|
تحية طيبة
ووُلِدت المُهاجر ... من رحمِ حلمٍ لم ينتهِ ، من ذاكرةٍ ثملة برائحة
أرضٍ بعيدة .
أين كُتب حرف البداية ؟ ربّما على متن طائرة عابرة للمسافة الموجعة
بين دفء الولادة وصقيع المنفى ، حيث يتحوّل بؤس الرحيل إلى رغبة
مُلحّة بالكلام عن هول هذه التناقضات التي يفرضها قدرُ الاغتراب....
قد يبدو المنفى - على الورق - حكاية أسطورية في غاية الرومانسية
والجمال ، تسطّرها أقلام تبحثُ عن نصوصٍ مجيدة للنسيان. ولكن كلّنا
يسمع الصرخة المزروعة بين الكلمات ، وهي تبحث عن أثيرٍ بملامحِ وطن
حفرَ أخاديده في القلب قبل أن يُعانقَ الغياب.
يُدركُ المُهاجر أن الأسَى الذي يلبسه ضروريٌّ لكي يحتفلَ التاريخ
بإبداعات من وحي تجربته. النفيُ المُلهم ، الذي أنتجَ كتابةً أدبية
ملحميّة الملامح ، لم يتوقف عن إفراز أجيال من الشعراء والروائيين
والمُفكرين المُنتثرين على حدود لغة تحميهم من الذوبان الكلّي.
وبقيتْ لغة الضاد بدورها ، تحتمي في قلوب أبنائها المُشردّين لتكبرَ
فيهم ، لتعبّر من خلالهم وبأقلامهم عن كل الرؤى والأجناس الأدبية
العابرة للحدود والمُحطّمة لأسوار المكان .
يعلم المُهاجر أيضًا أنّ الخسارة لاتُعوَّض ، ولكن الخسارةَ تتحوّل
بين يديه لقصة إبداع يجدر بها أن تُعرضَ على الملأ .فالقلق الذي يكبر
في أرض غريبة ليس له مثيلٌ في خصوصيّة التجربة.
أيلزمنا إذا محنةٌ كهذه ليسمو الأدب مكانـةً ورسالة ؟ ربّما هذا
مافكّر به "همنغواي"وأمثاله، ولكن كم شاسعة هذه المسافة مابين مصير
القسر وكرامة الاختيار....
هناك اختيار آخر ربّما، مابين لعق الجراح ووطن الكتابة ( أو كتابة
الوطن )..
من أجل هذا وُلدَت المُهاجر.
التحرير
|