|
لانْدوشينْ
علي مصباح*
كنّا نعرف أنّ الهدْركْ يكذب . وكان هو يعرف أنّنا نعرف
أنّه يكذب . وكان ذلك بالذّات هو ما يجعل أحاديثه ممتعة ، ومتعة
الجميع لا تشوبها تعقيدات ولا تشوّشها مضاعفات سوء التّفاهم . وبما
أنّه لم يكن للهدرك عمل محدّد فإنّه امتهن الحكْي- وكان يجيده على
أيّة حال . وبما أنّنا لم نكن نملك من وسائل التّسلية غير القليل فقد
استقرّ لدينا شعور بالامتنان لوجوده بيننا . كان الاستماع إلى
أكاذيبه ضربًا من المتعة الضّروريّة التي تساعد على كسر رتابة حياتنا
الشبيهة بالرّوابي الجرداء التي تحيط بنا ، وعلى تبديد الملل والكآبة
التي تحدثها مشاغل عاديّة ومألوفة فقدت حرارة الحياة لفرط ما غدت
عادية ومألوفة.
والهدركْ عندما يشرع في سرد حكاية أو نادرة ، كان يدرك تمام الإدراك
أنّنا نعرف أنّها كذبة ، لذلك يبدأ دومًا بإلقاء نظرة دائريّة سريعة
على الجالسين كما لو كان يريد التثبّت من استعداد الجميع لدخول
اللعبة دون تنغيصات ومشاغبات . يزيح شاشيّته القديمة الشبيهة بقطعة
من جلد جاف إلى الوراء لتبرز صلعته الفسيحة التي يتناهبها حرث من
التجاعيد . يتقوّس حاجباه ، وتبرق عيناه بلمعان الكذب والخبث المرِح
فيغدو شبيهًا بكائن خرافيّ له ملامح مثيرة للعجب مكثِّفة للتشويق .
لكنّه عندما ينتهي من سرد حكايته ويعيد الشاشيّة إلى موقعها العادي
فوق رأسه يكون في قرارة نفسه مقتنعًا بصحّة الأحداث التي رواها كما
لو أنّه عاشها فعلاً، أو لعلّه ما زال يعيشها الآن أمام أعيننا،
ونكون نحن قد طوينا صفحة جديدة في سجلّ الهدركْ الحافل بالأكاذيب
والنوادر.
لا أحد يعلم متى بدأ الهدركْ في امتهان الكذب واتخاذه نشاطًا
قارًّا في حياته. و لا أحد كان يلومه على ذلك أو يطالبه بالإقلاع عن
ذلك الأمر. وعندما يتظاهر الناس بين الحين والآخر بالحاجة الأكيدة
لبعض خدماته كالمساعدة في حفر بئر أو جزّ الغنم ، أو جني زيتون أو
تجميع تبن، فإنّما كانوا في الواقع يتّخذون تلك المساعدة مجرّد ذريعة
ليستدرجونه إليهم كي يجعلوا من تلك الأعمال الموسميّة مهرجانًا
بهيجًا وحفلاً مرحًا . كان الهدرك يعلم ذلك ، ويعجبه كثيرًا أن
يتظاهر بالمرض، أو بالانشغال بمسألة على غاية الأهميّة تمنعه من
تلبية طلبهم، لا لأنّه يكره العمل وينفر من المشاق، بل هكذا لمجرّد
غبطة عارمة يشعر بها وهو يرى الناس يتوسّلونه متظاهرين بحاجتهم
القصوى إلى خدماته . يعجبه كثيرًا أن يرى نفسه على تلك الدرجة من
الأهميّة التي تجعل الجميع يتودّدون إليه ويدّعون أن لا شيء من
أعمالهم يمكن أن يتمّ بدونه . وهو يعلم أنّهم يكذبون، وهم لا يجهلون
أنّه يعلم أنّهم يكذبون. وكان ذلك بالتحديد هو ما يعطي تلك المناورات
الشفّافة طابع المراودة والمخاتلة التي لا تخلو من شبق .
عندما قدم إلى القرية قبل ما يزيد عن العشر سنوات كان في
الثلاثين من عمره تقريبًا ، وكانت التجاعيد قد شرعت بعد في حفر خدّيه
وجبينه . جاء يسوق معزة جرباء أمامه ، ولا شيء من متاع أو لباس سوى
تلك المعزة الهزيلة المتعثّرة في الحجارة والأشواك . قال إنّه قادم
للتوّ من " لاندوشينْ " بُعيد انتهاء الحرب، وراح يروي للناس في
الحقول والبيادر والحوانيت والبيوت حكايات غريبة .
انفتحت القرية الملقاة في قفر الهضاب الجرداء المعزولة على عالم
عجيب لم يكن يسمع به وبغراباته أحد من قبل . تحرّك في الفضاء الأغبر
لتلك الرّبى والهضاب الشعثاء هواء جديد بدا منعشًا ومثيرًا للرغبة في
الحياة . وغدا الهدرك الضيف الذي تتلاقفه كلّ سهرات البيوت والحوانيت
. وبدت المجالس من دونه غير ذات طعم .
قال إنّ نساء لاندوشينْ لهنّ فروج ليست كفروج نسائنا وروى غرائب
معاشرتهنّ ومحاسن مداعباتهنّ . وكاد الناس يعافون نساءهم وقبلاتهنّ
الباردة وحركات أجسادهنّ الثقيلة . بل وتمنّى البعض سرًّا - وجهرًا
أحيانًا - لو أنّه يدخل الفجاج بحثًا عن بلاد لاندوشينْ وفجور نسائها
ذوات الأصابع الحريريّة والألسنة الملهبة لشوق الرّجال، وفروجهنّ
التي ليست كفروج نسائنا. وندم البعض عن عدم الاستجابة لنداء الجنديّة
بعسكر الفرنْسيس . وخامرت الناس أفكار وهواجس عديدة ونوايا فاجرة
كادت تخرّب علاقاتهم بزوجاتهم ، لولا أنّ الهدرك لم يفاتحهم بأمر
خطير قال إنّه ظلّ يكتمه عنهم لمدّة من الزّمن، ومفاده أنّ نساء ذلك
البلد العجيب لا تهدأ لهفتهنّ على الذكر حتّى يتحوّلن إلى آكلات
للبشر . قال إنّ أوّل ما تبدأ به الواحدة منهنّ هو أن تنقضّ في غفلة
من الرجل على رأس عضوه الذكري فتلتهمه، بعدها تمرّ إلى أصابع يديه ،
فقدميه ، إلى أن تأتي عليه قطعة قطعة وهو لا يكاد يشعر بذلك . هكذا
أتت نساء لاندوشين على نصف عسكر الفرنسيس قبل أن يفرّ النصف الثاني
معلنًا هزيمة فرنسا أمام آكلات الذكور.
خمدت لهفة الرّجال فجأة على ذلك الجنس الغريب من النساء .
استغفروا الله وعادوا إلى مضاجعة نسائهم بالطريقة التي اعتادوها .
وعدل الشيخ جعفر عن فكرة كان يضمرها ، وفضّل إنفاق الأموال التي
وفّرها لذلك الغرض المبيّت في مصاريف حجةّ إلى بيت الله الحرام .
وتحوّلت عبارة لاندوشين لديهم من كلمة شبق سرّيّة يتغامز بها
الشبّان ويتهامس بها الرجال في الجلسات الداعرة إلى كلمة مخيفة ،
وأحيانًا إلى شتيمة تُقذف بها النساء كلّما أبدين شططًا في الشدّة
على الرجال. واستعاضوا بها عن عبارات الغول والأفعى والآفة الفتّاكة
والقحبة والطاعون. حتّى أنّهم قذفوا بها الحكومة عندما اشتدّ عليهم
أمر الضرائب المتعدّدة على الزّرع والماشية والشجر.
في وقت ما بدأ يخامرهم شيء من الرّيبة في أمر الهدرك الذي جاوز
الثلاثين دون أن يبدي أيّة رغبة في الزواج . وقالوا لعلّه من مصابي
"لاندوشين"؟ وتساءلوا، ولمّحوا، وتجسّسوا عليه أثناء خروجه
للتبوّل، ولم يظفروا بشيء يمكن أن يبدّد شكوكهم ويطفئ حيرتهم .
ولم يخف ذلك الأمر على الهدرك فقرّر بصمت أن يضع حدّا لفصل غرائب
تلك التجربة ، وراح يروي لهم أعاجيب الهند وسحرتها ، والأفاعي ذات
الرؤوس السبعة التي رآها في فيافي البنجاب، والقردة التي تتكلّم
وتغنّي بلسان فصيح في بلاد فغارستان، وعن آدميّين وحيدي العين
فوق مرتفعات الهمشارايا ، وعجائب قبائل السّسكيمو
التي تمنح الضيف أجمل عذراء ليدفّئ بها وحشة ليالي غربته، وشعوب
المرايا التي تقايض ذهبها الذي لا تعيره أهميّة بمرايا صغيرة الحجم
يضعها الناس في مداخل المعابد ويصلّون لها، وبلاد أرْحيا التي
لا تُقطع فيها يد السارق ولا يقبل رجالها الزواج من غير المفتضّات ،
وعن بلاد الجهجاه بن عبد دمْ الذي يفطر في صبيحة كلّ يوم على كبد طفل
لم يتجاوز السابعة ، والذي أصيب بصرع فجئيّ عندما غشّه خدمه بأن
دسّوا له كبد خروف عوضًا عن الكبد الآدميّة ، ثمّ مات بعدها ببضعة
أيّام متسمّمًا مشلول النصف الأيسر .
انتشرت حكايات الهدرك العجيبة في كلّ الأرجاء وبدأت تثير فضول
العديد من سكّان القرى المجاورة ، الأمر الذي أدخل ازدهارًا ملحوظًا
على تجارة حوانيت القرية التي راحت تعجّ بالزوّار المتعطّشين
لمجالسة الهدرك . ولم يمانع أحد من أن تنال النساء أيضًا نصيبهنّ من
ذلك الترفيه الطريف . وقد ساعد على ذلك أمران جعلا الرجال لا يرون
حرجًا في دخول الهدرك إلى بيوتهم ومجالسة نسائهم . أوّلهما أنّه كان
خدومًا ولا يردّ طلبًا في المساعدة مهما كان نوع العمل حتّى غدا
المساعد المبجّل للنساء أثناء الإعداد لحفلات الأعراس والختان وشتّى
الأعياد . وكان هو الذي يجلب المياه من البئر والحطب من الغابة ،
ويوقد التنّور ويتفقّد أكياس المؤونة ، وينقل جرار الزيت وصناديق
الخضار ، ويطعم الدوابّ والدجاج ، ويساعد في سلخ الذبائح وتقطيع
اللحم ، وغسل الكرش ، وتدبيغ الجلود ، وتمشيط الصوف وصبغه ، وإعادة
فرس هارب وتهدئة ثور متهيّج .
أمّا الأمر الثاني فكان بسبب القناعة التي استقرّت لدى الجميع -
عدا النساء على مايبدو - بأنّه بعد تجربة لاندوشين قد فقد ما يمكن أن
يجعل المرء لا يأمن مخالطته للنساء . لقد تجسّسوا عليه في ذلك
الأمر ، وراقبوه حتّى أثناء نومه ولم يلاحظوا شيئًا يمكن أن
يجلب الانتباه من تحت سرواله الفضفاض الذي كان يبدو بهيأة كيس فارغة
، حتّى أنّ المتطلّع في تلك المنطقة من نصفه الأسفل يذهب به الاعتقاد
بأنّه أمام هيكل خاوٍ لعجوز مترهّل الأعضاء ، خلافًا لما توحي به
بقيّة أعضاء نصفه الأعلى من صلابة وتوفّز عضلات . ثمّ إنّهم قد
استفزّوه في العديد من المرّات ، وحاولوا استدراجه إلى ما لا يمكن
إلاّ أن يثير طمع رجل أعزب في مثل سنّه ، لكنّهم لم يظفروا من تلك
المحاولات إلاّ بإيماءات مبهمة لا مبالية من رأسه ، كما لو كان يشير
إلى شيء لم يعد يثير أيّ اهتمام لديه . وحتّى عندما اقترحوا عليه
الزواج مرّتين أو ثلاث مرّات على سبيل المداعبة ، أو لمزيد من
التأكّد ، فإنّه لم يزد عن الابتسام بشيء من الحزن والردّ بكلمتين
مقتضبتين :
-هذه مسألة لا شأن لنا فيها .
استقرّ لدى الجميع رأي مفاده أنّ تجربة لاندوشين قد حوّلت الهدرك
نهائيًّا إلى آلة للحديث والعمل لا غير ، وقرّروا أن لا يفاتحوه في
الأمر بعدها أبدًا ، خاصّة بعد أن أضحى يبدي تبرّمًا واضحًا كّلما
حاول أحدهم إثارة تلك المنطقة من حياته التي أسدل عليها ظلالاً كثيفة
لم يعد يرغب في إزاحتها . قالوا : ما الفائدة من تعكير مزاج ذلك
الشخص البديع الذي لا يعادله أحد في القدرة على تنشيط الحياة الرتيبة
بأحاديثه العجيبة وأكاذيبه المرحة . وهو على أيّة حال قد وسّع أفق
معرفتهم بالعالم الفسيح برواياته الشيّقة عن بلدان لم يسمعوا بها قط
قبل مجيئه، مثل بلاد البلْشفيك التي قال إنّ أهلها من تبّاع المشاع ،
لا ملك لهم على شيء ، يقتسمون الغذاء والنساء بالتساوي ولايد لأحد
منهم على جنان أو حقل أو ماشية ولا مال . وقد أثارت غرائب هذه البلاد
فضول بعض الشبّان من الرّعاة والأجراء والصعاليك وغير المتزوّجين ،
واستطابوا الاستماع إليها واستزادوا ، مبدين اهتمامًا - غير بريء
على ما يبدو - ببعض جزئيّات تلك الغرابات ، الأمر الذي أثار حفيظة
بعض الشيوخ فقام الشيخ جعفر يزجر الهدرك ويؤنّبه على تلك الأكاذيب
الدّاعرة التي لا يليق ترويجها بين المؤمنين منبّها ومحذّرًا من
عذاب الله الذي أنكر على الفجّار مثل هذه الانحرافات الكافرة . من
بعدها لم يسمع الناس منه عن بلاد البلْشفيك سوى أنّها لا ترى الشمس
إلاّ ساعات معدودة في الشهر ، وأنّ البرد فيها يجعل الناس لا يقدرون
حتّى على الكلام ، فأنت تراهم في الصباح وهم يتلاقون في الشوارع
الجليديّة يتمتمون بشفاههم ولا يسمع أحد من الآخر حرفًا واحدًا ، ذلك
أنّ الكلام يتجمّد من شدّة الصقيع وهو يخرج من الفم وتظلّ الحروف
معلّقة خرساء في الفضاء حتّى إذا ما ارتفعت الشمس عند الظهيرة
ولامست حرارة أشعّتها ذلك الكمّ الهائل من الكلام المتجمّد في فضاء
المدينة تتصاعد من كلّ مكان موجة متداخلة متضاربة من التحيّات
والسعال والنحنحة وردّ التحيّات والعطاس والضراط والقهقهات الخافتة :
صباح الخير ، مرحبًا ، صباح الخير ، تمام ، صباح الخير ، شكرًا ،
يومك سعيد ، يا رفيق ، صباح الخير، انتبه ، شكرًا ، التوفيق ، مخطّط
، خولكوز ، جديد ، محفظتك ، صباح ، شكرًا ، التوفيق ، شكرًا ، الخير
، الخير ، الخير ....
" سبحان الله ! إنّه على كلّ شيء قدير !" قال الشيخ جعفر وهو
يطلب اللطف ويحضّ الشباب على طلب الستر وتجنّب الانسياق إلى البدع ،
والاعتبار بهذا المثال الساطع لقدرة الله على مكافأة الفجّار بما
يستحقّون . آمين ، واحفظنا يا ربّ العالمين !
لم تكن حلقات النساء أقلّ ولعًا بأحاديث الهدرك . كان في حضرة
العجائز المتورّعات يروي عجائب السحرة والدراويش ، وكرامات الأولياء
الذين يعيشون في عزلة تامّة فوق الجبال وفي الكهوف لا يشغلهم شيء عن
عبادة الله وصنع المعجزات ، وعن "جنان التفّاح اللي يفوح ويردّ
الرّوح ، ويرجع الشايب شباب والعجوز قدّ الباب ".وأقسم أمامهنّ
العديد من المرّات أنّه رأى ذلك الجنان بعينيه هاتين اللتين سيأكلهما
الدّود والتراب ، وأنّه لولا يد خفيّة صدّته عن التقدّم باتجاه الباب
لاستطاع أن يقطف من ثماره . وقال إنّ سيّدي عبد القادر الجيلاني قد
وقف عليه في المنام وقال له بلهجة صارمة قاطعة : لن تأكل منه يا أحمد
حتّى ترى أمّ هانىء بعينيك وتنال البركة من يدها الكريمة ! وهو منذ
تلك الرؤيا المباركة ما يزال يجوب أرض الله غربًا وشرقًا بحثًا عن
أمّ هانىء ذات البركة الربّانيّة . تغرورق عينا الهدرك بالدّموع ،
ثمّ يطأطئ رأسه واضعًا صلعته الضخمة بين كفّيه متصنّعًا الانتحاب .
ويظلّ على تلك الحال إلى أن يثير من حوله زوبعة من الشهيق والحشرجات
ترتفع من جمع العجائز اللاتي يفطّر قلوبهنّ المهترئة الشّوق لرؤية
أمّ هانىء صاحبة البركة والكرامات ، حالمات في زوايا معتّمة من
أرواحهنّ المدعوكة بأقدام الزّمن بجنان التفّاح اللي يفوح ويردّ
الروّح .... بينما الصبايا يكتمن ضحكات داعرة تكاد تنفجر أمام المشهد
المسرحيّ الذي يتقن الهدرك التحكّم في تفاصيل دراميّته المحبوكة
بأكاذيبه البديعة ، وأحبولاته الخبيثة .
عندما تخلو المجالس النسائيّة من العجائز المغرمات ببركة أمّ هانئ
وسيدي عبد القادر الجيلاني يفتح الهدرك أمام النسوة والعذارى أبواب
أجنّة أخرى كان يحرص على التكتّم عليها أمام المتورّعات اللاتي قضْين
فصل ربيع الشهوات منذ سنين . تفوح من خلف تلك الأبواب السريّة عطورات
أخرى تختلف عن بخورات المعابد وزوايا الأولياء الصالحين . عطورات
أجنّة لا تلجها غير اللاتي يحملن بين أضلعهنّ بساتين فسيحة من التفاح
اللي يفوح ويردّ الرّوح .
ولئن كانت مجالس الرجال لا تخلو من مداعبات ونكات وضحك ، فإنّ
لمجالس النساء نكهة أخرى تجعل روح الهدرك تستعيد خضرة البساتين
وطراوتها ، وتنفتح على مصراعيها لأطياب وعطور لا تعبق بها الهضاب
الجرداء الجافّة التي تنبت فوق أديمها الصلب مسامرات الرجال
ومداعباتهم . بين النساء يشعر الهدرك بدبيب دفءٍ سائلٍ عَطِر يتخلل
خلايا جسمه كلّها وينقع روحه في حالة شبيهة بالسّكر الطفيف النّاعم .
يقظة أخرى للحواسّ تجعل الحياة سيلا رقيقًا مفعمًا بروائح دسمة
ولذيذة في الآن نفسه . رنين الأصوات والأجراس الاحتفاليّة للضحكات
الدّاعرة تتخلّلها الهمسات النّاعمة والغمزات الطريّة والتلاكز
بالمرافق وقرص السواعد والأفخاذ ، والقرقرات الشبيهة بجوقة من البطّ
المرح الطروب : ووه ! ووه! ياوْخيْتي ! يكبّ سعدو ! يا شومي ! يا
هدْركْ يعيّشك ، يسلّم هاكْ العوينة الحلوة .. يا هدرك ربّي يحفظلك
هاك الشيء ... يا شومي، ما عادشْ تحْشمْ ...! ووه ! ما حرّ
قرْصْتكْ يكبّ سعدكْ ..!
كانت أحب الأحاديث لديهنّ تلك الحكايات الغريبة عن فجور نساء
لاندوشين ، وكرم أهالي السّسكيمو وعدالة بلاد البلشفيك التي لا تحتكر
فيها أقليّة من المحظوظات كنز الرجال المتنوّع الثراء . أمّا العذارى
فكنّ أكثر ولعًا بنواميس بلاد أرْحيا ، وعلى عكس الرجال الذين
روّعتهم إلى حدّ ما فتوى الشيخ جعفر بخصوص عادات بلاد البلشفيك ،
فإنّ النساء كنّ على رأي مغاير واعتبرن ذلك الموقف مجرّد رياء مخادع
مردّه خوفه على فائزة زوجته التي تصغره بما لايقلّ عن الثلاثين سنة .
وقلن إنّه في قرارة نفسه لا يمانع في مشاركة رجال الدنيا كلّها
نساءهم شريطة أن لا تشمل الشراكة فايزة . وقلن إنّه كذّاب ومنافق ،
وحسود ليس إلاّ . قلن ذلك بحضور فائزة التي اكتفت بردّ تهمهنّ برفق
وميوعة مشبوهة ، مردّدة فقط : حرام عليكن ! اللطف ! والله حرام عليكن
.
كانت النساء ممتنّات بوجود الهدرك بينهنّ أكثر من الرجال على ما يبدو
. وكان الرجال لا يشكّون في ذلك . بل لعلّهم مرتاحون لذلك أيضًا فمنذ
قدومه كفّت نساؤهم عن توبيخهم لكثرة جلوسهم في الحوانيت وقضاء
السهرات خارج البيوت ، وعن قلّة اهتمامهم بالعديد من الأعمال التي
ترهقهنّ . قد أراحهم الهدرك من كلّ تلك الأعمال التافهة التي كانت
تبدو لهم مرهقة ومضجرة ، وأخذ على عاتقه حتّى تسلية النساء بأحاديثه
العجيبة والنوادر الساذجة التي تعجبهنّ ، وتجعلهنّ يقبلن على بؤس
حياتهنّ بشيء من الدعابة والمرح . غدا الهدرك مرهمًا على جروح الحياة
وندباتها ، وتخلّص الرجال من المهمّة المضجرة لمؤانسة النسوة
وتسليتهنّ ، وحمدوا الله على تلك النّعمة التي نزلت عليهم من السماء
في هيأة هذا الشخص الغريب الذي "يُفرح ولا يجرح " خاصّة وأنّ
" نكبة لاندوشين" قد جعلته في أعينهم محلّ اطمئنان وثقة لا
غبار عليها بالرّغم من تأفّفهم من حين لآخر بسبب استيلاء النساء على
الهدرك واحتكارهنّ له ، حتّى أنّهم صاروا يستجدوهنّ استجداء
ويتودّدون لهنّ متوسّلين كي يتركن لهم الهدرك لساعة أو ساعتين من
الزّمن متعلّلين بعمل شاقّ لا غنى لهم فيه عن خدمته . وكانت النساء
كلّما ألحّ أحدهم في طلب الهدرك يرفعن أصواتهنّ محتجّات ، مستنكرات
على الرجال الكسالى حبّهم المفرط للعب الفاجر والمزاح ، وعدم
اهتمامهم بمشاقّ الأعمال التي ترهقهنّ ليلا نهارًا . وغالبًا ما
ينسحب هؤلاء بصمت واستسلام أمام الحجج المتينة لنسوتهم اللاتي يلوّحن
في وجوههم بخطر مطالبتهم بملازمة البيوت وإرهاقهم بتفاهات جرّ كيس ،
أو كسر حطب ، أو جلب ماء ، أو إصلاح نافذة ... ينسحبون بخطى السارق
وهم يحمدون الله على وجود الهدرك الذي يكفيهم مؤنة تلك المشاقّ ، وهو
علاوة على ذلك لا يكلّفهم أيّ أجر إذ قلّما أبدى حاجة إلى المال و
كان يكتفي بغداء هنا وعشاء هناك ، وكأس شاي في هذا المجلس وشيئًا من
الحلوى أو الفاكهة وسط جلسة نسائيّة صاخبة بالضحك مبهّرة بالنوادر
ومخلّلة بالدعابات والمشاكسات المرحة الواقعة على تخوم الفجور . كان
ذلك المرح يكفيه وينسيه مسألة الأجور والمعاملات بالنقود .
- يا هدرك من أين تعلّمت كلّ هذه النوادر والأكاذيب ؟ تسأله النسوة
وهنّ يكفكفن عيونهنّ من فرط الضحك .
- من رأس القرع ، يجيبهنّ ملعلعًا بضحكته المرحة الفاجرة .
يروي الهدرك أنّه يخرج في ليالي الصيف إلى البساتين لا لعمل
السِّقاية فحسب ، بل لأنّه يحلو له في تلك الليالي المقمرة الإنصات
إلى همسات القرع والخيار التي تروي أعاجيب الدّنيا التي يزوّدها بها
القمر المسافر الأبديّ . وهو يؤكّد لهم أنّ الخيار الذي يسمّيه الناس
عندنا عادة بـ "ولْد القمرة " ينمو في الليل تحت هسهسة مغازلات القمر
. قال إنّه يضطجع لساعات بين النباتات يستمع إلى همساتها ومغازلاتها
وعندما يطلع الفجر يكون قد اكتسب من الخيار والقرع حكمة النموّ
السريع ، بينما يشحنه الفلفل ببهاره الحارّ الذي يجعله متوهّجًا على
الدّوام بلهب أيّام لاندوشين الغابرة .
هذه أحاديث لا يرويها الهدرك طبعًا إلاّ للنساء لأنّهنّ صاحبات
المطبخ العارفات بطيب البهارات وأسرارها . في حضرتهنّ يتوهّج الهدرك
، ويتفتّق ذهنه المتوفزّ عن إبداعات لا حصر لها . وفي هذه المجالس
يدرك بصفة جليّة عقم عقول الرجال التي لا تلامس في تهيّج ذكورتها
المقرقع غير السطح البارد للأشياء ، تنزلق على التضاريس متوهّمة
أنّها تسبر أعماق الدنيا ، وتمرّ ذاهلة في غمرة ذلك الانزلاق الرتيب
فلا تحترق باللهب الذي يسكن الأشياء بما في ذلك خاصرات نسائهم
ونهودهنّ المتوفّزة التي يصيبها من جرّاء ذلك الذهول الذكوريّ الرتيب
شيء شبيه بالفتور أو الإعياء ، وما هنّ بالفاترات ... لكنّه لهيب
يغفو تحت الرّماد .
كان لا بدّ من قمر يداعبهنّ ويهمس لهنّ كما يهمس لثمار التّين
وللخيار والقرع كي ينهض من جوفهنّ ذلك الوهج الذي يبدو مستسلمًا
لسبات أزليّ وما هو بالنّائم أو المنطفىء . في جلساتهنّ تتوهّج
الشعلة التي تطفؤها رتابة الرجال وضجر المعاشرة الفاترة . الهدرك
قمرهنّ الذي يهمس لهنّ أغاني الشبق الأبديّة متجوّلاً بهنّ في خارطة
الشهوات الكونيّة من لاندوشين إلى السّسْكيمو ، فبلاد البلشفيك
وأرحيا ، وفغارستان ، ومعابد عاهرات الهند ، وأجنّة التفاح اللي يفوح
ولا يردّ الروح إلاّ إلى المغامرين والمتوهّجين بشهيّة الحياة .
هديّة السماء بدا الهدرك للجميع . يكفي الرّجال مؤنة الأعمال
الشاقّة والتّافهة ، ويبدد عن النساء غيوم الضجر الذكوريّ الذي تنضح
به معاشرة رجالهنّ المتبلّدين .
فليكذبْ ما طاب له إذًا طالما يجد الجميع متعة في ذلك ! وليدّع أنّه
عرف الهند والسند ، وخالط السفهاء والأمراء ، ودعاه في الأسبوع
الماضي أحد الوزراء ليستشيره في مسألة عويصة بخصوص تحلية مياه البحر
، أو حفر نفق يعبر جبل زغوان ، وأنّ جمعًا من الطلاب المهتمّين
بدراسة تقاليد الشعوب الغريبة قد اقترح عليه الإقامة مدّة من الزّمن
بينهم كي يستفيدوا من علمه الشاسع في مجال الغرائب والعجائب ، أو
أنّه قد يتغيّب لأسابيع سيقضّيها هائمًا في الجبال مع بعثة علميّة
تريد الاستفادة من معارفه ببعض الأعشاب الطبيّة واستخراج مراهم تساعد
على الإخصاب وحفظ طراوة البشرة ومقاومة التجاعيد ، أو أنّ وزارة
الحربيّة ما زالت تتودّد إليه بهدف الاستفادة من تجاربه الحربيّة في
عسكر الفرنسيس ، بل إنّه قد يكون في نيّتها انتدابه لمهمّات التدريب
والتثقيف العسكريّ برتبة عقيد على الأقلّ . وليهشّ على الصبيان بعصاه
التي يربش بها الرمل بين قدميه مكشّرًا في وجوههم بدعوى ضرورة
التركيز على تخطيط رسم بيانيّ لجسر معلّق سيربط بين جزيرة صقلّية
وأرض البلاد التونسيّة ، أو وضع الخطوط العريضة لخطّة عسكريّة فائقة
الأهميّة ستجعل البلاد محصّنة من كلّ هجوم عدوانيّ لمدّة لا تقلّ عن
قرنين من الزّمن .
هديّة السماء ! إنّه بالفعل هديّة السماء ، لا لأنّه سيخترع عن قريب
دواءً جديدًا سيفتك بالبعوض والجرذان والقمل والصّئبان كما يحلو له
أن يردّد في مجالس الرجال ، أو لأنّه سيتمكّن من فتح جنان التفّاح
اللي يفوح كما يمنّي بذلك العجائز اللاتي بدأ يجرفهنّ خريف العمر
باتّجاه سفح اللذائذ والشهوات ، ولا لأنّه الوحيد القادر على قطع جذع
عملاق لشجرة خرّوب مسنّة احتارت فيها الفؤوس ، ولا بسبب مهارته
الفائقة في سلخ خروفين في أقلّ من خمس دقائق ... لا بسبب هذه القدرات
الشبيهة بالخوارق والكرامات فقط ، بل أيضًا ، وأساسًا بسبب مسامرات
القمر فوق بساتين التّين والخيار والفلفل الحارّ ؛ تلك المسامرات
التي يسترقها لوحده في ليالي أرقه ليأتي بها في اليوم الموالي
متوهّجة بلهب غريب يوقظ شعلة العذارى والمتزوّجات على حدّ السواء .
هديّة السماء ؛ مهرّجًا في مجالس الرجال ، وطبيبًا يحمل في حقيبته
عطورًا وبهارات تعالج كرب النساء وتوقظ فيهنّ الرغبة في اشتهاء
الحياة ، هنّ اللاتي كنّ قبل مجيئه ركامًا من اللحم الفاسد يمرّغه
الرجال في رماد فحولتهم الفاترة الرّتيبة .
***
في الهزيع الأخير من الليل سمع النّاس طلقات بارود متتالية .
طلقتان متلاحقتان . ثمّ طلقتان ثانيتان ، وصرخة انكتمت للتوّ . تعالت
جلبة نباح الكلاب لتغطّي أصواتًا كانت تصل متقطّعة داخل جوف الليل .
هرعوا جميعًا من البيوت ، ولم يتخلّف حتّى الأطفال والعجائز . وجدوا
الشيخ جعفر يهرول بين الزياتين في قميص قصير لا يكاد يصل إلى ركبتيه
. عاري الرأس زائغ العينين يسدّد ماسورة بندقيّته إلى الفضاء وهو
يدور على نفسه كالممسوس .
- خير ؟ خير إن شاء الله يا شيخ جعفر ..؟
- أيّ خير ؟ أيّ خير ؟
ظلّ يردّد كمن يهذي في قمّة اشتعال الحمّى : أيّ خير ؟ أيّ خير يا
أبناء الهاملات ؟ ألم أقل لكم منذ سنين إنّه كلب سائب ... ابن
القحبة ، لو أنّني أدركه ... إليّ بحصاني ..! ألم أقل لكم
أطردوه قبل أن تأتيكم منه الفواحش ؟ ألم أقل لكم إنّه كلب سائب ؟
قال لهم بعد أن هدأت زوبعته شيئًا ما إنّه فاجأه ... شعر بحركة
مريبة ... أو لعلّه مجرّد حدس ... خرج مثل الملدوغ وقلبه ينبؤه أنّ
كارهة كانت تحصل بالقرب منه ... فاجأه وهو ... وهو يستعدّ للهروب
يسوق أمامه كلّ دوابّ الضيعة ... ترْعتي ... استباحها الكلب بن الـ
... تفقّدوا بيوتكم يا أبناء الهاملات ... "نعاجكم" ياأبناء الكلب
..! بيوتكم ، نعاجكم ... أم تراه استسهل مراحي من دون الجميع ؟ تراه
خصّني لوحدي بكراماته ... كنت على يقين بأنّه سفيه ، وابن عاهرة لا
يؤتمن .
مرّت حالة الهرج التي أحدثها الشيخ جعفر ببندقيّته وسبابه الشبيه
بهذيان محموم ، واختفى الهدرك متوغّلا في أشواك الجبال تحت جناح
الليل .
عاد المطاردون في تلك الليلة على ظهور الخيل والبغال والحمير
يلوكون خيبتهم ، ولم يعثروا على أثر للهدرك الذي فرّ على ظهر مهرة
غير مروّضة من خيول الشيخ جعفر .
مرّت على الحادثة أسابيع وبدأ النّاس يملّون ترديد وقائعها التي
تخيّلوها ، أو خمّنوها تخمينًا. غير أنّ الشيخ جعفر ظلّ ملازمًا
للفراش نهبًا للحمّى والهذيان مردّدًا على مسامع المستفسرين عن
صحّته : ابن الفاجرة ... كنت أعرف أنّه كلب سائب .
بدا لهم غريبًا أمر ذلك الحزن . صحيح أنّه فقد مهرة بلقاء كان
يدلّعها ويوليها اهتمامًا خاصًّا . لكن هل يعقل أن يحزن بسبب مهرة
إلى حدّ الهزال ومقاطعة مجالس النّاس مقاطعة تكاد تكون تامّة ؟ كلّ
ذلك بسبب مهرة فقدت !
لم يصلح حال الشيخ جعفر بعد أسابيع عديدة من الحادثة . أغلق
بيته في وجه كلّ الزوّار، وغابت فائزة زوجته التي تصغره بما لايقلّ
عن ثلاثين سنة عن الأنظار، وانقطعت النسوة عن زيارتها بقرار حازم
قاطع من الشيخ جعفر .
لكنّ الأغرب من ذلك كلّه أنّ موجة الكآبة قد عمّت نساء القرية
كلّها تقريبًا . اختفت الابتسامات تدريجيًّا وراح العبوس والوجوم
يتحوّلان إلى حزن عميق بدأ يرسم على وجوههنّ المتجهّمة بدايات تجاعيد
سريعة . علّقن ضربًا من الحداد على صفحة الوجوه التي فقدت ابتساماتها
ومرحها المعهود ، و كذلك على لباسهنّ الذي غدا مهملاً بصفة بادية
للعيان ، وعلى حركاتهنّ ومشيتهنّ التي غدت ثقيلة ، مترنّحة ،
متلكّئة مفرغة من كلّ أثر لحرارة الحياة .
في اليوم الأول أو الثاني من الأسبوع الخامس الذي تلا حادثة
اختفاء الهدرك و انكفاء الشيخ جعفر على الحزن والوحدة سمع النّاس
جلبة غريبة في عزّ القيلولة ، والحال صيف ، والشمس الملتهبة تكاد
تثقب السقوف . قذفت البيوت كلّها بأهاليها الذين انتزعتهم الجلبة
الفجئيّة من حالة الخدر التي كانت تجمّد حركاتهم بفعل الحرّ الشبيه
بحمّام من الرّصاص المصهود . هالهم منظر لم يكن يتوقّعه أحد : فائزة
تركض في غبار الساحة الفسيحة التي تفصل ضيعة الشيخ جعفر عن بقيّة
البيوت ، تصرخ ملوّحة بيديها في الغبار، هزيلة بهيأة شبح خارج للتوّ
من عالم الأموات . تجمّدوا جميعًا أمام عتبات البيوت وهم يرون فائزة
التي كانت قبل أسابيع قليلة تشبه مهرًا في عنفوان الفتوّة ، في تلك
الحالة الكابوسيّة تركض مثل كلب مصاب تنهشه نيران عاتية تمزّق جوفه ،
مولولة ، أو مرغية مثل ناقة ثكلى دون أن تنطق بكلام معلوم .
لم يستفيقوا من حالة الذهول الذي كان يجمّد أعضاءهم ويكلّس
حواسّهم إلاّ عندما دوّت طلقتان شقّتا جوف الظهيرة المشتعلة ، مثل
ساطور قاطع ... طلقتان متتاليتان بدّدتا بقايا خدر أذهانهم المرتخية
داخل كسل القيلولة الحارقة .
للحظة لمحوا الهيأة الغائمة للشيخ جعفر وهو ينسحب من إطار
النافذة المطلّة على الساحة . ترنّحت فائزة لبضعة ثوان ثمّ انهار
هيكل جسدها الذّاوي وخرّت على ركبتيها ، بينما ذراعاها المرتفعتان في
هيأة المتعبّد الذي يستجدي السماء متوتّرتان في تلك الهيأة العموديّة
كما لو كانتا تتشبّثان بحبل لا مرئيّ منحدر من الفضاء.
---------------
* كاتب تونسي مقيم في ألمانيا
|