في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - نصوص النأي والناي
     عدنان الصائغ

  - ملك لا يحلم بالسنابل

    محمد جابر النبهان

  - قصائد

    صبري هاشم

  - قصائد

    بديعة كشغري

  - زنجيّ رمليّ

    لورانس جوزيف

 

قصة

  - إيقاع الخطوات

     محمود سعيد

  - المقامة التونسية

     وديع العبيدي

  - لانْدوشين

     علي مصباح

  - الأضواء

     عارف علوان

 

ملفات ودراسات

  - الثنائية الفكرية والتقدم

     د. تيسير الناشف

  - في انتظار جودو

     أديب كمال الدين

  - ابن الحدود: التعددية الثقافية

     مرح البقاعي

  - الكتاب العراقيون في الخارج .

     زهير شليبة

  - مقدمة في الأدب العربي المهجري المعاصر

     لطفي حداد

 

نصوص

  - في ساحة الإعدام

     سلام ابراهيم

 

تابو

  - محرمات، محرمات، محرمات

     أ . س

 

شاهد


ا
لسنة الأولى - العدد  الأول  ،  كانون الثاني / يناير 2005   
 First year . Issue No: 01 - January  2005 

إيقاع الخطوات

محمود سعيد*

 

أكثر من عشر سنين مرت عليها في الغربة وهي لم تستطع التعود على حرارة الطقس ورطوبته، يتغلف جسدها بطبقة من الدبق تجعلها تتضايق، تتقزز، تستحضر آلام الغربة قسراً، تبدأ الوحدة تنفث سمومها بخبث بطيء، تستحيل ذرات، تصبح هلاماً خانقاً يتفاعل مع هواء حمام ساخن يسوِّد كل مكان تلجأ إليه، يخنقها، يقتل أحلامها الصغيرة في رؤية مكان بارد جديد تسافر إليه، لماذا تقضي الرطوبة الساخنة على الهدوء في نفسها؟ للرطوبة علاقة ما بضيق النفَس لكن ما علاقتها بضيق النفْس؟ لماذا تسحق صدرها بثقل لا يمكنها تحمله؟ ها هي تلجأ كالعادة إلى الماء البارد لتزيل لا جدار العرق حسب بل ثقل الرطوبة التي استحالت إلى كآبة تكاد تزهق روحها.

ارتعشت، كان رشاش الماء بارداً، أول شيء فعلته غسل دموعها، أحست بالانتعاش يسري في بدنها، كانت تفكر بالبقاء مدة أطول تحت الماء البارد لكنها سمعت الهاتف يرن..سارت بهدوء كي لا تزلق وهي تلف جسدها بالمنشفة والمياه تقطر من شعرها على أعلى ثدييها، رقبتها، كتفيها، تنزل حتى سرتها، كانت المكالمة خارجية، تدفق صوت أخيها مرحاً وهو يسلم عليها، غمرتها سعادة مفاجأة، ضحكت:

قل لي كيف نقاوم هذا الحر؟

لا تغادروا الدش.

هذا ما نفعل..لكن لماذا لا ترسل قليلاً من هواء إسبانيا البارد فتنعشنا؟ ضحك أخوها: لا يبيعون هنا بالونات هواء.

أنا وسعدون وعبير نشعر بالغربة، لا نستطيع السفر، لم يبق أحد هنا، كلهم سافروا، درجة الحرارة فوق الخمسين والرطوبة مئة بالمئة.. تخنق.. متى ستأتي؟ ضحك أخوها: لا تجعليني أبكي، قهقهت: سلامة عينيك من البكاء.

اسمعي، أتعرفين إسماعيل، صديقي؟ تسمرت عيناها في الأرض، أي إسماعيل؟ صديقي الذي استشهد في جبهة سوسنكرد سنة 87، هه تذكرت الآن، من دون شعور تدفقت الدماء في وجنتيها، ألهبت كل جسدها، كانت تجلس على حافة السرير، أمام المرآة، وكانت خصل شعرها المبللة تتدلى على ثدييها، وكانت قطرات الماء ما تزال عالقة بذؤابات الشعر المبردة.

أنتعشت الذكريات، تنفست نسائم الربيع على كورنيش شط العرب، أي لحظات سعادة انغمرت كالشلال؟ قفزت من مكانها آلاف الكيلومترات، نحو الشمال، اليوكالبتوس العملاق على كورنيش شط العرب يضوّع الكون برائحته القوية، أزهار شجيرات الدفلى، ورود الملكة الصفراء الكبيرة، ورود الزينة، سفن الهند الخشبية تصطف أمام الشاطئ، نسائم الربيع اللذيذة تحملها فوق السحب، قال لها أبوها: انتظريني سأوصلك..ما يزال هناك متسع من الوقت للدوام! قالت: أحب أن أتمشى عشر دقائق في الكورنيش قبل أن أصل إلى الطبقة‘‘ العبارة’’.

كانت تشعر بسعادة لا توصف منذ أن تخرج من البيت وإلى أن تصل إلى مدرستها، في الطبقة تنتظرها زميلاتها اللواتي يدرسن معها، ليعبرن النهر معاً، متى انتبهت إلى أن هناك خطوات تسير وراءها، لم تدر، قرب بيت المتصرف الذي يقع في نهاية شارع الكنيسة أحست بها، لم تجرؤ على الالتفات، كان الشارع خالياً في مثل تلك الساعة من الصباح، لم تر منذ خمس دقائق وإلى حد تلك اللحظة سوى سيارة واجدة تمرق، ومن بعد نحو مئة متر هناك شبح امرأة تظهر وتختفي بين الأشجار، أسرعت فأسرعت الخطوات تتبعها، ثم أبطأت في مشيها فخففت الخطوات وقعها كذلك، كأنها تحرص على أن تبقى مسافة معينة بينهما.

تدفقت الدماء في وجنتيها، أحست بالحرارة تلهبهما، تحرق جسدها، لكنها تشجعت، التفتت، شاب أنيق أسمر، عيناه سوداوان واسعتان ضاحكتان، وسيم، نحيف، يسير وراءها على يعد بضعة أمتار، أخذ قلبها يخفق في عنف، بدا الشاب بابتسامته الخفيفة بعيداً عنها، غير مهتما بها كلية، ينظر أمامه إلى شيء ما لم يكن بالتأكيد هي، علمت أنه يتعمد إهمالها، مع ذلك ازداد اضطرابها، عبرت إلى الضفة الأخرى، أصبح جدار الكورنيش الذي يفصل ماء النهر يلامس تنورتها الزرقاء وأحست بنوع من الأمان وهي تشاهد زميلتها عزيزة تسير أمامها وإن كانت على بعد إلا أنها في وقت الحاجة ستكون قادرة على نجدتها إذا هجم عليها، هدأ روعها بعض الشيء، لكنها أحست به يعبر الشارع وراءها، اضطربت من جديد، يجب عليها أن تفعل شيئا، أي شيء، تصرخ، تستنجد، لكنها لم تفعل.

كانت تسير حذو المراكب الهندية الخشبية، خطواتها مرتعشة وقلبها يخفق بشدة، كانت المراكب هذه مفعمة بالحركة والحياة تضج بأجساد دكناء، لن يستطيع أن يؤذيها أمام أعينهم! أن يفعل أي شيء، إنهم ينظرون إلى النساء وكأنهم من عالم آخر، لكن ما أن تنظر في أعينهم حتى تزيغ أبصارهم، اطمأنت، ظل يسير خلفها، وظلت تخاف أن تلتفت نحوه.

أخيراً تنفست الصعداء، وصلت بر الأمان، كانت هناك معلمتان من زميلاتها وصلتا قبلها، لاحظت عزيزة اضطرابها، سألتها باهتمام عما بها، فتدفقت الكلمات من شفتيها تشرح الأمر.

لكنه لم يتعرض لك!

لا.

لم يقل أي كلمة!

لا.

لم الخوف إذاً.

كان الشارع خالياً..خشيت أن يمسكني..أن يؤذيني..

أيتها المجنونة! أيمسك أحد فتاة في الشارع؟

نسيت الأمر، حتى أنها لم تتذكره عند الغداء حينما تجتمع يوماً مع أمها وأخواتها، لكنها في الأيام التالية طفقت تحس بالخطوات تتبعها، من أين يخرج؟ أين يختبئ؟ لم تدر!كل الذي تعرفه أنها ما أن تتجاوز بيت المتصرف حتى تسمع وقع الخطوات المألوفة، إيقاعها الرتيب، لكنها لم تنظر إلى الوراء ثانية، ظل الانطباع الأول عنه في مخيلتها، أسمر أنيق وسيم ذو عينين باسمتين سوداوين، كان حجمه يكبر يومياً بهالة من تعليقات الزميلات، الأسمر الذي وجد ظله، المحب الصامت، لكنه بعد نحو شهر اختفى، اختفى فجأة كما ظهر فجأة، اختفى بعد أن اعتادت عليه، وباختفائه فقدت ‘‘هي’’ ظلها لا ظله، فقدت البهجة وتسلية التعليقات التي عاشت حلاوتها بكل تفصيلاتها، خرجت من دائرة الاهتمام، ثم بدأت تعليقات معاكسة، ذهب مع الريح، ذهب ولم يعد، يا خسارة! قصة انتهت في فصلها الأول.

كانت تضحك وقلبها يدمى، بعد ذلك ولأيام لا تحصى كانت خطواته تدق الأرض برفق في داخلها ما أن تتجاوز بيت المتصرف، ترافقها في سيرها، تسرع وتبطئ وتتوقف كما تفعل هي حتى الطبقة، لكن ذلك لم يكن إلا وهماً، لم يظهر من جديد، وحينما تفكر بسبب انقطاعه لم تقع على العلة قط، أكان يوم اختفائه استثناءً أو غير طبيعي في حياتها؟ تألمت بعمق، لكنها لم تدَعْ أحداً يطلع على جرحها، أي أحد.

قال لها أخوها سأرافقك حتى بيت المتصرف ومن هناك سأذهب إلى القنصلية لأجل التأشيرة، ثم ودعها، سارت وكلها آذان صاغية، انتظرت أن تسمع الخطوات ولكنها لم تسمع شيئا، لا في ذلك اليوم ولا في الأيام التالية، كانت وحدها تسير، تتلفت علها تراه، اختفى، أ رأى أخاها وخشي من المجابهة؟ أ انسحب من المعركة قبل أن تبدأ؟ فقط لو عرفت لماذا انسحب؟ لماذا اختفى فجأة كما ظهر؟

كان السؤال يحيا في الليل حينما تأوي إلى فراشها، يطرق مسامعها برنين صاخب ذي إيقاع مؤلم، كم بلل الدمع وسادتها؟ ثم فجأة أخذت تضحك على نفسها، أيمكن أن يكون قد أثر فيها إلى هذا الحد؟ حتى أنها لم تتبادل معه أي ابتسامة! أي كلمة! لا بل لم تلتق عيونهما سوى مرات معدودات خطفاً من دون تركيز! كل ما كان بينهما رنين صوت أقدام ذات إيقاع رتيب ومعتاد على إسفلت أسود، ترى هل بقيت آثار قدميه على إسفلت الشارع؟ يا لتفاهتها!

بعد عشر سنين وحينما عاد أخوها من الدراسة في الخارج سمعت غير مرة أنه يتبادل الدعوات مع صديق كان يدرس معه في أوربا، تردد اسم إسماعيل مرات عدة، ثم فجأة رأته، كما ظهر في الكورنيش، لكنه هذه المرة مع زوجته الأجنبية على العشاء عند أخيها، آنذاك بدا رجلاً لا يمت بأي صلة إلى الماضي، حتى أنه لم ينظر إليها أي نظرة ذات معنىً، لم تهتز لمرآه قط، لكنها أحست بالذكرى تدفع الدماء إلى وجنتيها، كانت الذكرى منفصلة عنه، تعود لها وحدها، ملكها هي لا يشاركها فيها أحد حتى هو، لكنها ودت من كل قلبها كما في آخر صفحة من انفعالاتها السابقة أن تعرف فقط لماذا انسحب فجأة! أدارت ظهرها لكي لا تلتقي عيونهما.

وبعد مدة أخرى طويلة أيضاً، وحينما سمعت باستشهاده حزنت بعمق لكن حزنها لم يرافقها طويلاً كما رافقها السؤال الملحاح ذو الرنين الصاخب الذي يدق صدغها بقوة فيكاد يخرج عينيها: ما سبب اختفائه فجأة؟

ذكرى..أما زلت على الهاتف؟ ما لك سكت؟ ضحكت: إني أسمعك..ماذا تريد أن تقول؟ أبن إسماعيل..نعم..ما به؟

في تلك اللحظة في بيت أخيها وعندما واجهته للمرة الأولى تركز انتباه الجميع على ابنه عماد، ابن إسماعيل، كان اسمر وسيماً يشبه أباه في كل شيء إلا عينيه كانتا خضراوين كعيني أمه لا سوداوين كعيني أبيه، أخذ الطفل يلعب مع ابنها، انسجما حتى أن ابنها طلب منها في اليوم التالي أن تأخذه إلى بيت إسماعيل ليلعب مع ابنه عماد، بصعوبة أقنعت ابنها باستحالة ذلك.

ذكرى..أين أنت؟ أتسمعينني؟ ضحكت من جديد، إني أسمعك، أتذكر ابنه، لكني نسيت اسمه، عماد، نعم عماد، ما به؟ عماد ابن إسماعيل سيتصل بك اليوم أو غداً، من أين يتصل؟ سيكون قريباً عليك في دبي، ولماذا جاء؟ أهذا سؤال يا ذكرى؟ لماذا أخرجت ابنك إلى أوربا؟ أيوجد غير النجاة بالروح؟

عندما كان يلعب مع ابنها ظهرا وكأنهما في السن نفسها، ابنها الآن في التاسعة والعشرين، أي أن عماد أكبر من أبيه عندما لعب لعبة مطاردتها الصامتة ببضع سنوات، ترى أله وسامة أبيه؟

أ أقطع المكالمة وأعود لأتصل بك في الليل؟ لماذا؟ ما هذا الانقطاع؟ منك أو من خطوط الهاتف؟ في الصيف تؤثر أشعة الشمس في الأقمار الصناعية؟..ذكرى! نعم إني أسمعك، سمعت صوت ضحكته من بعيد، ضحكت هي أيضاً، لكني لم أفهم ماذا تريد؟ سأجيء بعد أسبوع، وجدت عملاً له، أتريدين أن أكلم سعدون؟

ذكرى..بدأت الخطوط ترتبك من جديد، سأتصل بك مرة أخرى، لا..لا..أسمعك، لا حاجة للاتصال بسعدون، سأخبره أنا..أترينه سيوافق؟ لم لا؟ في أمان الله، في أمان الله.

لشد ما تطوي الأيام صفحاتها بلا مبالاة، ما هذا العبث؟ كاد يمحى من القلب فلم يعود الآن؟ لم تدرِ كم بقيت السماعة في يدها، لكنها كانت ما تزال تمسد شعرها، ما زالت طراوة الماء البارد تنعش إهابها، وما زالت الخطوات في الكورنيش تتبعها، وما زال وقع تلك الخطوات يكهربها، يشلها خوفاً ونشوة معاً، وما زالت تحس بالدماء تتدفق في وجنتيها وكل جسدها، نعم..ما زالت تلك اللحظات المحتدمة تلهب مخيلتها بسؤال لا جواب له: لماذا اختفت تلك الخطوات وعلى حين غفلة؟

 

------------------- 

* روائي عراقي مقيم في أمريكا

 

التالي  |  العدد الحالي  |  السابق  ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

Copyrights© 2004  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group