في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - نشيد محنتنا الشبيه بالصلوات
     نصيف الناصري

  - في الحادي والحربين

    محمد جابر النبهان

  - مدونة البلاد

    علي رشيد

  - الإمام

    كمال سبتي

  - قصائد

    صبري هاشم

  - لحظات للتأمل

    عبدالحكيم نديم الداوودي

  - قصائد

    فرات إسبر

  - اليوم يشيء

    بديعة كشغري

 

قصة

  - إجازة مرضية

     وديع العبيدي

  - اللغز

     عادل التميمي

 

أدب عالمي مترجم 

  - شجرة الكرز المشقوقة

     ترجمة: فاطمة ناعوت

  - مسرحية الموت والعذراء

     ترجمة: علي كامل

  - قصائد مترجمة

     ترجمة: عبدالهادي سعدون

 

مقالات ودراسات

  - الشعر ومحنة القارئ

     عدنان الصائغ

  - فريد الأطرش

    د. عدنان الظاهر

  - المحظور الفكري والانطلاق الفكري

     د. تيسير الناشف

  - مع المتنبي

    د. عدنان الظاهر

  - انطلاق الفكر

    د. تيسير الناشف

 

ملف

  - أبحاث في العلاقة المسيحية الإسلامية

     لطفي حداد

 

نقد

  - تأملات في التجربة الشعرية المعاصرة

     التجاني بولعوالي

  - منابع الخوف عند جاسم الرصيف

    شوقي عبدالحميد يحي

  - هاربون عبر نهر إفروس

     د. عدنان الظاهر

 

نصوص

  - حركة الراديو البصري الشعرية

     أسعد الجبوري

  - سكران.. الميت الكلب أنا

    فراس سليمان محمد

  - باريسا ألكسندروفنا

     كمال العيّادي

 

حوارات

  - حوار مع جاكلين سلام

 

فنان العدد

  - ربى ندى

 

 

السنة الأولى - العدد  السادس  ،  حزيران / يونيو 2005   

 First year . Issue No: 06 - June  2005 
 

مع المتنبي

المتنبي والرصافي

د. عدنان الظاهر

 

زارني الشاعر الكوفي العراقي أبو الطيب المتنبي زيارة مفاجئة في بيتي دونما إشعار أو إخطار، لا تلفون ولا فاكس ولا E – Mail . رأيته مهموماً متوّتر العضلات عابس الوجه. سألته : خيراً أبا مُحسَّد، ما لي أراك على غير عادتك حزيناً غارقاً في أمر جدّي يصعب التكهن به أو الوقوف على كنهه ؟؟ قال جهّز الشاي العراقي الثقيل أوّلاً ثم سلْ عمّا شئتَ. ما أيسر ما طلبتَ أبا الطيِّب. سيأتيك الشاي وأكثر من الشاي. ستأتيك الحلوى مختلِفٌ ألوانها وطعومُها وأشكالها. قال إنما أريد شاياً لا غير، شاياً ثقيلاً أُعاود فيه بعض صحتي وتوازني وقدرتي على التفكير السليم… لا حلوى ولا هم يحزنون. فلقد إكتشف الأطباء أخيراً أني مُصابٌ بداء السكّري. قلتُ له وهل، تُرى، يمرض سكّان كوكب المريّخ ؟ قال ما قد قرأتُ يوم أمس في أحد مواقع الإنترنت جعلني أقع فريسةً لألف مرض، سكّري وغير سكّري. لا المريخ  بنافعٍ ولا دافع للضرر. المرض هو المرض سواءً أكنتَ على ظهر بعير أجرب أو على سطح كوكب المريخ. جاء الشاي ( أو الشاهي بلغة سكان شمال إفريقيا ) وها إني أُصغي بكل أدب لما ستقول. أفرغ صاحبي في جوفه كأس الشاي الأول رغم سخونته الشديدة. صبَّ لنفسه كأساً آخر. أشعل سيجارة من نوع ( كنت ). عبَّ منها نفساً طويلاً عميقاً. تناول رشفة شاي ببطء ثم قال : أثار عجبي وسخطي رجل قارن نفسه بالعملاق العراقي والوطني الغيور الشاعر معروف بن عبد الغني الرُصافي. خلع نفسه عليه وإتخذ منه رمزاً وقاعدةً لإطلاق صواريخ هواء على بعض خصومه. لاذ صاحبي بالصمت وهو يتأمل قدح الشاي الذي جمّده في كفه بينما واصل جرّ أنفاس سيجارته بهدوء وثقة. حركته بسؤالي : قد أفهم سخطك ولكن ما سبب تعجبِّك من هذا الأمر ؟ قال ألا تعرف هذا الدعي المدّعي الذي تعكَّز بل أناخ ظهره على عملاق العراق الرصافي ؟ قلت إنْ وصفته لي فلربما تعرّفت عليه. قال لقد خلق الله من الطين بشراً ولكنه ـ أستغفر ربي ـ أخطأ في إحدى وجبات عملية الخلق والإنتاج الليلية فجبل من الطين لهذا الدعي وجه خروف. قلت على الفور قد عرفته. ثم زدتُ قائلاً : وأسوأ من ذلك يا أبا الطيب، فلقد خلقه وفي فمه أسنان تمساح وفكوك ضبع. لذا لا أورط نفسي بالرد عليه. قال بل أنا سأكفيك شره وأنا من سيرد على هذا الخروف الأجرب. سأكتب وأنشر رأيي فيه ثم أحلِّق راجعاً حيث سكني ومصالحي في كوكب المريخ قريباً من السماء السابعة. وليقل بعد ذلك ما شاء أن يقول. بعد كأس الشاي الثالث أو ربما الرابع أفاض صاحبي بالحديث فقال : هاجم هذا الذي ( يلظم ) الشعر ساسة العراق الأوائل فأطلق عليهم التسمية المعروفة عنهم (( شريفيون )) من باب السخرية والتشفي بخصومه المعاصرين ظاناً أنَّ هؤلاء مثل أولئك وناهجين نهجهم في الولاء إلى من إحتلَّ العراق وحرره من التبعية العثمانية. قلتُ أرى الأمر حتى الآن عادياً لا يحملني على الدهشة أو الإستغراب. قال تمهّل، ضاغطاً بقوة على حرف الهاء، تمهّهّهّل يا رجل، أفلم تصبر تسعة أشهر في جوف أمك ؟ قلتُ بلى، قد صبرتُ غصباً عني، ولو إستطعت لشققت بطن أمي بأسنان التمساح إياه وجريت بأقصى سرعتي أتحدى العالمين صارخاً أنا الشيطان الرجيم. أنا الشاذ والمتفوق فيكم وعليكم، بني البشر. لا أُطيق حبس تسعة أشهر لا أدري من فرضها عليَّ. يكفيني أن أبقى هناك شهراً أو شهرين لا أكثر. ضحك صاحبي ضحكة من يهزأ بمحدِّثه وغير مصدِّق قوله. إستدركتُ على الفور قائلاً : أرجو أن تنسى هذه النكتة الفجّة أبا الطيب، سامحني والمسامح كريم. قال قد علمتُ أنك كنت غارقاً في عالم ( الميتافيزيك ) ، عالم اللامعقول، عالم السورياليزموس وشطحات الصوفية. ما نحنُ فيه… واصل صاحبي كلامه فقال : كيف يجروء خروف أسود على أن يقارن نفسه بالداهية العملاق معروف الرصافي، كيف ؟ لم يُطأطيء هذا العملاق  رأسه الشامخ لأحد في حياته ولم يمددْ يداً مستجدياً بشراً فعانى ما عانى من ضنك العيش فأُضطر إلى بيع التبغ والسجائر في مدينة الفلوجة ثم في الأعظمية في بغداد. وأُضطرَّ إلى قول بضعة أبيات من الشعر لترويج سيجارة ( غازي ) :

إنْ كنتَ ِممنْ يُجازي

دَخِّنْ سجارةَ  غازي

ومات مُعدَماً لا يملك شِروى نقير، لا عقاراً ولا مالاً في البنوك. بينما ـ واصل المتنبي كلامه ووجهه يتَّقِدُ غضباً ـ وضع هذا الخروف الدعي آلاف الدولارات الأمريكية  في بعض بنوك العاصمة الأردنية عمّان. ثم زاد فترك الشرق الأوسط الذي كان فيه مدللَ بعض العواصم العربية لينتهي به المطاف لاجئاً في بلاد الإنجليز الذين ذمّهم الرصافي وشتمهم في القصيدة الشهيرة التي قال فيها :

 

للإنجليز مطامعٌ  ببلادكمْ

لا تنتهي إلاّ بأنْ تتبلشفوا

 

ألا يستحي هذا الناظم من نفسه ؟ ومن أين يأتي أمثاله الحياء ؟؟ مات الرصافي فقيراً معدماً وهذا الصعلوك يوظِّف مائة ألف دولار أمريكي في مصارف عَمّان ويتنعم طفيلياً ممجوجاً بأموال دافعي الضرائب البريطانيين. يعوم كل ليلة على بحور البيرة والنبيذ وينشر صوره بكثرة هنا وهناك كما تفعل البغايا على صفحات ومواقع الإنترنت. لا فُضَّ فوك أبا الطيب !! إنه والله لكذلك. ينشر صوره في بعض مواقع الإنترنت. عاد صاحبي إلى القول : ما الذي يجمع هذا الخروف الأجرب بالرجل النبيل الشريف الرصافي ؟؟ ها ؟ ما الذي يجمعه بكرام الناس ؟؟

 

قلتُ لا أدري. قال بل تدري ولكنك تلوذ بالصمت، والساكت عن الحق شيطانٌ أخرس. ثم، زاد صاحبي وقد صعد في رأسه الأصلع الغضبُ، عن أي شرف وأشراف وشريفيين يتكلم هذا الخَرِف ؟؟ لقد سبق وأنْ تنازل عن شرفه الشخصي والسياسي حين أعلن براءته من عقيدته ومن حزبه. لم يتبرأ الرصافي من وطنيته ولم يتخلَ عن إشهار عداوته للمحتلِّين ورضي بما ناله من أذى ومصائب الزمن. تنازل الخروف الأجرب عن شرفه الشخصي والسياسي فمهّد بذلك السبيل للسقوط الكبير، وما بعد النزول إلاّ السقوط : اللجوء إلى بلاد الإنجليز حيث أغاثه أعداء الأمس وأجاروه وقدموا له الأمان والسكن والطعام فضلاً عن الهواء والدواء وما يكرع من بيرة ونبيذ في بارات ومقاهي لندن. لم يفعل الرصافي ذلك. هذا هو الشرف وهذا هو الشاعر الشريف. ثم ـ أشعل سيجارة أخرى وشرع بتدويرها بين أصابعه قَلِقاً ـ لم يترك الرصافي زوجه المطلّقة وحيدةً في بعض البلدان الأوربية. ولم يترك كريماته في بلد أوربي آخر. لو كنتُ أملك ما يملك من مال لتنازلتُ عنه لهؤلاء النسوة. أو عدتُ إلى وطني العراق وإبتعتُ داراً عصرية في بغداد، ولعملت محرراً في صحيفة الصديق فخري كريم ( المدى ). ثم سيكون في عاصمة الرشيد معززاً مُكرَّماً تحت حماية أصحابه الذين يسميهم برجال المقاومة ومحرري العراق. ماذا يريد المرء من زمانه أكثر من  السكن والعمل والأمان. أمضينا معاً فترة صمت ثقيل فبادرت إلى القول : ذلك لا يكفي شخصاً مصاباً بورم الغدة النرجسية والخَرَف المبكِّر. إنه لا يطيق الحياة دون الكلام عن الصاحبات والصديقات والعشيقات، لا يستطيع على ذلك صبراً. قال المتنبي والجدُّ بادٍ على وجهه : أوَظلَّ فيه شيء قادر على ( القيام ) أو ( النهوض ) أو ( الإنتعاظ ) أو ما شابهَ ذلك ؟؟ قلت إسأله هو، إسألْ بطانته من العازفين والمصوِّرين وحارقي البخور أمام موكب الخليفة الفاطمي المعتزِّ بالله والقاهر بدين الله. سلْ ندامى باراته وحاناته الليلية. بل وسلْ بعض عشيقاته عنه وعن ( أوضاعه ) تحت سرواله الجلدي الأسود. قال المفروض أن لا يتورط هذا المسكين المأفون العقل في الكلام عن الشرف ومشتقاته. يبدو أنه لا يعرف ولا يفرِّق بين الشرف الشخصي والشرف السياسي والعائلي والوطني والشرف القومي ثم الشرف الأممي الذي أعلن عنه أخيراً بقوله إنه (( آخر شيوعي في العراق أو العالم، لستُ أدري )). نعم، قال المتنبي ، لو كنتُ مكانه وأملك ما يملك من أموال موظَّفةٍ في بنوك عمّان لما بقيت لحظةً واحدة لا في لندن ولا حتى على سطح كوكب المريخ إله الحرب القريب من سماء رب العالمين السابعة. قال سأودِّعُك وقد أتعبتني في هذا اللقاء الذي لم تكن تتوقع. قلت بل جئتِ يا سيدي في الوقت المناسب. فلقد حيرني هذا ( النظّام ) الخبير في صف الكلمات ورصف الجمل على إيقاع تفعيلة مقام ( الهَجَعْ )، معشوقة الغجر. قال وهل سيسمع أو يقرأ ما قد قلتُ له وفيه ؟ قلتُ لا تقلقْ سيدي، سأنشر كلامك عنه وفيه في العديد من مواقع الإنترنت. فإن لم يقرأ ما سأنشر فدونما ريب سيقرأه نفرٌ من بطانته وسينقلون له مختصر ما قد قرأوا. قال وداعاً، وسأكتب لك رسالة خاصة على عنوان بريدك الألكتروني أخبرك فيها بموعد زيارتي القادمة لك. حضّر المزيد من الشاي العراقي الثقيل، وسجّل على الورق رد هذا الناظم الخَرِف كي أتابع هذيانه وأتصدى له وألقمه ألفَ حَجَر. طِبْ نفساً أبا الطيّب، الرجل لا يرد على منتقديه وشاتميه وتلكم ميزة رائعة ونادرة أحسده عليها، تعلّمها من علي أحمد سعيد ( أدونيس ).

غاب عني المتنبي أسرع من لمح البصر. إنه يحلِّق بين الأرض وكوكب المريخ بسرعة الضوء دونما حصانٍ أو بُراق (( الكلمة مشتقّة من البرق والعهدة على أهل اللغة !!)). تركني المتنبي غارقاً في بحرٍ لُجيٍّ من الفِكر فطفقتُ أفلسف بعض الأمور وحدّثتُ نفسي هامساً : المفروض في ( الشاعر ) الذي سحبوا منه التشريف الأدبي أن يبادر على الفور إلى التخلي عن النصف الآخر من التشريف،

التشريف المالي. فالتشريف المالي قائم على قاعدة الأساس : الأدب. فإذا ما سقطت القاعدة سيسقط ما فوقها من بناء وإعتبارات. سقط مبررُ الهِبة المالية فلِمَ لا يتنازل هذا الرجل عن هذه الهبة ويعيدها إلى واهبيها ؟؟!! أراها مسألة كرامة وكبرياء لا يمكن التفريط بهما بأي حالٍ من الأحوال. من أين تأتي الكرامةُ بعضَ الناس، من أين ؟؟!!

حين فتحتُ أجهزتي وجدت رسالة بالبريد الألكتروني في سطر واحد لا غير، قرأت السطر :

              من يهُنْ يسهُلِ الهوانُ عليهِ       ما  لِجُرحٍ  بميّتٍ  إيلامُ

 

التوقيع ( أبو الطيب المتنبي )

العنوان 10 Downing Street

MARS

WWW.Mars.COM

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group