|
الكتاب العراقيون في الخارج*
زهير شليبه**
عندما كنا نقيم في الخارج
قبل ثلاثين عاما كانت أعداد الكتاب العراقيين معروفة وقليلة ، أغلبهم
من الأكاديميين والسياسيين السابقين
وطلبة الجامعات
وبالذات من اليساريين في لندن وباريس وموسكو وبراغ وبعض الدول
العربية ومناطق أخرى من العالم.
كانت تُستخدم عدة مصطلحات على إقامة العراقيين في الخارج مثل
الاغتراب أو الغربة، الخارج، المهجر والمنفى الذي أصبح أكثر استعمالا
في أوج طغيان الحكم الاستبدادي في عهد صدام.
نستطيع أن نقول إن هناك أربع هجرات عراقية، الأولى بعد 1958ثورة وهي
بالتأكيد محدودة والثانية بعد انقلاب 1963 حيث ُقتل عبدالكريم قاسم
وآلاف الشيوعيين والوطنيين على يد عناصر الحرس القومي البعثي بدعم من
جمال عبد الناصر، أما الثالثة فحدثت بالذات بعد الحملة على الشيوعيين
من قبل السلطة العراقية عام 1979، أما الرابعة فقد بدأت بعد الحصار
على العراق وحرب الكويت حيث خرج منذ ذلك الحين حتى نهاية التسعينات
العديد من الكتاب العراقيين ممن كانوا يمارسون نشاطهم الأدبي في
العراق في ظل حكم البعث.
ويمكننا أن نلاحظ من خلال الانقلابات السياسية العراقية أن الأدباء
اليساريين هم الأكثر تعرضاً للاضطهاد والفصل والطرد والاعتقال
والهروب إلى الخارج.
إذا أردنا ان نذكر الكتاب العراقيين المقيمين في الخارج في السبعينات
فعلينا أن نشير إلى الروائي العراقي الراحل غائب طعمه فرمان 1926-
1990 والروائي برهان الخطيب اللذين كانا يقيمان في موسكو ثم أقام
فيما بعد الروائي فائز الزبيدي، الذي أصدر فيما بعد روايته "جذور
الحجارة".
كان برهان الخطيب ينشر في مجلة الأقلام العراقية من موسكو حيث قدمَ
إليها لغرض الدراسة وكان قاصاً معروفاً وأصدر قبل سفره من العراق
مجموعته القصصية "ضباب في الظهيرة" ثم رواياته: "شقة في شارع أبي
نواس"، "نجوم الظهر"، "بابل الفيحاء" وغيرها من الأعمال، التي تناولت
تاريخ العراق منذ الملكية حتى الحقبة المعاصرة.
أما الفنان التشكيلي أحمد النعمان المعروف فقد عمل مراسلاً صحفيًا
للصحافة العراقية ثم الكويتية في موسكو وأصدر مؤخراً رواية ويهتم
بالوضع السياسي العراقي.
وكان الكاتب عدنان المبارك يراسل الأقلام من وارشو حيث أقام، أما
الروائي فاضل العزاوي فقد أقام منذ السبعينات في برلين، وأقام الصحفي
مفيد الجزائري والقاص جيان في براغ، والشاعر والأكاديمي صلاح نيازي
كان يصدر مجلة الاغتراب الأدبي من لندن حيث يقيم جنبًا الى جنب مع
بعض الكتاب والشعراء العراقيين مثل الكاتب الراحل نجيب المانع وسميرة
المانع وهيفاء زنكنه، اللتين أصدرتا عدة نتاجات في القصة والرواية
والشاعرين فوزي كريم وعبدالقادر الجنابي
، اللذين أثريا المكتبة بنتاجاتهما وتراجمهما وغيرهم.
في الثمانينات ينتقل الروائي العراقي الكبير فؤاد التكرلي إلى فرنسا
ليقيم بعد ذلك في تونس حتى وقتنا الحاضر ويحوز على جائزة عويس
للرواية العربية في نهاية التسعينات. ونفس الشيء يقال عن الروائية
العراقية عاليه ممدوح، التي أصدرت رواياتها الثلاث الأخيرة في الخارج
وحصلت على مكانة مرموقة في الأدب العربي.
بعد انفراط الجبهة الوطنية والتقدمية بين البعثيين والشيوعيين وتعرض
الآلاف من الأخيرين للاعتقالات والاضطهاد اضطر المئات من الكتاب
والصحفيين العراقيين للسفر والهروب من العراق إلى عدة بلدان مثل
صوفيا وموسكو وبراغ وبودابِست ولبنان وعملوا في المؤسسات الثقافية
التابعة للثورة الفلسطينية.
بعد هذه الفترة ازدادت أعداد المثقفين العراقيين في الخارج ومن مختلف
الأجيال وتوفرت فرصة للشباب او الأقلام الجديدة للعمل في الصحافة
الفلسطينية وإقامة علاقات مع الأوساط الأدبية في لبنان وأصبح قسم
منهم اليوم أدباء محترفين مثل الروائي جنان جاسم حلاوي، الذي نشرت له
دار رياض الريس عمله الروائي "ياكوكتي" وهو أمر يُعد تقديراً هاماً
وجائزة لكاتب عراقي شاب وأصدر روايته "ليل البلاد"، التي صوّرَ فيها
إهانة الجندي في الجيش العراقي والإنسان في ظروف الحروب المفروضة
عليه. وهذه الجائزة تجسد أمراً هاماً بالنسبة للكتاب العراقيين آنئذ
إذ إنها حصلت في مجال الرواية وليس الشعر لأن النوع الروائي له
خصوصية بالنسبة لكتاب تلك الفترة من الأجيال الجديدة آنذاك.
ويكفي هنا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر أن أكبر شاعرين عراقيين
مثل محمد مهدي الجواهري وسعدي يوسف كانا يقيمان في هذه الفترة خارج
العراق وأن كوكبة أخرى من أدباء وأعلاميين عراقيين غادروا بلادهم مثل
الناقدة فاطمة المحسن التي كتبت فيما بعد أطروحة دكتوراه عن الشاعر
سعدي يوسف، وزهير الجزائري الذي خرج من العراق صحفياً
وعمل
في صحافة الحزب الشيوعي في الظروف العلنية وقاصًا وأصبح في الخارج
روائيًا، والأعلامي الشيوعي فخري كريم زنكنه الذي صار مديراً لدار
المدى، التي أثرت المكتبة العربية بإصداراتها العديدة.
في الثمانينات والتسعينات واصل روائيون مثل غائب طعمه فرمان وفؤاد
التكرلي وبرهان الخطيب وفاضل العزاوي وسالمه صالح وسميره المانع
وعاليه ممدوح وآخرون كتابة نتاجاتهم الإبداعية بينما كانت مجموعات
أخرى من القصاصين تقوم بنشاطات كبيرة وكثيرة في دمشق وبيروت وعدن
وبعض عواصم اوروبا الشرقية وبرزت أسماء جديدة.
وأصدرت رابطة الكتاب والفنانين الديمقراطيين العراقيين مجلتها
الأدبية الرائعة "البديل" من دمشق ثم تبعتها العشرات من المجلات في
مختلف بلدان العالم سنذكر قسما منها في السياق.
وظهر في هذه الفترة عدد من الكتاب العراقيين من الذين غادروا العراق
في شبابهم أو منتصف العمر، يمكن أن نطلق عليهم جيل الثمانينات ومنهم
من مرّ بتجارب سياسية والتحق بقوات الأنصار في منطقة كردستان
العراقية وتعرض قسم منهم لضغوطات العمل الحزبي وجربوا محاسنه ومساوئه
وكادت أن تستهلك كتابات بعضهم.
كذلك فإن قسما منهم لم تسعفه ظروف الحياة آنذاك في التمرس والتحصيل
العلمي والاطلاع على الحياة بشكل رحب والاستفادة من تجاربها. وهناك
قسم آخر منهم سخَّرَ انتمائه الحزبي للحصول على الشهرة ككاتب بسبب
الجماهيرية السياسية لاحزابهم رغم عدم توفر المستوى الفني في
كتاباتهم.
صدرت في هذه الفترة نتاجات فنية جيدة وأخرى لم تتوفر فيها مقومات
العمل الفني، بل كانت تعاني من الإنشائية والمباشرة وسلبيات أخرى
لاحظها أغلب القراء وقد أشرت إلى قسم منها في بعض مقالاتي1.
وكان انطباعي آنذاك على بعض هؤلاء القصاصين أنهم جيل منقطع عن تاريخ
القصة العراقية وأنهم بلا أساتذة ولا مؤسسات أكاديمية تعينهم وبخاصة
أولئك، الذين انشغلوا كثيراً في العمل الحزبي حيث بقوا يتحركون ضمن
هذه الدائرة المليئة بالشعارات بعيداً عن البيئة الأدبية، ومؤسساتها
الثقافية والأكاديمية مثل الجامعة ومراكز البحوث.
ولا بد من الإشارة اليوم إلى أن قسماً آخرمن هؤلاء الكتاب العراقيين
أصبح يحترف الكتابة الإبداعية واستفاد من إقامته في الدول الأوروبية
وتوفر بعض الامتيازات بالنسبة لهم مثل التقاعد المبكر والضمان
الاجتماعي رغم تعرضهم لحالات نفسية قاسية مثل الاكتئاب والإحباط
بسبب حياة الغربة وتهميش المجتمعات التي يعيشون فيها.
ونستطيع أن نقول إن بعض ممثلي هذا الجيل يمارس اليوم نشاطاً أدبيًا
منقطع النظير وأصبح لبعضهم مكانة أدبية وأصدر بعضهم روايات عديدة
متجاوزين الكتابة عن تجاربهم الشخصية والأحداث السياسية وبهذا حققوا
الابتعاد عن الإنشائية والمباشرة والتقريرية والوعظية إلى حد ما.
كل هذه الأمور مرتبطة بالمواهب الشخصية لهذا الأديب أو ذاك وصقلها من
خلال تعلم اللغات الاجنبية والتحصيل العلمي ومتابعات الكتابات
الاوروبية المتميزة بمقومات الكتابة الفنية ولا يمكننا هنا التعميم
والقول إنهم جميعا كتاب موهوبون متمكنون من ملكة الكتابة الفنية.
إهتم أغلب كتاب الثمانينات بحالة الناستولجي وموضوعتها فمنهم من يصف
الطفولة والحكايات القديمة والمواكب الحسينية والبيت العراقي وطريقة
الناس في حديثهم ومشربهم ومأكلهم والمكان والزمان ، كما هو الحال في
رواية هيفاء زنكنه "مفاتيح مدينة" التي بدأت فصليها الأول والأخير
بعبارة "كانت تحب لمّة النساء في بيتهم"، ومجموعة "وداعاً أيها
الطفل" لجبار ياسين و"النافذة" لسعيد فرحان، الذي يصدر اليوم مجلة
"الصفنة" الالكترونية جنباً إلى جنب مع الشاعر حميد العقابي، الذي
يصدرمجلة أليكترونية "الكاتب العراقي" من الدنمارك، و"عزف عود
بغدادي" لكريم عبد، الذي أصدر مجلة قصص في لندن، وروايتي "ياكوكتي"
و"ليل البلاد" لجنان جاسم حلاوي وأعمال نجم والي المقيم في ألمانيا و
شاكر الأنباري، الذي قرر العودة إلى سوريا والإقامة فيها بدلا عن
الدنمارك كي يكون أكثر التصاقاً بالصحافة والبيئة الأدبية العربية
حيث نشر رواياته.
بينما كان هناك كتاب اهتموا بالموضوعة السياسية من خلال وصف تجاربهم
ونضالهم وظروف الحرب وكتبوا عنها بطريقة مباشرة مثل سلام عبود المقيم
في السويد وكتاب آخرون بقوا أسيري السياسة وممارساتها.
يظهر في هذه الفترة الروائي العراقي إبراهيم أحمد فيصدرعدة مجاميع
قصصية وروايات ويدير من إقامته في السويد دار المنفى، التي اصدرت بعض
الكتب العراقية، مثل رواية "الدفان والغجرية" لحمودي عبد محسن. بينما
يصدر الكاتب محيي الأشيقر روايته "كان هناك" ويصدر الكاتب مؤيد عبد
الستار من إقامته في السويد مجموعته القصصية "حكايات بغداد"، التي
تذكرني ناستولجيتها وأسلوبها بمجموعة سعدي المالح "حكايات عينكاوة"،
التي نشرت قبل سفره إلى الاتحاد السوفييتي لغرض الدراسة في
السبعينات، والذي واصل ولا يزال نشاطه الصحفي من إقامته في كندا حيث
أصدر مجلة المرآة.
بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية ازداد عدد اللاجئين العراقيين في
سوريا ولبنان والدول الأسكندنافية وبدأت المجموعات الثقافية تتنوع
بحيث أصبحت تقترب من الواقع العراقي حيث ظهر الأدباء الأكراد، ومن
الأحزاب الدينية الشيعية جنبا إلى جنب مع الكتاب اليساريين.
بعد هذه الفترة تظهر نشاطات عراقية في الخارج متجسدة على سبيل المثال
لا الحصر في دار نشر الجمل التي يديرها الشاعر العراقي الجاد خالد
المعالي من إقامته في المانيا.
وفي الدنمارك أصدرت مجموعة من الأدباء مثل الشاعر جمال جمعة مجلة
"الصوت" بجهود ذاتية ويواصل اليوم إصدار دواوينه وله موقع اليكتروني
خاص به، ونفس الشيء يقال عن الشاعر منعم الفقير الذي اهتمت به
المؤسسات الدنماركية في بداية حرب تحرير الكويت كنوع من الدعاية ضد
العراق.
بينما يمارس الشاعر أسعد الجبوري الكتابة الروائية فيصدر روايته
"الحمى المسلحة" بعد إصداره عدة دوواين شعرية. وتصدرالكاتبة دنى غالي
مجموعة قصصية ورواية وستصدر لها مجموعة قصصية بالدنماركية والعربية.
ويواصل سلام إبراهيم كتابة متابعاته عن الإصدارات العراقية لزملائه
المغتربين أو المنفيين في صحف الأحزاب العراقية، إضافة إلى نتاجاته
القصصية والروائية.
وأصبح
الكاتب العراقي عبدالله نيازي،
الذي أصدر روايته الأولى "أناهيد" عام 1994، يقيم في جزيرة فون
الدنماركية
منذ التسعينات
وأصدرمجموعة قصص دنماركية مترجمة إلى العربية عام 1999،
ولايزال الروائي قصي الشيخ عسكر، الذي أصدر روايات عديدة في سوريا
يواصل نشاطه من إقامته في الدنمارك وباسم الأنصار، الذي أصدر مجموعة
قصصية مؤخرا.
أما القاص والمترجم والكاتب والناقد الصحفي المتخصص بتاريخ الفن من
وارشو عدنان المبارك فإنه يواصل مسيرته الأدبية التي بدأها من وكالة
الأنباء العراقية مروراً بوارشو وانتهاءً بالدنمارك. نشر عدنان
المبارك العديد من القصص في صحيفة الزمان ولديه العديد من المخطوطات
الجاهزة للنشر وأصدر كتبا هامة مثل "القرن العشرون" و"معالجات
ساباتو".
إن
أهم شيء يشعر القاريء به، حين يستمتع بنصوص
عدنان المبارك
هو إصرار صاحبها على السخرية من القهر ، ولكنها ليست سخرية من أجل
السخرية أو الضحك لملأ الفراغ بل ضحك مبكٍ وكل ما يدخل ضمن نظام شر
البلية ما يضحك. وهذا الإمعان في وصف العالم المليء بالفظائع
والفضائح والسفالات والدمار بطريقة لاتخلو من مبالغات مقبولة رغم
اقترابها من عالم الخيال والأساطير، يجعل القاري يصدق بأنه إزاء
حقيقة اسمها الانهيار.
ويهاجر الكاتب الروائي العراقي جاسم المطير من بلاده متوجهاً نحو
هولنده في نهاية التسعينات ليمارس نشاطه من هناك ويبدأ جهوده الشخصية
لتأسيس موقع القصة العراقية، الذي أصبح من أهم المواقع المتخصصة
بالقصة العراقية حيث يكتب فيه أغلب الكتاب العراقيين.
وكان الروائي عبدالرحمن مجيد الربيعي، الغزير الإنتاج أقام أيضاً في
الخارج لكنه بنظر العديد من أدباء الخارج المنفيين ممثل سياسي للداخل
حيث عمل في مؤسساته الرسمية، ثم انتقل عبدالستار ناصر ليقيم في عمان
وليكتب من هناك بصراحة ونقد ذاتي عدة مقالات عن علاقة الكاتب
بالسلطة. يقيم اليوم في عمان الشاعر العراقي المعروف حسب الشيخ جعفر
وكتاب عراقيون آخرون كثيرون خرجوا من العراق عن طريق طريبيل وهو معبر
لم يعرفه كتاب الخارج سابقاً، الذين فروا من العراق هرباً بمختلف
الطرق.
ويقيم اليوم الكاتب والصحفي والشاعر العراقي زهير الدجيلي في
الولايات المتحدة الاميركية، الذي يساهم في تحرير صحيفة "عراق الغد"
الاليكترونية و تكثر الاصدارات من هذه القارة وتظهر أسماء جديدة نذكر
على سبيل المثال لا الحصر مجموعة "سيرا.. نحو دفء النبع" لسمير
المندوي.
في التسعينات يزداد عدد العراقيين المقيمين في الخارج ليصل إلى
الملايين وبالتالي يتنوع الكتاب العراقيون ليصبحوا من مختلف الأجيال
والفئات والانتماءات والتجارب وتكثر النشاطات والإصدارات والمجلات
الأدبية مثل مجلة "ألواح" التي يصدرها الأديبان محسن الرملي وهادي
السعدون. يصدر محسن الرملي روايته "الفتيت المبعثر" وديوانه "كلنا
أرامل الأجوبة" بالعربية والأسبانية ويحصل على شهادة الدكتوراه في
الآداب ويواصل تجربته الإبداعية هو وزملاؤه من اسبانيا.
تتعدد الإصدارات في أوروبا حيث يصدر الشاعر وديع العبيدي مجلته
"ضفاف"، التي قدمت وتقدم مختلف الأسماء في النثر والشعر، بينما يباشر
الناقد المتابع عدنان حسين أحمد في إصدار العدد الاول من مجلته
"علامات" في أمستردام مكان إقامته، إضافة إلى العديد من المجلات
الصادرة في مناطق أخرى من العالم.
وفي هذا العقد تبدأ صحف عراقية مثل المؤتمر والزمان بالإصدار من لندن
جنبًا إلى جنب مع الصحف العراقية الحزبية وتظهر أسماء كتاب عراقيين
كانوا يقيمون في العراق وخرجوا منه لأسباب القهر والحصار في نهاية
التسعينات. إن إصدار هاتين الصحيفتين من قبل إثنين من ابرز
الأعلاميين العراقيين من الذين عملوا في المؤسسات الحكومية يشكل
ظاهرة خاصة إذ أصبح الإعلام والنشاط الأدبي العراقي الخارجي غير
مقتصرين على المعارضين اليساريين والدينيين كما كان في السبعينات
والثمانينات والذين أصدروا صحفهم الحزبية باستمرار، بل أصبح يشمل
آخرين عملوا في العراق وخدموا مؤسساته الرسمية الحكومية والحزبية
لكنهم لم يطيقوا ممارسة عملهم في ظل الارهاب.
ويمكننا القول إن كتاب الخارج العراقيين
يشكلون
اليوم
ظاهرة هامة في الأدب العربي لا يمكن التغاضي عنها بسبب تزايد أعدادهم
وكثرة نشاطاتهم وإصداراتهم وإقاماتهم في دول مختلفة.
إن ما يزيد أهمية هؤلاء الكتاب هو اختلاطهم مع كتّاب آخرين من خلفيات
مختلفة ومتنوعة، رحلوا من العراق مباشرة بعد حربي
الخليج الثانية، بقي قسم منهم في عمان وانتقل آخرون إلى بريطانيا
والدول الاسكندنافية.
كان كتاب الخارج يمثلون انتماءات سياسية وتيارات فكرية معينة وتجارب
أدبية خاصة بهم، أما الآن فقد أصبحوا أكثر تنوعا من السابق حيث خرج
من العراق أدباء وكتاب كانوا محسوبين على النظام ويمكن ملا حظة ذلك
من خلال النشاطات التي يقيمها العراقيون في الخارج، التي أصبحت تشمل
توجهات متنوعة إلى حد ما.
لم تعد أجيال كتاب الخارج محددة بجيل معين كما هو الحال في السابق،
فقد كان أغلبهم من الذين تركوا العراق في السبعينات ومن أعمار
متقاربة ما عدا بعض الاستثناءات، أما الآن فإننا نراهم يمثلون مختلف
الأجيال وهو أمر هام للغاية بالنسبة للظاهرة الادبية.
لو أخذنا الدول الإسكندنافية مثل السويد والدنمارك، وهما بلدان
أوروبيان صغيران لوجدنا فيهما كتاباً عراقيين من مختلف الأجيال
والانتماءات السياسية.
لجوء العراقيين عموما والكتاب منهم بخاصة إلى قارات وبلدان مختلفة
جعلهم يشكلون ظاهرة خاصة، فهم ليسوا عمالاً مهاجرين من دول فقيرة، بل
لاجئين كانوا ينعمون بحياة اقتصادية معقولة، رحلوا لمختلف الأسباب
ولهذا فإننا نجد في أوساطهم نسبة لابأس بها من المتعلمين، الذين
كانوا يتمتعون بمواقع اجتماعية وسياسية مما يشجعهم على الاستمرار في
مواصلة النشاط والكتابة والابداع.
يمارس هؤلاء الكتاب نشاطاتهم الإبداعية في القصة والشعر والرواية
والنقد والإعلام والفكر باستمرار وحماس منقطع النظير فلو جمعنا
إصداراتهم لرأيناها توازي ما يصدر في بعض الدول العربية.
كانت النتاجات العراقية قبل عقدين في الخارج محدودة أو قليلة، لكن
الأسماء العراقية برزت في أكثر من ميدان مثل مسابقة الرواية كما أشرت
سابقا، أما الشعر فقد فاز سعدي يوسف بجائزة عويس، والعراقيون تبوأوا
صدارته بغض النظر داخل العراق أم خارجه.
وأصبحت الإصدارات العراقية في الخارج توزع في الدول العربية بشكل
أوسع من السابق، لدرجة أنه لم يعد من المستحيل ولكن ليس بسهولة على
كتاب الداخل الاطلاع على إصدارات زملائهم في الخارج إما عن طريق
مكتبات الأردن أو سوريا وبالذات بعد تعدد إمكانيات الاتصالات و السفر
إلى هذين البلدين.
مما يجدر ذكره أن كتاب الخارج غير مشغولين بالكتابة عن الموضوعات
الدينية والتراثية بالطريقة التقليدية كما يحدث اليوم في الدول
العربية، مما يعطي الكتاب العراقي قوة وأهمية تاريخية متميزة في
الثقافة العربية بسبب تناولها موضوعات حيوية بأنواع أدبية جديدة
وأشكال محدثة، وهي ميزة هامة تضاعف أهميتهم وتجعلهم أكثر تأثيراً،
وستظهر نتائجه في المجتمع العراقي لاحقاً في حال حصول انفتاح وتطور
ديمقراطي فيه.
من يقرأ روايات الكتاب العراقيين المقيمين في الخارج وقصصهم وأشعارهم
يلاحظ بسهولة أن هؤلاء يعانون من الهم السياسي والاجتماعي ويحملون
على أكتافهم مسؤولية الدفاع عن القيم الإنسانية بسبب تعرض أغلبهم
للاضطهاد والمحاربة والتهميش من قبل عدة جهات ولمختلف الأسباب، بحيث
ظهر لديهم شعور بأنهم جنود مجهولون في حرب غير معلنة ضدهم.
لقد هرب الكتاب العراقيون من بلادهم بسبب الارهاب وخنق الحريات
والتبعيث، بل ربط الأدباء والمثقفين بأجهزة الامن والحزب. وبشكل عام،
ليس من السهل على الصحفي أو الكاتب الأصيل والمستقل في دول العالم
الثالث كله بما فيها الدول العربية أن يكون معروفاً و يحصل على فرص
عمل في هذا الميدان بدون دعم من السلطة بل أجهزتها الأمنية، التي
تمتلك الثروة وتسيطر على كل وسائل الاعلام بقبضات حديدية.
الكتاب العراقيون الذين اضطروا للخروج أو الهروب من العراق عانوا من
اضطهاد السلطات في بلادهم و خارجها لأنهم بطبيعتهم معارضون أحرار
ينظرون إلى مجتمعاتهم بعيون انتقادية ويرفضون الدعاية الديماغوجية
والغوغائية، لدرجة أن قسمًا منهم عانى من الضغط حتى داخل مؤسساته
الحزبية التي ينتمي إليها بغض النظر إن كانت معارضة أم رسمية.
وكما قلنا سابقا فإن كل هذا لا يعني بالتأكيد أن كل ما يصدره كتاب
الخارج على مستوى واحد وعالٍ من الفنية، لكن المهم في هذه العملية
الأدبية أن هذا التراكم الكمي وعلى صعيد النتاجات الروائية بالذات،
لابد و أن يؤدي في المستقبل إلى نتائج فنية جديرة بالاهتمام تحمل في
طياتها مفاهيم فلسفية ونظرة واسعة وعميقة للحياة وتجارب خاصة بهم
حاولوا ويحاولون أن يقدموها في أشكال فنية تتجسد فيها جدلية وحدة
المحتوى والمضمون، في أشكال تتوفر فيها مقومات العمل الفني معبرين من
خلالها عن رسالتهم وأهدافهم.
إن ما يميز كتاب الخارج هو أن قسماً منهم واصل الإبداع و بدأ يحصد
ثمار حياة الاستقرار في المنفى أو المهجر وبدأ يبتعد عن تصوير تجاربه
الشخصية السياسية السابقة ومعاناته بطريقة مباشرة بحيث أصبح يتحرك
ضمن مجالات أكثر رحابة كما أشرت سابقًا أو أنه بدأ يعيد خلق عالمه من
خلال رؤية ناضجة للواقع، وبطريقة أكثر فنية من السابق وقد يبدأ
تواصله مع الأدب العراقي حسب موهبته وقدرته واطلاعه على الآداب
الأجنبية وعمق معارفه وتحصيله العلمي والأكاديمي والخ من العوامل
المؤثرة في تكوين الذات الإبداعية في عالمنا المعاصر.
ومن المؤسف أن هذه الظاهرة الأدبية العراقية لم تلقَ اهتماماً من
المؤسسات العربية الرسمية كما يجب، ومنقطعة في الوقت نفسه تماماً عن
الأدب العراقي في الداخل، إضافة إلى حالات التشتت العامة التي تعاني
منها الجاليات العربية في الخارج بشكل عام، و لكن هذا لم يمنع تعدد
النشاطات الثقافية العراقية.
وأعتقد أنه من الضروري عند دراسة أدب الخارج التركيز على موضوعات مثل
من هم أبرز ممثلي هذه المجموعة وهل لايزالون محافظين على انتماءاتهم
السابقة؟ وماهي انتماءاتهم السياسية والفكرية الحالية؟ وماهي
جمعياتهم الأدبية و نشاطاتهم ونتاجاتهم الإبداعية؟ وماهو مدى تأثرهم
بالمجتمعات الجديدة واطلاعهم على لغاتها وآدابها وتعلمهم فيها فنون
الكتابة وأصولها إذ من المعروف أن كتاب هذه البلدان تتوفر لهم فرص
دراسة الآداب بطريقة أكاديمية في الجامعات ومدارس خاصة بالكتاب
والمدارس الصيفية.
وبشكل عام يمكن تقسيم الكتاب العراقيين في المنفى إلى مجموعتين من
حيث وضعهم الاجتماعي الجديد في دول إقاماتهم وواقعهم ونجاحاتهم.
الأولى مندمجة في المجتمعات التي تقيم فيها، تتعامل مع مؤسساتها
ويحالفها الحظ في ذلك وتصدر نتاجاتها بدعم منها. أما كتاب المجموعة
الثانية فهم مستعدون للاندماج الاجتماعي إلا أنهم يعانون من صعوبة
تعلم اللغات الاجنبية، يحاولون الحصول على بعض الدعم من المؤسسات
الثقافية والعمل فيها لكنهم يشعرون بأنهم لا يلقون اهتماما حقيقياً
من المسؤولين كما هو الحال في بعض الدول الاسكندنافية.
لقد عانى أغلب هؤلاء الكتاب العراقيين من المرارة والحرمان والفقر
والتشرد من هذا البلد إلى ذاك مع أفراد عوائلهم وتعرضوا للطرد
والإهانات والضغط عليهم من قبل أجهزة المخابرات في الدول التي أقاموا
فيه لأنهم لم يمالئوهم، بل إن أغلب الدول العربية لم تعط تأشيرات لهم
حتى لو كانت لديهم جوازات سفر صالحة.
وهناك العديد منهم حصلوا على شهادات جامعية وعليا وكان عليهم أن
يغادروا بلدان دراساتهم بسبب انتهاء إقاماتهم، وكانت السفارات
العربية لا تعطيهم تأشيرات وتطالبهم برسائل تزكية أو تأكيد مواطنتهم
من السفارة العراقية، التي كانت تطاردهم وتتعقبهم وتحاربهم في كل شيء
إن لم يدخلوا في حزب البعث ويكتبوا النتاجات الدعائية والتقارير على
زملائهم. ولم تمدد السفارات العراقية جوازات سفر الأدباء في الخارج
أو تجددها وبدأت منذ ذلك الحين معاناتهم مع وثيقة السفر هذه وأقاموا
بدونها وتأثر قسم منهم كثيراً بفيلم "الحدود" لدريد لحام حيث بقوا
مثله محصورين لسنوات عديدة بين هذا البلد وذاك تحت رحمة مؤسسات الأمن
والمخابرات حتى هاجروا إلى دول اللجوء حيث شعروا بالأمان والطمأنينة
لأول مرة في حياتهم.
لا أريد أن أذكر أمثلة أخرى منها تعرض بعض كتاب الخارج للضرب أو
القتل بطبر أو فأس من قبل أعضاء مخابرات السفارات العراقية، ولكن كل
هذا لا يعني شيئا بالنسبة لمعاناة زملائهم الآخرين في الداخل الذين
تعرضوا للتعذيب والحرمان والموت والابتزاز والضغط والترهيب والترغيب.
هذه التجارب الحياتية التي مرّ بها كتاب الخارج على أهمية كبيرة إن
استطاعوا توظيفها في أعمال أدبية تتوفر فيها مقومات الفنية المتعارف
عليها والتي ثبتها النقد الأدبي الديمقراطي العراقي منذ الخمسينات
حيث ميز التكرلي وعبدالملك نوري بين القصص والمقاصات وشرحها الأستاذ
عبدالإله أحمد في كتبه القيمة.
بعد سقوط النظام الاستبدادي توسعت الدائرة العراقية لتبدأ فرص اختلاط
كتاب الخارج بزملائهم في الداخل ولكن من الصعب الحديث عما سيحصل في
المستقبل إلا أن أمراً يمكن التكهن به وهو ازدياد العلاقات بينهم
وبالذات غيرالمتحزبين والمتعصبين أو الموالين للنظام السابق أو على
الأقل سيزداد الاطلاع على ما يكتبه هؤلاء الكتاب.
لقد سنحت لي وأنا أراجع مقالي هذا فرصة الاطلاع على قسم من الاستطلاع
المنشور مؤخرا في الزمان، الذي أجراه الناقد العراقي رزاق إبراهيم
حسن لآراء مجموعة من الكتاب العراقيين على أسئلة تخص أدب الخارج
والداخل والعلاقة بينهما وتأثر الأول بالثاني ولاحظت وجود حساسية
شديدة في تناول هذا الموضوع بسبب الخوف من تجزأة الأدب العراقي
ولأسباب شخصية لها علاقة بالمنافسة والبقاء.
وأعتقد هنا أنه من الخطأ أن نطرح تساؤلات من قبيل أيهما أفضل أدب
الداخل أم الخارج أو أي منهما أكثر تأثيراً في القراء العراقيين أو
هل أن أدب الخارج قائم بحد ذاته ومستقل عن الأدب العراقي ومن يمثل
أدب العراق "الخارجيون أم الداخليون" وإلى آخره من الأسئلة
"الاستفزازية" إلى حد ما في هذا الوقت الحرج والصعب الذي يمر به
العراق كبلد وشعب عانى الأمرّين من الاضطهاد والحروب والحصار وعدم
التعود على الديمقراطية وسماع الرأي الآخر. ولا أزال أذكر الملاسنات
والمشاحنات في المظاهرات، بعد سقوط نظام صدام وتمثاله بين عراقيي
الخارج والداخل، التي صورتها الفضائيات العربية حيث عبر فيها عراقيو
الداخل عن امتعاضهم من أخوتهم "الخارجيين" القادمين "بجيوب وحسابات
مليئة" على حد قولهم.
وفي المقابل يعمّمُ بعض عراقيي الخارج عدة مفاهيم وأحكام مسبقة على
أخوانهم في الداخل ويقيسونهم بمسطرة واحدة بدون التمييز بين هذا
الكاتب او ذاك وظروفهم الخاصة.
أنا مثلاً عندما كتبت أطروحة الدكتوراه عن غائب طعمه فرمان ومقالات
عن الأدباء العراقيين المنفيين أو المقيمين في الخارج لم أعن أبداً
أفضليتهم على زملائهم في الداخل، بل لأني وجدت نفسي أمام ظاهرة أدبية
خاصة تتميز بموضوعات لا يمكن لأدباء الداخل أن يتناولوها وهم يرزحون
تحت حكم الإرهاب والتبعيث ومصادرة الرأي الآخر.
وسبق لي وأن كتبت بعض المقالات الموضوعية عن كتاب الخارج وذكرت فيه
أحد أدباء الداخل جنبًا إلى جنب مع مؤلفي الخارج، من الذين حققوا
النجاحات مما أثار حفيظة بعضهم رغم أنهم يقيمون في أعرق البلدان
الديمقراطية وهذا يبين أيضا أن قبول الرأي الآخر ليس بهذه السهولة
بالنسبة لبعض العراقيين رغم تنفسهم هواء الحرية كما قلت. والآن هل
يمكننا أن ننكر أهمية قاص مثل محمد خضير، الذي لم يغادر العراق أو
شاعر مثل حسب الشيخ جعفر بغض النظر عن إقامته أو عدمها في عمان.
هذان الأديبان اللذان حصلا على جائزة عويس مؤخرًا معروفان بموهبتهما
واهتمامهما بأدبهما ولا يعني أن كلّ قصاصي الداخل على نفس مستوى محمد
خضير ولا كلّ شعراء الخارج على نفس مستوى حسب الشيخ جعفر علماً أنه
لا يمكن تصنيفه ضمن أدباء الخارج. ومن الجدير بالذكر أنه من الخطأ
تصنيف بعض الأدباء الذين تركوا العراق مؤخراً أو في منتصف التسعينات
على أنهم أدباء الخارج لأنها ليست فترة كافية لتبلور أدبهم ضمن
مفاهيم المكان الجغرافي الجديد وأن أغلب ما كتبوه من واقع الداخل
وتحت ظروفه وأن بعضهم يكتب بافتعال محاولاً تضخيم الذات والمبالغة
وأخذ دور ليس له والعمل على تبوء موقع جديد في العهد الجديد.
الأمثلة كثيرة وهؤلاء يعرفون أنفسهم جيداً ومن الأفضل لهم أن ينتهزوا
الفرص الجديدة لممارسة الإبداع الحقيقي بدون ضغوط خارجية او إرهاب
وقمع سلطات الحكومات والاحزاب.
بل إن أحد أدباء الداخل مورست ضده عدة ضغوط من قبل أدباء الخارج
القدامى عندما وصل إلى بلدان اللجوء لكونه عمل في مؤسسات ثقافية
عراقية رسمية وأصدر أعماله في الداخل.
إن أهم ما يحتاجه الأدب العراقي وأدباؤه ومفكروه ومنظروه هو التفكير
الديمقراطي والحر وعدم التعصب العنصري أو الطائفي والديني والشخصي
وقبول الرأي الآخر بموضوعية.
وأعتقد أن الدكتور ناطق خلوصي لخص رأيه بموضوعية ودراية نقدية متميزة
لكنها لا تخلو من الحساسية والدفاع عن النفس قائلا " ليس في ميسور
المرء أن يخرج بحكم منصف فيما يخص هذا الجانب طالما أنه لم يتعرف على
مجمل ما أنتج من أدب الخارج لا سيما ان الأدباء المغتربين تشتتوا
شرقاً وغرباً في بقاع الدنيا الواسعة ولا شك أن اغتراب المبدع عن
وطنه لا يشكل له امتيازاً يرفع من مكانته الأدبية بمعزل عن مستواه
الإبداعي ... هو المعيار الأساسي الذي يحدد مكانة المبدع ودرجة تميزه
... لأن هذا المستوى يقوم في الأساس على حجم موهبة المبدع ... وأن ما
وصلنا من الأدب العراقي الذي كتب في الخارج كان بمستويات متفاوتة
طبقاً لتفاوت مستويات مبدعيه وكأن فيه ما يشي بأن تجربة الاغتراب لم
تضف الكثير إلى التجربة الأدبية لبعضهم وربما كان اللهاث وراء لقمة
العيش وضغوط الظروف النفسية ... والقلق ... وعدم الاستقرار سبباً أن
لا يرقى بعض ما صدر في الخارج إلى المستوى الطموح"، بينما يقول
الناقد قيس الجنابي عن أدب الخارج "... الذي اطلعت عليه هو أدب واضح
... وبعضها ساذج يسخر منها بعض أدباء الداخل لأنها غير محملة
بالدلالات" 2 .
قد يكون هذا الرأي صحيحاً إلا أنه ليس بالضرورة يشمل كل نتاجات كتاب
الخارج ولا بد من الإشارة أنه ليس كل ماهو ساذج بنظر أدباء الداخل
يأخذ به أدباء الخارج لأن المفاهيم أصبحت مختلفة لكن تبقى الموهبة
والاحتراف العالي والقدرة على التصوير تلعب دوراً كبيراً في أهمية
العمل الأدبي. أعتقد أن بعضهم يقصد بكتاب الخارج تلك الأسماء غير
المعروفة بالنسبة لهم أو من الذين تبلوروا وكتبوا أعمالهم وأصدروها
في الخارج. هنا تكمن أهمية موهبة كاتب الخارج وفنية أعماله كي يحصل
على مكانته في الداخل. يجب على كتاب الخارج العمل الدؤوب من أجل
الحصول على مكانتهم الأدبية في الداخل وهو أمرٌ غير سهل ومرتبط
بموهبة هذا الأديب أو ذاك.
لو لم يكن سولجينيستين كاتباً موهوباً لما استطاع أن يحافظ على
مكانته داخل بلاده بعد سقوط الحكم الشيوعي إلا أن بريقه بالتأكيد
أصبح أقل من السابق حيث كانت أعماله تستنسخ سرا وكنا نجد صعوبة في
الحصول عليها في موسكو. وهنا يلعب ُعمرُ الكاتب العائد إلى بلده
دوراً مهماً في تمكنه من التواصل مع أدبه وقراء الداخل.
أما فؤاد التكرلي وغائب طعمه فرمان فقد كانا أديبين موهوبين جديرين
قبل خروجهما من بلادهما وإقامتهما في الخارج ولم ينقطعا انقطاعاً
تامًا عن قرائهما أينما كانوا في بقاع العالم.
قد يكون من المفيد أن أشير هنا إلى استطلاع صحيفة إنفورمشيون/الأخبار
الدنماركية قبل ثلاثة أعوام عن رأي دور النشر بما يصلهم لغرض النشر
من مخطوطات الكتاب من ذوي الانتماءات العِرقية غير الدنماركية
المقيمين في هذا البلد.
أكد أغلب إن لم نقل كل المحررين الأدبيين المسؤولين في دور النشر
الدنماركية على رغبتهم في نشر كتب الكتاب الوافدين إلا أنهم لم
يحصلوا على مواهب حقيقية. ويلاحظ لارس رينهجوف المحررالأدبي المسؤول
في دار نشر آشينجهوج الدنماركية أن كتابات المغتربين تصوّر
انطباعاتهم عن التعذيب أو الهروب من بلادهم وليست ذات قيمة أدبية.
وقد اتفق معه المحررون الآخرون علماً أنهم لم يطلعوا على عدد كبير من
المخطوطات الجاهزة للنشر قياساً إلى عدد الكتاب المغتربين، الذين
يكتبون بلغاتهم الأم مثل العربية والكردية والفارسية والتركية
والصربية والخ ولهذا يجب عليهم ترجمتها إلى الدنماركية وهو أمر
لايمكن تحقيقه بدون دعم مادي من المؤسسات الثقافية ليس من السهل
الحصول عليه. 3
إن الحياة الأدبية في العراق على الرغم من استبداد حكامه وطغاته
وسياسة التبعيث كانت ولا تزال وستبقى زاخرة بالمواهب وقد تظهر الآن
فرصة اندماج أدب الخارج والداخل وتكاملهما مع الأدب العراقي
الديمقراطي الجديد وعلى النقاد واتحاد الأدباء والمؤسسات الأكاديمية
مثل الجامعات ومراكز البحوث دراسة هذه الموضوعات والتعامل مع هذه
الحالة بموضوعية وبلاحساسية.
------------------------------------------------
*هذا
المقال في الأصل توصيف لمشروع بحث أكاديمي عن الأدباء العراقيين في
المنفى قُدم لجامعة كوبنهاجن وألقي كمحاضرة ضمن نشاطات المعرض الفني
المقام في مدينة روسكيلده الدنماركية في كانون الثاني 2003 لفنانين
من ذوي خلفيات عرقية مختلفة، شارك فيه عراقيون مثل الفنانة نوال
السعدون وهادي الصقر وفؤاد الطائي ومصطفى البرزنجي وآخرون وكتب عنه
الكاتب العراقي المعروف عدنان المبارك في صحيفة الزمان.
**أستاذ
جامعي، كاتب وناقد وقاص ومترجم عراقي مقيم في الدنمارك
Shlaiba2@maktoob.com
الهوامش:
1-
أنظر:
- حول قصص الشباب العراقيين. هل يحق للكتاب الجدد لوم النقاد؟
القدس العربي 24 حزيران 1997
- قراءة في بعض مجموعات القصص العراقية القصيرة. القدس العربي. 2/3
آب 1997
- حول بعض جوانب القصة العراقية القصيرة: قصاصون جدد تنقصهم اللغة
والدراية بالنوع الأدبي. القدس العربي. 24 كانون الثاني 2000
- كتاب خارج الحدود. الزمان. 25 نيسان 2002
2-
رزاق إبراهيم حسن. أدباء عراقيون يناقشون تسمية أدب الداخل
والخارج. الزمان 19 تشرين الثاني 2003
3-
أولريكا موستغاآرد. دور النشر تبحث عن الكتاب الوافدين. صحيفة
إنفورمشيون. 23 تشرين الاول اوكتوبر 2000
|