبب.
الكذبُ سيجلبُ أسوء العواقب عليّ.
- " لماذا كان عليك المكوث بعد المدرسة؟ سأل أبي
- " أخذَنا مدرسُ العلوم اليومَ في رحلة. كسر ستة منّا شجرةَ كرزٍ.
وكان على كلٍّ دفع دولار غرامة عن الشجرة. لم يكن معي دولار،
فاستأجرني البروفيسور هربرت للعمل بقيمته. أعطاني خمسة وعشرين سنتا
في الساعة. ولذا لزم بقائي هذه الظهيرة، وسوف يكون عليّ غدا البقاء
أيضا."
- " هل تقول الحقيقة؟"
- "نعم، أقول الحقيقة، اذهب وسلْ بنفسك."
- " هذا ما سأفعله في الغد،" قال، " لمن كانت تلك الشجرة التي
كسرتموها؟"
- إيف كرابتري."
- " وماذا كنت تفعل في أرض إيف كرابتري " سأل أبي." إنه يعيش على
بعد أربعة أميال من مدرسة المدينة الثانوية. أبدلا من أن يعلموكم
الكتب، يتركوكم تخرجون وتركضون إلى منحدرات التلال؟! إذا كانوا لا
يفعلون سوى ذلك، سأستبقيك بالبيت يا" ديف". لديك الكثير من الأعمال
لتؤديها هنا! "
- " أبي، إنه فصل الربيع. أخذنا درسًا عن أماكن تواجد الحشرات
والثعابين والزهور والسحالي والضفادع والنباتات. هذه مادة العلوم.
اليوم كان يوم الدرس العمليّ، خرجنا لنتعلم هذا. في الوقت نفسه
لمحنا نحن الستة سحليةً تتشمس فوق شجرة كرز. تسلقنا جميعا للإمساك
بها فكسرنا الشجرة. انشقت عند منبت الأفرع. كان إيف كرابتري يحرث
الأرض. ركض أعلى التل ودوّن أسماءنا. دفع كل من الأولاد الآخرين
دولارا، ولم يكن معي ما أدفعه. دفعه عني بروفيسور هربرت وعليّ أن
أعمل بالمدرسة مقابل هذا الدولار."
- "عجبًا يا ابن الرجل الفقير! " قال أبي متهكمًا." سوف أذهب بنفسي
صباحا لأحضر الدرسَ معك، غدا أذهب لأقابل هذا المعلم الغريب عن
البلدة، الذي جعلك تترك كتبك وتتسكع بين التلال. أي نوع من المدارس
تلك ! كان عليك أن ترفض يا بني، هذا مكسب حلاق تافه."
- "أرجوك يا أبي لا تذهب، فقط اعطني خمسين سنتا لأدفع بقية
الغرامة! لا أريدك أن تذهب إلى هناك ! لا أريدك أن تشتبك مع
بروفيسور هربرت."
- " أنت تخجل من أبيك يا "ديف، أليس كذلك؟ بعد كل ما بذلته من جهد
لأجعلك تعلو! أرسلتك إلى المدرسة لترتقي بحياتك وتصنع ما لم أصنعه.
لابد أن أصلح هذا الأمر بنفسي ! سأحاور هذا البروفيسور هربرت، ليس
من حقه أن يستبقيك بالمدرسة ويطلق سراح الأولاد الآخرين لأن لديهم
مالا! أنا رجل فقير. لكن الرصاصة يمكن أن تخترق جمجمة البروفيسور
على نفس النحو الذي تفعل مع جمجمة أي رجل آخر. الرصاصة تتصرف
بالطريقة ذاتها مع الغني والفقير.والآن، ابدأ في عملك قبل أن أمشك
أحد تلك الغصون وأمزق قميصك."
فكرت لوهلة أن أجري عبر الغابة خلف مخزن الحبوب، اجري قدر ما
أستطيع. فكرت أن أترك المدرسة والبيت إلى الأبد! لن يكون بوسع أبي
ملاحقتي! سأكون بعيدا جدا! ليس بوسعي الذهاب إلى المدرسة بعد زيارة
أبي، لديه بندقية وربما يصرع البروفيسور هربرت. ليس من السهل
التكهن بما سيفعل. من الممكن أن أخبر أبي أن المدارس قد تغيرت
كثيرا عما كانت عليه حين كان طفلا، سوى أنه لن يفهم. من الممكن أن
أخبره أننا ندرس الضفادع والطيور والثعابين والسحالي والزهور
والحشرات. لكن أبي لن يفهم. حتى لو هربت من البيت، لن يغير هذا من
الأمر شيئا. سيقابل أبي مستر هربرت في كل الأحوال. سيعتقد أن
المدرسة الثانوية والبروفيسور هربرت هما من قد جعلاني أهرب من
البيت. ليس من حاجة إلى الفرار إذًا، سأبقى وحسب، أنهي إطعام
الماشية، وغدا، أذهبُ إلى المدرسة مع أبي.
كان عليّ أن آخذ حزمةً من العلف، أزيل الخشب والعصبة التي تطوقها،
أبعثرها فوق الصخور و شجيرات الورود الجبلية والدغل كي لا تدوسها
الماشية بأقدامها. ثم أميلّها في مواجهة شجر البلوط و صخور المرج
الذي يمتد أعلى حظيرة الخنازير عند التل. كان العلف باردا جدا
ومغطى بالجليد حيث تُرك في العراء في أكوامٍ متجاورة. يلزم أن أحمل
حزم العلف من أكوامها قبل أن أضع كل حزمة في مكانها. توجه أبي إلى
الحظيرة لإطعام البغال وإلقاء الذرة في أحواض الخنازير.
سطع القمر منيرًا في سماء آذار الباردة. فأنهيت عملي على ضوئه.
بالتأكيد لا يدرك البروفيسور هربرت كمَّ العمل الذي أؤديه في
البيت. لو علمَ لما استبقاني في المدرسة. كان سيدفع عني الدولار،
حصتي في غرامة شجرة الكرز، وحسب. هو لم يعش مطلقا خلف التلال، لهذا
لم يدر أبدا على أي نحوٍ يحيا صبية التلال وكيف عليهم أن يعملوا
حتى يتمكنوا من الذهاب إلى المدرسة. هو فقط يعمل في مدرسة البلدة
الثانوية التي كل تلاميذها من أبناء التلال.
بعد الانتهاء من عملي ذهبت إلى البيت لتناول العشاء. أبي وأمي كانا
قد تناولا عشاءهما، ووجبتي كانت باردة. سمعتهما يتكلمان في الغرفة
الأمامية، كان يحكي لها عن استبقائي في المدرسة بعد موعد الخروج.
- " اضطررت للقيام وحدي بكل أعمال الحلب، وتقطيع الأخشاب. كان هذا
شاقا جدا بعد حرث الأرض طوال النهار. سآخذ راحة غدًا وأرى إن كان
يمكنني إصلاح الأمر. سأهبط التلَّ حيث تلك المدرسة، سأكون تلميذا
غير نجيب لهذا البروفيسور هربرت، لكنه لن يتمكن من استبقائي بعد
موعد الدراسة، سألقنه نوعا آخر من الدرس هناك و أجعله يقر بخطأه."
- "اسمع يا "لستر" ," قالت أمي." ابق بعيدا عن الأمر. لا تثر
المزيد من المشاكل. سيُلقى بك في السجن من أجل هذا. سيلاحقك
القانون. لو هبطت إلى هناك ستلفت النظر وتسبب كارثة لابنك قد تؤدي
إلى انهياره أمام كل التلاميذ."
- "كارثة أو لا كارثة،" قال أبي." إنه لم يراع ما أفعله هنا، أليس
كذلك؟ سأعلمه أنه لا يمتلك الحق في استبقاء صبيٍّ وإطلاق سراح
الآخرين ليمضوا من دون عقاب. إن ولدي جيدٌ مثل رفقائه، أليس كذلك؟
الرصاصةُ تصنع ثقبا في رأس معلم المدرسة مثلما تفعل في أي رأس آخر.
لن أدعه يفعل ذلك بي ويمضي.سآخذه بقوة. أنوي أن أهبط إليه مبكرا
ونشيطا لأصلح كل هذا الخلل ! أنوي أن أشاهد اليعاسيب و أدرس
مخلوقات الله من ثعابين وسحالٍ وضفادعَ.سأنقّب في البلدة وأخترق
بساتين الكرز وأحطم الأشجار وأطاردُ السحالي! كان حريًّا بالعجوز
إيف كرابتري أن يهدئ من فورة الصبية المتحمسين بدلا من جعلهم
يغرمون ستة دولارات! كان يجب أن يعاقبه هربرت أولا!"
تناولت عشائي. تسللت إلى الأعلى و أضأت المصباح. جاهدت أن
أنسى الأمر كاملا. استذكرت الهندسة المستويّة، ثم راجعت درس
العلوم. لم أفهم كلمةً مما قرأت بسبب تفكيري في أبي." سوف يصطحبني
إلى المدرسة صباحا ومعه بندقية! ماذا سيقول عني البروفيسور هربرت!
سأخبره بعدما يمضي أبي أنني لم أتمكن من منعه. لكن قد يرميه أبي
بالرصاص. أكره أن أذهب معه. علّه يهدأ أثناء الليل ويغفل عن
مرافقتي غدًا."
استيقظ أبي في الرابعة. أشعل الموقد ثم المدفأة. أيقظ أمي لتعدَّ
الإفطار. ثم أيقظني لأساعده في الحلب والعلف. بمجرد أن أنهينا
أعمال الحظيرة كانت أمي قد جهزت إفطارنا. أكلنا ثم انتشر ضوء
النهار في الأمكنة فكان بوسعنا مشاهدة أشجار البلوط العارية مغطاةً
بالجليد الأبيض. التلال كذلك كانت بيضاء بالثلوج. هبت رياح باردة
فبدت السماء أكثر صفاءً.لن تلبث الشمس أن تشرق وتذيب الصقيع. ستكون
ظهيرة دافئة مع أشعة الشمس، وسوف تتفكك الأرضية المتصقعة. ويظهر
الطمي فوق التلال مجددا.
- "هيا يا ديف !" قال أبي بغير قليل من التهكم." دعنا نستعد
.سأذهب معك هذا الصباح لأحضرَ درس اليعسوب ودرس الضفدع والسحلية
والثعبان، وسوف أكسر الكرزة معكم ! مللت طريقتي الحمقاء في تحصيل
الدروس وحيدًا هنا."
لم ينس أبي. لزم عليّ أن أصطحبه معي إلى المدرسة إذًا. سنذهب
مبكرين. من دواعي سروري أن نذهب مبكرين. لو قرر أبي أن يطلق النار
على البروفيسور هربرت لن يكون هناك الكثير من التلاميذ ليروه.
كان أبي يرتدي أوفرول باليا، وحذاءً طويلا، وقميصًا أزرق ومعطفا من
جلود الماعز، وقبعة سوداء عتيقة متدلية. وضع بندقيته في جرابها.
وبدأنا الطريق الطويل المجهد عبر التل صوب المدرسة.
مبكرا مازال الوقت حين وصلنا إلى مدرسة البلدة. كان البروفيسور
هربرت قد وصل قبل قليل. و كنت أفكر، بينما نصعد درجات بناية
المدرسة،" سوف يكتشف أبي أن البروفيسور هربرت رجلٌ طيب. هو فقط لا
يعرفه. تماما مثلما شعرت أنا تجاه أولاد لامبرت وراء التل أول
الأمر. لم أكن أحبهم حتى عرفتهم وتكلمت معهم. بعد أن ذهبت معهم إلى
المدرسة وحاورتهم، أحببتهم وصرنا أصدقاءً. الكثير جدا يكمن في
معرفة الآخر."
- " حسنًا،" قال البروفيسور هربرت." أنت إذًا والد ديف."
- " أجل،" قال أبي، بعد أن سحب بندقيته ليضعها على المقعد في غرفة
البروفيسور، الذي بدت عيناه واسعتين خلف نظارته الزجاجية ذات
الإطار الفضيّ. وفيما يرمق بندقية أبي، صعد اللون إلى وجنتيه
الشاحبتين.
- " فقط أريد أن أفهم بعض الأمور عن هذه المدرسة،" قال أبي." حاولت
أن أجعل من ديف تلميذا. هو الوحيد الذي أرسلته إلى المدرسة
الثانوية من بين أحد عشر صبيا. والآن هاهو يعود متأخرًا ويترك
العملَ كلَّه لأؤديه وحدي.أخبرني أنك أخذتهم أمس لقنص اليعاسيب
فكسروا شجرة كرز. و عوقب هو بالمكوث في المدرسة ساعتين بعد الموعد
ليعمل مقابل ثمن الشجرة. هل هذا صحيح؟"
- " ممممم،" قال البروفيسور." نعم أظنه صحيحًا." ثم رمق بندقية
أبي.
- " حسنًا," قال أبي." إذًا هذه ليست مدرسة عليا كما كنت أظن، بل
مدرسة يعاسيب، مدرسة سحالٍ، مدرسة ثعابين! هي ليست مدرسة على
الإطلاق!"
- "لماذا أتيت بهذه البندقية ؟" سأل البروفيسور هربرت.
- " هل ترى هذا الفوهة؟ " قال أبي فيما يلتقط بندقيته الطويلة
الزرقاء الـ 44، ويشير بإصبعه إلى نهاية الماسورة، " يمكن لرصاصة
أن تخرج من تلك الفتحة لتقتل معلّما بالمدرسة الثانوية، تماما
مثلما تقتل أي رجل آخر.تقتل ثريًّا على نفس النحو الذي تقتل به
فقيرًا. هذه الرصاصة كانت ستقتل رجلا. لكن بعدما جئت هنا ورأيتك،
عرفت أنني لن أحتاجها، عصاي تلك يمكنها إنهاءك في دقائق قليلة."
انتصب أبي، فبدا ضخمًا، صلبًا، بنيَّ البشرة، ومفتول البناء إلى
جوار البروفيسور هربرت. لم أكن أتخيل مطلقًا أن أبي بهذه الصلابة
والكِبَر.لم أره في المدرسة من قبل. رأيت البروفيسور هربرت الذي
كان يبدو مهيبًا أمامي. ولم يعد هكذا جوار أبي.
- " أنا أؤدي واجبي وحسب مستر سكستون،" قال البروفيسور
هربرت،"وأتابع المنهج الدراسي الذي وضعته الدولة".
- " المنهج الدراسيّ !" قال أبي،" أي دراسة ! دراسة اليعاسيب؟
دراسة الحشرات؟ تأخذون الصغار للغابات بينما أمهاتهم وآباؤهم
يعملون كالعبيد في البيوت من أجل إبقائهم بالمدرسة وتزويدهم
بالعلم! هل تعلم كم هو خطير أن تُبقى أولادًا وبناتٍ في سويًّا
الخارج على هذا النحو ؟!"
بدأ التلاميذ يتوافدون الآن.
- " اغلق الباب ديف، لئلا يسمع الآخرون."قال البروفيسور هربرت.
تقدمت وأغلقتُ الباب. كنتُ أرتعد كما ورقة في عاصفة. في كل دقيقة
كنت أتوقع أن يضرب أبي البروفيسور هربرت. تكلم أبي بكل طاقته. كان
وجهه متقدًا، فبدا الأحمرُ مشعًّا من بشرته البنيّة، كأن طقسًا
متقلبًا يمورُ بين ملامحه.
- " كنت عادلا مع هؤلاء الصبية" قال البروفيسور هربرت." أعلم ما
يفعلون وما لا يفعلون. لم أرسل معلّمًا آخر معهم في رحلتهم, بل
ذهبت بنفسي. نعم أخذت الأولاد والبنات سويًا، لمَ لا؟ ماذا في هذا
؟"
- " هذا لا يبدو جيدًا لي وحسب،" قال أبي، " الخروج بكل تلك
المجموعة من الصغار لينهبوا المقاطعة المجاورة، ويحطموا أشجار
الكرز، ثم استبقاؤهم بعد موعد الدراسة."
- "ماذا أيضا تراني فعلت مع ديف يا مستر سكستون؟" قال البروفيسور."
لم يكن للأولاد الحق مطلقا في تسلق شجرة الكرز جميعا لمطاردة سحلية
واحدة. كان يمكن لولدٍ واحد أن يتسلق الشجرة ويأتي بها. غرّمنا
المزارعُ ستة دولارات. مبلغٌ كبيرٌ إلى حد ما، لكن كان لابد أن
ندفعه. هل أجعل الخمسةَ يدفعون وأستثني ولدك؟ قال إنه لا يملك
الدولار ولا يمكنه الإتيان به لاحقا. لذا دفعته عنه وجعلته يعمل في
مقابله. لم يعمل من أجلي، بل من أجل المدرسة."
- " فقط لا أدري لماذا فعلت هذا معه، لماذا لم تجلده بالسوط؟ هذا
ما كان يحتاج." قال والدي.
- " ولدك كبير على الضرب الآن،" قال البروفيسور هربرت مشيرا إلىّ."
هو يقارب الرجلَ حجمًا."
- "بالنسبة لي ليس كبيرا على الجلد بالسوط،" قال أبي." لا نعتبرهم
كبارا حتى يناهزوا الواحدة والعشرين! هذا ليس عدلا، أن يشتغّلَ
واحدٌ بينما الآخرون يرتاحون لمجرد أنهم يمتلكون مالا. ثم إني لا
أفهم ما علاقة اليعاسيب بمدرسة ثانوية! الأمر يبدو لي سيئا جدا
برمته."
التقط أبي بندقيته وأعادها إلى الجراب، فغادر اللون الأحمر وجنتيّ
البروفيسور هربرت. ثم استمر في إقناع أبي الذي بدا أهدأ قليلا. كان
أمرا مضحكا أن أرى أبي داخل أسوار المدرسة. تلك المرة الأولى على
الإطلاق أن يتواجد هنا.
- " لم نكن فقط نصطاد ثعابين وضفادعَ وزهورا وفراشاتٍ وسحالٍ،" قال
البروفيسور،" لكنا كنا نجمع أيضا الأعشاب الأوربية لنزرعها في
حضّانات الطين لإنتاج وحيدات الخلية."
- " لا أفهم ما تقول،" قال أبي،" الحضّانات هي الطريقة المستحدثة
للتحايل على الدجاجات لاقتناص بيضها وإنتاج الكتاكيت. لا أثق من
أنوع السلالات التي تنتجها الحضانات."
- "سمعتَ عن الجراثيم يا مستر سكستون ! أليس كذلك؟" قال
البروفيسور.
- " نادني " لستر" و حسب." قال أبي.
- " حسنًا لستر، هل سمعت عن الجراثيم؟" سأل البروفيسور.
- " أجل، لكنني لا أؤمن بوجودها. أنا الآن في الخامسة والستين ولم
أرَ أيًّا منها مطلقا."
- " لن يمكنك رؤيتها بعينيك المجردتين," قال هربرت." دع بندقيتك في
جرابها وابق معي اليوم بالمدرسة. لدي ما أعرضه عليك. هذه الرواسب
فوق أسنانك بها جراثيم."
- " ماذا ؟!" قال أبي." أتريد أن تقولَ أن بأسناني جراثيم !"
- " أجل، النوع ذاته الذي يمكننا أن نجده في ثعبان أسود حيٍّ إذا
ما شرّحناه."
- " لا أردي أن أجادلك، لكنني لا أعتقد في وجود جراثيمَ بأسناني."
قال أبي.
- " ابق معي اليوم وسأريك. ثم إني أريد أن أصطحبك في جولة داخل
المدرسة، تغيرت المدارس كثيرا عند التلال عما كانت عليه وقت ذهابك
إلى المدرسة قديما. لا أظن أن مدارس ثانوية عليا كانت هناك وقت
التحاقك بالمدرسة." قال هربرت.
- "لا، المدارس كانت فقط لتعليم القراءة والكتابة والأرقام، لم يكن
لدينا دروس عن اليعاسيب والضفادع والكشف عن الجراثيم بين أسناننا
ولا في جثة الثعابين السوداء! العالم يتغير."
- " نعم،" قال البروفيسور هربرت،" ونحن نطمح في التقدم. الأولاد
هؤلاء مثل ابنك سيساهمون في التغيير. هاهو ابنك، إنه يعرف عن كل ما
أخبرتك به الآن. ستبقى معي اليوم ؟"
- " قطعا سأبقى،" قال أبي،" أحب أن أرى الجراثيم بين أسناني. لم أر
واحدة في حياتي من قبل. الرؤية هي اليقين.هكذا كان يقول أبي."
خرجَ أبي من المكتب مع البروفيسور هربرت. تمنيت ألا يقدم
البروفيسور أبي للشرطة بتهمة إحراز السلاح. البندقية صديقة أبي
الدائمة خاصةً حين يذهب من أجل تسوية خلاف ما.
دق الجرسُ، وبدأ اليوم الدراسي. رأيت التلاميذ يتأملون أبي أثناء
مسيرتهم صوب المبنى المدرسي. كانوا يتغامزون ويدفعون بعضهم بعضا،
بينما وقف أبي ينظر إليهم فيما يمرون من بوابة البناية في طابوريْن
طويليْن. كان الأولاد والبنات نظيفين وجيدي الملبس. وكان أبي يقف
في فناء المدرسة تحت شجرة دردارٍ عارية من الأوراق في معطفه الرخيص
المصنوع من جلود الماعز، وحذائه الطويل ذي الأربطة المجدولة من جلد
الغزال، وجواربه الغليظة الملتصقة بأعلى حافة الحذاء. بينما أرجل
بنطاله واسعةٌ و مكرمشة في المسافة بين المعطف والحذاء وجزء من
قميصه الأزرق الخاص بالعمل باديا من ياقته. قبعته الضخمة السوداء
أظهرت جزءا من شعره الرماديّ الموشى بخطوط سوداء. وجهه بدا جامدا
مثل منجلِ جزِّ العلف الطازج، ومتقلبًا مثل طقس عاصف ملبد الغيوم.
يداه الكبيرتان كانتا معرورقتيْن مثل جذور شجرة الدردار التي يقف
بمحاذاتها.
قبل دخولي الحصة الأولى شاهدت أبي والبروفيسور هربرت يتجولان في
بناية المدرسة. وكان درس الهندسة عندما دخل أبي والبروفيسور هربرت
الفصل وكنا ندرس إحدى المسائل على السبورة. دخل أبي والبروفيسور
بهدوء وجلسا برهة. سمعت "فريد واتس" يهمس إلى " جلين آرمسترونج"
قائلا: " من هذا العجوز؟ يا إلهي، كم يبدو خشنًا وجلفا!" أجابه
جلين همسًا " أظنه والد ديف." الأولاد جميعا ينظرون إلى أبي. لابد
أنهم يتساءلون عما يفعل بالمدرسة. وقبل انتهاء الحصة، خرج أبي
والبروفيسور. شاهدتهما سويا في الفناء. كان البروفيسور يشرح لأبي
أمرًا. بوسعي رؤية بصمة حزام البندقية على كتف أبي أسفل معطفه فيما
كان يتجول.
عند الظهر، جلسا في مقصف المدرسة على الطاولة الصغيرة التي اعتاد
هبربرت أن يتناول عليها غداءه. أكلا سويًا. بينما الأولاد يراقبون
أسلوبَ أبي في تناول طعامه. كان يأكل بالسكين ما يجب أكله بالشوكة.
كثير من الصبية أشفقوا عليّ كون هذا الرجل أبي. ما كان عليهم أن
يأسفوا من أجلي، فأنا لم أعد أخجل من أبي بعدما اكتشفت أنه ما ذهب
إلى مستر هربرت كي يقتله كما ظننت. فرحت كثيرا لأنهما أصبحا
صديقين. لست خجلا من والدي طالما يحسن السلوك. إنه الآن بصدد
استكشاف المدرسة الثانوية على ذات النحو الذي استكشفت أنا فيه
أولاد لامبرت وراء التل. بعد الظهيرة، حين دخلنا حصة العلوم، كان
أبي في الفصل، يجلسُ على أحد المقاعد العالية بجوار المجهر.
انخرطنا في درسنا وكأن أبي غير موجود. رأيته يأخذ سكينه ويخدش بعضا
من الرواسب العالقة بأسنانه. وضعها البروفيسور هربرت فوق العدسة ثم
ضبط المجهر ليتمكن أبي من النظر فيه. ثم قال" الآن لستر، ضع إحدى
عينيك وانظر إلى أسفل الضوء بينما تغلق عينك الثانية."
فعل أبي ما طُلب منه." أراهم بالفعل " هتف أبي،" من كان يصدق هذا
!؟ فوق الأسنان !؟ داخل الفم !؟هل أنت واثق أن لا خدعة في الأمر يا
بروفيسور هربرت؟ "
"أبدًا يا لستر،" قال البروفيسور." إنها هناك. الجراثيم. الجراثيم
تحيا في عالمنا لكننا لا نراها بالعين المجردة. يجب أن نستعمل
المجهر. يوجد الملايين منها في أجسامنا. بعضها ضار وبعضها مفيد."
سحب أبي وجهه إلى الأسفل ونظر في المجهر مجددا. توقفنا عن أعمالنا
ورحنا نراقبه. كان يجلس على المقعد المرتفع، ركبتاه في مواجهة
الطاولة. ساقاه طويلتان. وانزلق معطفه إلى الوراء عندما انحنى
للأمام، وظهر حزام بندقيته، فأعاد بروفيسور هربرت المعطف إلى
الأمام سريعا.
- " آه أجل " قال أبي. اعتدل وأصلح وضع المعطف، تلون وجهه بالحمرة،
فقد كان يعلم أن ليس يجوز مطلقا حيازة بندقية في مدرسة.
- " لدينا ثعبان أسود اصطدناه بالأمس" قال هربرت." سوف نضعه في
الكلوروفورم ونشرِّحه ونريك أن بجسمه جراثيمَ كذلك."
- " لا تفعل أرجوك،" قال أبي, " أنا أصدقك. أكره أن أراك تقتل
ثعبانًا. لم أقتل أيًا منها أبدا. إنها كائنات طيبة ومفيدة لنا في
الحقل. أنا أحب الثعابين السوداء، وأكره أن أرى الناس تقتلها. لا
أسمح بذلك أبدا في حقلي."
كان الأولاد ينظرون إلى أبي طوال الوقت وبدا أنهم أحبوه حين قال
هذا. أبي، بندقيةٌ في معطفه و قلبٌ تحت ضلوعه يشفق على الثعابين،
الثعابين و حسب، لا على الإنسان! أبي لا يجلد بغله مطلقا، لا يجلد
ماشيته.
- " الإنسان بوسعه الدفاع عن نفسه،" قال أبي، " لكن البهائم لا
تستطيع. نحن نرمي بأحمالنا عليها، لكنها لا تعني شيئا للإنسان، لا
يعني المرء أن يضرب بغلا جيدا يستخدمه للجر، هذا النمط من البشر
يحمل القلب الأسوأ."
اصطحب البروفيسور هربرت أبي إلى المعمل. وعرض عليه مختلف الأعمال
التي نؤديها، والأجهزة التي نستخدمها. وقفا يتهامسان بينما نعمل.
ثم خرجا سويًا. تحدثا بصوت أعلى حين خرجا إلى الردهة الخارجية.
حين انتهى درس العلوم خرجت من الفصل. كانت آخر حصص اليوم، وكان
عليّ أن آخذ المقشة لأكنس لساعتين ومن ثم أتمم دفع حصتي من غرامة
شق شجرة الكرز. كنت أتساءل هل سيوافق أبي على بقائي؟ كان واقفا في
رواق البهو ينظر إلى التلاميذ وهم يخرجون بانتظام في طابور. وبدا
ضائعا بينهم، مثل ورقة شجرٍ تحولت إلى اللون البنيّ بين أوراق شجرة
نامية خضراء. وضعت مقشتي جانبًا، أخذت كتبي ونزلت درجات السلم.
فقال أبي " أليس لديك ساعتان من الكنس الآن؟"
- " قال البروفيسور هربرت أنه بإمكاني تأديتهما في وقت لاحق.ليتسنى
لي مرافقتك إلى البيت." قلت له
- " لا،" قال أبي،" يجب أن تنفذ ما عليك. إنه رجل طيب. المدرسة
تغيرت كثيرا عما كانت عليه في عهدي. أنا محض ورقة شجر ميتة يا ديف.
أنا إلى زوال. أنا لا أنتمي إلى هذا المكان. ليته يقبل أن آخذ
مقشةً ونكنس معا ساعةً واحدة. هذا يوفي دينك، وأودُّ أن أساعدك في
سداده. دعني أسأله وأرى إن كان لا يمانع أن أساعدك."
- " لقد ألغيتُ الدَّين،" قال البروفيسور هربرت،" فقط كنت أريدك أن
تفهم الأمر يا لستر."
- " إني أفهم،" قال أبي،" أفهم أن ابني يدفع دينه عن الشجرة، وأحب
أن أساعده."
- " لا تفعل، الأمر كله أصبح عندي منذ الآن." قال البروفيسور.
- " نحن لا نقبل مثل هذا،" قال أبي، " نحن قوم شرفاء وعادلون. لا
نقبل شيئا في مقابل لاشيء. بروفيسور هربرت، أنت الآن مخطأٌ و أنا
على صواب. عليك أن تستمع إليّ وتطيعني. أنا تعلمت الكثير منك، ولدي
يجب أن يستأنف العمل. لقد تركني العالمُ، تغير بينما كنت مشغولا في
تنشئة أسرتي و فلاحة التلال. أنا رجل شريف وعادل. لا أمرر الديون.
وأرفض أن أعلم ولدي ذلك. لم أحصل على الكثير من العلم لنفسي، لكن
بوسعي التمييز بين الخطأ والصواب بعد أن نظرت خلال هذا الشيء إلى
جراثيمي."
عاد البروفيسور هربرت إلى منزله. وبقيت مع أبي نكنس المدرسة لساعة
واحدة. كان شيئا مضحكا أن أرى أبي يمسك المقشة. لم يستخدمها مطلقا
في البيت. أمي تستخدم المقشة. وأبي يستخدم المحراث. أبي يعمل عملا
شاقًا. قال أبي " لا أجيد الكنس. اللعنة، انظر إلى خطوط الوسخ التي
تركتُها على الأرضية، وكأنني لم أفعل شيئا على الإطلاق. المقشات
أشياء خفيفة جدا لهذا لا أقدر على التعامل معها، سأبذل أقصى ما
أستطيع يا ديف، كنتُ مخطأً في حق المدرسة."
قلت لأبي " هل تعلم أن بروفيسور هربرت كان بوسعه إقامة دليل إدانةٍ
عليك لحيازة مسدس داخل المدرسة وإبرازك إياه في مكتبه ! كان يمكنهم
أن يعتقلوك على هذا !"
- " كل هذا صحيح،" قال أبي " لكن بروفيسور هربرت لم يكن ليجرني إلى
المحكمة. لقد أحبني. أنا أيضا أحببته. نحن توافقنا سويا. لقد
أصلحني وعلمني. يجب أن تواظب على مدرستك. قد أكون من أقوى الرجال
الذين خرجوا من وراء التل بسبب العمل الشاق الذي أديته، لكنني أقفُ
في الخلف يا ديف، أنا رجل تافه. سوف تكون يداك أنعم من يديّ،
وملابسك أفضل. سوف تبدو دائما أكثر نظافة من أبيك العجوز. فقط تذكر
دائما يا ديف، أن تؤدي ديونك وتكون أمينا. كن طيبا مع الحيوان ولا
تؤذي الثعابين. هذا هو مأخذي الوحيد ضد المدرسة، تخدير الثعابين
السوداء ثم تقطيعها وفتحها."
كان الوقت متأخرا حين عدنا إلى البيت. النجوم تلمع في السماء,
والقمر مرتفعٌ، والأرض يكسوها الصقيع. أخذ أبي وقتا طويلا في
العودة. لم أستطع الركض كما فعلت الليلة السابقة. كانت العاشرة حين
أنهينا عملنا، وتناولنا عشاءنا. جلس أبي أمام النار وأخبر أمي عن
المدرسة الثانوية وعن الرجل اللطيف هربرت. أخبرها عن المدرسة
العجيبة خلف التل وعن مدى اختلافها عن المدارس في عهدهما. أخبرها
عن الجراثيم التي لم ترها أمي مطلقا، ووعدها أنه سيأخذها يوما لترى
جراثيمها.
--------------
* جيسي ستيوارت
: روائي و قاص وشاعر أمريكي ذائع الصيت. كان ابنا لأب بالكاد يكتب
اسمه.عاش حياة ريفية بسيطة، حيث ولد في كنتاكي في 8 أغسطس 1906 بين
سبعة من الإخوة. كان يعمل أثناء دراسته الثانوية مع أخيه لمساعدة
أبيه في أعمال الحقل. شجعته مدرسة الإنجليزية على الكتابة بعدما
وجدت إبداعا ملحوظا في قصصه القصيرة، وبفضل مساندتها كتب شعرًا
أيضًا.بعد تخرجه من المدرسة الثانوية التحق بجامعة لينكولن، وتلقى
المزيد من التشجيع بالكتابة من بروفيسور الإنجليزية هاري هاريسون
كرول وكذا من أصدقائه المثقفين. بعد إنهاء دراسته الجامعية تقدم
للماجستير وبعد عامين احترقت أطروحته مع الغرفة التي كان يشغلها
ولم تكتمل دراسته لضيق أحواله المالية. له كثير من الإصدارات
الشعرية والمجموعات القصصية وفاز بالعديد من الجوائز. من إصداراته
التي تفوق الستين مؤلفا: " الرجل والمحراث"(شعر)،" رجال الجبل"
(قصص)،" غرابة الآلهة" (سيرة ذاتية)،" كنتاكي هي موطني "( شعر).
---------
** فاطمة ناعوت:
كاتبة وشاعرة ومترجمة مصرية
|