في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - نصوص النأي والناي
     عدنان الصائغ

  - ملك لا يحلم بالسنابل

    محمد جابر النبهان

  - قصائد

    صبري هاشم

  - قصائد

    بديعة كشغري

  - زنجيّ رمليّ

    لورانس جوزيف

 

قصة

  - إيقاع الخطوات

     محمود سعيد

  - المقامة التونسية

     وديع العبيدي

  - لانْدوشين

     علي مصباح

  - الأضواء

     عارف علوان

 

ملفات ودراسات

  - الثنائية الفكرية والتقدم

     د. تيسير الناشف

  - في انتظار جودو

     أديب كمال الدين

  - ابن الحدود: التعددية الثقافية

     مرح البقاعي

  - الكتاب العراقيون في الخارج .

     زهير شليبة

  - مقدمة في الأدب العربي المهجري المعاصر

     لطفي حداد

 

نصوص

  - في ساحة الإعدام

     سلام ابراهيم

 

تابو

  - محرمات، محرمات، محرمات

     أ . س

 

شاهد


ا
لسنة الأولى - العدد  الأول  ،  كانون الثاني / يناير 2005   
 First year . Issue No: 01 - January  2005 

الأضواء

جزء من رواية الأضواء ، والتي لم تنشر بعد .

عارف علوان *

 

النصّ:

2

 

قرر منير قضاء الأيام العشرة القادمة في البيت، اقتصرت حركته خلالها على شوارع (برينت) وأسواقها، بانتظار اختفاء كل آثار الجَلَح قبل الظهور في الأماكن التي تعوّد الالتقاء بأصحابه فيها.

 في اليوم الأول كان يتعمّد السير بمواجهة الشمس، يغمض عينيه ويقابل الضوء أملاً في تذويب الخطوط التي تقسم الزمن على سحنته بين ماضٍ جريح، وحاضر قلق.

الضوء بارد رغم سطوعه الشديد، تتخلله ريح جليدية، وعلى حوافي الرصيف بقايا الثلج الذي هطل على المدينة أمس بصورة مباغتة، وقبل موسمه بفترة طويلة، لأن اوغست من أشهر الصيف الحارة، لكن الزمن، بمفاجآته الغريبة يحاصره بالمضايقات، والحديث الذي دار بينه وبين موظف البلدية في المساء الفائت ما زالت معانيه تتقلّب داخل رأسه، مثل حيوان كسول، تخلّف حركته الثقيلة آثاراً مزعجة لا تختفي بسهولة، وكان يتجنب أثناء سيره دكاكين الباكستانيين المبعثرة على زوايا الشوارع، فقط لأن الباعة يطّلون منها بلحى كثيفة، مشعثة، ويراقبون السكان، خاصة ذوي الملامح الشرق أوسطية بفضول لجوج، والحديقة الصغيرة التي تعوّد المرور بها في طريقه إلى محطة القطار بدت مقفرة، إلاّ من عجائز قليلين ينـزّهون كلابهم على صقيع العشب، وكان إذا أخذته قدماه، وهو شارد الذهن، إلى طريق قلعة (برينت) يهرب إلى طريق آخر يتمشى فيه، ليبتعد عن شبح الجدار القديم، الأسود، الذي يبعث في خياله الذكرى البغيضة للقلاع المهجورة، فيعرّج بدلاً من ذلك، كما فعل اليوم، على مُجمّع الأسواق الضخم، طلباً للدفء، بعد أن يأس من جدوى الشمس في أن تفعل شيئاً. هناك جلس في مقهى صغيرة يرتادها المتقاعدون والنسوة المتسوّقات، يهربون من وحشة البيوت مدة ساعةً يقضونها في التدخين بعد وجبة فطور خفيفة، والحديث ذاته عن الأسعار، أو تصادم القطارات.

تفحصّ الوجوه المنشغلة بكلامها أو بصمتها، محاولاً التعرف على تلك التي تحمل خلايا السرطان، ومن لا يحمل منها "كلنا نولَد والسرطان في داخلنا" قال الموظف جاك سميث. إذن هي مسألة وقت! لكن لماذا لمن هم في سنّهِ؟ ولمن هم في مثل عافيته؟

جلس يشرب الشاي ويفكر، بينما أنظاره تطوف على الوجوه، بمراجعة مواعيد فحوص السنة الأولى ، لأنه تذكّر أن المستشفى كان يصرفه بعد أن تشير التحليلات إلى خلوه من المرض، ثم يرسل إليه موعداً جديداً للتحليل، فماذا وراء هذه الفوضى؟ لكن أنظاره الشاردة تجمّدت على سيدة نحيفة، تنظر بدورها إلى حركة الناس، يوحي جانب وجهها بالابتسام ولم تكن تبتسم، ذكّره على الفور بوجه أمّه. حتى التورد الخفيف عاد به إلى التراب الذي تشرّب بالدم من دون أن يخفيه، التراب الملطّخ لضحايا الحرب وقتلاها، الذي شهد الكثير منه على الإسفلت وهو يلعب مع أصحابه، ثم وجده مختلفاً، يؤلم القلب ويترك جرحاً عميقاً في الذاكرة. وقبل أن تكبر الصور البشعة داخل رأسه، وجد نفسه يترك كوب الشاي في منتصفه ليعود إلى بيته. 

من بعيد شاهد والده يتخطى أمام البيت، ينتظر عودته، بعد أن قطع خمسة أميال في الباص. يتحرك بقامته الرَبعة ليدفئ قدميه، عرفه من ظهره العريض وشعر رأسه الخفيف الذي يمتد بياضه إلى لحيته. عندما تذكّر لحيته الحليقة ارتفعت يده تلقائياً لحكّ مكانها الأملس، وللحظة شعر بالخجل وفكّر أن يعود أدراجه، لكن قلبه لم يطاوعه على تصرف كهذا مهما كان الحرج الذي تسبّبه الزيارة، ولن يستطيع التخفي منه أكثر مما فعل.

حمل الوالد علبة كبيرة من الفطائر اللبنانية، مغلّفة بورق كثير يمنع دخول البرد ولا يسمح بتسرّب رائحتها المشهيّة، مع ذلك نشر هواء التدفئة فوح الزعتر المحروق في مدخل البناية، ثم الرواق أثناء توجههما إلى باب الشُقّة في الطابق الأرضي.

لم يشر أيٌ منهما إلى اللحية الغائبة، وسأل الابن عن صحة أبيه، فأجاب محمد صيداوي أنه بخير، وشكر الله بحرارة على ذلك، لكنه كشف عن قلقه أن منيراً توقف منذ أشهر عن زيارته في بيته أو في المخبز الذي يديره نيابة عن ورثة قريبه، حيث لا يكفّ الخبازون عن السؤال، وأحياناً الاستغراب، لأنه عوّدهم على الظهور مرّةً أو اثنتين في الشهر، يحيّيهم ويقضي بينهم فترات طويلة!

بدت مظاهر الشبه كثيرة وقوية بين الاثنين، في الملامح والسلوك، وفي دخلية كل منهما شعور بالارتياح لهذا الشبه. محمد صيداوي هادئ أثناء الكلام، متبسّط، غير لجوج، يحبّه أبناء بلده لطيبته واستقامة أخلاقه، وتسامحه، يغلّف كل هذا أثر من حزن قديم، برز الآن مشوباً بالقلق لأنه علم أن ابنه في إجازة طويلة دون أن يخبره.

شعر منير أن تفسير موضوعه الذي أخفاه عن أبيه ومعارفه وأصحابه سيترتب عليه الإشارة إلى السبب الحقيقي، أي السرطان، الموجود وغير الموجود فيه! وعدا تحوّل القلق إلى حزن وشعور بالكارثة، لن يؤدي سرد قصته مع المستشفى إلى تطمين الوالد، وقبوله ارتباك الأطباء كأمر عادي، لأن لأسم المرض ذاته أثر صاعق على نفسية وقلوب الناس. منير يدرك أن مجرد الإشارة إلى سرطان غير موجود فيك، كفيل بإثارة الهلع في ضمير الشخص الآخر، فكيف يأتي وقع الكلام عندما يكون الآخر والدك؟

"المؤسسة منحتني الإجازة للراحة، بعد أن أحسّتْ بتأثير الإرهاق على أدائي في العمل" قال منير، يخفض عينيه لإخفاء الألم الذي تحرّك فيهما بسبب لجوئه إلى الكذب ليجنب والده تحمّل ما هو أسوأ من الكذب.

"الإرهاق هنا حالة شائعة" أكد منير.

"تتفهمها دوائر العمل، خاصة الدوائر التابعة للدولة، لأنه يصيب مليون موظف كل عام، وهم يسمونه ديبريشن، أي الكآبة"

لم تعد رائحة الفطائر، التي انتشرت في الصالون، تناغي شهية منير كما حدث في مدخل البناية، لقد أصيبت أحاسيسه بالاضطراب، بَيدَ أن وجود العلبة مطروحة بينهما على الطاولة ذكّره برفاق والده في العمل، لذلك راح يستفسر عنهم ليمنع الزيارة من الاختناق في سحب القلق التي سيطرت عليها.

"ما هي أخبار ناصر؟"

وانتقل خياله على الفور إلى أجواء المخبز، إلى النيران المتقدّة يعمل سعد في ظلالها الحمراء، يقطّع العجين بمحور السكاكين ليملأها أحمد بحشوة السبانغ أو اللحم المفروم أو الجبن بيدين بارعتين في خفتهما، ثم يضعها قريباً من متناول ناصر، فيدفعها هذا إلى عمق الفرن دون أن يكفّ عن الكلام، بينما يقف منير أثناء زياراته قرب الطاولة الكبيرة يتحدث إلى العمال وينتقي، بين فترة وأخرى، فطيرة حمّرتها النار أكثر من غيرها، يقضمها بأطراف أسنانه ليتذوقها قبل أن تبرد، سعيد بوجوده القصير بينهم، وبرؤية والده الذي يلزم موقعه خلف صندوق الحساب الآلي، يسجّل وينظم إرسال طلبات الدكاكين اليومية من الخبز والفطائر والحلويات ومناقيش الزعتر المخلوط بالسمسم.

"وهل حصل سعد على مكان لابنه في المدرسة العربية هذا العام؟"

كان الوالد يجيب باقتضاب لأن حالة الإرهاق، أو ما يسميه الإنكليز ديبريشن ( Depression) أخذته في تيارات جديدة من الخوف.

كان يشرد أثناء الفترات التي يخيم فيها الصمت، يريد أن يسأل، لكنه يتردد، إذا كان هذا المرض يشكل خطراً على حياة منير، أو على مستقبله في العمل؟ إن مظهر منير، وصحته السليمة، المتفجرة بالشباب، لم يتغير فيهما شيء، وأكثر ما أقلق محمد صيداوي إخفاء ولده عنه موضوع الإجازة، هما اللذان يجمع بينهما ألم قديم، مظلم، علّمهما الاستناد كتفاً إلى كتف في الحياة مثل توأمين ولدا من لحظة قاسية. حتى سنتي زواج منير اللتين حتّما عليه العيش في بيت مستقل لم تفصل بينهما إلاّ في المكان، إذ بقيت عواطف المأساة القديمة تشدّه إلى أبيه من بعيد، عِبر تخاطر صامت لا انقطاع فيه.

"ألم تلاحظ أنني تخلّصت من لحيتي؟" قال منير، يحكّ ذقنه العارية بيده ويبتسم مواربةً بانتظار سماع رأي أبيه.

هموم محمد صيداوي التي دفعته إلى زيارة ولده في هذا الجو الصيفي الغريب، بدأت نتيجة انقطاع منير عن زيارته، ثم طغى عليه القلق حين علم بالصدفة، وعلى لسان زميل لولده أن منيراً يغيب عن العمل منذ عامين، لأن الإدارة منحته إجازة بنصف راتب للعلاج، وأفرز القلق رجفة عميقة عندما شاهده مقبلاً باتجاه البيت من دون لحيته السوداء المرتّبة، التي كانت تنشر النور على وجهه الشاب. في تلك اللحظة تأكد أن ولده الوحيد يواجه أزمة، سأل الله العلي القدير أن لا تشمل إيمانه.

من دون رحمة الله، وإلهامه، لا يمكن للبشر تحمّل المصائب والنكبات التي قُدّرت لهم سلفاً، لأن الله في حكمته العميقة يمتحن الإنسان بالبلوى، لكنه لا يتخلى عن مساعدته للصبر عليها. هكذا استعاد محمد صيداوي تماسكه وهو يقبّل ولده أمام البيت، ثم يتبعه داخل البناية، بعد أن مادت الأرض تحت أقدامه للحظات، مثلما استعاد تماسكه قبل عشرين عاماً، بعد أن تهاوى فوق جثة زوجته المرمية على الأرض، تحيط بها بركة من الدماء الساخنة، وعدد من الناس المندهشين، الخائفين من منظر الموت التي صرعها، وبعثر قرب رأسها محتويات كيس الخبز والخضار الذي عادت به من السوق، والذي يهددّهم في أية لحظة، في مدينة تحوّلت إلى ميدان لإطلاق الرصاص بين الفصائل الفلسطينية المسلّحة للهيمنة على طريق القلعة!

إن الله، الجبار، القدير، الوهاب، العزيز، يهدي الإنسان المؤمن سواء السبيل بعد أن يبلوه ليختبره، مثلما هدى الزوج المبتلى إلى الرحيل بصحبة ولده قبل عشرين سنة، وفي مثل هذا الشهر بالذات (اوغست) سبحان ميسّر الأحوال، للالتحاق بابن عمّه في لندن، والعيش فيها بعيداً عن مكان الذكرى المقيتة، ودفعاً لبلاء آخر قد يعرض حياة ابنه الصبي للموت، أو الانجرار في طريق الوحشية وقتل الأبرياء، وبنعمة الخالق، ورحمته الواسعة، وجد الأمان في هذا البلد الغريب، كما وجد الرزق الذي كفاه العيش، وتعليم الولد إلى أن شبّ وتفوق على رفاقه في الدرس، وحصل على العمل الذي يليق به، دون أن يتخلخل إيمانه، الذي زرعه الباري من قبل في قلب الوالد.

إذا أراد الله أن يمتحن هذا القلب في شيخوخته بصحة ولده وبإيمانه، فلأن الله تعالى إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وعلى الإنسان الذي يؤمن بأقدار الخالق أن لا يصيبه اليأس، ولا القنوط بسبب المحن، لأن سيرة البشر في الحياة الدنيا كُتبت قبل وجودهم، وشريعة الله جعلت عظم الجزاء من عظم البلاء، ومهما كان نصيبه من البلاء، على محمد صيداوي، الذي تراكمت على قلبه في يوم واحد أسباب القلق والخوف، أن لا ييأس من رحمة الله، الملك، القدوس، القَهّار، المهيّمن، المتكبّر، العادل، الرحمن، الرحيم، الواحد، الأحد، الصمد، العَلِيّ، الوهّاب، العظيم، المتكبِّر، البارئ، الملك، القدوس، المهيمن، الحميد، الواهب، التوّاب، لأن اليأس كفرٌ، والكفر معناه فقدان رضا الخالق، وجزاؤه النار.

 

----------------------

* كاتب عراقي مقيم في انكلترا

http://go.to/arabic-writers

 

التالي  |  العدد الحالي  |  السابق  ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

Copyrights© 2004  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group