|
حوار مع الكاتبة الجزائرية سعدية ميسالي
حاورتها ميرنا أبي نادر-
جريدة الأخبار (النهار) مونتريال/ كندا
صدرت أخيراً عن دار النشر الكندية JCL
رواية "
طريق الكرامة"
للكاتبة الجزائرية سعدية ميسالي ، وفيها تستعيد فصول تجربة قاسية
عاشتها مع عائلتها بعدما قررت ، في التسعينات من القرن المنصرم،
مغادرة وطنها الأم مفضّلة الانطلاق في طريق الهجرة الشائك على
البقاء في وطن تتنازعه الأحقاد، ويتربص به الموت من كل جانب. في
السويد أولاً ، ثم في النمسا، ذاقت العائلة التشرد والجوع، واصطدم
أفرادها بقوانين الهجرة الصارمة قبل أن تستقبلهم كندا كمهاجرين
قانونيين على أرضها.
حول روايتها الجديدة وتجربة الهجرة ، دار حديثنا مع الكاتبة سعدية
ميسالي ، وفي ما يلي نصّه:
- بداية، لماذا قررت اليوم نقل تجربة الهجرة التي عشتها مع عائلتك
في رواية؟
اعتدت طوال حياتي تدوين كل الأحداث التي أعيشها ، لكن رواية "طريق
الكرامة" وُلدت وكأنما تلقائياً بعد مرور سنوات على التجربة
القاسية التي عشتها وعائلتي في رحلتنا إلى المنفى.
وهي تجربة عاش مثلها ملايين المهاجرين في أنحاء العالم ويبلغ عددهم
اليوم خمسين مليون. روايتي أردتُها أن تكون شهادة حيّة ورسالة
أتمنى أن تصل إلى حكومات العالم تتعامل مع المهاجرين بأسلوب عدائي
وكأنهم مجرمين ينبغي محاكمتهم وإنزال أقسى العقوبات بهم. أود لو
يقرأ صاحبو القرار في حكومات العالم روايتي يوماً ليدركوا أن
المهاجرين لم يأتوا إلى بلادهم ليسلبوا مواطنيهم لقمة العيش. إن
المهاجر لم ينسلخ عن أرضه وأهله إلا بعد ما وصل إلى حافة اليأس ولم
يعد أمامه سوى الفرار إلى المجهول.
- وكأنك تتهمين حكومات العالم بالتسبب بكل عذابات المهاجرين .. ؟
أيّاً كان السبب الذي يدفع بأي إنسان إلى الهجرة، إنّما يكون سبباً
وجيهاً يستحق أن تأخذه الحكومات بعين الاعتبار. المهاجر ، في
النهاية، هو إنسان اختار قسراً اللجوء إلى بلد غير بلده وله حقوق
إنسانية تخوّله طلب حماية هذا البلد.
هناك أناس ينطلقون في رحلة الهجرة سيراً على الأقدام ويعيشون
عذابات لا يمكن تصّورها، وعندما يطأون أرضاً غريبة، يدركون أن
معاناتهم ليست سوى نقطة في بحر المرارة التي سيعيشونها بوصفهم
مهاجرين أو لاجئين.
إنها مسألة إنسانية بالدرجة الأولى ، وينبغي معالجتها ضمن إطارها
الإنساني. لماذا لا تعدّل الحكومات قوانينها الصارمة خدمةً
للإنسانية؟ أثناء وجودنا في النمسا والسويد، ذقت وعائلتي الجوع
والتشرد، ولم يشأ أحد مساعدتنا حتى المؤسسات الدينية. فذات يوم
وقفنا أمام دار للعبادة وقد نال منّا التعب والجوع آملين في قليل
من المساعدة ، لكن المسؤولين رفضوا حتّى استقبالنا بحجة أنني لست
من البوسنة رغم أن زوجي بوسني. أودّ لو أن كل بلد يسهّل التعامل مع
المهاجرين، أو على الأقل يستمع إليهم. أما نبذ الناس وإساءة
معاملتهم وطردهم لأنهم لا يتوافقون وشروط معينة، فهذا عمل إجرامي .
- تتكلمين في روايتك عن مفهومك للحرية بوصفها تتمثّل في توق
الإنسان للبحث عن السعادة ، ولكن في موقع آخر تكتبين: "ألوم نفسي
أشّد اللوم لأنني اعتقدت أن الإنسان حرّ. ما من إنسان حرّ على
الأرض ..."
انطلقت وعائلتي في رحلة الهجرة وفي داخلنا توق لحياة أفضل. كنّا
نسعى للعيش بكرامة رغم المرارة التي نعيشها في الهجرة. ما كنت
لأستبدل شمس وطني بكنوز العالم، لكن الأوطان تخذلنا أحياناً. لا
أحد يترك وطنه إلاّ قسراً، حتى المهاجرون هم لاجئون هربوا من الحرب
أو الظلم أو الفساد أو البطالة. والرحيل غالباً ما يكون الخيار
الأخير. وبعد العذابات التي عشتها، أدركت أننا نبحث عن السعادة في
الجحيم، لكن الحياة بحث مستمر عن حقيقة لا ندركها قط.
يلزمنا الكثير من الشجاعة والأمل لنصمد في وجه مصاعب الحياة لأن
الإنسان حرّ في المطلق، وأعتقد أنه باستطاعة الضمير الإنساني
الجماعي تغيير العالم إلى الأفضل، ولكي يتم ذلك ينبغي أن تسود كل
المجتمعات سياسة الشفافية.
- يغادر المهاجر وطنه، وغالباً ما يكون من العالم الثالث، هرباً من
أمور عدّة كما سبق وذكرت، ولكن ألا تعتقدين أنه لا يجد في وطنه
الجديد، وأكثر الأحيان يكون في البلدان المتقدمة سوى أشكال أخرى
من العبودية مختلفة نوعاً فقط عن تلك التي حاول الهروب منها أصلاً
؟
لا يسعني أن أقول إن هذا ليس صحيحاً. ما من مجتمع مثالي في العالم،
ولكن في البلدان المتقدمة يطمئن المرء إلى العدالة والاستقرار
"الأمني" على الأقل.
يطمئن إلى وجود المؤسسات ويثق بعملها. صحيح أننا نصادف أحياناً في
هذه المجتمعات الاضطهاد والاستغلال، ولكن الفرصة متاحة أمامنا
للتقدم بفضل كفاحنا وعملنا. أنا واثقة أنه سيأتي يوم تتغيّر فيه
هذه السمات السلبية بعد أن يستيقظ الوجدان الجماعي ويصل الناس إلى
درجة متقدمة من الوعي المجرّد من كل أنانية. الإنسان حرّ، ولكن يجب
أن يبني حريته ويدافع عنها.
- وما هو المجتمع المثالي برأيك؟
إنه المجتمع الذي يؤمن لمواطنيه الحد الأدنى من حاجاته مثل المسكن
والغذاء والتعليم والعناية الطبية. إنه المجتمع الذي يعامل مواطنيه
باحترام ويمنحهم حقوقهم الإنسانية حتى ولو كانوا مهاجرين. فكل شخص
يأتي من وطن يبعد آلاف الأميال لا بد وأن يعطي أفضل ما عنده للوطن
الذي تبنّاه.
|