|
محرمات... محرمات... محرمات
أ
. س
*
المرأة والجنس ، السياسة ، الأديان ، مواضيع تشكل قاعدة مثلث
المحرمات التي غالباً ما نخشى الخوض فيها نتيجة إرث اجتماعي وثقافي
وديني ، والإنسان غالباً ما يكون عدوّ ما يجهل . ولكن ، حسب رأيي ،
إن هذه المحرمات لا تأخذ أبعادها الحقيقية ما لم تُوضع في إطارها
الصحيح . أضف إلى ذلك ، بأن محور هذه المحرمات هو الإنسان وقد وُجدت
لتنظيم حياته وحل مشكلاته وجعله أكثر سعادة واستقراراً ، فإذا سعينا
نحن إلى بناء الإنسان الواعي ، بنيْنا مجتمعاً لا يخاف من طرح
ومناقشة ما نسميه تجاوزاً "محرمات " ، بشكل علمي ووفق أسس حوارٍ هادف
وبّناء للمجتمع وللوطن ، لأنها في صلب حياته .
وددت في هذا المجال ، لو أستطيع أن أستعير لمقالي عنوان قصيدة الشاعر
نزار القباني (1) " أحمر...أحمر ...أحمر " لأعبّر عما يجول في خاطري
من شعور بالتمييز تُجاه بعض المواقف والتفسيرات الخاطئة والفردية
لهذه المحرمات التي تحد من حرية الفكر والتعبير تُجاه بعض قضايانا في
الوطن العربي ، والتي هي سبب رئيسي لتخلفنا ، لأننا غالباً لا نستطيع
مجابهة الأمور بصراحة ووضوح . وقد تكون بعض من أبيات قصيدته هذه
التالية مدخلاً لما سنطرحه في هذه المقالة القصيرة .
" لا تفكر أبداً ...... فالضوء أحمر
لا تُكلم أحداً ..... فالضوء أحمر
لا تجادل في نصوص الفقه ، أو في النحو ، أو في الصرف
أو في الشعر ، أو في النثر ،
إن العقل ملعونٌ ، ومكروهٌ ، ومُنكر "
تتوافق هذه الأبيات بشكل حسي مع أوضاع وواقع المرأة العربية ، والتي
أحببنا أن تكون موضوع مقالنا هذا ، لأنها لأسباب عديدة قد حُوّلتْ
إلى إنسان يُمارس تجاهه كافة أنواع التمييز ويخضع إلى أنواع مختلفة
من العنف الجسدي والفكري والنفسي ، ومطلوب منه أن يسكت ،" فالضوء
أحمر" ،وكما يقول الشاعر نزار : " الرجل العربي يحب المرأة الخرساء
... أما المرأة الفصيحة فيعتبرها تحدياً لفصاحته " (2)
والفكرة الشائعة في مجتمعنا ، لا بل إلى حدٍ ما ، في كل المجتمعات
الإنسانية ، ولو ادّعت " تحرير المرأة " ، هي الاعتقاد بأن المرأة
ضعيفة بطبيعتها ، فإدراكها محدود وأفكارها سطحية وآراؤها ومواقفها
مشوبة بالانفعال ، وآفاقها ضيقة وقدرتها على الالتزام والمواجهة
وتحمّل المسؤوليات هزيلة ....الخ ، هذه الأفكار يبثها بعض الرجال ،
ولكن الأكثر أسفاً هو أن الكثير من النساء ، لا بل غالبيتهن أحيانا
يتبنين هذه التصورات المجحفة بحقهن . بمعنى آخر ، في المجتمع الذكوري
هذا ، هنالك تواطؤ واضح بين الضحية والجلاّد ، ولا يخطر في البال ،
أن إعادة النظر في هذه التصورات أمر ممكن ومشروع ، لا بل ضروري جداً
لتحقيق حرية الفرد ( ذكراً أو أنثى ) ، ولتحقيق التنمية الشاملة
والمستديمة والرفاه لكل أفراد المجتمع دون تمييز .
لقد دفع ما سبق الكثيرين من دول ومنظمات دولية ومحلية وأفراد وكتاب
ومفكرين إلى مراجعة المسلمات السابقة عن المرأة التي بدأت لحسن الحظ
، منذ فترة ليست بالوجيزة ، تهتز وتتداعى بفضل تطور الأوضاع
الاجتماعية من جهة ومواقف عدد من الأحرار رجالاً ونساءً من جهة أخرى
، والذين لم يتورعوا عن التصدي لهذه المسلمات وإظهار زيفها وبطلانها
، نذكر منهم على سبيل المثال ، غاندي (3) الذي قال : " ليس جنس
النساء بالجنس الضعيف بل هو أشرف الجنسين بما فيه من قوة على تضحية
النفس واحتمال العذاب ، والإيمان والمعرفة ، وكثيراً ما فاق حدس
المرأة ادعاء الرجل علماً فائقاً " ويتابع قائلاً :
" وإنه لمن باب الافتراء أن يُتحدث عن المرأة على أنها الجنس الضعيف،
الرجل هو المسؤول عن هذا الغبن ، إذا عنينا بالقوة الشراسة ، فصحيح
أن المرأة أقل شراسة من الرجل ، أما إذا كانت القوة مرادفة للشجاعة
الأدبية ، فالمرأة عند ذاك تفوق الرجل بما لا يُقاس ، وإذا كان
اللاعنف شريعة كياننا ، فالمستقبل هو للمرأة " .
ما السبب إذن وراء واقع المرأة المتردي في أكثر البلدان ؟ .
يعزو أكثر المفكرين وعلماء الاجتماع وعلم النفس ذلك إلى عاملين اثنين
هما :
1ـ خوف الرجل الخفي من المرأة ، لأنه يعلم في داخله أنها الأقوى ،
وهذا ما يُفسر استخدام العنف من قبل بعض المثقفين .
2ـ النزعة القوية لدى الرجل نتيجة لعوامل عدة : اجتماعية وتربوية
وثقافية إلى تأكيد الذات ولو على حساب الآخر ( المرأة ) .
ما النتائج إذن ؟.
النتائج متعددة ومتشعبة وممتدة على جميع الأصعدة ، ولها الكثير من
الآثار السلبية على الفرد ، رجلاً كان أو امرأة ، وعلى المجتمع ككل
إنسانياً واجتماعياً واقتصادياً . لذا فقد حظي موضوع المرأة هذا
اهتماماً بالغاً على مر العصور ، وبدون هوادة ، وتعددت المؤتمرات
والندوات والمحاضرات والأبحاث من قبل المختصين والمفكرين ، وصدرت
الكثير من التوصيات والتقارير والإحصائيات حوله ، ومع هذا كله فما
زال وضع المرأة في أغلب الدول يعاني وضعاً مأساوياً مع بعض التفاوت ،
هذا على الرغم من تباهي العديد من الدول بتحقيق إنجازات في هذا
المضمار وبتغيير هذا الواقع . ولا نظن بأنه نستطيع من خلال هذه
المقالة إحاطة الموضوع من جميع جوانبه حيث تبقى مواضيعه مفتوحة دوماً
للتحليل والنقاش والحوار العلمي المثمر ، ولكن قد يكون من أهم آثار
استضعاف المرأة التي أود البدء بطرحها الآن هو ما يسمونه بـ "العنف
الأسري أو العائلي ضد المرأة " لأنه يمثل الحلقة الأولى في التمييز
حسب الجنس ، ولأنه خلافاً لما نتوقع موجود بنسب مرتفعة نسبياً (4)
حتى في بدايات القرن الحادي والعشرين هذا .
تعتبر ظاهرة العنف الأسري ضد المرأة لكونها أنثى ظاهرة عالمية ، وعلى
الرغم من انتشارها إلا أنها ضمن المواضيع التي أُحيطت بالسرية
واعتبار الإجهار بها من المحرمات لا سيما في الدول العربية ، لأنها
تمس التنظيم العائلي والسلطة الذكورية ، وهي جرائم غالباً يتم السكوت
عنها ، وبالتالي لا تظهر في الإحصاءات الرسمية .
ويمكن تعريف مصطلح " العنف ضد المرأة " ، كما أقره الإعلان العالمي
للقضاء على العنف ضد المرأة والذي تبنته الجمعية العامة في كانون
الأول / ديسمبر 1993 ووافقت عليه جميع الدول الأعضاء في الأمم
المتحدة ، بما يلي : " هو عبارة عن أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس
ينجم عنه أو يُحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسدية أو جنسية أو
نفسية للمرأة بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه
أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أُوقع ذلك في الحياة العامة أو
الخاصة . " وقد يكون العنف الأكثر وقعاً وإيلاماً على المرأة هو ذلك
الذي يقع في الأسرة التي من المفترض بها تأمين الحماية والأمان لها
والمُسمى ـ كما سبق وقلنا ـ بالعنف الأسري أو العائلي .
أما مظاهر هذا العنف الأسري فتتمثل بالنقاط التالية :
1ـ تزويج البنت دون رضاها خاصة القاصرات منهن " وبيعهن " كسلعة لمن
يدفع أكثر .
2ـ تطليق الزوجة دون رضاها لأسباب تافهة ، ورفض الطلاق أو وضع كل
العراقيل الممكنة لرفضه بناء على رغبة الزوج حين تطلبه الزوجة ولو
لأسباب جوهرية.
3ـ الاغتصاب حيث تًُحمّل المرأة أوزاره ويتم غالباً لومها ، فالمحاكم
لا تعترف بحقيقة الاغتصاب ، إلاّ إذا أبدت المرأة مقاومة لعنف
الاغتصاب وترك علامات واضحة على جسدها ، ونادراً ما يشعر المغتصب أنه
قد أذنب تجاه ضحيته ، لا بل يُحمّل الجميع الخطأ للمرأة لأنها
بالمفهوم الاجتماعي استهترت بنفسها بشكل من الأشكال ، وحتى المرأة
نفسها تشعر بعقدة الذنب وقلما ما تجد أحداً يقف إلى جانبها ، لا بل
يتهمونها بكيانها في بعض الأحيان بادعاء كونها ماسوشية تجد لذة في
الإذلال الذي يصيبها .
4ـ جرائم الشرف والتي هي في الحقيقة جرائم متعلقة بالجنس والتي
تُحاسب عليها المرأة فقط ، فالرجل له حرية ممارسة " رجولته " وفق
التسمية الشعبية ، ودائما نجد له الأعذار ، أما المرأة فالشك بها فقط
يستوجب قتلها . وكم من برئيه ذهبت ضحية جهل الرجال ، والسكوت عن هذه
الجرائم هو سيد الموقف ، وإذا فُرض عقابْ فمخفف بموجب القانون .
5ـ العنف الجسدي والنفسي الممثل بضرب الزوج لزوجته وتحقيرها ورفضها
ككائن كامل ، وقد يكون ضرب الزوجات شأنه شأن ضرب الأطفال نوعاً من
العنف الأسري غير المعلن . والأخطر من ذلك ، بأنه عنف تؤيده بعض
المظاهر الثقافية والموروث الاجتماعي كما تجسده الأمثال الشعبية : "
المرأة كالسجادة كلما ضربتها أصبحت أنظف " أو أيضاً " شق القط من أول
يوم " أو أيضاً " إذا ضربت المرأة مكّن " وكثيراً غيرها . كما أن هذه
الظاهرة وللأسف ليست مرتبطة فقط بمستويات اجتماعية وثقافية معينة بل
إنها موجودة لدى جميع الفئات وحتى الأكثر علماً ـ ولا أقول ثقافة ـ
لأن بعض الأزواج المتعلمين لا يتحملون دوماً تفوق زوجاتهم المتعلمات
فتتولد لديهم عقدة نقص يحاولون التعويض عنها بهذا العنف الذي
يعتبرونه نوع من " الرجولة " . ومن المؤسف جداً أن الإحصاءات (4)
التي ترصد تنامي هذه الظاهرة والتي قبلها وتتتبعهما ليست بالقدر الذي
يمكن الركون إليه لعدة اعتبارات منها :
أ ) إن سلوكيات عنف الزوج ضد الزوجة أو جرائم "الشرف " من السلوكيات
التي تُعتبر من خصوصيات الأسرة التي لا يحق لأحد الاطلاع عليها .
ب ) إن سلطة الزوج برد " شرفه "أو معاقبة زوجته بالزجر وبالتأديب
وحتى بالضرب أيضاً المقبولة لدى مجتمعات عديدة إن خرجت الزوجة عن
طاعته وإرادته ـ كما يريد ويفهمها هو ـ تُعطي شرعية قانونية لكل ما
يُقدم عليه الزوج من عنف جسدي ومعنوي ضد زوجته ، والضرب إذا لم ينتج
عنه عاهة مستديمة أو لم يترك علامة مؤقتة ظاهرة لا يخرج عن نطاق سلطة
الزوج في تأديب زوجته .
ج ) إن غياب قانون الأحوال الشخصية الذي يُنظم العلاقات الأسرية في
كافة مراحلها بشكل يتوافق ومبادئ العدالة الإنسانية وعدم التمييز بين
الجنسين ، بالنسبة لكافة فئات المجتمع يؤدي في حال نشوء أي خلاف أو
نزاع إلى ترك الأمر إلى تقدير القضاة ، الذين هم دوماً رجالا،ً
والمحاكم الشرعية بكل ما تحمله من موروث اجتماعي متأصل ومرتبط بفكرة
سيادة الرجل وهيمنته في المنظومة الاجتماعية " الأسرة " ، وهذا يُشكل
حالة من العنف المضاعف على المرأة في أكثر الدول العربية عند التفكير
في اللجوء إلى القضاء أو أثناء مراحل التقاضي الطويلة ، ناهيك عن
الضغوط الاجتماعية والنفسية التي تخضع لها من قبل كافة عناصر المجتمع
، بأن عليها يقع عبء المحافظة على بيتها ، وهنا فقط ، تُصبح هي
الأقوى والأوعى أي عليها التحمل والرجل ليس إلا "طفل صغير " تستطيع
بذكائها أن تجعله " خاتماً بإصبعها " . يُضاف إلى ذلك العبء المادي ،
إذا لم تكن مؤهلة وقادرة على العمل ، ولم يكن بمقدور ذويها تحمل
أعبائها المادية . وتتعقد الأمور أكثر عند وجود الأطفال الذين يدفعون
ثمناً غالياً في حال الانفصال وحرمانهم من أحد ذويهم ، أو حتى في حال
قبول الزوجة ورضوخها للواقع ، ليعيشوا مدى الحياة في أجواء مشحونة
بالخلافات والأجواء غير السوية فيتربّوا على العنف والكراهية ، وهذا
كله ينعكس سلباً على سلوكياتهم الحاضرة والمستقبلية .
ما العمل ؟
وما هي أهم الإجراءات الدولية والمحلية في هذا المضمار ؟ قد يشكل هذا
موضوعاً لبحث مستقبلي ، لا سيما بأن الدول العربية قد تنبهت لأهمية
معالجته في نطاقها القومي وأنشأت " محكمة النساء " المحكمة العربية
الدائمة لمناهضة العنف ضد النساء ، وهي محكمة رمزية شعبية تأسست عام
1996 في الرباط المغرب بمبادرة من المنظمات الأهلية العربية
والشخصيات المستقلة وتضم حالياً منظمات حكومية وأهلية وأفراداً من
أكثر من 13 بلداً عربياً . أضف إلى ذلك بأن الأمم المتحدة قد وضعت
هذا الموضوع ضمن أولوياتها ، وهو مايبّشر بمستقبل أفضل لمكانة المرأة
في المجتمع .
--------
* كاتبة سورية
الحواشي :
(1)
رضوان محمد : " نزار القباني ـ قصائد خلف الأسوار " ، دار الكتاب
العربي ، دمشق / القاهرة ، الطبعة الأولى 2004 ، ص 150 .
(2)
المرجع السابق ذكره ص 222 .
(3)
مذكور في قلعجي قدري " غاندي أبو الهند ـ أعلام الحرية " دار العلم
للملايين ، بيروت طبعة 3 ، 1956 ص 80 .
(4)
انظر لمزيد من الإحصائيات والوقائع :
1ً ـ ناصر لميس وآخرون " العنف ضد المرأة في المجتمع الأردني :
الخصائص الديمغرافية للضحايا والجناة ، دراسة ميدانية " ، كانون
الأول / ديسمبر 1998 ، عمان ـ الأردن .
2ً ـ ناصر لميس " اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
: ماهيتها ومواقف الأردن والدول العربية منها " ورقة عمل ندوة
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، إعلان عالمي
لحقوق المرأة الإنسان ـ الذكرى العشرون ، الملتقى الإنساني لحقوق
المرأة ، عمان 3/11/1999 .
3ً ـ المعهد العربي لحقوق الإنسان " المرأة العربي’ : الوضع
القانوني والاجتماعي " دراسات ميدانية في ثمانية دول عربية مع
دراسة توليفية ، 1996 .
4ً ـ الملتقى الإنساني لحقوق المرأة، ندوة العنف ضد المرأة، جامعة
الإسراء عمان ، 15/5/1999.
|