في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - نشيد محنتنا الشبيه بالصلوات
     نصيف الناصري

  - في الحادي والحربين

    محمد جابر النبهان

  - مدونة البلاد

    علي رشيد

  - الإمام

    كمال سبتي

  - قصائد

    صبري هاشم

  - لحظات للتأمل

    عبدالحكيم نديم الداوودي

  - قصائد

    فرات إسبر

  - اليوم يشيء

    بديعة كشغري

 

قصة

  - إجازة مرضية

     وديع العبيدي

  - اللغز

     عادل التميمي

 

أدب عالمي مترجم 

  - شجرة الكرز المشقوقة

     ترجمة: فاطمة ناعوت

  - مسرحية الموت والعذراء

     ترجمة: علي كامل

  - قصائد مترجمة

     ترجمة: عبدالهادي سعدون

 

مقالات ودراسات

  - الشعر ومحنة القارئ

     عدنان الصائغ

  - فريد الأطرش

    د. عدنان الظاهر

  - المحظور الفكري والانطلاق الفكري

     د. تيسير الناشف

  - مع المتنبي

    د. عدنان الظاهر

  - انطلاق الفكر

    د. تيسير الناشف

 

ملف

  - أبحاث في العلاقة المسيحية الإسلامية

     لطفي حداد

 

نقد

  - تأملات في التجربة الشعرية المعاصرة

     التجاني بولعوالي

  - منابع الخوف عند جاسم الرصيف

    شوقي عبدالحميد يحي

  - هاربون عبر نهر إفروس

     د. عدنان الظاهر

 

نصوص

  - حركة الراديو البصري الشعرية

     أسعد الجبوري

  - سكران.. الميت الكلب أنا

    فراس سليمان محمد

  - باريسا ألكسندروفنا

     كمال العيّادي

 

حوارات

  - حوار مع جاكلين سلام

 

فنان العدد

  - ربى ندى

 

 

السنة الأولى - العدد  السادس  ،  حزيران / يونيو 2005   

 First year . Issue No: 06 - June  2005 
 

الشعر ومحنة القارئ

عدنان الصائغ *

 

في مطلع الشعر العربي القديم، كان ثمة تجانس لغوي وثقافي واجتماعي وسيكولوجي بين الشاعر (لسان القبيلة)، وبين المتلقي (فرداً وجماعات)، جعل العلاقة بينهما أكثر قرباً وفهماً، بل لقد تغلغل الشاعر في أدق تفاصيل الحياة البدوية (تفاصيل عصره) فكان السجل (الديوان) الحقيقي لتاريخ الصحراء العربية ومعاركها ونباتها وحيوانها وطبيعة حياتها وعادات سكانها وقصص الحب فيها، فتبوأ الشاعر من خلال ذلك مكانة مرموقة في السلم الاجتماعي جعله مصدر تفاخر وتناحر بين القبائل.. وجعل لشعره هذا التأثير والدوي والقداسة إلى حد أن عُلقت بعض قصائده على أستار الكعبة. إلا أن أجراس القطيعة راحت تدق في عصر أبي تمام، حين اتهمه المعاصرون ببعد الاستعارة وغرابة التشبيه وهم يحملون له – في مداعبة ذكية - كأساً فارغة ليملأها من "ماء الملام"، فطلب منهم أن يأتوا له "بريشة" من جناح الذل، ليس إمعاناً في التيه كما تصور قراؤه ونقاده في سؤالهم الكبير: لماذا لا تكتب ما يُفهم، وفي جوابه الخطير: لماذا لا تفهمون ما يُكتب، بل اتكاء صحيحاً واستلهاماً ذكياً واستناداً خطيراً على الآية الكريمة:

"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة".

أمام لؤم الطلب بملء قدحهم الفارغ من "ماء الملام، الذي ذكره بيته القائل:

"لا تسقني ماء الملام فأنني   

            صب قد استعذبت ماء بكائي"

لكن الأمر لم يكن خطيراً كما فكر وتصور علماء النقد الأدبي في القرن الرابع الهجري، لأن الغموض والوضوح كانا نسبيين، لا يتعدى محاولات بعض الشعراء لإطلاق المخيلة في فضاء التجريب الأولي متجاوزين الحدود والخانات التي أسسها الأوائل باعتبارها مقدسات وثوابت أزلية لعمود الشعر العربي، لا ينبغي للشاعر الخروج عنها وإلا تعرض للرجم النقدي والذوقي.. وهكذا ظل هذا الفهم قائماً، والوشائج بين النص والمتلقي متينة ممتدة لم تستطع قطعها تهجدات الصوفيين ولا ثورات شعراء الموشح ولا تشجيرات الفترة المظلمة ولا انفرادات الصعاليك والمجانين والخمريين.. حتى جاءت ثورة الشعر الحديث في منتصف هذا القرن.

فكانت الانعطافة الكبيرة التي حدثت عقب ثورة الشعر الحر - في نهاية الأربعينات - وما تلاها من تجريب على مستوى الشكل والمضمون لدى الأجيال اللاحقة، قد أحدثت - ولا تزال - خلخلة في البنية التقليدية لذائقة القارئ ومرجعياته، أبعدته عن أجواء القصيدة الحديثة وتهويمات الشاعر المعاصر، مما شكل لديه قطيعة، أخذت تنمو وتكبر بمرور الأيام وازدياد صرعات التجريب واختلاف المناهج وتعدد الأساليب والأفكار والبنى.

فلم يعد القاريء المعاصر يستطيع اللحاق بتجارب الشاعر وأفكاره واتجاهاته فابتعد بينهما الشوط، واختلفت تحتهما الأمكنة وتباعدت بينهما الأزمنة والمناخات.

 

وهذا الافتراق جاء على مستويين:

أولاً: تغير النظرة الذوقية للقصيدة، ذلك أن الذائقة الشعرية العربية اكتسبت صفة الثبات لما مر من نماذج شبه راسخة لشكل القصيدة رافقها عبر عصور الشعر، ابتداءً من المهلهل وامريء القيس حتى شوقي والشابي والجواهري، وما تلاهم أو تخللهم من شعراء تمسكوا بعمود الشعر، رغم عواصف التغير التي اجتاحت كل شيء.

ثانياً: زعزعة السكونية والثبات لدى المتلقي عبر محاولات عديدة قام بها شعراء الطليعة العربية للوصول بالقصيدة العربية إلى ما وصلت إليه الآن. غير أن سعي الشاعر للتوغل في مجاهيل التجريب من أجل اكتشاف أرض بكر لم يطأها أحد من قبل، كان عاملاً في فتح طرق من التعبير لم يألفها القاريء من قبل، شكلت بالتالي قطيعة تاريخية ليس من السهل ردمها، وما زالت هذه القطيعة – الهوة – تزداد اتساعاً كلما تمسك القاريء بموقفه السكوني وحلق الشاعر في أفق التجريب، رغم محاولات بعض النقاد لتقريب وجهات النظر بينهما أو تقريب المسافات.

 

لكن المسألة – باعتقادي – ستكون عرضة للأخذ والرد إلى زمن طويل بين أنصار الحداثة وأنصار التقليد، قرّاءً، وشعراء، مما يترك - العقد والحل - نسبيين في تحديد مخاطر الافتراق وأسبابه.

فليست قضية تراجع مبيعات دواوين الشعر إلى أرقام مخيبة للظن هي المؤشر الحاسم لانحسار دور الشعر في حياة المجتمعات، فمن قال أن الإقبال الجماهيري على أية قضية هو المؤشر الحقيقي للإبداع. ألا ترون معي أن شباك تذاكر أية مسرحية هابطة فنياً يغص بالمشاهدين بينما تصفر في أروقة المسرح الجاد رياح "الخيبة" العابرة؟!.             

 

 *        *        *

  

تستند استراتيجية فهم أي نص كان، إلى الوصول أولاً إلى معناه الفني والجمالي والمعرفي والانساني في محاولة لاستقصاء كنهه وموضوعته واستقراء مدلولاته الإبداعية والفلسفية والوجودية والتأريخية والنفسية وما رافق ذلك من مدارات أخرى تتشعب إلى الميثولوجي والديني والاجتماعي والسياسي وغيرها ثم النظر من خلال ذلك إلى المستويات الأخرى لفهم النص والتي تتجلى في قدرة المؤلف على تحريك أدواته اللغوية وقدراته الأسلوبية وخزين ذاكرته المعلوماتية بالاضافة الى خزينه من التجارب الروحية والفكرية والحياتية في عملية خلق النص، فإذا كان كل عصر يتميز بإيقاعه الخاص فعلى المبدع أن يتناغم معه أو يشاكسه وفق رؤيته الخلاقة في المعايشة والتجاوز، وأن يستخدم وسائل التعبير الفنية الخاصة به والتي تعبر عن ضمير عصره، بما يمتلكه من وعي تاريخي متفاعل وهذا التميز يكتسب ملامحه من خلال الإحساس العميق بالزمن واستيعاب أبعاد الواقع ومضامينه.

وبهذا تتجلى قدرة المبدع في صهر مخزونه الثقافي الخاص والعام وإسقاطه على موضوعه "الخاص والعام" من خلال ذاته التي هي ذات الآخر، محققاً التجانس والالتحام بين الشكل والمضمون، بين الخاص والعام، بين المورث والحداثة في أي حقل من حقول الأدب وما هو خارجه أيضاً وبهذا تصبح لمقولة تولستوي "أن مهمة الأديب أن يحدّث الناس عن الناس" معنىً موازياً لما توصل إليه اوسكار وايلد "من أن الفن لا يقلد الحياة وأنما الحياة هي التي تقلد الفن" وصولاً إلى أن النص هو الوجود المتخيل كائناً وكوكباً متحركاً في فلك مواز للوجود الحقيقي أي يجب أن "نحقق دائماً هذا المزج ما بين الواقع والحلم في ما نخلق من شخصيات وأفكار وحيوات وما نوجد من أبطال في الروايات" على حد قول جبرا إبراهيم جبرا، وبذلك تقهقرت نظريات ومذاهب فنية وأدبية كانت إلى حد قريب هي الشغل الشاغل لمنظري الأدب الواقعي والأدب الرمزي وغيرهما وهم يتأرجحون بين تساؤلين لا يؤديان إلا إلى مزيد من المتاهة: هل الفن للفن؟ أم الفن للجماهير؟ أي هل يكون الأدب هو اليوتوبيا التي يؤسسها المبدع على أرض الواقع بديلاً عن الحياة المعاشة؟ وبالتالي من الذي سيسكن أرض الحلم هذه - أي النص- منتج النص؟ أم متلقيه؟ أم الاثنان معاً؟..

 

وعلى ضوء هذا المعطى لا يعد لنظريتي: "الفن للفن" و "الفن للجماهير"، أي معنى حقيقي أو تعريفي لمفهوم النص الجديد وهو يلتحم بالحياة والناس وينصهر معهما.

كان هذا المعضل ضرورياً لفهم الاعمال الجديدة التي أفرزها النص المفتوح لما لها من نكهة خاصة تفلت من خانات التجنيس الأدبي والوظيفي لتظل على تماس مع قلب وذائقة القارئ الحقيقي الجاد الذي يهمه النص أكثر مما يهمه ما حول النص، غير عابيء بالصراعات والمدارس التنظيرية المتضاربة، مرتكزاً على ثقته بالنص ومنتجه وهذه الثقة لم تنشأ من فراغ أو انبهار أو تخلقها وسائل الإعلام وأنما تأسست من خلال التراكم المعرفي والتقارب الروحي والتجانس الفكري والفهم المتبادل بين المبدع ومتلقيه. وتلك الثنائية الخاصة لكل عمل ابداعي تأخذ مدياتها في التوصيل في كل زمان ومكان من إعجاز العمل الإبداعي وتماثله فكرياً وروحياً بين الطرفين بشكل وبلغة تنبع من عمق هذه الثنائية أي من متن الابداع وليس من الهامش الذي يكثر فيه الأدعياء وصيادو الفرص.

 

فقد تعرف الكتاب من اسم مؤلفه وليس من عنوانه وهذا يعني أن اسم المبدع أصبح لديك هو المدخل الحقيقي للنص وليس طفح العناوين أو أضواء الإعلام المحاطة به، فحين تتوحد مع النص أي مع روح المبدع تختفي كل الهالات والأبواق والأكسسوارات فتجد نفسك وجهاً لوجه مع المؤلف فأما أن تتركه بعد أول سطرين أو صفحتين وأما أن تواصل الرحلة معه إلى النهاية بل وتتمنى أن تعيد معه رحلة المتعة والاستكشاف في كل مرة حيث يمنحك المزيد.

وبهذا المفهوم يصبح النص هو المعبر الحقيقي بين ضفة الإبداع وضفة التلقي وأي نسفٍ لهذا المعبر أو الجسر يجعل الهوة واسعة والالتقاء صعباً والفهم مستحيلاً بالإضافة إلى أن مجرى الزمن الممتزج مع مجرى النص يمكن أن يوسع من شقة الافتراق دون أن يعي أي من الطرفين ازدياد مساحة الإبتعاد وخطورته على المدى البعيد.

 

*        *        *

 

هل ينجح المعيار الذوقي في تقييم النتاجات الإبداعية؟ أم نحتاج إلى مشارط وأدوات نقدية لتشريح النص على طاولة النظريات المتغيرة والمتحركة لنكتشف أبعاده وتفصيلاته وجماله وبنيته الداخلية ومرجعياته وأسراره وتقنياته؟.

وإذا كانت المناهج متغيرة ومتنوعة، والنقاد مشارباً وأصنافاً، منهم من يثبت على منهج ومنهم من يغيره إلى آخر. فعلى أي منهج نسير؟ ووراء أي ناقد نتجه ؟ وكل ناقد يدافع عن منهجه وكأنه البوصلة الوحيدة التي تشير إلى الاتجاه الصحيح وتوصلنا إلى ما نروم إليه ..

ونظراً لتشعب مدارس النقد واتجاهاته في عصرنا الحديث فقد أصبح الدخول فيها كالدخول في متاهة كبيرة لا تدري – وقد خرجت بنصك المنقود – ماذا أراد الناقد أن يقول أو يحكم أو يقود.

 

ولكن إذا اعتمدنا المعيار الذوقي في الحكم فمن يضمن أن يلاقي النص انصافاً حقيقياً بعيداً عن الميول والأهواء والطباع. فلكل متذوق وجهة نظره المختلفة في القراءة والتخييل والتأويل والتحليل، بالإضافة إلى قابلية الفهم والاستيعاب والحساسية وعادات التلقي والطقس النفسي هذا بين قاريء وآخر، ناهيك عن اختلاف طبقات المتلقين وتنوع أمزجتهم وثقافاتهم وايديولوجياتهم ومصالحهم وغاياتهم ومرادهم من النص، وهذا كله ينعكس بانعكاسات ظرفي الزمان والمكان على عملية التلقي سلباً أو إيجاباً.

 

وقد انتبه النقاد العرب والقدامى إلى تلك الظروف المحيطة بالقراءة فيقول أبن سنان الخفاجي في كتابه "سر الفصاحة": "وقد يذهب كثيرٌ ممن يختار الشعر إلى تفضيل ما يوافق طباعه وغرضه ويذهب قوم إلى اختيار مالم يتداول منه حتى يكون للوحشي الذي لم يشتهر مزية عندهم على المعروف المحفوظ ويخالفهم آخرون فيختارون سائر الشعر على خامله ومشهوره على مجهوله". ويمكن للنص أن تهيمن عليه عوالم وعوامل خارجية فتضخمه أو تهمشه أو تقصيه فيضيف الخفاجي: "ويستحسن قوم الشعر لأجل قائله فيختارون أشعار السادات والإشراف ورؤساء الحروب ومن يوافقهم في النحلة والمذهب إليهم بالمودة أو النسب".

وخذ المختارات الشعرية التي جمعها الشعراء والنقاد قديماً مثل حماسة أبي تمام والبحتري وأبن الشجري، والخالديان، والطبقات مثل طبقات فحول الشعراء للجمحي وأبن المعتز، والأمالي مثل أمالي المرتضى والزجاجي والقالي وأبن الشجري واليزيدي، والجمهرات لأبن دريد والقرشي، والمفضليات والخ.. وحديثاً مثل مختارات البارودي والجواهري وأدونيس.. والخ.. والخ.. فقد أضاءت لنا الكثير من النصوص وقدمتها لنا على طبق تاريخي وذوقي ومعرفي لكنها من جانب آخر ظلمت الكثير من الشعراء والنصوص التي كانت خارج السياقات المتداولة والمسموحة دينياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً وجنسياً. فلم تكن تلك المختارات والذائقات والإيديولوجيات ترضى بالسماح لنص مخالف بالنفاذ من بين مقصاتها وأسوارها ومحرماتها وهي لا تختار سوى الشعر المستقيم، الذي هو – برأي العسكري – "الجاري على سنن" وبذلك تعرض الكثير من شعر الصعاليك والخوارج وأصحاب المجون والمتهتكين والإيروتيكا والمتصوفة والمعارضين إلى الاقصاء والتهميش والنفي خارج أطار القبيلة والمدينة.

لكن داخل هذا الإطار العام حفظت لنا الذاكرة الشفاهية والمدونة نتفاً مما كان يدور ويتداول من شعر غير "مستقيم" خارج مؤسسات الدولة والدين والمجتمع وهذا لا يشكل إلا هامشاً مقصياً أو مسكوتاً عنه، على متن النص العربي الرسمي.

 

لكن مفاهيم النقد العصرية قد تغيرت بسبب التغيرات التي طرأت على بنية المجتمع وثقافته وذائقته فتعددت بذلك مستويات القراءة وتغيرات النظرة إلى الشعر "المستقيم" و "غير المستقيم".. فعندما كان النص القديم يماشي الحياة ببساطتها وامتدادها ومرجعياتها ومقاييسها العقلية والجمالية وكان جزءاً من حياتهم، لم يحتج إلى جهد لفك رموزه وسبر أغواره ولغته لهذا جاءت القراءة النقدية والمحاذية له أليفة ومعلومة وواضحة وأن تفاوتت هنا وهناك..

لكن النص الحديث وقد توسع في مرجعياته ودخل في دهاليز التجربة الانسانية المعقدة بتعقيد العصر فقد أصبح الدخول إليه صعباً ومركباً، لهذا لم تعد القراءة الاستقبالية المباشرة والذائقة السائدة تنجح في ركوب هذا المركب الصعب، وأصبح لزاماً على قاريء وناقد الشعر الحديث معرفة الاطار المرجعي واستيعاب صدماته الحضارية وخصوصياته واشكالاته المتعددة التي أفرزتها الحداثة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد تعددت مستويات التحليل بتعدد مستويات المنهج النقدي، فأخذ التحليل النفسي من القصيدة مناخاتها النفسية وأحلامها الباطنية وأمراضها العصبية، وأخذ التحليل البنيوي علاقاتها اللغوية ونظم بنائها، والتحليل الاجتماعي أغراضها ومناسباتها، والتحليل البلاغي جناساتها وطباقاتها، والتحليل الأسلوبي طريقة الكتابة، والتحليل التاريخي، والأسطوري، والتفسيري، والبياني، والحزبي، والمذهبي، والديني، والعرقي، والقومي، والخ.. والخ..

 

وكل يدعي وصلاً بليلى.. لكن ليلى النص أو القصيدة لا يعرفها أو ينالها إلا "شخص صفت قريحته وصح ذوقه وتمت أداته" كما يصفه عبد القاهر الجرجاني.. وبذلك يرتقي مستوى التلقي إلى مستوى العملية الإبداعية ذاتها وهذا المستوى إذا بلغه القارئ الحديث فأن المسافات ستقصر بينه وبين النص، وتتطور الذائقة - حين تستند على شبكة علاقات ومنظومات من المعارف والتجارب والرؤى والانجازات المعرفية - ليصبح بامكانها أن تستوعب انجازات الشاعر الحديث المتغيرة بتغير سياقات العصر، فيعود جسر التواصل من جديد بين النص ومتلقيه.

وهذا كله يحتاج إلى جهود كثيفة من النقاد أيضاً في ردم الكثير من الهوات التي تركتها مسيرة الشعر المعاصر في لهاثها المحموم وراء العصر والحداثة. لا أن يُكثر النقاد ويزيدوا من توسيع هذه الهوة بالمزيد من النظريات المستوردة الباردة التي تلامس جسد القصيدة دون أن تستطيع التوغل في روحها النابضة. فالناقد الذكي كما يصفة الناقد ر. ب. بلاكمور هو "جراح عبقري يجري العملية دون أن يقطع الأنسجة الحية"..

 

----------- 

عدنان الصائغ شاعر عراقي مقيم في السويد

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group