|
انطلاق الفكر وموقع المفكر في المجتمع
د. تيسير الناشف*
تتطلب الكتابة الإبداعية قدراً من التركيز والتنظيم الفكريين
واللغويين أكبر من التركيز والتنظيم الفكريين واللغويين اللذين
يتطلبهما الكلام. في معظم الأحيان الكاتب يحمل نفسه محمل الجد
الأكبر عند الكتابة، والمرء يعفي نفسه عند الكلام من بعض الأحكام
المتعلقة بالعرض والتنظيم والتركيز في مجال الأسلوب واللغة والفكر.
واستعمال الكلام لتكرار ما كتب مساس بمعاني ولغة ما كتب، لان
كلام الكاتب لا يبلغ المستوى الفكري واللغوي والعاطفي والفني
والاسلوبي الذي بلغه في الكتابة، وذلك لأن الإنسان ليس لديه
الاستعداد النفسي لأن يكرر، كلاماً أو كتابة، ما كتبه لأن الكتابة
تتطلب بذل قدر كبير من الجهد الفكري والعاطفي. الكتابة الإبداعية
عملية فكرية عاطفية. إنها تجربة فكرية نفسية عاطفية، تحشد فيها
الطاقات النفسية والفكرية والعاطفية. إنها انبثاق فكري عاطفي، وهي
عملية عطاء دافق، إشعاع فكري شديد التركيز وشديد الحدة. وهي غوص
فكري عاطفي في الأعماق أو تهويم فكري عاطفي في العوالم القريبة
والبعيدة، المألوفة والغريبة الساحرة. إنها اختراق لحدود، واكتشاف
لآفاق اللامحدود.
وفي هذه النشاطات كلها يصاحب الكتابة القلق الفكري واليقين وعدم
اليقين في الوقت نفسه. ولا يستطيع الكاتب االمبدع أن يحشد من
التركيز والتنظيم اللغويين والأسلوبيين والفكريين في الكلام ما كان
قد حشده في الكتابة، وذلك لأن الكتابة الإبداعية تجربة أو معاناة.
ولا يمكن أن تتكرر التجربة أو المعاناة ذاتها. كل تجربة إبداعية
تجربة وحيدة لا يمكن أن تتكرر. وإذا بذلت محاولة لاسترجاعها فلن
يكون مصير تلك المحاولة إلا الفشل ولن تعدو تلك المحاولة كونها
تقليداً. في الكتابة الإبداعية يكمن نبض الحياة والسحر والجمال
والفن ولكل من هذه الصفات تجل وحيد.
ولأن الكتابة الإبداعية تجربة أو معاناة فكرية نفسية عاطفية فإن
الكاتب يودع فيها مكنونات صدره وأسرار كيانه الغالية عليه. وحتى
يبين الكاتب المبدع فكره وعاطفته الجياشين يجب أن يعاني تلك
التجربة الخلاقة. ويتدفق ذلك الفيض الإبداعي باجتماع ظروف منها
التهيئة النفسية والوجدانية والفكرية والعاطفية للكاتب. ومن تلك
الظروف أيضاً أن يشعر الكاتب المبدع بوجود تفاعل بينه وبين جمهور
قرائه. ويتجلى دور القراء في هذا التفاعل في تذوق عطائه الفكري
والأدبي.
وحتى عندما تتاح للكاتب المفكر المبدع الفرصة لأن يتكلم أو لأن
يكتب عن نفسه وفكره وعندما يتكلم ويكتب في الواقع عن نفسه وفكره
يكون لديه شعور بان ثمة شيئاً في نفسه لم يقله ولم يفصح عنه كتابة،
وبأن لديه تردداً في قول أو كتابة شيء، وبان ثمة فكرة أو عاطفة
يشعر بأن الناس قد لا يقبلونها او قد يستهجنونها.
ولذلك فإن بيانات الكاتب المفكر المبدع ليست كاملة دائماً،
ولديه شعور بأن روايته الحياتية التي أراد أن يرويها أو شرع في
روايتها لم ينته من روايتها بعد.
الكاتب المفكر المبدع يروي روايته على الناس وهو قد يخشى من أن
يفقدوه هويته وفرديته بإبداء إعجابهم به. انه يحمل لهم عطاء ولكن
قد يصاحبه هاجس أن تطمس دمامل المجتمع الخبيثة ذلك العطاء. في
المجتمع البشري الذي لا يخلو من المرضى والجائعين والمفترسين كيف
يمكن لمن لا يريد ان يكون مفترسا ان يدخله. وفي المجتمع البشري
الذي فيه تنتشر الآراء المسبقة ويعيش الذين ينهش قلوبهم الطمع
والشره كيف يمكن لمن اتخذ السلام والموضوعية والنزاهة مثلا اعلى ان
يدخل فيه. لذلك قد يطفق ذلك الانسان الغريب في تشييد صرح عالمه
الآمن ويلوذ به.
وثمة صورة موضوعية عن الفرد - ليكن كاتباً أو مثقفاً او أديباً
أو ناقداً أو فردًا يجمع هذه الصفات او قسما منها - اي صورته كما
هو، وصورة ذاتية لدى الناس عنه. والمقصود بالصورة الذاتية الصورة
غير الموضوعية، او الصورة التي تكونها ذوات الناس. وهذه الحالة،
حالة وجود صورتين مختلفتين عن الانسان، تقوم في كل المجتمعات
البشرية. وغموض الكاتب في طرح افكاره وغرابة افكاره واختلافها عن
الجو الفكري والعقيدي والنفسي السائد في المجتمع وانخفاض المستوى
الفكري او النقدي لدى قراء او مستمعين او عدم معرفتهم يمكن ان تكون
هي كلها او قسم منها من العوامل في نشوء هذه الصورة الذاتية لدى
الناس عن الإنسان.
ويختلف الناس بعضهم عن بعض في مدى غموض كتابات الكاتب عليهم، أو
في مدى بدو افكاره غريبة عنهم أو مألوفة لديهم، او في مدى انفتاحهم
على أفكار جديدة، او في مدى ارتفاع المستوى الفكري لديهم. ولهذه
العوامل وغيرها بالتالي اأرها في تحديد مدى اختلاف الصورة الذاتية
عن الصورة الموضوعية.
ووجود صورة ذاتية لدى الناس عن المبدع من شأنه ان ينال من اثر
المبدع في اشاعة افكاره، لان الصورة الذاتية تسهم في تشكيل الموقف
الذي يتخذه الناس حيال المبدع.
ولاختلاف الصورة الموضوعية والصورة الذاتية لدى الناس قد تكون
الصورة الذاتية عن كاتب او مفكر او اديب او فيلسوف صورة الآثم
بينما هو الاكثر ارتداعا عن اتيان المنكر، او صورة الشكاك بينما هو
الاكثر ايمانا، او صورة المتعجرف بينما هو الأكثر تواضعًا، أو صورة
البخيل بينما هو الأشد جوداً.
والكتاب المفكرون في المتوسط يأتون بافكار اكثر جدة، ولذلك فهي
اكثر غرابة وغموضا واقل اتساقا مع الجو الفكري النفسي السائد.
ولذلك فان الصور الذاتية عنهم ليست صورا تجعل الناس مقبلين على
افكارهم.
وتختلف المجتمعات البشرية بعضها عن بعض في طبيعة الحكم السياسي
الذي يمارس عليها. من شأن ديمقراطية الحياة الاجتماعية أن تسهم في
جعل أفكار الكاتب المفكر - حتى لو كانت أكثر جدة وغرابة واختلافاً
- أكثر ذيوعاً لأن الاختلاف والتعددية الفكرية من القواعد التي
يقوم عليها ذلك النظام.
--------
* كاتب فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة
|