|
تحيّة طيّبة
يبتدئ الصبح القصير هكذا
أخبارٌ عجلى عن الوطن
الشعب في مصر يقول "كفاية" وينسون أن الحاكم العربي لا يتزعزع عن
كرسيه إلا في حالتين: الموت الطبيعي أو اجتياح "قوات التحالف".
الشعب في لبنان يغيّر حكومته، المعارضة تنقسم، المقايضة على دم
الحريري، فرح الاستقلال يذوي، إلى أين يذهب هذا البلد الصغير
إفلاسٌ في سوريا يكشف عن ثروات هذا الشعب المسروقة
العراقيون يموتون كالعصافير في رحلة صيد، ماذا بقي من أقدم حضارة
على وجه الأرض!
ذكرى النكبة، ذاكرة الأرض، رجل عجوز يمسك بمفتاح بيته الذي هجره
منذ سبعة وخمسين عاماً، وما يزال يحلم بالعودة!
الصحافة تكذب أو تصدق في شأن تدنيس المصحف، غوانتانمو وأبو غريب
ينضمان بجدارة إلى السجون العربية.
..........
ينتهي الصبح،
تكفيني هذه الأخبار، يتكسر حلم جميل آخر بأن أعيش في شرق
المتوسط.. أنطلق إلى الحياة.. أحملك يا وطني كالجرح.. أصرخ.. أيها
الذئاب ماذا فعلتم به؟
***
يسألني صديقي عن الأخبار الجديدة ...
ليتني أستطيع إيجاد إجابات تخرج عن نطاق المعتاد . كم من السنين
مرّتْ عليّ الآن فوق هذه الأرض الغريبة وأنا أنتظرُ صباحًا
مُختلفًا ينفض عنّي خيبة المساء.
أبدأ نهاري أمام جهازي المضيء ، أبحثُ بيأسٍ عن خبر عربيٍّ لايشبه
ماأقرأه كلّ يوم :
-
اُعتقل مواطن عربيّ آخر بجرم إشغال الفكر الذي وهبه له الله.
-
جثث القتلى تتراكم أمام عتبات البيوت الآمنة باسم البطولة
والكرامة.
-
أموال تُنهبُ وقصور جديدة تُشيّدُ فوق أجسادِ شعوب مُستباحة.
-
وعودٌ تُنقضُ وآمال من تراب تُوّزع فتاتًا على أنقاضِ نفوس كسيرة.
كم من الأوطان ذهبتْ إلى هذا الحدّ من الاستغباء وهذا القدر من
التحقير بعقول أبنائها...
كم من الثقافات ذهبت إلى هذا الهول في محاربة نفسها، إمعانًا في
تدمير مايمكن إنجازه ولو من باب المحاولة والتمنّي ...
لم يعد الهروب من بؤرة الكارثة إلى صقيع المنفى حلاًّ يمكن
الاعتماد عليه كثيرًا، فوجود هذا الحاسوب اللعين يقضي على أيّ أمل
بالتغاضي عن رؤية هذا الجحيم البصري والسمعي أمام ملء العيون ونحن
نتفرّج على هذا التحطيم المنهجي والمُنظّم لكل الإمكانيات الهائلة
القابعة خلف قضبان القمع والترهيب. لابدّ من التعايش إذًا مع هذا
القدر العربيّ بغض النظر عن الجغرافيا ورغم أنف المسافة...
الوحش يرفض أن يتخلّى عن جبروته الجبان، يحرق أغصان الزيتون التي
تُقدّم إليه كلّ ساعة لألاّ تورق الأرض اخضرارًا يُطيح بسواد سيفه
الصدئ بفعل مرور الزمن الذي لاينتظر. حتى الأقنعة التي تُقدّم إليه
علّها تمنحه مايُشبه ملامح إنسان، تُحرق في أكفان التعنّتِ وانتظار
المعجزات.
نتفرّجُ ونُعجبُ بهذا الإنسان العربيّ المُشرّد في كلّ مكان. فبعد
كل هذه العقود من أفعال تشويه الروح وقولبة الفكر، مازال صوته
يُسمع عاليًا ، يصرخ في فم الوحش ويسكب في أذنيه كلمته المُلطخّة
بالدم .لانملكُ إلاّ الإعجاب ربّما ، نحن الهاربين من الثمن،
الجالسين فوق وسائدنا المخمليّة، نفلسفُ أسباب خساراتنا ونعلّق
معاطف خيباتنا على مشاجب الغير...فما أسهل الكلام...
ليتني ياصديقي أحملُ غدًا خبرًا يُسفّه ماأكتب اليوم. فيأس اللحظة
مقدّسٌ ، يبحث عن مستقبل أقل قتامة، وحتى وقتها ، سنكمل تعداد
الخسارات ، الواحدة تلو الأخرى.. سنكمل التحدّث بحزنٍ عن آخر
الضحايا على صفحات الأخبار...
التحرير
|