قصائد
صبري هاشم*
وقفة النّوتي
في أعلى مصبّات اللوعة
وقف النّوتيُّ
يفتح أبواب البصرة لشجر
مُتعباً يأتي
يأتي الماء
وتأتي أفراس طائرة بأجنحة الشمس
فلتفتحْ أيها الفتى للريح جسد الصحراء
ولتفتح لأشواق الموج أحضان الميناء
في أقصى شهقات العشق
وقف النوتي
مرحباً بأجساد عارية
تأتي مثل تماثيل رومانية نُحتت من هواء
تأتي أرواح مُتعبة
يأتي المنفيون بلا صيد في شباكهم ولا ندى
ويأتي صيادو الفجر
الذين بالبهجة غمروا البحر
غمروا الميناء
فلتفتحْ يا هذا الفتى المتيم
لحوريات استنشقن زهر الطين
ولتفتح للصفوة باباً نحو المجد
في أعلى أكتاف الليل
وقف النوتي
ليطفئ بوجه الأبناء كلّ الأقمار
وينثر التراب
الخارجي
ونحن نتراشق بألسنة المديح ونتقاذف نظرات الثناء، روّعنا في الطريق
هواء مرّ ، فعرفنا أننا على تخوم بغداد ، ما بين واسط وطيسفون .
حمدَ الله ثم أمرنا ابن يزيد ، وكان لحملتنا الخارجية المزعومة
قائداً ، بالتوقف ، فتوقفنا
قال أميرنا الخارجي :
تزودوا من ثمر هذه الأرض ومن بقلها .
ولكن لنا وجهة أخرى يا مولاي الأمير .
شُلّت نحونا عيناه
ولمعت من تحت العمامة نار
وبه ارتاب الجواد ، فاعتلى ناصية الخطابة :
أيها الجند أنّي بسرائركم أعلم وبوجهتنا أدرى
فما رأيكم لو جاء صاغراً إلينا الفرات ؟
لم نكن ندري قبل مجيء الرسول أنّ جيش عبدالملك بن مروان يخبّ صوبنا
من ناحية الكوفة . فأدركناه على أبوابها وأهلنا عليه التراب قبل
المغيب . وعند العودة فطنّا :
لم تكن من بيننا الغزالة .
أردنا أنْ نبلغ ابن يزيد ، فوجدناه يُصلي ركعتين ، يُطلق أسر دمعتين
ويعاتب السماء .
القوافل في الطريق إليها
أتدري ؟
منذ عامٍ لم تنمْ المدينة
إلى دورهم غادر حرّاسُ الخليفة
وعلى الأبواب نُصبت حانُ
فدارت بيننا ندل فاتنات
ثم أُشرعت للجاريات
بعد القصور غابُ
منذ تشييد القلاعِ لم تنمْ المدينة
ربما مرَّ في صحوتِها
الأبناءُ خفافاً
كانت قد انكسرت خلف السور سراياهم
ربما انفتحت للغيلان باب
ربما انتظرت شجراً
في الوادي زاحفاً
ربما سيقت أمامها إلى الموتِ
نوقٌ بحاديها
منذ عام لم تنمْ المدينة
هل يصهل النهرُ
لو تكاثفت فوق رأسهِ ليلةٌ
ثم أُمطرت
وتفجرت ريحُها ؟
هل يصهل النهرُ
لو طوقتنا سحائب ؟
مَنْ يمسح عينَ المدينة ، التي منذ عام لم تنمْ ،
لو طافت مآقيها ؟
-------------------
* شاعر عراقي مُقيم في برلين / ألمانيا
|