|
الثنائية الفكرية والتقدم
د. تيسير الناشف
*،
الأمم المتحدة
من الصعب التعريف الدقيق لمفاهيم مثل الحداثة أو العصرنة أو التقدم
او التأخر وغيرها، غير أنه من الممكن تحديد هوية جانب أو بعض جوانب
مفهوم من المفاهيم.
إن إحدى سمات الفكر الذي يمكن أن يوصف بالفكر غير التقليدي أو الفكر
غير المحافظ أنه فكر نسبي وليس فكراً مطلقاً، فكر يقر بالتعدد الفكري
وبتعدد البدائل الفكرية المتعلقة بمسألة من المسائل. وإحدى سمات
المجتمع المتطور هي أنه في سلوك أفراده أو سلوك قسم كبير من أفراده
للإقرار بالتعددية الفكرية وبوجود البدائل الفكرية وجود وأثر في سلوك
افراد المجتمع.
والفكر المطلق لا يتفق مع التعددية الفكرية ولا يتيح مكاناً للتعددية
الفكرية. الفكر المطلق لا يتفق مع الفكر النسبي. وحتى يكون الفكر
تعددياً لا بد من أن يكون نسبياً. الفكر المطلق هو الثنائية الفكرية.
على سبيل المثال، نسبة صفة الجمال التام إلى شيء تعد من الفكر المطلق
لأنها أطلقت صفة الجمال على ذلك الشيء. وهذه الفكرة ثنائية لأنه
بنسبة الجمال المطلق إلى شيء أهملت صفة القبح فيه، أو بالعكس. ومن
الأمثلة على الثنائيات الشائعة التي يؤخذ بها العقل والجنون والخير
والشر والفضيلة والرذيلة والعلوي والسفلي.
في عالم المدركات الحسية لا يوجد شيء يتسم بصفة مطلقة. وإطلاق
الصفة على الشيء معناه عدم المعرفة أو عدم المعرفة الكافية بذلك
الشيء. بين النقيضين الفكريين المطلقين، مثلاً الجمال الكامل والقبح
الكامل، والجرأة الكاملة والجبن الكامل، والتقدم الكامل والتأخر
الكامل، والكمال والنقص، والحب والكره، درجات أو حالات قد لا تحصى
واقعة بينهما.
وعلى نفس المنوال من الخطأ وصف تجربة الحداثة العربية بأنها فشل
كامل. ومن الواضح أنها ليست نجاحاً كاملاً. ومن نفس المنطلق من الخطأ
القول إن جميع القيم الغربية أو قيم الحداثة الغربية سيئة أو إن
جميعها طيبة، أو إن جميع القيم العربية سيئة أو إن جميعها طيبة، أو
إن جميع جوانب التراث العربي سيئة أو إن جميعها طيبة.
ومن نفس المنطلق من الخطأ القول إنه يوجد تناقض كامل بين الثقافة
العربية والثقافة الغربية. لأن هذه الأقوال تعني إطلاق الصفة، مما
يعني إنكار التعددية الفكرية والأخذ بالثنائية الفكرية التي لا تقبل
النسبية الفكرية. فالقول بالتناقض التام بين الثقافتين يعني وجود
الثنائية بين التناقض التام والاتفاق التام.
وعدم قبول نسبية صفات الأشياء وقبول الثنائية الفكرية يعنيان
تضييق هامش الحرية الفكرية وتقييد الفكر، مما يفضي إلى إضعاف النشاط
الفكري، لأن قبول الثنائية الفكرية لا يتيح للفكر أن يتخطى أحد
الطرفين النقيضين، بينما توجد في الواقع بين هذين النقيضين، كما
أسلفنا، حالات فكرية كثيرة.
ومن نفس منطلق خطأ القول بالثنائية الفكرية لا يصح القول إن
التيارات الفكرية العديدة من قبيل الليبرالية والقومية والقطرية
والعلمانية يستبعد الواحد منها الآخر استبعادًا تامًا أو يقبل الواحد
منها الآخر قبولاً تاماً. فبعض طروح هذه التيارات متماثل وبعضها
الآخر غير متماثل. تتفق هذه التيارات مثلاً على مفهوم التحرر ومفهوم
الحاجة إلى المحافظة على البقاء، وقد لا تتفق على مفهوم توزيع
الثروة.
ومن تجليات الثنائية الفكرية أيضاً نسبة الصفة الكاملة إلى الشيء
الموصوف. من قبيل ذلك نسبة صفة الديمقراطية التامة إلى النظام المدعو
بالنظام الديمقراطي. وإذا وصفت الصحافة بالحرة تعزى الحرية الكاملة
إلى الصحافة. ولكن من منطلق نسبية صفات الأشياء ومن منطلق عدم جواز
الإطلاق وعدم صحة الثنائية الفكرية لا توجد صحافة حرة مئة بالمئة،
ولا يوجد نظام ديمقراطي مئة بالمئة، ولا توجد موضوعية مئة بالمئة ولا
توجد حيادة علمية مئة بالمئة وهلم جرا.
والتعميمات تندرج في صفة الثنائية الفكرية، وذلك لأن التعميم طرف
نقيض فكري، وهو بالتالي سلوك فكري مقيد (بفتح الياء وبكسرها). فالقول
إن اهل الريف متخلفون معناه عدم نسبة صفة من صفات التقدم اليهم. وهذا
خطأ فاحش من ناحية المعنى والواقع وأيضاً من ناحية طريقة التناول.
وعلى نفس المنوال لا يصح القول إن المجتمع الاوروبي راق وإن مجتمعات
البلدان النامية متخلفة، وإن الولد متفوق وإن البنت متدنية عقلياً او
فكريًا، وإن العرب
–
او أي شعب آخر
–
متقدمون تقدمًا كاملاً او متخلفون تخلفًا كاملاً.
وعلى نفس المنوال أيضاً من الخطأ القول إن القومية لا تقوم إلا
على مقوم واحد، أو إن الحالة العربية المتردية تعزى إلى أسباب داخلية
فقط أو إلى أسباب خارجية فقط، أو لا تعزى إلا إلى عامل اقتصادي أو
تاريخي أو قيمي أو جغرافي أو سياسي أو نفسي. فالتفكير على هذا النحو
تفكير ثنائي، وهو تفكير لا يفهم الواقع ولا طبيعته.
وعلى نفس المنوال من الخطأ القول إن المستشرقين كلهم كان دافعهم
أو دافعهم الوحيد تشويه صورة العرب والمسلمين، أو إن المستشرقين كلهم
لم يكونوا في دراساتهم إلا مدفوعين باكتساب المعرفة. ومن المنطلق
نفسه من الخطأ القول إن كل الغربيين يكرهون العرب أو إن كلهم يحبون
اليهود، أو إن محبتهم أو كراهيتهم للعرب او لليهود كاملة.
وتوجد طرق لتحقيق التقدم والرخاء. ومن الخطأ القول إنه لا يوجد
سوى طريق واحد لتحقيقهما.
وبالنظر إلى خطأ ثنائية التفكير وإلى خطأ الإطلاق الفكري وإلى
نسبية الأشياء فمن السليم أن يتجنب المرء ما أمكنه استعمال عبارات
الفكر الثنائي، أو الصيغ اللغوية التي تعرب عن الفكر الثنائي، في
الحالات التي تستوجب عدم استعمالها، من قبيل كلمة "إلا" و "سوى"؛ على
سبيل البمثال، "لا ينهض بهذا الشعب إلا رجل" أو "لا يوجد على وجه
المعمورة سوى الرذيلة". وما تعتبر سمات الجزالة اللغوية من قبيل
استعمال صيغة "إلا" قد تعتبر من علامات الضعف من الناحية الفكرية.
ومن نفس المنطلق من السليم استعمال العبارات التي لا تشجع ولا تدل
على الثنائية الفكرية والتي تشجع وتدل على التعددية الفكرية
المتجاوزة للثنائية وعلى الانفتاح الفكري والحرية الفكرية والنسبية
الفكرية. ومن هذه العبارات عبارات من قبيل "من هذه العوامل عوامل
…"
و "قد لا أجافي الصواب إن قلت" و "تفسير بعض الظواهر بعوامل منها
…"
و "مما ورد في الإبانة عن
…"
و "من الأفكار التي يتضمنها التقرير
…".
إنني أرتاب وأتخوف حينما أسمع عبارات من قبيل "الضربة القاضية" و
"الفارس الذي لا يشق له غبار" و "عميد الفن" و "اعتلى عرش الغناء".
ومن الدلائل على شيوع الثنائية الفكرية وانعدام النسبية الفكرية
الأخذ ببعض المقولات أو النظريات الكلية او الشاملة. فالنظرية الكلية
أو الشاملة تنتحل لنفسها صفة، هي صفة شمول التفسير، لا تتصف بها.
النظرية أداة للتفسير. ويحق للمرء أن يتوخى الحذر من ادعاء النظرية
بأنها ذات تفسير كلي أو بأن تفسيرها يشمل كل الظواهر.
هذه الثنائيات أدت وما تزال تؤدي إلى تحجيم الفكر العربي وأفكار
شعوب أخرى كثيرة. وتحدث هذه الثنائية في مجالات فكرية كثيرة لدى شعوب
يسود حياتها قدر من الديمقراطية مثل شعوب اوروبا الغربية والوسطى
والولايات المتحدة وكندا.
وإحدى الوسائل الهامة التي من شأنها إضعاف نزعة الثنائية الفكرية
هي توفر مجموعة عوامل تعمل على نحو متزامن وهي تخفيض نسبة الأمية
ورفع المستوى الدراسي وإشاعة قدر أكبر من الديمقراطية - والديمقراطية
التامة مستحيلة - ورفع مستوى المعيشة وتطوير مفهوم المواطنة وتحقيق
الأمن للمواطنين. ويمكن أن تحقق هذه العوامل على نحو تدريجي وفي
أوقات متزامنة ومتعاقبة. ولكن لزيادة إضعاف نزعة الثنائية الفكرية من
الأفضل أن يكون لهذه العوامل أثر متزامن. يمكن أن يكون لكل عامل على
انفراد أثر باتجاه إضعاف هذه النزعة، غير أن المحيط الاجتماعي
والاقتصادي والسياسي والنفسي السائد لديه قدرة أكبر على شل أثر هذا
العامل المنفرد، ويصعب صعوبة أكبر على هذا المحيط شل العوامل
المذكورة مجتمعة.
ولن يحقق العرب والشعوب الأخرى التقدم ولن ينعموا بوسائل الدفاع
الوافية بغرض الدفاع عن أنفسهم إلا بإدراك عدم استساغة الفكر الثنائي
وإدراك نسبية الأشياء وسلامة الانطلاق الفكري، وسلكوا في حياتهم وفقا
لذلك.
----------------------
* كاتب فلسطيني مقيم في أمريكا
|