في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - نصوص النأي والناي
     عدنان الصائغ

  - ملك لا يحلم بالسنابل

    محمد جابر النبهان

  - قصائد

    صبري هاشم

  - قصائد

    بديعة كشغري

  - زنجيّ رمليّ

    لورانس جوزيف

 

قصة

  - إيقاع الخطوات

     محمود سعيد

  - المقامة التونسية

     وديع العبيدي

  - لانْدوشين

     علي مصباح

  - الأضواء

     عارف علوان

 

ملفات ودراسات

  - الثنائية الفكرية والتقدم

     د. تيسير الناشف

  - في انتظار جودو

     أديب كمال الدين

  - ابن الحدود: التعددية الثقافية

     مرح البقاعي

  - الكتاب العراقيون في الخارج .

     زهير شليبة

  - مقدمة في الأدب العربي المهجري المعاصر

     لطفي حداد

 

نصوص

  - في ساحة الإعدام

     سلام ابراهيم

 

تابو

  - محرمات، محرمات، محرمات

     أ . س

 

شاهد


ا
لسنة الأولى - العدد  الأول  ،  كانون الثاني / يناير 2005   
 First year . Issue No: 01 - January  2005 

في انتظار جودو :الدراما التي نُسفتْ والشعر الذي أُطلق

 أديب كمال الدين*

 

     تبدو مسألة الانتظار في مسرحية الكاتب الايرلندي الشهير صموئيل بيكيت "في انتظار جودو" هي كل محتوى مسرح العبث. إنّه موضوعته الأساس، بل روحه بعبارة أدق. ومرد كل هذا، أن الانتظار بحد ذاته عبث حقيقي خالص لاتشوبه شائبة، خاصة عندما يكون الشيء المُنتَظر لاوجود له أصلاً أو لامعنى له، بل لا هيئة له.

     فمن هو جودو هذا ؟ أهو المنقذ، أم الشافي أم من يجعل الحلم حقيقة؟ من هو؟ أهو الأمل، الفرح، السعادة؟ أهو الموت، الفراغ، اللاجدوى؟ من هو هذا القادم الذي يقضي أبطال بيكيت حياتهم في انتظاره دون جدوى، وسط يأس كامل، وطبيعة جرداء : أهو الطفل الذي جاء لهم بعدة أخبار متناقضة، مرة يقول انه سيجيء، ومرة يقول انه لن يجيء اليوم ؟  أهو (بوزو) القوي المستعبد لـ (لاكي) المستعبد الراضي باستعباده؟ من هو جودو: أهو الزمن الذي يحطم البشرية شيئاً فشيئاً، ويقودها، وهي ساهمة لاهية، لتشرب من كأس الموت؟ أم هو العبث: حيث لاشيء يحدث ولا أحد يجيء ـ كما تقول المسرحية ـ وحيث باطل الأباطيل باطل؟ ولماذا لايجيء أبداً ؟  إنّ لغزية هذا القادم الذي لايجيء أبداً وسريته وغرائبيته وإبهامه المطلق قد ألقى بظلال عميقة على مسرح صموئيل بيكيت (1906 ـ 1989). فهو، أي جودو، قد نسف تقاليد الدراما المتعارف عليها، مثلما نسف تقاليد الحوار وتطور الحبكة المسرحية وصولاً الى الذروة. هنا الحوار مقطوع، مبهم، مرتبك، لايوصل رسالة ما، أي رسالة كانت. والمتحاورون لا يقولون شيئاً مفيداً. ربما لأن فاجعتهم، أعني حياتهم (التي هي حياتنا دون أدنى شك) أكبر من أن توصف، وأكبر من أن يعثر لها على حل شاف. هكذا نراهم يتحدثون فقط، لتمضية الوقت ، إنهم يتحدثون عن أي شيء كان ليقتلوا الصمت. فالصمت مرعب وسط طبيعة جرداء، والانتظار أكثر رعباً.

     يقول مارتن اسلين في كتابه (دراما اللا معقول ـ ترجمة صدقي عبدالله حطاب): عندما ظهرت مسرحيات بيكيت ويونسكو وجنيه وأداموف على المسرح لأول مرة ، حيّرت معظم النقاد والمشاهدين وأثارت سخطهم. ولا عجب في ذلك إذ أن هذه المسرحيات تهزأ بجميع المعايير التي ظلت تقاس بها المسرحية قروناً كثيرة. ومن هنا لابد أنها تظهر كأنها تتحدى الناس الذي يؤمون المسرح وهم ينتظرون أن يجدوا أمامهم عملاً يدركون انه مسرحية محكمة الصنع. ويُتوقع في المسرحية محكمة الصنع أن تقدم شخصيات دوافعها مقنعة وتصويرها صادق. أما هذه المسرحيات فهي تجيء، في الغالب، خالية من كائنات بشرية يمكن التعرف عليها، تُقدِمُ على أفعال خالية من الدوافع تماماً. وينتظر أن يجيء الاقناع في المسرحية محكمة الصنع عن طريق حوار ذكي ومنطقي البناء. ولكننا نجد في بعض هذه المسرحيات حواراً يبدو وكأنه ينحدر الى مستوى الثرثرة التي لا معنى لها. ويتوقع ان يكون للمسرحية محكمة الصنع بداية ووسط ونهاية حُبكت ببراعة. أما هذه المسرحيات فانها تبدأ، في الغالب، عند نقطة متعسفة، وتبدو وكأنها تنتهي بشكل اعتباطي أو تعسفي. فإذا قسنا هذه المسرحيات بجميع المقاييس التقليدية في التذوق الأدبي للمسرحية نجدها ليست رديئة بطريقة مقيتة وحسب، وإنما لاتستحق اسم الدراما. إذن، إذا لم تكن المعايير النقدية في المسرحية التقليدية تنطبق على هذه المسرحيات، فلابد أن هذا يرجع الى اختلاف في الغاية، والى استخدام وسائل فنية مغايرة، وباختصار لأن هذه المسرحيات كانت تبتدع وتطبق تقليداً مسرحياً مغايراً. فكما أنه لامعنى لشجب لوحة تجريدية لأنها تفتقر الى المنظور أو مادة موضوع يمكن التعرف عليها، فكذلك لامعنى لرفض مسرحية: «في انتظار جودو» لأنها تفتقر الى عقدة يُعتدّ بها. إن فناناً كموندريان، عندما يرسم صورة من مربعات وخطوط، لايريد أن يصور شيئاً في الطبيعة، ولايريد أن يبتدع منظوراً. ومثل هذا يقال عن بيكيت عندما كتب مسرحية «في انتظار جودو» فهو لم يرم الى حكاية قصة، ولم يرد أن يعود المشاهدون إلى بيوتهم قانعين بأنهم عرفوا حل المشكلة التي طرحتها المسرحية، ومن ثم فلا داعي لتأنيبه على عدم قيامه بشيء لم يسع إليه أبداً.

     إذن، فإن اللغزية المطلقة لجودو الذي لا يجيء أبداً أدت الى نسف تقاليد الدراما التقليدية، ونسف مبدأ حدود الشخصية وملامحها ونموها، ونسف الحوار ورسالته، ونسف مبدأ تطور الحبكة الدرامية.

     ولابد لكل ما نُسف أن (يوضع) مكانه شيء جديد يعوض ما ضاع أو فُقد أو اختفى. هكذا استُخدم الشعر هنا بقوة. فالكثير من مقاطع (في انتظار جودو) يمكن اقتطاعها، لتتحول ببساطة شديدة الى قصيدة حديثة. إنها المقاطع التي نرى الحوار فيها يتجاذبه بطلا المسرحية: فلاديمير واستراجون. وكذلك المقاطع التي يتقاطع فيها فلاديمير واسترجون في حوارهما، حيث لارسالة تتداول بينهما، لا معنى ولا إشارة. إنه حديث فقط لتزجية الوقت وقتل ما يتولد من هذا الوقت من مخاطر لاتحصى.

     وأحياناً يتطور شكل القصيدة الحديثة في هذه المسرحية، لتظهر لنا، أي القصيدة، بهيئة دمدمة بشرية خارقة أو هذيان آدمي رهيب ذلك الذي يطلقه بطل المسرحية (لاكي)، إنه هذيان يفصح عن خواء البشرية المطلق ووصولها الى درجات أقل من الصفر بكثير. ان ما قاله (لاكي) هنا، يمكن اقتطاعه، ونشره كقصيدة منفردة فيها الكثير من ميزات الشعر وملامحه. فيها التوتر والانطلاق العنيف نحو قول الحقيقة بطريقة جمالية مذهلة، وفيها بالطبع الانزياح الشعري الكبير.

     يقول مارتن اسلين: بينما تهتم معظم المسرحيات التقليدية في الدرجة الأولى بحكاية قصة أو توضيح مشكلة فكرية، ومن ثم يمكن اعتبارها صورة قصصية أو استطرادية من الأداء، نجد أن مسرحيات «دراما العبث» قد قُصد بها في الدرجة الأولى أن تنقل صورة شعرية أو نمطاً معقداً من الصور الشعرية، وهي فوق هذا كله شكل شعري. إن الفكر القصصي أو الاستطرادي يسير بنهج جدلي ومن ثم يجب أن يفضي إلى نتيجة أو رسالة ختامية، ومن هنا كان ديناميكياً ويسير طبقاً لخط محدد من التطور. أما الشعر فيهتم، قبل كل شيء، بنقل فكرته الأساسية أو بالجو أو بكيفية الوجود.

     ورغم كل هذا النسف لتقاليد الدراما المتوارثة، فإن مسرحية «في انتظار جودو» تبقى تحمل في داخلها الكثير من الترقب والتوتر. يحدث هذا رغم سكونية الاحداث، وغموض الحوار، وارتباك الفعل المسرحي برمته، وهو المتأتي من «ارتباك» العالم، واللغة، والعقل، والمنطق، ومفهوم المنقذ في عقل صموئيل بيكيت الذي يعتبر من أهم كتاب المسرح المعاصرين وأعمقهم انجازاً وبخاصة في هذه المسرحية التي تعتبر أفضل أعماله وأشهرها على الإطلاق.

     يقول مارتن اسلين: إن الموقف في المسرحية يظل ثابتاً، وما الحركة التي نراها إلا تفتيح للصورة الشعرية. وكلما ازدادت الصورة غموضاً وتركيباً ازدادت عملية كشفها تعقيداً وجاذبية. ولهذا فإن مسرحية كمسرحية «في انتظار جودو» تستطيع أن تولد ترقباً وتوتراً درامياً بالرغم من أنها مسرحية لايحدث فيها ـ بالمعنى الحرفي للحدث ـ شيء. بل هي مسرحية وُضعت لتظن أنه لايمكن أن يحدث شيء أبداً في الحياة الانسانية. ولانستطيع أن ندرك النمط العام للصورة الشعرية المعقدة الذي نُواجَه به إلا عندما تُقال السطور الأخيرة وتهبط الستارة. فإذا كنا في المسرحية التقليدية نجد أن العمل يتحرك من نقطة (أ) الى نقطة (ب) ونظل نسأل على الدوام: «ما الذي سيحدث بعد هذا»، فإننا هنا نصادف عملاً يتألف من التفتيح التدريجي لنمط معقد ونتساءل معه: «ما هذا الذي نراه! ماذا ستكون عليه الصورة الكاملة عندما ندرك طبيعة التكوين أو النمط».

     هكذا، إذن، بدتْ مسرحية «في انتظار جودو» مسرحية اللاقول، ويُراد منها أن تقول شيئاً، ومسرحية اللافعل، ويراد منها ـ ومن المسرح عموماً ـ أن يفعل شيئاً لينير لنا ظلمات الحياة وخواءها واضطرابها وقلقها. إنها مسرحية اللامنطق في عالم يتظاهر بالمنطق وفي داخله فوضى مرعبة. إنها مسرحية اللامسرح التي أصبحت المسرحية الأشهر في العالم !

 

--------------------

* كاتب عراقي مقيم في استراليا

 

التالي  |  العدد الحالي  |  السابق  ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

Copyrights© 2004  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group