في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - وجه شاسع
     علي رشيد

  - أصدقائي الأوغاد والمنفيون والسذج

    أديب كمال الدين

  - هنا

    مرح البقاعي

  - مقام آخر للجنون

    سولارا الصباح

  - قصائد

    كابي حنا

  - ورد الميلاد

    التجاني بولعوالي

  - المحدودبة التي تود أن تلوي عنق دهشتنا

    حسين حبش

  - توابيت السكوت

    بديعة كشغري

 

قصة

  - رحلة إلى الجحيم

     كمال العيّادي

  - في شوارع صقلية (1)

     عيسى بولص

 

أدب عالمي مترجم 

  - قصتان لجون ريفنسكروفت

     ترجمة: فاطمة ناعوت

  - الملائكة (تيوليندا جيرساو)

     ترجمة: محمد المزيودي

  - قصائد مترجمة

     ترجمة: زهير شليبة

 

نصوص ومقالات

  - المتنبي وبشار

     د.عدنان الظاهر

  - فائض الأحذية

    جاكلين سلام

  - التفاعل الإيجابي مع البيئة والانطلاق الفكري

     د. تيسير الناشف

 

حوارات

  - حوار مع الكاتبة الجزائرية سعدية ميسالي

 

فنان العدد

  - عيسى بولص

 

شواهد

 

 

السنة الأولى - العدد  السابع  ،  تموز / يوليو 2005   

 First year . Issue No: 07 - July  2005 
 

في شوارع صقلية

(الجزء الأول)

عيسى بولص*

 

وكانت دورانوس تغني وإيقاع البحر قاس ٍ وشفّاف كالبرق، وأزرق ذلك النغم الحزين في الريح وفي صوت البحارة. تلك السفينة الشامخة تركته وعادت إلى سالونيك، عادت دون أن يبصر ثريغوراس، لكنه رأى، ودورانوس عادتْ. ربما كان ذلك قَدَرُه، أن يموت في اللحظة التي يفهم فيها حقيقة الرؤيا ويسمع صوت القلب.

 

البحر

دورانوس كانت تبحر باتجاه صقلية، ومحطته المرتقبة كانت صقلية! بالنسبة له، كانت بمثابة رحلته الأخيرة نحو حياته الجديدة أو فنائه، الرؤيا أو العدمْ. كان يستلقي باستجداء على ظهره قرب الصارية الرئيسية، يُباعدُ بين يديه كأنه يعانق الشمس، ويباعد بين رجليه كأنه يضاجع السماء. مرتخياً، مستسلما، متلذذا، يَصُبُّ القليل من النبيذ الفاخر في ذات الكأس الفضية، ويعطي القنينة لمرافقته لتضعها في الحقيبة. كان يمد يده التي تمسك بالقنينة ويبقى منتصبا ً على ما هو حتى تأتي هي، مرافقته،  وتأخذها منه بالقليل من التذمر. ثريغوراس الضرير تعوّدَ أن يفعل معظم الأشياء وحده دون أن يخطىء. فقد كان عندما يمشي، يتجنّبُ أن يعطي انطباعًا بأنه ضرير، فكان يمسك بعصاته بشكل عادي ويحرّكها للأمام وإلى الخلف كمن يُعبّر عن نشوةٍ مثيرة أو فرح مستديم، ينثر ابتسامات منفرجةٍ دائما، ويحرّك رقبته باتجاه مَن حوله و يُحَييهم وكأنه يراهم وينظر عميقا في عيونهم. برنامجه اليومي كان يتكرر كل يوم،  فيقوم أولاً في الصباح بعد تناوله الفطور بالتجوال على سطح السفينة الأمامي المخصص لذوي الشأن، مرة واحدة فقط. ثم يتوجه نحو الصارية ليستلقي في موقعه المفضّل في مقابل دفة الربّان ويبقى هناك حتى الظهيرة حيث يذهب بعدها لسريره الكامن بمحاذاة غرفة القيادة ويتناول بضع كسرات من الخبز وبضع حباتٍ من التمر ومن ثم يخلد إلى النوم. وكانت تلك المنطقة في السفينة لا ينولها إلا أولئك من المقتدرين وأصحاب المال ولم يكن هنالك الكثير منهم على متن دورانوس. فهي سفينة تجارية تحمل البضائع من وإلى سالونيك وتصميمها لم يكن مخصصا  للركاب بل لإيواء البحارة وتخزين البضائع. أما أولئك الركاب فهم يأتون في الغالب لاكتشاف مناطق جديدة لتجاراتهم أو يرافقون بضائعهم لتسويقها. البعض منهم كانوا يحضروا معهم  بعض المرافقين لتسليتهم في الرحلة وتبديد بعض الوقت، والبعض كانوا مجرد مسافرين مع القليل من المتاع أو حتى القليل من الاحتكاك بالآخرين. في كل الحالات،  لم تلبث الساعة بالمرورحتى يستفيق ثريغوراس ويهم بإكمال برنامجه اليومي متجاهلا معظم معطيات الرحلة وتناقضاتها حيث كان يقول لمرافقته مرارا إن الإنسان الجاد هو من يحترم قيمة الوقت ويعطي لنفسه ما جاد منه. وكانت هي تستمع في غالب الأوقات وتهز برأسها من دون تعليق. ينهض ثريغوراس ويجلس على سريره بعد توضيبه ويبدأ بالتلفت حوله وكأنه يوجه دعوة ما للركاب لحضور حدث مهم هو وحده النجم فيه. هذه الفترة من بضع ساعات من العصر يسخّرها ثريغوراس للتخالط والحديث العام مع مجاوريه من التجار والمسافرين ويدعوهم لجلب ما يريدون من الأطعمة والمشهيات حتى يتسنى لهم الحديث والاسترسال والتمتع بطقوس الرحلة المبتكرة. كان يحاول أن يحادث الجميع بما يتناسب واهتماماتهم ويتفاعل معهم كأنه يعرفهم منذ أزمنة بعيدة، حتى أولئك الذين لم يكن لديهم أي علم بأي لغة كان يتكلمها فكانوا يستمعون ويهزون برؤوسهم كأنهم يدركون كل شيء يقوله! أماعن ماهية الحواديت، فقد كان يتحدث عن الصيد وعن النساء وعن البلدان التي طاف فيها وعن مغامراته مع أصدقائه في سالونيك وصعلكات شبابهم، وكان يبدو أن من كان حوله من التجار والمسافرين باتوا يستحلون حديثه ويحاولوا بالمثل التفاعل معه، باستثناء البعض الذين لم يخفوا امتعاضهم من غروره وكبريائه حتى أنهم كانوا أحيانا يهزأون منه ويحاولوا تصغيره أمام من كانوا يستمعون له. لم تلق الكثير من الترحيب تلك الحركات فقد كان معظم أولئك المتذمرين من المراهقين والشباب الذين كانوا بالمثل يحاولون أن يجلبوا بعض الانتباه لأنفسهم. أما هو، فلم يكن يأبه بكل ما يحدث خلف الكواليس فيستمر في حديثه وكأن شيئا ً لم يكن.  في ذلك الأثناء، كانت مرافقته لها من ذلك الوقت ما تشاء، وكانت تختفي من تلك الأجواء حتى المساء وتتجنب الخلطة بأحد.

 

في المساء، يتوجه كليهما، ثريغوراس ولوفينيا، إلى سطح السفينة مرة أخرى وُيسخّر ثريغوراس كل تلك الفترة للتأمل وللتدقيق في حالات القلب! هكذا كان يصفها وبشكل لا يدعو للتنازل، فتعود به الكرة ليستلقي في موقعه المفضّل في مقابل دفة الربّان ويبقى هناك حتى يحين موعد النوم. تعّود الركاب عليه، مع أنه في البداية، كان يأتي له بعض مستمعيه من مراودي حواديته في ساعات العصر ويطلبون منه أن يكمل قصة كان قد بدأ بسردها في الماضي القريب وأدركه الوقت فلم يكمل. كان يتوتر من تلك الطلبات ويعبر عن عدم رغبته حتى في الحديث أو التفاعل وبشكل لا يوحي بأنه هو ذاته ذلك المتحدث اللبق ذو الحديث الممتع والقصص الشيقة في فترة العصر. على العكس، فقد كان يبدو فظا ً، ُمستفزّا ً وُمتنفرّا ً من كل أولئك المتحرشين والفضوليين، كما كان يصفهم! أمّا مرافقته لوفينيا فهي التي كانت تهتم بالموقف وتقدم اعتذاراتها بالنيابة عنه وتفسر لأول وآخر "المتحرشين"  بأن ثريغوراس يرغب بأن يفعل أشياء أخرى في هذه الفترة بالتحديد ولا يحب بأن يشغله شيء آخرعن غير الذي في باله! وكانت تحثهم على عدم التعامل مع هذه المسألة وكأنها تحفظ شخصي ضدهم، بل تشجعهم بالمرور عليه في اليوم التالي بعد القيلولة كي يتسنى لهم الحديث معه وبشكل مطول، فهو حقيقة يرغب بذلك. وكمن يريد أن ينتهي يومه بسرعة في انتظار اليوم الذي يليه، كان ثريغوراس ينتهي على سطح السفينة في انتظار يوم آخر، وحواديت جديدة. وترافقه لوفينيا بصمت وعنفوان غريبين، وتستمر في مراقبة ما حولها بهدوء شديد.

 

 تتمركز خلف ثريغوراس ببضع خطوات، كانت لوفينيا وبشكل عام ، لا تقترب منه زيادة على الحد، وإن فعلت، يُحِسُ بها هو ويرفع عصاته للأعلى إشارة لإحساسه بعدم الارتياح لقربها. فتفهم لوفينيا، وتحافظ على المسافة من جديد.مع أنها كانت أحياناً تفعل ذلك قصداً، لتمتحنه، تثيره أو لتستفزه، كانا لا يتحادثا كثيراً، أو على الأقل، لم يرهما أحد يتحادثا كثيراً لكن كان يبدو أنها راضية وقانعة بصحبته رغم أن في ملامح وجهها ونظرات عينيها كان هنالك شيء غامض لم يستطع أحد وصفه بدقة أو حتى السؤال عنه! وفي بعض الأحيان تبان عليها ملامح شرسة تعبر عن امتعاض شديد من شيء ما خصوصا عندما كان في بعض الأحيان يطلب منها ثريغوراس أن تحضر له شيئا ًيلزمه أو بأن تساعده بفعل شيءٍ آخر. لم يدري أحد ماهية تلك الأمور التي كانت تستفز لوفينيا في طلبات ثريغوراس ولكن توتر الأجواء بينهما كان له حصة لا بأس بها طوال الرحلة.  في البداية ظن الجميع بأنها جارية أو خادمة لثريغوراس، ولكن وفي خضم كل تلك التساؤلات، تبين للبعض لاحقاً بأنها غجرية كان قد التقى بها ثريغوراس في  قرطبة وعرض عليها أن ترافقه في رحلته إلى صقلية بمقابل أجر جيد وأن ينحت لها تمثالا ً بحجمها الحقيقي. وكانت قد وافقت هي على ذلك مع أن هذا لم يكن كافيا ً ليفسر سر علاقتهما ولكن كان يبدو أن ثريغوراس قد تجاوب مع الوضع  وذلك بعد أن رفضت معظم نساء سالونيك من اللواتي يفضلهن من أن يُنْحَتَ لهن تمثالاً، في ظل أن نحّاتاً ضريراً مثله سيتوجب عليه أن يتلمّس  أجسادهن كي ينحت، ولم يكن ذلك بالشيء المفضّل لدى نساء القصور في سالونيك، اللواتي يهبن أجسادهن لمن هم من المفترض ِ أقدرَ من ثريغوراس على النحت وأبرع منه في اللمس وأقدر على الحس! كانت لوفينيا تغازل كل من تقع عينيه عليها أو عينيها عليه! توزّع نظرات متمحّصة على من تستهويه، تبتسم، ثم تُداعبُ شعرها قليلا ً وتُحرّكه مع رأسها ليهدل من جديد على ظهرها، فتبان أكتافها كالذهب العتيق، فتُشيح بوجهها للناحية الأُخرى وتستمر في الوقوف أو المسير خلف ثريغوراس. جميلة ً تلك المرأةُ كانت، كنِمْرْ. عيناها مثل لؤلؤ أسود، وقوامها مثل عاج. وكان من بين أولئك الأخضر، ألذي كان ينظر إليها بين حين ٍ وآخر! ثم مرارا ً!  وكانت تلحظُ ذلك فتبتسم كعادتها ثم تعود إليها تلك الملامح الشرسة وكأنها تشيرُ لكل مريديها بأنها صعبة المنال. جميلة ً تلك المرأة كانت، صافية ً كنار، ذي شفافية قاسية، تتحرّكُ كقط، وثباتها حاد كصخرة. لم ينتبه أو يستغرب الأخضر في البداية لشيء على السفينة حقيقة ً إلا لهذه المرأة الأخّاذة الجمال التي ترافقُ رجلا ً ضريرا في العقد الرابع من عمره وعلاقتهما المشوبة بالمظاهر المثيرة للشكوك،  وعجز حينها بأن يُبرّرَ معنى وجودها معه كالظل، أو تشبثه بها كالأمل.

 

 لم يكن الأخضر يعرف أن هذا الضرير ثريغوراس هو نحّات مشهور من سالونيك وكان قد نحت وجوها وتماثيلَ بمجرد اللمس والوصف فقط. وأنّه أحيانا ً كان ينحت أشكالا غير مألوفة! ولكن متناسقة التصميم، حتى أن البعض باتوا يشكّون في مصداقيته وحقيقة قدراته. وكان ثريغوراس قد توقّف عن النحت بعد أن سمع عن نبتة تُعيدُ البصر، حتى للذي فقده منذ الولادة. فقضى ما يقرب السنتين وهو يتجوّل في أعلى البلاد وأقاصيها يسألُ عن هذه النبتة حتى تيقّنَ من عجوزٍ مصري بأن هذه النبتة تعيش في إحدى مناطق صقلية الجبليّة الوعرة التي لم تطأها إلا أقدام الرعاة وأغنامهم، ووصف له شكل العشبة: "ورقها أسود، وزهرها بنفسجي قاتم، وعيدانها زرقاء. تُنتِجُ بصيلةٍ واحدةٍ كل سبعة عشر عاماً وتُنبِتُ أول زهرةٍ بعد خمس سنوات في أوائل الخريف بين الصخور. وعندما تجدها، عليك أن تستنشقَ رائحتها في ثلاث ليالٍ، وبعد ذلك، عليك أن تقلعها من الجذر وأن تأكل بصيلتها، ثم اصنع من زهرها وأوراقها وعيدانها حساءً تشربه لمدّة ثلاثة أيام في الصباح وعند الغروب. بعد ذلك، سيكون بمقدورك أن تراقب شروق الشمس في اليوم السابع."

 

أنا الأخضر

سألتها في بادئ الأمر عن هذا الرجل وماذا تفعل هي برفقته، أذكرُ أنها أحسّت بفضول شديدٍ من سؤالي وساد وجهها شيءٌ يشبه عزلة نسرٍ فالتزمت الصمت، ولم تجب على سؤالي إلا بعد بضع أيام. كنت حينها أُحدّقُ في فراغ الأفق على حافة دورانوس حيث جاءت وبدأت في الحديث عن ثريغوراس، هكذا، ومن دون مقدمات! بقيت صامتا ، حتى أحسست بأنها تتكلم عنه وكأنها لا تتذكّرُ شيئا ً عن علاقتها به. لم تساعدني لباقتي فتأففتُ قليلا ً، وإذا بها تنظرُ إليّ بعد أن بانت وكأنها تتحدث إلى البحر و ذات الفراغ وبانت علامة هجوم على جسمها وتدفّقت إلى وجنتيها دماءٌ وكادت أن تنفجر غضبا ً، فتوقّفت عن الحديث واستنفرت، ثم ذهبتْ!

هي لوفينيا التي جعلتْني أُحسُّ بالأشياء، كل الأشياء! أنا ذلك المسافر الهش الذي يبيع ويشتري، وتتلخّصُ حياته بكلمة واحدة .. تاجرْ. أنا ذلك المتجول الذي لم يكن يعرف كيف يبدأ حياةً حقيقية، وتلخّصت بداياته بالانبعاث من البحر، إلى البحر! لوفينيا، تلك الساحرة تعرف جيداً كيف تهاجم القلب، سألَتْني مرة، وكانت تؤشِّرُ بإصبع يدها على ملابسي وترفعه من أسفلٍ إلى أعلى وبسرعةٍ كبيرةٍ كأنها تسخرُ من شكلي: "لماذا هي خضراء ملابسك طوال الوقت، ألا تُحبُّ الألوان؟". فأجبتها بجدية وكبرياء: "يسمّونني الأخضر بهران، يبدو أنني أحببت اللون الأخضر منذ الصغر،  وعندما عملت في التجارة اخترت أن أكون مميّزاً في كل شيء حتى في ملابسي فذاع صيتي وعمّت شهرتي من الهند إلى الأندلس، وسُمِّيتُ بالأخضر. ولأن والدي كما قيل لي، كان قد رأى في عينيَّ عندما وُلِدّتُ ملامح انبهار ، سماني "بهران"، فأنا بهران الخيزراني، فأبي كان تاجر خيزران. وذلك اسم، أطلقه عليه بعضٌ من رفاقه في التجارة لا تحببا ً بل لدواعي سخرية. ولكن أبي أصبح من أنجح تجّار مصر وتوارثتُ عنه فطنته وحبه للشعر، و ..." ضحكت هي، وبقيت ملامح وجهها غير مبالية وقاطعتني وقالت: "مُخطئٌ أنت، ولا تعرف من أنت." صُعِقتُ عندما قالت لي هذا وكنت قد ظننت أن سرد القصة بهذا الشكل سيبهرها كما تُبهَرُ باقي النساء فيتراكضن على كسب ودّي والتمتع بسماع قصصي ومغامراتي، وأحسستُ بالحاجة لتأديبها أو حتى ضربها، ولكن ولسبب ما، بقيت صامتا ً، مذهولا ً، أحاول أن أطفئ نارا ً في أحشائي تكاد تحرقني. أما هي، فبقيت متوازنة، تلك التي تعرف متى تخافُ وكيف تُخيفُ وقالت: "أحتقر مخاوفكم، أنتم الرجال." وصمتت لبرهة، وبدأت نبرتها تتغير، ونظرات عيونها وتوتر جبينها باتا يعطيان إيحاء بالصدامية، ثم تابعت: "وليس سراً أنني لقيطة، وأغازلكم،  كلكم! أنتم الرجال." ومرت تلك اللحظة سريعا كالبرق ،كانت مليئة بنظرات الإغراء والشهوانية المستحيلة ": ولكن ذلك لأنني لم أجـِد رَجُلي بعد، وإن وجدته ، لن أغازل غيره، أما البقية، فهم ليسوا إلا أشباحا ً باهتة." وصمتت مرة أخرى لثانيتين أو ثلاث وأردفت: "مثلك." وكانت تنظر إلي عينيّ مباشرة، تراقب ملامحي بحذرٍ شديد، وبينما كان الدم يتدفق إلى أذنيّ، ابتسمتْ ابتسامةً توحي بالشفقة، وكأنها تبدي انطباعاً بات مألوفاً لديها عندما تصف احتقارها لمخاوف الرجال وتهزيئهم. وفي الوقت الذي بدا لي أنّها كانت تُجيب على معظم الأسئلة التي كنت أنا نفسي أخجل من أن أسألها،أحسست عندها أنني في حضور أحدٍ لم أشهده من قبل! برغم أنني في البداية أحسست أنّها كانت تحاول أن تُلَقِّن الرجال درساً قاسياً، ولأسبابٍ لم تكن تبدو مُبَرَرة، لسبب أو لآخر. ولم تبدو لي الطريقة مألوفة على أية حال،ولكنني شعرت أنّ لهذه المرأة باعاً آخر في الرجال وفي التعامل مع الأشياء بصفة عامة، وأن لها فلسفة خاصة لم أقوَ على فهمها حينذاك، ولم أستطع حتى إخفاء استغرابي وعدم ثنائي، على الأقل هكذا كان يبدو لي. وبانت تقلباتي في ملامح وجهي كعين الشمس، حتى مع تلك المسافة النقدية التي حاولت أن أحافظ عليها تجاهها، وتجاه الموقف برمته! أمّا ثريغوراس، في تلك الأثناء، فقد نفذ صبره من كثرة ما سأل عن مرافقته وبدأ بالمناداة عليها وبصوت عالٍ حتى نفذ صبرها هي، فنفضت نفسها من على حافة المركب ورفعت شالها الملون إلى أعلى وبرفق شديد أعادته على ظهرها ثم شَكَلَتْ جانبه السفلي إلى يسارها. قدّمت لي التحية وعيناها تبرقان! وابتسمت ابتسامة رقيقة هذه المرة وبادرت في المشي الهوان نحو ثريغوراس. على الرغم أننا كنا محاطان بالكثيرين من الركاب، لم أحس بوجود أحدٍ حولنا في الفترة الوجيزة التي قضيتها مع لوفينيا. ولكن عند مغادرتها، أحسست بعيون الرجال والنساء سوية يأكلون ما تبقّى فيّ من عزّة نفس وكبرياء، وانتابني إحساسٌ غريبٌ بالوحدة والتشوش وبسرد الشعر! استهجنت نفسي أمام نفسي وحاولت طرد تلك الأفكاروالمشاعر من كينونتي وقررت أن أحاول تجنب الخلطة في لوفينيا في المستقبل، وقلت لنفسي أنها وعلى كل حال سوف لن تتذكر من أنا في اليوم التالي، وستمر من أمامي وكأنها تراني ولأول مرة!  فمن أنا لها؟ في الغالب لن تعاود الكرة هي نفسها، تفعل ذالك مع كل الرجال. على الأقل هكذا ظننت! أمّا عن فضوليّ وعن غريزتي كتاجر بأن أختلط بالناس وأتعرّفُ على عاداتهم فشعرت بالحاجة إلى كبتها بل والهروب منها في هذه الحالة، فلم يكن في الحسبان أن تستحوذني حكايات الناس بالأخص تلك التي لا تصب بالنهاية في مصَّبٍ مألوف لا يبعث بالطمأنينة بل بالضياع في تفاصيل معالمها مشوّشة ولا تُعَمِّقُ الشعور بالاستقرار، وبالطبع لا تأتي لي بالمال! فقررتُ تجاهل فضولي والابتعاد عن تلك المرأة قدر الإمكان.

احتجبتُ عن تلك المنطقة لبضع أيامٍ، وظننت أنه إذا ما عدت للتسكع فيها بعد ذالك سيكون كل شيء على ما يرام، فلن تتذكرني هي، وأعود أنا لأستمتع بوقتي مرة أخرى، فقد غدت تلك المنطقة مفضلة لدي أيضا! وكان لي ما شئتُ، على الأقل لبضع أيام ٍ أخرى التي تلت حالة اختفائي. كنت حينها جالسًا مع بعض المهاجرين اليونان اللذين قدموا من إحدى الجزر اليونانية إلى سالونيك رغبة منهم في الهجرة والعمل في صقلية، حيث ازدهرت آنذاك التجارة والعمران وباتت تستقطب الحرفيين من كل قطبٍ وزاوية. ثريغوراس ولوفينيا كانا على الجهة الأخرى للسفينة حيث لم أعد أتواجد وإذا بالجموع الأقرب لمقدمة المركب يتلفتون للناحية الأخرى ورؤوسهم تتحرك في اتجاهنا، كأنهم يراقبون أحدا يمشي باتجاهنا. لم يكن أحداً من الركاب يجلب انتباهًا كهذا غيرها هي، وأحسستُ بأن شيئاً ما على وشك أن يحدث. توقفنا عن الحديث العابر وبات كل منا يترقب مقدمة القارب وساد هدوء حذر باستثناء همس النساء ومحولات الرجال يهيّئون أنفسهم لمن سيمر بعد لحيظة. ولسبب ما، بدا لي أن معظم الرجال قد انتابهم ذات التوقع بقدوم لوفينيا حيث بانت على وجوههم تعابير الوسامة واللباقة كأنهم سيستقبلون أميرا ً من أمراء بلادهم. النسوة لم يرتحن لتصرفات رجالهن والبعض منهن بدأن بالتذمر وحثّ أزواجهن على ضبط النفس واحترامهن. حاول بعض الرجال مراعاة زوجاتهم والبعض الآخر لم يأبهوا. وكانت تلك اللحظة التي شهدت ظهورها تمشي باتجاهنا قرب مقدمة المركب. بعض الرجال لم يقدروا على إخفاء ملامح السرور والشباقة والبعض باشروا بالانشغال في أشياء غير منسجمة مع اللحظة وكأنهم اختلقوها للتو كي يتجنبوا تأنيب زوجاتهم، اللواتي كن يتأففن من توتر وشباقة أزواجهن وردة فعلهم. أما أنا، فلم أكن على طبيعتي كما كنت أرجو! وعلى رغم أنني كنت وحدي ولم يكن برفقتي أحد، استعرضت ذاكرتي ذلك الشعور الذي انتابني قبل بضع أيام عندما تدفق الدم إلى أذنيّ وبتُّ أحس بالصغر كلما نظرت إلى تلك المرأة الصعبة! وأحسست بحرارة الطقس وبرطوبة البحر وكأنني لم أطوف العالم من قبل أو لم تطأ قدماي الكثير من المراكب الصغيرة منها والكبيرة! كادت أن تنفجر من كثر الحرارة أذنايَ وكدت أن أصاب بالغثيان من كثر ما راوحت في مكاني وبالغت في ردة فعلي وربما خوفي أو حتى رغبتي. اللحظة الحاسمة كادت أن تبعثني في رحلة إلى أمكنة جديدة، وتقترب هي كالنسمة المتمرجحة بأضواء المصابيح، ولم يكن ذلك المساء ليُنسى، ولم تكن تلك الدفقة لتقدّر بثمن! وها هي، تقترب، وعيونٌ تلتقط مشيتها الغراء، وتقترب، ثم تكاد أن تمر، وقوامها مستقيم كالصارية، ونظراتها هذه المرة خلت من أي غزل أو ألفة، وإذا بخطواتها تشير لقدومها إلى جهتي كأنها كانت قد خططت مشيتها خطوة خطوة كي تنتهي في ناحيتي. عرفت حينها أنها تستهدفني، وبدأ قلبي يخفق بسرعة فائقة تذكرني بخقفان حب قديم خسرته، وكانت اللحظة، كل اللحظة أمامي، كالحلم أو الحقيقة، لا أدري!ربما كالإحساس بنبضةِ حياة أخرى، أراها ولا أراها، أو بأملٍ كان يتعبني أن أبقيه حياً من خوف أن يقتلني! وحاولت تذكير نفسي بضرورة كبت فضولي وعدم المساومة على عزتي وكبريائي، وبدا ذلك الخيار يمتحنني و للمرة الأولى،  وأحسست أن ما بين قدرتي على التجاوز وبين استعدادي لمواجهة اللحظة يكمن لغزا ما يحدد ماهية ضعفي وعدمية موقفي.

وصلت إليّ وصوت حذائها الخشبي المزركش يترك صدى لعالم آخر لا أعرفه، ووقفتْ بجانبي ووجهها للبحر، بينما تفرّق من كانوا حولي وكأنهم أرادوا أن يتركوا لنا مساحة صغيرة لنكون، أو لا نكون! وأنا ما زلت أركن ظهري على حافة المركب المتوحش في عنفوان اللحظة، وغدا وجهها على يميني وكل منا بات يحدّق في الجهة المعاكسة، وعينانا تراقب العينان ِ، وصوت تراطم الموج بالمركب بات يصرخ في وجوهنا بقوة وكأن إرادة الريح هي إرادتنا، وسماؤنا. وكانت لنا تلك اللحظة كعالم! "هو ذلك الذي وجد النور،" قالت ولتؤكد أنها كانت تخاطبني أنا ولا أحد غيري كان جسمها وكأنه يرمي الكلمات باتجاهي وعيناها تحركتا لتحدقان في أفقٍ خلف أفقي. "هو ذاك الذي قوة الحياة فيه تصيغه، هو ثريغوراس الذي يريد أن ينحت أكثر من شكلٍ واحدٍ لحياته." صمتت قليلا ثم نظرت إلي نظرة سريعة تحثني فيها على الوقوف المباشر أمامها والنظر في أفق عينيها بدلا عن التحديق في تلك الآفاق التائهة فينا أو بنا! في تلك المرحلة أدركت أن جسمي كان يميل لاتجاهها مع أنني كنت مستمرا  في النظر إلى الجهة الأخرى، مع استراق بضع ومضات من وقفتها على بعد خطوة واحدة مني. تحركت قليلا وأدرت بوجهي نحوها وبت أنظر في عمق عينيها وفي ابتسامة أشرقت بها كحرير ثمين ناعم تحت رذاذ بعيد خلف عوالم ملوّنة. "التقيت به في طريقنا إلى قرطبة، حيث كانت محطتنا المقررة لجمع بعض المال، جمعنا القليل منه في المحطة السابقة ما يكفي للوصول إلى قرطبة، وللمزيد من لهو قرطبة، فقد كانت مغرية لأناسٍ مثلنا نحن الغجر، نعرف ما يريد الناس، وهم يعرفون ماذا نريد نحن! أما هو، فقد كان يوم وصولنا يمشي على حافة الطريق التي تؤدي إلى المسجد الكبير، وكنا نحن منقسمين إلى جزئين، جزء يركب العربة، والجزء الآخريمشي على جانبها. لمحته من بعيد يمشي بشكل مميز! أثارني وقوفه المستمر وأحيانا جلوسه على الأرض ليعبث في بعض الأشياء ويلتقط بعضا آخر ليتلمسه ثم يعاود المسير. فعل ذلك ثلاث أو أربع مرات ما بين توقف ومسير حتى أصبحت عربتنا بمحاذاته. كنت أنا حينها من ضمن أولئك الذين يمشون بجانب العربة وعندما انتبه لقربنا، رفع عصاته إلى أعلى وثبّتها في الهواء ونظر ناحيتنا وابتسم، وكأنه يلقي التحية! ظللت أراقبه ولم ألحظ أنه كان ضريرا، إلا بعد أن سبقناه بحوالي مئة ذراع حيث تعثّر بشيء ما ووقع على الأرض على وجهه تماماً وطارت عصاته إلى الجانب الآخر للطريق  فبدأ يتلمس الأرض بتوتر ٍ ويفتش عليها، وفي تلك اللحظة وبشكل عفوي طلبت من السائق كوران أن يتوقف وينتظرني،فركضت نحوه رغبة بمساعدته وأمسكت بذراعه محاولة رفعه عن الأرض ومتخيلة أنه سيتقبل المساعدة، لكنه تذمر كثيرا وأخذ يبرطم  بلغة غير اليونانية لم أفهمها ويحرك يديه بشكل عشوائي وبعصبية شديدة ويرتعش كمن يفقد شيئا عزيزا ويحس بأنه مذنب لفقدانه. ابتعدت قليلا عنه وتوجهت نحو العصا والتقطتها ووجّهت مقدمتها بإتجاه جنبه الأيمن عساه يحس بها فيمسكها ويهدأ من روعه. أمسك العصا في اللحظة التي وجّهت العصا نحوه وسحبها من يدي بعنفٍ ورفعها إلى أعلى كما فعل من قبل، ثم نهض ومدّ يده اليسرى أمامه وبدأ بالالتفاف حول نفسه وعصاته مرفوعة إلى أعلى بيده اليمنى كمن يتأهب للقتال! بقيت واقفة مكاني دون حراك، وصوت كوران من خلفي يستعجلني. لكن ما لبث أن جاء ثريغوراس ناحيتي بسرعة واصطدم فيّ وكاد أن يطرحني أرضاً. وفي تلك اللحظة هدأ قليلا وأنزل عصاته المرفوعة المتوجهة نحو أنفي بهدوء وأخذ يمررها عليّ كمن يكتشف ولأول مرة الجسد الأنثوي، ضحيته أو نشوة انتصاره. كان يدقق في التفاصيل الصغيرة في جسمي  وكأنه يتعرف بعصاته عبر ثقب صغير على ملامح عالم جديد. مدّ يده اليسرى نحوي وأخذ يتلمس كتفيّ ثم شعري وتضاريس وجهي. توترت في البداية ولكنني أحسست بعدها بشعور آخر أشبه بإنسياب الماء الفاتر عندما يتسلل إلى الجسد ويغمره دون أن يرتعش فطابت ليّ الفكرة! ولم أتحرك! كوران من الخلف ما زال يصرخ ويهدد بالمضي إلى وجهته،أعطيته إشارة بأن يذهبوا هم وأنني سألحق بهم بعد قليل! أحسّ هو بتحركي وابتعد إلى الخلف قليلا ً، وبدأ حينها كوران بالتحرك وانتبه هو لصوت العربة وهدير من هم حولها ووضع عصاته على جانبه في مكان خاص بدا لي كخُرج السيف، ومدّ يده اليسرى واستكمل اكتشاف وجهي هذه المرة كريح خبيثة تتأكد من لمسها لكل أجزائه. ووضع يده اليمنى على كتفي مرة أخرى وبدأ بالانزلاق كحبرٍ على جليد، فوق كل ناحية من جسمي وبيديه الاثنتين، وبنعومة شديدة. بدأ يتلمسني بطريقة لم أشهدها من قبل! فإرتخيت وإستسلمت كمن تهب نفسها لمضاجعة إسطورية نادرة وإجتاحني إحساسٌ متناقض ما زلت أحاول أن أفهمه منذ تلك اللحظة! بقيت لوفينيا مذهولة هكذا، حتى توقف هو فجأة منتفضا من مكانه وسألها بحذرٍ بالكاستيلية:

- من أنتِ؟ أنت غجرية أليس كذلك؟

- لوفينيا، هذا اسمي.. لوفينيا. وتحيّرت كثيرا عندما سألني عن اسمي بلغة أعرفها، فقد سمعته للتو يتفوه بكلمات غريبة لم أعرف لأي لغة تنتمي! وتفاجئت بسليقته وحدسه عندما عرف بأنني من الغجر! صوت العربة ربما أو صريخ كوران!

- تذهبون إلى قرطبة؟

- نعم.

- للهو ِ أليس كذلك؟

- كذلك! ولكن ما دورك أنت، ولم تسأل؟

- وما دوركِ أنت، ماذا تفعلين بالضبط؟

- أرقص وأغني وأقوم ببعض الحركات البهلوانية برفقة الدب كواترو.

- وماذا تفعلين عند اللهو الحقيقي؟

استفزني السؤال ونبرته التسلطية وقلت: ليس شأنك.

- هل لك أهل .. هل هم أهلك؟

-  نعم ولا

- هل هم غجر أيضا ً؟

- نعم ولا

- أنتم الغجر منبوذون أليس كذلك؟

وأحسست عندها أن كل هذه المحادثة لم تعد تهمني بشيء وأن هذا الرجل مشاكله أكثر من أن آبه بها فقلت له: "كذلك". قلتها بسرعة آملة أن تنتهي المحادثة وأعاود المسير فنظرت حولي أتفحص الطريق ولأعد نفسي لمغادرة المكان واللحاق بأهلي وإذا به يتحرك باتجاهي وبلهجة ملحة ومستهزئة قال: ماذا تعني "كذلك"!! أأنتِ عبدة لأحد.

- لا، فيّ من الحرية ما يكفي لمئة مثلك يا هذا!!

- ها.... وما هي تلك؟

- ما تلك ماذا؟ ماذا تعني؟

- حرية!!

- آه، هممممم .... أن نفعل ما نشاء، متى نشاء!!

- أوَ تقتلون أيضا متى تشاؤون؟

- لا لا هدىء من روعك، لا نشاء من القتل شيئا، ولا نتحرش بالأبرياء ... سؤالك فظ

- ومن هم أولئك؟

- أولئك من؟

- الأبرياء

- أنت مثلا ً، وفظ أيضا ً!

- وما أدراك أنني  بريء، أو فظ!!؟

- عيناك تقولان، وأنت معذور أفلا تراهما!؟

- البراءة جهل

- وأحيانا الجهل براءة، أين بصيرتك يا عاقل..

- البصيرة ليست حاجة

- البصيرة لها أسرار

وبتذمر قال: أنت خبيثة

- وما الخبث؟

- تشويه الحقيقة

- أو حاجة للبقاء

- أنت مشوهة

- أنت عبد

- عبدٌ لذاتي

- وأنا حرة في ذاتي

- نحن متشابهان إذاً، أنا أنحت في الحجارة وأنت في الحياة، وأحيانا حياة المرء حجارته...

- أنا أرقص الحياة وأغنيها، نحن متشابهان في رقصتنا الحجرية ولكن ليس بحريتنا، فأنت ما زلت عبدا لرؤيتك ولست حرّا ً في فهم بصيرتك

- أنا سأرى، وسأبصر ما في العالم، كل العالم!

- كثير فيك ليس في العالم، بصيرتك ترى النور فيك، وعيناك ترى النور في الشمس، وفي ذاتك شمس أخرى.

- عيناي هي حاجتي للبقاء نحاتا

- الاستسلام ضعف، والعيون ضرورية لحياتك ولكنها ليست مبررا لقتلك

قال ثريغوراس وكأنه تذكّر للتو أن هنالك سبب آخر لحديثه معي فقال:

- أتأخذونني معكم إلى قرطبة؟ في هذه الحالة أقدر على التحدث معك أكثر وربما يحالفني الحظ وأتمكن من أن أنحت منك تمثالا ً عظيما ً

- لا أستطيع التصريح بشيء كهذا بالنيابة عنهم، ولكنك تستطيع أن تأتي معي وحدي، وتستخدم أنت حصتي في العربة، ستسليني فلسفتك الملتوية!! وربما نحتك! كم ستدفع لي؟

أفليست عربتكم كلكم؟

- لي حصة فيها وكما قلت تستطيع أن تجلس على العربة عندما يحين دوري، بينما أمشي أنا بجانب العربة، ولكن قبل كل هذا ماذا سأجني أنا من كل هذه الحكاية، غير طبعا ً سخافتك .. ولا أعرف ماذا أيضا .ً

- ألن يغضبوا؟

- آه، يغضبوا من؟ هم؟ وما شأنك أنت؟ ... على كل حالٍ لا، لن يغضبوا، وليس من حقهم، أبدبر أمري جيدا ً.

- أهذا يعني أنهم لن يعترضوا على كوني سألمس جسمك واتحسسه في كل الأماكن حتى ... كل الأماكن .. تعرفين ما أقصد!

- هذا جسمي أنا يا صديقي،ويبدو أنّ عليك أنت أن تفهم هذا قبلهم! ولكن ما لي وكل هذه الحكاية أسألك مرة أخرى، ها؟ ماذا تريد أنت وجسمي ما لك أنت بي أتظنني رخيصة يا هذا؟ ثم لم نتحدث بالتفاصيل بعد فعليك التروي أولا ً.

- حسنٌ حسنٌ، أردت التأكد فقط من أنك تتعاملين مع جسمك بهذا الشكل، سأنحتك منك تمثالا، هذا كل ما هنالك، هذا كل ما هنالك!

- لا أفهم ماذا تعني، أتظن أنني عاهرة وماذا تظن نفسك انت إذا كنت أنا أفهم...

- لا لا لا، لا تسيئي فهمي أرجوك فهذا آخر ما أرجوه في هذه اللحظة ولكنني استغربت من أن قومك يتقبلون الوضع وكأنه أمر عادي، لقد كدت أقتل في الماضي بعد أن وجدت نفسي في وضع مشابه لهذا دون الأخذ بالحسبان كل ما قد يترتب على هذه العلاقة و...

- لحظة لحظة، أنت ما زلت لا تفهم الأمور جيدا، هم قومي وعائلتي، وأنا لم أقل بأنهم يتقبلون هذا الوضع، كل ما هنالك أنني وعلى مسؤوليتي الخاصة سآخذك معي إلى قرطبة في مقابل بعض الأشياء التي لم تتحدد بعد وتبعا لهذه الاتفاقية سوف تكون أنت بحمايتي. فدعنا من الحديث عن كل هذا فأنت وعلى كل حال لن تضاجعني بل ستنحتني، وعلى ذكر النحت لم لا تنحت امرأة تعرفها أو تعرفك هي على الأقل فلا تضع نفسك في وضع محرج كهذا؟  وعليك أن تفكر بأشياء أخرى لتعويضي، أن تصنع تمثالا لي لا يكفي، مجرد لا يكفي، فعليك التفكير بشيء آخر!

- آه، لدي امرأة يا صديقتي ولكنها تعيش هنا (ووضع يده على صدره بقوة)، ألم تدركي ذلك بعد!؟ إنها ما زالت هناك .. حتى أنني أتخيل أحيانا أنها ولدت هنا! أنا لا أنحتك أنت أنت بل أنحت امرأتي، وسأعوضك لا تخافي، سأعطيك بعض النقود أيضا ً، أتظنين هذا سيكون كافيا لك.

- كم من النقود ستعطيني، بعض النقود، بعض النقود قد تعني أي شيء، أتعامل بالأرقام ... كم بعض النقود تساوي؟

- حسنٌ حسنٌ، يا إلهي، ما هذا؟ ... أنت ستحمينني وتنهبينني حسنٌ، ولكني وكما تعلمين أنني هنا، في هذا المكان الذي لا أستطيع القول أنه من أظرف الأماكن التي سافرت إليها وأنني وبهذه الحالة أستطيع القول يا عزيزتي أيضا أنني قادر على حماية نفسي، فسكاكيني حادة وأولها في عصاتي وقادر على أن أكون قاتلا عند الحاجة،  ولكنك بالطبع ستساعدينني حتى أصل قرطبة، على الأقل في هذا الاتفاق،  وحتى تلك اللحظة  فلننسَ قليلا قصة النحت فقد أغير رأيي قبيل الوصول، وعلى كل حال لم أمارس النحت منذ سنتين تقريبا وعلي أن أتنشط قليلا قبيل البدء بمشروع جديد، ولكن على هذا فقط سأكافئك بمئة درهم من ذهب، أيناسبك هذا؟

- حسنٌ،  ولا تسألني مرة أخرى، لقد وافقت على مجيئك معنا ولكن لم أفهم ماذا تقصد بأنني سأساعدك، أساعدك بماذا إذا كنت تتدبر أمورك بنفسك، فعليك أن تعلم مسبقا ً بأنني لن أكون لك بخادمة، حتى مع كل هذا المال الذي تقترح مكافئتي إياه، وعليك أن تفهم أيضا بأن هذه العلاقة لا تعني شيئا بالنسبة لي غير أنني أفعل هذا كجزء من عملي، أنحن على اتفاق؟ وماذا عن قضية النحت؟ أليس هذا هو السبب الرئيسي الذي من أجله بدأ الحديث بكل هذه المواضيع وماذا عن ...

- نعم نعم، سنصل للحديث عن ما سميته قضية النحت عاجلا أم آجلا ولكن ومن أجل أن نبرم اتفاقا مجديا لكلينا فنحن على اتفاق: أنت لست بخادمة، وهذا جزء من عملك، تساعدينني فقط بالأمور اليومية التي أعجز عن مزاولتها لكوني ضرير، وهي ليست بكثيرة على كل حال، وعندما نصل لقرطبة نبرم إتفاقا آخر للمرحلة التي تليها، أنحن على اتفاق؟

- نحن على اتفاق، ولكن قل لي ... أتقتل حقاً، أهنالك سكين بهذه العصا؟

- ولم لا؟

- ولم نعم، لم أفهم ماذا تعني ولم لا؟ أهنالك سكين. ومدت يدها لوفينيا محاولة التعرف عن قرب على عصاته وإذا به يحس بها ويبتعد قليلا من أمامها وقال: لأنك أنت ستقتلين إذا قضت الحاجة أيضاً، أفلن تفعلي؟ وعاد كليهما للوقوف باعتدال وحيادية وكأن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بات ساري المفعول!

- لا أدري، الأمر ليس بهذه السهولة.

- ومن قال أنه بهذه السهولة، أنا ضرير، وأيا كان سيهرب مني بسهولة شديدة.

- تقتله بماذا إذاً، بلسانك؟

- لا أدري ربما أساومه على عينيه! لست جيدا بقتل اللسان!

- تقتله بقلبك إذاً؟!

- لست حجراً إلى الحد! وسكتت لوفينيا وارتبكت ولم تدري ماذا تقول، وباشرت في تغيير الموضوع!

- ألن تأتي إلى العربة؟

- نعم نعم هيا بنا.

- لكن قل لي لماذا أنت ذاهب إلى قرطبة، ماذا لك في قرطبة؟

- آه .. نعم .. سألتني ... مررت في الأندلس لأرتاح قليلا من عناء سفر طويل، سأبحر باتجاه سالونيك في النهاية لأقضي بعض الأشغال ثم أعاود السفر بإتجاه صقلية.

- ولماذا صقلية، أكنت في صقلية؟!

- لأن هناك تعيش نبتة الغارونيا، نبتة ستعيد إلي بصري، هذا ما عرفته من عجوز مصري، أظنه كان صوفياً! هو قال لي بأنه رأى النبتة بأم عينه وشهد تأثيرها على أناس بمثل حالتي.

- أتفتش عن هذه النبتة منذ زمن بعيد؟

- منذ زمن قريب، سنتين تقريبا.

- ألهذا لم تنحت شيئا طيلة السنتين الماضيتين؟

- نعم نعم، ما كنت قد نحته طيلة حياتي هو ما كنت أتأمل في لمسه، أحتاج أن أرى الآن، وأحتاج أن أنحت ما أرى.

- ألم ترَ وتلمس ما فيك لتنحته؟ تستطيع نحتي وأنت بهذه الحالة أليس كذلك؟!

- نعم نعم،  لقد نحتُّ أشياء كثيرة أعرفها وأشياء أخرى لم أعرف ما هي، أعني أنها مجرد أشكال لم يفهمها  أحد، حتى أنا لم أفهمها! أظن أنني لم أفهمها، لم أعد أعرف!ولكن لا أظن أنها فيّ، ربما! لم أعد أعرف! لم أعد أعرف! وبحساسية شديدة وبصوت يكاد يفتقر للصوت وكأنها على وشك أن تسأل سؤالا شفافا أو مطمئنا ً: أتفهم كل شيء فيك؟

- تقريبا كل شيء. ولم يستغرب من السؤال!

- يبدو لي هذا غير معقول، لا أحد يفهم تقريبا كل شيء!

- أتسخرين مني، أنت تسخرين مني، يا لهذا الزمن ال..

- لا لا، لا أسخر منك، بل أحاول أن أفهم منك كي أعلمك شيئا!

- وماذا عندك أنت لتعلمينني؟!

- عندي ما أظن أنك تسعى إليه.

- النبتة؟

-  لا، بل عيناك، لقد رأيت بعينيّ كيف تتلمس الجسد وكيف تنتفض الروح باللمس، أظنك لا ترى عيناك.

- آه، فإذا أنت أيضا تملكين عيناي، كم أنا سعيد الآن، أفتتكرمين على هذا الفقير ثريغوراس وتعطيه عيناه، إذا تفضلتِ!!؟

- تأخذها مني بعد أن تعرف أن النبتة لن تغنيك عما فيك.

- أتتحدين بصيرتي وما سأنحته بعد ما أبصر؟

- نعم، ثريغوراس، هذا أسمك أليس كذلك؟

- نعم نعم، وتتحدينني وأنت لا تملكين شيئا لتخسريه؟ هذا ليس بتحدي منصف!

- أخسر أنني وجدتك ولم أنقذك، فإن لم أقبل التحدي طالم كنت أعرف أنك لن تنحت شيئا حتى بعد ما تبصر، وأقبل التحدي لأنني أعرف أنك تقدر أن تنحت شيئا مهماً بعد أن تفهم أن لبصيرتك عينان غير أعين بصيرتك، وأظنك تفهم ما أقصد!

- إذا تقبلين التحدي

- نعم، أقبله

- وتأتين معي إلى صقلية؟

- ومن تحدث عن الذهاب معك إلى صقلية يا أخي!

- ألم تعترفي للتو بأن هذا الاتفاق أكثر بقليل من كونه مجرد اتفاق؟

- لا أفهم ماذا تعني!

- ألم تقولي أنك قد رأيت بعيناك كيف أتلمس الجسد وكيف تنتفض الروح باللمس!؟

- أنت خبيث!

- نعم أعرف أنني خبيث،  فلما لا تأتين معي إلى صقلية؟!

- دعني أفكر .. ربما!

- ربما أكون بحاجة لك .. سأدفع لك أجرا جيدا، ماذا تقولي .. ها .. ها

- توقف توقف عن هذا، دعني أفكر، فلنصل إلى قرطبة أولا وبعدها سنرى، إذا كنت فعلا بحاجة لي، ملعون أنت!

- ماذا تقصدين؟

- أقصد لا شيء، هيا إلى العربة.

 

------

* كاتب وفنان فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة

 

التالي  |  العدد الحالي | السابق ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2005  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group