|
ابن الحدود:التعددية الثقافية
مرح البقاعي*
كيف
تُؤلَّف
الهوية الثقافية في مجتمعات تأسّست على التعددية في الأعراق والطوائف
والثقافات؟ وهل تشكل اللغة رحمًا حاضنًا للثقافة أم أنها وسيلة لبلوغ
مناهلها فحسب؟ وكم من الوهم الاعتقاد بأحادية الهوية الثقافية
"الشوفينية العنصرية" لكيان مجتمعي ما في عصر العولمة بجلّ ما
استحدثه من تلاقح للمعارف وتجاذب للمعلومات وتغييب للحدود؟
لعل الولايات المتحدة هي الواقع الأكثر مجاهرة وتداولاً للتعددية
اللغوية والثقافية وقبول الآخر المغاير، على جغرافيتها الممتدة على
مساحة قارة من الائتلاف بين موجات من الهجرات البشرية التي حملت إليه
ألوانها ومذاهبها ولغاتها وانصهرت في وعي جمعي موحَّد لكنه حافِظ
لتميز الفرد، وأصالة كينونته، ومخزون تراثه.
وتشكل اللغة الإبداعية في أعمال الأدباء والمفكرين وسيلة حوارية من
الطراز الأرقى لرفع جسور الاتصال والتواصل بين الثقافات. ولإن كانت
اللغة الانكليزية هي اللغة القومية الأولى المعتمدة إلا أنها لم تكن
يومًا أداة لقمع اللغات القومية التي استقدمها المهاجرون إلى هذه
الأرض و التي ساهمت في نحت الهيئة البنيوية للوعي الأميركي الجمعي.
ابن الحدود
يكاد سيرجيو ترانكوسو، ابن المدينة الحدودية أل باسو
(El Paso)،
أن يكون النموذج البيوريتاني لثنائية الهوية الثقافية في توأمة
المكان، وتلاقح الثقافتين، وإن اختلفت لغة التعبير. نشأ في هذه
المدينة المتواضعة على الحدود الأميركية الجنوبية مع المكسيك من
أبويين يتحدران من أصل مكسيكي كانا يعملان في جمع القطن من الحقول
المجاورة لإعالته و أخيه الصغير. وكنا نقوم بجلب الماء من خزانات
عامة مجاورة ونقله إلى المنزل حيث لم تتوفر في فترة الستينات المياه
والكهرباء في المنازل في هذه المدينة النائية.
كان سيرجيو ميالاً إلى العزلة والقراءة. وكانت والدته لاتبخل عليه
أبدا في استئجار الكتب كل يوم جمعة من مكتبة المدرسة حيث كان يمضي
جلّ عطلة نهاية الأسبوع غارقًا في باحات قصص المغامرات وروايات
الخيال التي كان يعشقها.
في المرحلة الثانوية بدأ الكتابة في الجريدة المدرسية وكان يحرر
مقالات نقدية لاذعة وقفز بسرعة إلى منصب رئيس التحرير. و بدأت بذرة
الكتابة تتفتح لديه كزهر الصبار البري.
يقول سيرجيو: " اتخذت كتاباتي قاعدتها من انتمائي المزدوج إلى
ذاكرتين الأولى تعود إلى جذوري التراثية في المكسيك (وطن الآباء)،
والأخرى هي من ثقافتي التي تلقّيتها في (الوطن المكتسب) الولايات
المتحدة".
نال سيرجيو منحة علمية أهلته للالتحاق بواحدة من أرقى الجامعات في
الولايات المتحدة وهي جامعة هارفرد. وقد أدرك هذا الشاب القروي الذي
يشع بساطة وذكاء بأنه سيجلس على مقعد واحد مع أولاد وجهاء السياسيين
والمفكرين ورجال المال في أميركا في هذه الجامعة التي تخرج رجالات
وعلى رأسهم الراحل جون كيندي.
يقول سيرجيو: لقد نلتُ منحة مكّنتني من متابعة دراستي الجامعية في
العلوم السياسية. لكنني كنت دائما أريد أن أعرف المزيد عن حضارة
المكسيك بلغتِها الأم فحصلت على منحة فولبرايت الدولية و شدَدتُ
الرحيل إلى العاصمة ميكسيكو حيث بدأت بدراسة الأدب والفلسفة باللغة
الاسبانية ما تلاقح مع معارفي التي تلقيتها بالانكليزية سابقا".
هكذا، لم تكن التعددية اللغوية بالنسبة لترونكوسو غرقًا في الأصولية
التراثية ولا شططًا في الحداثي المكتسب بل كانت أنموذجا لتخصيب
اللغتين في صوت واحد يحمل بصمة التواصل والمداولة بين الحضارات
البشرية بحيث تغدو العلاقة مع الهوية علاقة استيعاب وامتصاص لصدمات
الموروث ودفق المعرفي في آن. وفي هذا يكمن فن إدارة الحوار الخالق
بين الحضارات بعيدًا عن الانعزالية والعنصرية والشوفينية الثقافية
التي تعمّق الهوة بين الشعوب. يقول ترونكوسو:" حين جلست إلى مقعد
واحد إلى جانب ابنة الرئيس كيندي كارولين كندي في جامعة هارفرد التي
تخرجت منها بدرجة شرف أدركتُ عمق الحوار المحقق هنا في الولايات
المتحدة بين الأعراق وثقافاتهم من حيث الفرص والواجبات .إن هذه
التعددية الثقافية ولّدت لحمة سياسية واجتماعية فريدة جمعت
الأميركيين على اختلاف اصولهم في بوتقة الوطن المتاح للكل، والمفتوح
على التغيير".
الرغيف الأخير
في روايته " الرغيف الأخير"
The Last Tortilla
"
التي نشرها عام 1999 والتي علّق عليها الكاتب والأكاديمي رودولفو
آنايا بقوله:" إنها حشد من الشخوص والأحداث التي تلهب إيقاع القلب.
يبدو ترانكوسو خلف سطوره واحدًا من أقدر الكتّاب الشباب المعاصريين".
يقول ترانكوسو:" معظم شخوصي تتحدّر من أصول مشتركة، مكسيكية ـ
أميركية، ولها تركيبة نفسانية مختلطة أيضا. فمن الوطن الأم تحتفظ
بغلو العاطفة وسطوة القيمة، وفي الوطن المختار تعيش حمى المادة وعجلة
المجتمع الإنتاجي التي لاترحم المتباطئين". وفرادة المجتمع الأميركي
تتحقق بـ"قبول الآخر" وليس فقط بإقرار اختلافه والاحتفاء بالتعدد
الذي يشكّل هيئة هذا المجتمع المنصهر في واحد".
وهنا تكمن عقدة الأحداث القصصية: الصدام بين عالمين وثقافتين على
اختلاف مرجعياتهما ومعطياتههما العقائدية والاجتماعية والسياسية.
فالولايات المتحدة التي تأسست بسواعد المهاجرين الذين أتوها من أطراف
الأرض سعيًا وراء أحلام الحرية والثروة استطاعت أن تجتهد قوانينها
وشرائعها الاجتماعية الخاصة التي مكنت مواطنيها على تمايز ألوانهم
وأجناسهم ولغاتهم من الانخراط في لب المجتمع الواحد مع الحفاظ على
خصوصية كل حضارة بما يصب في تيار المشترك القومي. فاللغة الانكليزية
هي اللغة الموحَّدة والموحِّدة في آن، ولكن حرية التعبير والكتابة
والإبداع وحتى الإعلام محفوظ للجاليات على اختلافها وبلغاتها الأم.
ونخلص إلى أن التعددية الثقافية اللغوية في الولايات المتحدة إنما هي
"التجربة ـ النموذج" لتعايش الثقافات وانصبابها في تيار المنفعة
العامة. فالحضارات لاتتناحر فيما بينها بل تلقّح بعضها بعضا ليجني
العالم ثمار السلام المتعدد الجنسيات.
لقد تعامل المجتمع الأميركي مع هويته القومية على أنها توليفة من
بهار الثقافات العالمية مشرعة دائمًا على ديناميكية "الإضافات"
وصلاحية " التغيير" المفتوحة الأمد.
فـ "الآخر" في العرف الأميركي هو " الرافد" الذي يتفق في الحقوق
والواجبات ويختلف في الخصوصية والمرجعية.
يقول ترانكوسو:" الحلم عندي يحمل هوية ثقافة آبائي القادمين من أرض
حضارات الأستيك والمايا ويتلون بطيف حكايت أمي الحارة عن موطنها
الأول المكسيك، أترجمهُ باللغة التي ولدت عليها وتلقيت قواعدها
وتمرست في ذهنيتها الرياضية و هي اللغة الأنكليزية".
سلام الثقافات
ابن الحدود في بُعده الإبداعي هو الصورة المعاصرة الأمثل للفرد في
مجتمع إنتاجي متكافئ ومفتوح على العالم. فاعتناق ترانكوسو للرومانسية
المتأصلة من معرفته للغة الاسبانية وآدابها لم يلغ براعته في التعبير
عن هواجسه الإبداعية باللغة الانكليزية، لغة الأرض الجديدة التي
احتضنت أبواه حين قدما إليها فاتحي الأذرع. وقد برهن ترانسكو أن ابن
الحدود في فترة الستينات هو اليوم ابن العالم الذي حقق شرط استيعاب
الثقافات وانضاجها في رحم" الحلم الأميركي".
وهذا الأمر لم يكن ليتم له إلا من خلال انتهاجهه لسياسة معرفية تقوم
عل أساس الحوار مع الآخرـالعالم، والتحرر من الأحادية الذهنية
والشوفينية، وتخصيب الموروث بالمستحدث، واتخاذ التعددية نهجا لا
شعارا.
هكذا يخرج الكل من خندق الأصولية ليتحول الخطاب الحضاري إلى وثيقة
إعلان للسلام العالمي الذي لا يتحقق إلا في ظل التعايش الثقافي لشعوب
العالم كافة.
--------------------------
*
شاعرة
وكاتبة
سورية مقيمة في واشنطن / أمريكا
|