|
في شوراع صقلية
(الجزء الثاني)
عيسى
بولص*
اقرأ الجزء الأول
المجهول المنبعث الأخضر
أحب أن أراقب شروق الشمس على دورانوس وهي تبحر آخر يوم دورانوس!
ذلك الثريغوراس يبحث عن العشبة ولوفينيا خلفه، وأنا في عالم آخر،
أبيع وأشتري في الحياة دوائر من نار، آه يا لوفينيا .. أكان يجب أن
تسردي القصة! أكان يجب أن أتحرش بك فتتحدثين عن مخاوفي، أنا ذلك
الممل الأخضر المزركش! أكان يجب أن أكون فضوليا فتتحول فضوليتي إلى
قصتي! أكان يجب أن تشيري إلي كإنسان ضائع وأن يؤلمك هذا أكثر مما
يؤلمني؟ أتظنين أني ضعت في عالم ليس عالمي؟! لا أدري ما هو العالم
يا لوفينيا بعد الآن، ولا أدري أي عالم كان يجب أن أضيع فيه! سأذهب
أنا، وتذهبين أنت، وربما أقف هكذا مرة أخرى على حافة دورانوس
وأخاطبك وأراك كما أراك الآن في البحر لينة، قاسية ومضيئة، وأسرد
لك الشعر، ربما تحبينه وربما لا! ربما ألتقي بك مرة أخرى وربما
لا! ولكن سأذكر يا لوفينيا أنك أنت من قلت عني وعن الحياة ما لم
أعرف، ربما أعود إلى نفسي الآن .. وربما إليكِ .. أو لا أعود! سنصل
إلى صقلية، فاستفيقي يا من تنامين قرب صارية البحر البارد .. قرب
هواء قاس وجاف مثلك، ولا تتركي ثريغوراس، دعيه ينحت، وأرقصيني أنت
في ذاكرتك فربما أغدو شيئا في يوم من الأيام يستدعي منك ذكري ..
سوف لن أعرف بعد الآن ماذا سأكون من الآن!
التحول
ثريغوراس يتأهب للنزول من السفينة إلى بلدة بالميرو، والتي تقع على
الجهة الغربية من الجزيرة ويحكمها العرب منذ زمن بعيد. لوفينيا لم
تكن كعادتها في ذلك اليوم، فقد كانت تمشي وكأنها تفكر بشيء ما
يذهلها. الشمس تكاد تغيب وطيور النورس تحلق فوق دورانوس كأنها
تعرفها، وربان السفينة ينادي منذ ساعاتٍ ويسأل عن الأخضر بهران
بنفسه وُيعلم الجميع بأن يخبروا الأخضر، إن رأوه، أن عليه أن يشرف
على نقل بضائعه المكدسة في أسفل السفينة لأن دورانوس ستغادر
الميناء عائدة إلى سالونيك بعد أسبوع، وإلا فسيتم الاستيلاء على
بضائعه ومن ثم بيعها!
لم يرَ أحدا الأخضر ينزل من السفينة ولكن أحد البحارة ادعى أنه
كان قد رأى الأخضر عند الفجر وكان واقفا عند حافة السفينة عندما
جاءته تلك الفتاة الغجرية التي ترافق الرجل الضرير وبقيا يتحادثان
ويتصارخان حتى تهيأ له أن أحدهما سيقتل الآخر! وأردف البحار أن
الأخضر كان يثير الشفقة! فقد كان يبدو عليه أنه كان أحيانا يتوسل
وأحيانا يجهش بالبكاء حتى أنه ولأكثر من مرة بات يلطم نفسه
بشدة،كمن كان شاغفا بها وبحب مستحيل! هكذا قال البحار وقال أنه لم
يره بعد ذلك فقد انتهت نوبة عمله حينها والأخضر كان ما زال يقبع مع
الغجرية، ولكن البحار ادعى أيضا أن الغجرية كانت تحاول مرارا أن
تنهي حديثها مع الأخضر وكانت تقول له أنها ستذهب إلى النوم،
والأخضر ظل يحاول مماطلتها...
القبطان أمر الجميع بالنزول من السفينة إلى المرفأ ووجه تعليماته
لجزء من البحارة بالنزول إلى البلدة. أما الجزء الآخر فكان عليهم
البقاء لليوم التالي كي يحرسوا السفينة والبضائع التي فيها. ويستمر
الوضع هكذا حتى تغادر السفينة عائدة إلى سالونيك من جديد محملة
بضائع جديدة. ثريغوراس كان من أول النازلين إلى البلدة، وفي الوقت
الذي وطأت قدماه الأرض أخذ يدور حول نفسه ويتلفت ويحرك عصاته
وينادي على لوفينيا، كأنه حان الوقت لكسر حاجز الصمت الذي غدا
مفروضا على علاقتهما قبيل مغادرتهما لقرطبة. كانت لوفينيا خلفه
تماما وتنظر إليه وتبتسم، كانت تعرف وتدرك أن ثريغوراس سيحتاجها
الآن فعلا وأكثر من أي وقت مضى، خاصة أن الكثيرين ممن التقوا بهم
كانوا قد أكّدوا أن عشبة الغارونيا تعيش فعلا في جبال صقلية وتبان
معظمها عند أسفل الجبال الصخرية البعيدة والتي لا يصلها إلا رعاة
الأغنام. وكانت الرحلة بالنسبة لثريغوراس تنتهي هناك، لتبدأ حياته
الأخرى بعد ذلك! بدأت لوفينيا تمشي باتجاهه بسرعة ومدّت يدها
اليمنى بخفة وحضنت يده اليسرى وبدأت تسير بسرعة أكبر محاولة سحبه
خلفها. لم يستوعب ثريغوراس ما يجري في بادئ الأمر وبدت على ملامح
وجهه إشارات تذمر، وتصلّبت شرايين رقبته وكأنه يشم رائحة كريهة أو
يقرف من شيء ما. أما لوفينيا، فكانت تضحك وبالغت في الضحك عندما
رأته مرتبكا ومشوشا حتى بدأ هو نفسه يتقبل الأمر تدريجيا ً، كأنه
أحس بالحميمية وبشفافيتها تجاه هواجسه على الرغم من انتقادها
المستمر له والذي كان يستفزه كثيرا ً. فتقبّل الفكرة تدريجيا ً
وبدأ يتأقلم مع إيقاع لوفينيا ودفقتها الجديدة وسارا معاً نحو راعي
الأغنام فريديريك يضحكان سوية وبحرية عفوية .. ولأول مرة!
وصلا إلى النُزل الصغير في ضواحي بالميرو عند منتصف الليل، نُزل
السيدة جون. كانا متعبين ويحتاجان للنوم خاصة أن فريديريك هذا
يعيش في منطقة وعرة تتبع لمحافظة أخرى ولا ينزل إلى المدينة إلاّ
بالشتاء ليبتعد وأغنامه عن برد الجبال القارس، فيبيع جزءاً منها
ويُبقي على الجزء الآخر حتى الربيع ليذهب به إلى الجبال من جديد.
كان ضروريا أن يذهبوا إلى تلك المنطقة التي يرعى فيها فريديريك
أغنامه بأسرع وقت ممكن لأن الشتاء كان على الأبواب وفريديريك لا
يصبر طويلا ً في الجبال في مثل هذه الظروف، فالشتاء قارس، والحياة
هناك تزداد صعوبة كلما إشتد البرد. استقبلتهم السيدة جون بشغف
شديد، لم يكن هناك في النزل إلا زائر متجول يدعى إدريس، هادئا كان
ذلك الإدريس همست لهما جون بأنه من العرب الرحالة الباحثين عن
المغامرة! مشت أمامنا جون إلى الغرفة المحاذية لغرفة إدريس، الغرفة
الكبيرة، هكذا سمتها جون وأشارت أنها الغرفة الوحيدة في النزل التي
بها موقدة أخرى، غير تلك التي في غرفة الاستقبال. الغرفة بسيطة
كانت، مساحتها معقولة، كبيرة بشكل مبالغ فيه بالنسبة لجون ولكن
حالتها جيدة وموقدتها أفضل ما فيها. أما عن سريرها الوحيد فقد أعطى
شعورا بالتوتر الحذر للوفينيا، مع أن ردة فعلها لم تكن بتلك الحدة
التي بات ثريغوراس يتوقعها منها ولكنه ولتجنب حدوث صدام جديد توجه
نحو الموقدة متلمسا وهج النار رافعا رأسه للأعلى كمن يبحث عن دفء ٍ
ليضمه لصدره. جلس على الأرض بجانب الموقدة، وبدت لوفينيا متوترة
وكأن شيئا يدور بذهنها! ثريغوراس بدأ يرتخي من كثرة التعب والمشي
الطويل وبدت أطرافه وكأنها تنزلق من مكانها واحمرّت أذناه وبات
يذوب في دفء اللحظة.
قالت لوفينيا بهدوء شديد على غير عادتها وهي تجلس برخاء ٍ على
الأرض مقابل ثريغوراس وبالجانب الآخر للموقدة: أين وضعت التمثال،
لمَ لم تدعني أراه أو حتى لمسه؟ قال ثريغوراس ببرودٍ دون أن يبدو
عليه الاستغراب، وكأن ذلك الدفء زاد من قدرته على السماع وضاعف
حساسيته للأشياء ومن عبثيته: تركته في منزل العائلة، في سالونيك،
لا أحب أن أعرض أعمالا فنية ناقصة.
وماذا ينقصه؟
- عيناك
وباستغراب شديد قالت لوفينيا: أفلم تنحت العينان؟!
- بلى، نحتُّ عيناك وهما مقفلتان.
- لماذا؟
- ربما أسلوب احتجاج على شيء ما! وربما لأنني لا أستطيع أن أحس شكل
البؤبؤ، وربما لأني لا أراه! لقد أجبرتني على النحت قبل أن أبصر،
ماذا تظنين؟ وكان هذا على عكس ما اتفقنا عليه.
لم تحاول لوفينيا الجدال معه هذه المرة وقالت له بطريقة توحي
بتفهمها وتأكيدها على احترام هواجسه: ستراه، وسترى ثريغوراس.
وبتأملية لم تشهدها لوفينيا بثريغوراس من قبل قال: نعم، آمل أن
أراه.
- أمل أن ترى كل شيء ثريغوراس.
-أتعنين ما تقولين؟ أم أنك ترغبين في العودة إلى قصتك تلك؟!
- أي قصة أخرى ثريغوراس؟ أليس من أجل قصصي "تلك" بقيت معك؟ وتلفت
إليها ثريغوراس وبنهمة ثاقبة قال: لأجل ذلك فقط لوفينيا؟ لا أظن!
ارتبكت لوفينيا قليلا وتحركت وتململت قليلا وكأن ما قاله ثريغوراس
كان له أثر عزيز في نفسها، دون رغبة حتمية في الإفصاح عن ماهية
الأمر! أحس ثريغوراس بشفافية من غدت رفيقته وبعزة نفسها وأدرك أن
شيئا ما يعجبه يدور في خلدها، ولتلك اللحظة، وبغض النظر عن ماهيته،
كان يبدو مستعدا للحديث معها برقة أكثر، على الأقل بالمقارنة مع
تحدياته التقليدية لها، ولكن أيضا بنية استدراجها فقال: محقٌ أنا
لوفينيا أليس كذلك، ألست أنا بمحق؟
- أنت محق ثريغوراس نعم، أنت محق ولكن لك حق، ومنك حق وفيك حق،
ولا يكفي بأن تكون محقا، هذا لايكفيني أنا على الأقل. لم يرغب
ثريغوراس بأن يأخذ الحديث منحى آخر غير مرغوب فيه على مشارف لحظة
قد تكون لا تنسى، وبهدوء لطيف وبتوسل متواضع قال لها ثريغوراس:
- "فلندع هذا الحديث جانبا لوفينيا ودعينا لا نفسد جمال اللحظة"
ونهض من مكانه وتوجه إلى السرير وجلس على حافته وقال لها: تعالي
إلى جانبي لنرتخي قليلا علنا نخلد إلى النوم بسرعة! ووضع يده
اليمنى على حافة السرير مشيرا إلى مكان رغبته في جلوسها وطبطب برفق
على المكان كأنه يهيئه لجلوسها عليه.
- لماذا بجانبك!
- هنالك سرير واحد لوفينيا، عاجلا أم آجلا سننام كلانا عليه، ثم
أنني بحاجة إلى وجودك بجانبي أكثر من أي وقت مضى، أنا بحاجة إليك و
...
تحركت لوفينيا بصمت من مكانها وتوجهت نحوه، واختلطت الأمور على
ثريغوراس فلم يعد يعرف ماذا يتوقع منها، استلقت إلى جانبه على
السرير بقوة و لوهلة ومن ثم ما لبثت أن جلست على حافة السرير ووضعت
يديها على ركبتيها كمن ينتظر فرجا ً وقالت:
- ما كل هذا ثريغوراس، أأنت تهيّء الأجواء كي تضاجعني، لم تقدر على
ذلك من قبل وأنت تعلم ذلك جيدا، ما الذي سيغير النتائج الآن؟
- أنا؟!! لا لا، لقد أسأت فهمي، لم أقصد بل أقصد نعم أريد لكن لم
يكن هذا قصدي عندما سألتك.
- أعرف
وساد صمتٌ بارد، وتبسمت لوفينيا في الخفاء وقالت: أتريد أن
تضاجعني؟
صمت ثريغوراس قليلا، ربما خجلا، أو خوفا، ضمته لوفينيا إلى صدرها
بقوة وأخذت تقبله بشهوانية أصيلة لم تشهدها هي نفسها من قبل.
وبكينونتها، نفحت فيه إيمانا أقوى بذاته لم يكن حتى من ضمن
حساباته، وتضاجعا حتى انطفأت نار الموقدة، واشتعلت نيران أخرى
كثيرة ... في كليهما.
في صباح اليوم التالي، للمفارقة، كان يبدو على ثريغوراس التعب
والانتعاش، ، فبدا متكلما ً أكثر من عادته وبات يسأل جون في غرفة
الاستقبال عن كل ما يجول بخاطره: من أين أتتْ، وكيف انتهت بها
الدنيا في مثل هذا المكان البعيد عن الحضارة، وأين زوجها، ومن
يساعدها، وهل لها أقارب،وأين هم وماذا يفعلون وأسئلة تقنية أخرى
كثيرة وأحيانا ً مملة عن شكل المكان من الخارج والداخل وعن الألوان
وتضاريس المنطقة وما إلى ذلك!! وعندما تبدأ هي بالوصف الدقيق
والمتعطش مواكبة أسئلته الفضولية كان يقاطعها ويقول لها بأن لا
داعي لمثل هذا الوصف الدقيق! ويردف بأن عاجلا ً أم آجلا ً سيكتشف
المكان هو بنفسه وسيتمكن من الحديث عنه ووصفه بدقة مماثلة وكأنه
يعرفه منذ زمن بعيد، كونه سيبصر بالطبع. وكان يقول لها هذا بإثارة
وحيوية شديدتين ويشير بأنه وفي غضون ساعات سيكون هو مثل الطفل
الصغير الذي ما لبث أن تعرف على حواسه وبدأ باكتشاف العالم من حوله
بشغف وفضول. جون كانت تبتسم برقة شديدة وتتوقف عن الحديث والوصف
جامحة حاجتها للحديث مع أيا كان خاصة عندما يغدو واضحا بأن الحديث
بات يأخذ منحى أحادي الجانب. وعندما تستمر حالة صمتها لأكثر من
دقيقتين كان يرجع لأسئلته التقليدية عن كل شيء يخطر على باله
واستمر به الحال على هذه الشاكلة لنحو الساعة، وبالتحديد عندما
انضمت لوفينيا للجلسة الشبه عائلية والقت بصباح ٍ مميز بصوتٍ ذو
نغم عذب وقالت لثريغوراس:
أنت إنسان جديد الآن أليس كذلك؟ خجل ثريغوراس من السؤال وبان عليه
الارتباك وقال وهو يحاول جاهدا تملك توتره وليعيد نحت اللحظة لتبان
شيئا ًً أخر:
- نعم نعم، أحس بذلك وأحس بأن اللحظة الحاسمة آتية في أي وقت الآن
ويا لتلك اللحظة كم انتظرتها وكم أخذت من طاقتي وعملي، اللحظة آتية
يا لوفينيا آتية وكم أنا شاكر لك أنت على كل ما فعلته من أجلي،
حقيقة، أنا جداً شاكر لك.
- "لا داعي ثريغوراس، هذا عملي أيضاً، وبات وقت الحساب قريباً ...
وعلى فكرة، بالنسبة لموضوع طاقتك وعملك ثريغوراس أليست منحوتتك
الأخيرة، أو منحوتتي بالأحرى كانت قد أرجعتك لمزاولة عملك وكسرت
بعض الحواجز التي كانت تعيقك، أو تعيق عملك؟ من أين جلبت إذا تلك
الطاقة التي مكنتك من النحت مع أنك كنت قد قلت لي في قرطبة بأنك لن
تنحت شيئا قبل أن تجد الغارونيا وأن المنحوتات القادمة ستكون قمة
أعمالك، أفلم يكن على هذا الأساس الذي قررت أنت أن تنحتني بعد أن
تبصر، لم قررت أن تنحت لي تمثالا قبل ذلك؟ الوقت قد حان لتجيب على
هذا السؤال ثريغوراس، حقيقة أريد أن أعرف ما الذي غيّر الأمور،
وماذا حصل في سالونيك، أريد أن أعرف، الآن أريد أن أعرف، لا بعد
قليل، ولا بعد ساعات كما كنت تقول للسيدة جون." وفي ذلك الأثناء،
انسحبت السيدة جون من مجالسة كليهما وبإشارة من جسمها وبابتسامة
مليئة بالاعتذار بدأت تمشي إلى الخلف ثم استدارت بعد أن أصبحت
بمثابة خارج حلقة النقاش، والتي لم تكن جون مهتمة بأن تكون جزءا
منها.
- تقصدين الآن وأنا ما زلت ضريراً، أنت التي أجبرتينني على النحت
قبل أن أبصر، لا تقولي غير ذلك، على كل حال يبدو أنك كنت تستمعين
جيدا لمجمل حديثي مع جون ويبدو أيضا أن شيئا ما قد أزعجك مما قلته
للتو لكونك وقبيل لحظة صغيرة كنت تلقين الصباح علينا كمن ينثر نورا
فوق نور، ما الذي قلته وغير كل معالمك في هذا الأثناء؟ ألأنني قلت
أنني أحس بأنني إنسانٌ جديد، أهذا يزعجك لهذا الحد؟ أم ماذا؟
ألأنني لم أنتظر لأبصر حتى أنحت لك تمثالاً، أقصد أنحت منك
تمثالاً؟
- بالظبط ثريغوراس، لأنك لم تنتظر، لقد نحت لي تمثالا، على الأقل
هذا ما كنت مرارا أحاول أن أشير انتباهك له، وما زلت لا تريد أن
ترى. نحتني في سالونيك ثريغوراس لأنك رأيتني، وهذا كان يكفي، فقد
صرت أنت ذلك الإنسان الجديد عند تلك اللحظة، نحاتا ً للرؤى وليس
للأشكال. هذا لا يمنع أن تصبح إنسانا ً جديدا ً آخر بعد قليل، ولكن
ذلك الإنسان الذي تركته في سالونيك هو الذي رآني، وهو الذي أراه،
أتفهمني ثريغوراس؟ ويحزنني حقيقة أن أتركه خلفي بعد كل هذا، فقط
يحزنني ... لنذهب الآن ثريغوراس، علينا الذهاب، هل وضبت كل ما
تحتاجه للرحلة أم تريد مساعدتي بشيء؟
- وضبت كل حوائجي، وحوائجك أيضا ً، كنت في انتظارك في غرفة
الاستقبال ولم أرد إزعاجك، لذا بدأت بتسلية نفسي بالحديث مع السيدة
جون، ظريفة هذه السيدة أليس كذلك، السيدة جون؟
- نعم ثريغوراس ظريفة جدا ً، مع أنك لم تدع لها الفرصة بالتحدث ولم
تستمع لما كانت تحاول قوله، مرارا ً، ولكن نعم، لطيفة لكونها لم
تنافسك على نشوة اللحظة ولم توجه لك حديثا فظا كحديثي معك، ظريفة
جدا ً! هيا بنا هيا، سيأخذنا النهار إلى الليل ونحن واقفان هنا
كالشحمة والنار هيا!
- لا تقولي هذا، لسن كالشحمة والناربل كالشحمة والعسل، هذه مجرد
نوبة، وستزول! ستزول.
وصلا منطقة الرعي الخاصة بفريديريك عند موعد الغروب في اليوم
التالي مشياً على الأقدام. لم يتحادثا طوال الطريق، بل كانا يتبعان
الطريق الترابية بدقة وصمت غريبين. تمشي لوفينيا في المقدمة وتمسك
بيده اليسرى وتراقب قدميه باستمرار خشية من أن يتعثر بشيء. ولأول
مرة، كان ثريغوراس يسّلم خطواته لغير ذاته.
ظهر فريديريك في ذات المكان الذي كان من المتوقع أن يكون فيه، كان
في العقد الخامس من العمر، شعره أسود طويل، ذي جسم قوي، ولحية تعطي
إيحاءً بالشر. لم يأبه فريديريك لاقترابهم منه، وعندما باتوا على
بعد بضع أمتار منه مدّ يده اليسرى مشيرا ً لهم بالوقوف، توقفت
لوفينيا في الحال و بدأ ثريغوراس بالاستفسار عن الوضع وهو الذي
كان قد بدأ بالثرثرة ثانية قبيل اقترابهما منه كما فعل ذلك الصباح
مع السيدة جون، فضغطت على يده لوفينيا كإشارة له بالتوقف عما يفعل
أيا كان! والهدوء والتحلي بالصبر. سأل فريديريك عما يريدون بصوت
لا يعطي إيحاء بالترحيب بهم بينما كان يحدّق بلوفينيا وينظر إلى
محاسنها بشهية شديدة ويشتبه ولا يخفي اشتباهه بثريغوراس والذي كان
يتململ في مكانه ويحرك رأسه بطريقة تساعده على توجيه أذنيه لإلتقاط
ما يمكن أن يحدث في اللحظات الحاسمة القادمة! لم يفهم فريديريك،
ولم تجب لوفينيا! بل كان ثريغوراس سبّاقا ً بشرح القصة كلها
لفريديريك وطلب منه على الفور بأن يساعده مقابل أجر جيد وبدأ
بالحديث عن نفسه وعن إنجازاته في النحت وما إلى ذلك وقاطعه
فريديريك مدركا ً الوضع وفي غضون لحظات، طلب من كليهما بأن يتبعاه.
لم يفهم ثريغوراس إذا كان فريديريك قد قبل عرضه أم لا وسأله: أنت
فريديريك أليس كذلك؟ هز رأسه فريديريك بثقة وعنفوان، كأنه فخور بأن
اسمه بات يتردد في أماكن أخرى لم يسمع حتى هو بها، ولم يفهم
ثريغوراس رد فريديريك فسأل لوفينيا عما يحدث وطمأنته هي وقالت: هذا
هو الرجل اللذي نبحث عنه، من غيره؟ هو الوحيد في هذه المنطقة
وبالغالب أنه هو ذات الشخص الذي نريده أن يساعدنا! وأكدت له بأن
فريديريك قد هز برأسه موافقا ً وأنه يبدو أنه قد قبل العرض.
بدأ الاثنان في المشي خلف فريديريك، ولم يبدو أن الرحلة كانت لها
معالم واضحة كأين أو متى ستنتهي أو حتى كيف!
- "دورانوس ستبحر بعد خمسة أيام، أفتظنين أن لدينا الوقت الكافي كي
نبحث عن العشبة، خاصة وأن هذا الفريديريك لا يعطينا انطباعاً بأنه
يرغب بالتحدث إلينا عن أي شيء، يبدو لي أننا غدونا نرعى الأغنام
معه باتجاه لا يعرفه إلا هو، هذا لا يريحني لوفينيا، هذا لا
يريحني، قد يكون هذا الفريديريك محتالا ً يرغب بأن يأخذ ما لدينا
ويقتلنا ويتركنا للحيوانات كي تأكل بقايانا، وربما يكون هذا ليس
فريديريك الراعي، وربما هو راعٍ آخر تواجد في هذه المنطقة بالصدفة
فأرض الرعاة واسعة، وربما يكون هو قد قتل فريديريك وأخذ أغنامه
وربما..." وعند تلك اللحظة كادت أن تنفجر لوفينيا من شدة الغيظ
والعصبية وقالت له وهي تكاد أن تفقد أعصابها: "كفى كفى، يا إلهي ما
هذا تذكرني بالأخضر، تمالك نفسك يا رجل، هذا هو فريديريك، هذا هو،
هو ذات الوصف الذي وصفه الكثيرون حتى الآن، باستثناء طبعاً فظاظته
التي لم يذكر أحدٌ عنها شيئا ً، هممم ولك الحق بالشك في هذه الحالة
لا أنكر لكن لا تخف، أنا هنا، وسأكون قاتلة عند الحاجة، قاتلة عند
الحاجة" قالت الجملة الأخيرة باستهزاء وكأنها تذكره بالحديث الذي
دار بينهما في قرطبة وبأسلحته العاتية في عصاة الخشب والتي كان ما
يلبث أن يهدد بها أيا كان، ومن دون مقدمات ولا مبررات!
- سأسأله أنا إذا ً." وبصوت عال، يكاد يكون صراخا ً سأله ثريغوراس:
أيها الفريديريك، إذا سمحت ... سفينتنا سترحل بعد خمسة أيام، أتظن
أن لدينا وقتا كافيا لنبحث عن العشبة؟
- لقد قلت لك أنني وافقت على ما تريد، فلا حاجة لإزعاجي بأسئلتك
السخيفة.
- لم تقل لنا شيئا يا رجل، وأنا لا أقصد بأن أزعجك يا صديقي لكنني
قلق قليلا، والسؤال ليس سخيفا ً بل الوقت يداهمنا وأخاف من أن أضطر
إلى العودة إلى سالونيك من دون العشبة إن طال الانتظار، فالسفينة
القادمة ستأتي بعد أربعة أشهر، وأنا لا أريد أن أبقى هنا طيلة هذه
المدة، أريد أن أرجع إلى ورشة عملي وأبدأ بالنحت من جديد، أفليس من
حقي أن أقلق قليلا؟
- نعم نعم من حقك، لكن من دون أن تزعجني، ثم نحن لم نبدأ في البحث
بعد، سنذهب إلى الكوخ أولا وغدا في الصباح الباكر سأذهب أنا وأحضر
النبتة لك وأنت تفعل بها ما تشاء.
- يجب أن آتي معك.
- لا حاجة، أنا أعمل لوحدي، القليلون يعرفون مخابئها ولا أريد أن
يتعرف على طريقها أحد، على الأقل ليس عن طريقي أنا، سأجلبها مع
ترابها في الصباح،وتقرر أنت كما قلت لك للتو ماذا ستفعل بها، وتقرر
أيضا أين تريد أن تقضي أيامك الثلاثة مبصرا ً
- ماذا تقصد؟
- ماذا أقصد بماذا، لا أقصد شيئاً.
- أعني ماذا تقصد بأيامك الثلاثة" وبدت على ثريغوراس ملامح التوتر.
- ألا تعرف، ألم يقولوا لك كل أولئك الذين سمعت منهم عن النبتة؟ كل
هذه التفاصيل ولم يقولوا لك؟ يا لأولئك المتعجرفين، دائما ً أضطر
أنا للتفسير .." قال فريديريك متحدثا ً إلى نفسه.
- " أعرف ماذا يا هذا، أية تفاصيل تتحدث عنها قل" وبدا ثريغوراس
غاضبا ً واضطربت حركات جسمه وبدأ يرجف، كأنه أحس بأن هنالك شيئا ً
ما خفيا ًبات يهدد آماله ويشرذم تدفق اللحظة. قال فريديريك وكأنه
يخاطب نفسه: إذا ً لا يعرف. وأردف: ألغارونيا تسمح لك أن تبصر
لثلاثة أيام ٍ فقط ترجع بعدها لما كنت عليه، ولا داعي بأن تحاول أن
تستخدمها مرة أخرى، فلن تنفع.
توقف ثريغوراس عن المسير مذهولا ً، كأن جبالا ً من الصمت الثقيل
هوت على رأسه وأخذت معها كل بقايا الكلام ووانفعالاته المتأملة بما
كان ممكن أن يكون أول حلم جديد، وبداية إدراك جديدة. أما لوفينيا،
فقد كانت تستمع بحيادية مع أن وجهها كان يتحرك مع كل سؤال وجواب.
لم تدري ماذا تقول أو ماذا تفعل، تلك التي لم يعد هنالك شيء
يفاجئها بسهولة، الصدمة كانت أيضا من نصيبها، فصمتت هي أيضا ً
وحاولت معاودة المسير وإرغام ثريغوراس على التحرك والتشبث بما أتى
من أجله، ولكنه كان متمسمرا ً في مكانه منقطع الأنفاس وكأن قدرته
على متابعة المسير قد نضبت، وكأن شيئا ً في داخله قد انطفئ. استمرت
لوفينيا في محاولة جرثريغوراس واللحاق بفريديريك والذي لم يعطِ
انطباعًا بأنه يأبه بأي شيء يحصل خلفه، فقد استمر في المسير وبنفس
الوتيرة السريعة الواثقة. أول انطباع أبداه ثريغوراس كان بأن ضغط
على يد لوفينيا وكاد أن يفتتها فشعرت بالخوف وصرخت في الحال على
فريديريك وطلبت منه التوقف. لم يتجاوب معها فريديريك فهددته في
الحال بأنها ستلغي الصفقة المبرومة بينه وبين ثريغوراس وأنها ستريه
من الضرب المبرح ما لم يره من قبل إذا لم يتعاون. تباطأ فريديريك
تدريجيا ً والتفت إليها بهدوء وابتسامة واثقتين ثم توقف ومد يده في
الحقيبة الصغيرة المعلقة على خصره وأخرج منها قطعة من الخبز الناشف
وبدأ يأكل بطريقة استفزازية ويراقب أغنامه ويضرب بحجارته الصغيرة
عليها كي تتوقف عن المسير وتباشر في الرعي بينما كان يشير إلى كلبه
باللحاق في بعض الأغنام التي ما زالت مستمرة في المسير. ارتخت يد
ثريغوراس القابضة بقوة على يد لوفينيا، وأخذ نفسا ً عميقاً. خوفا ً
من أن تذهب الصفقة أدراج الرياح، قال فريديريك: " كان بمقدوري أن
أقول ما قلت بعد استلامكم النبتة أو بعد استلامي للنقود، لكنني كنت
أمينا ً معكم وأخبرتكم بحقيقة الأمر فآمل أن تكون الصفقة ما زالت
سارية المفعول." نظرت إليه لوفينيا نظرة متسائلة شكوكة وبينما كان
ولا زال هو يتجنب الحديث المباشر معها ويوجه أنظاره باتجاه أغنامه.
قالت وبطريقة لا تدعو للمزاح: " اسمع يا هذا الفريديريك." قالت
اسمه بنفس الطريقة التي كان يستخدمها الأخضر فانتبه ثريغوراس للأمر
وبدأ يصغي. " أنت لم تعلم أنه لم يكن لدينا علم بأن النبتة مفعولها
مؤقت، فلا حاجة للمزايدات وتحميل الجمائل، أنت ستساعدنا على جلب
النبتة وتنتهي مهمتك في تلك اللحظة، أهذا مقبول؟
- نعم، في الصباح سأجلب النبتة لكم كما اتفقنا وتفعلون بها ما
تشاؤون.
- حسن
وهمست في أذن ثريغوراس: أما زلت تريدها؟ ولم يجب على سؤالها.
- أنقدر على المسير الآن. قال فريديريك بتذمر.
- نعم نعم، ابدأ في المسير أنت ونحن سنكون هنا خلفك. بدأت تضغط هي
على يد ثريغوراس وحثته على المسير. ومن دون سابق إنذار قال
ثريغوراس وبصوت خافت: نعم أريدها، ولكني بدأت أحاول الآن أن أحدد
شيئا أو مكانا أنا في أمس الحاجة بأن أراه، وهذا صعب للغاية يا
لوفينيا، فلا أحس بأنني بحاجة أن أرى صقلية، ستطاردني ذكرى أليمة
أينما ذهبت بعدها، ربما آخذها إلى سالونيك، أو إلى أثينا، أو ربما
إلى قرطبة من جديد، نعم نعم، أو لا ... لا، ربما آخذها إلى الصين،
فقد سمعت عن الصين كثيرا، ومثير أن أرى الصين أليس كذلك؟ نعم نعم،
ربما آخذها إلى الصين وأبصر هناك، أو ربما إلى مصر مرة أخرى ففي
زيارتي الأولى لم ...
ولاحظت لوفينيا تشوشه واضطرابه وحزنه وبصوت هامس قاطعته وقالت:
ثريغوراس، أنا لم أضاجعك بالأمس كما ضاجعت غيرك من قبل، أنت ليس
شبحا ً بالنسبة لي .. على الرغم أنك أحيانا ً تحيرني، وأحيانا أشعر
أنك إله هارب، لكنني أشعرالآن أيضا بأنك أنت رجلي، و....
- لماذا تقولين هذا الآن لوفينيا، ما الذي خطر على بالك هكذا فجأة
ومن دون مقدمات؟!
- لا أدري ثريغوراس، لا أدري ... ربما لأنني لم أعد أحس بأنني أريد
منك أجرا ً، أفليس بات واضحا ً لك بأنني لا أملك أسبابا كثيرة
للتجوال معك، غير تلك التي لا تجرؤ أنت بالحديث عنها؟! هذا هو
الوقت المناسب لذكر مثل هذه الأشياء، أي وقت قد يكون أفضل قل لي؟
- من كلامك يبدو أنني كنت أصغي لنزواتي كثيرا، أليس هذا صحيحا؟
لم تجب لوفينيا فتابع هوالحديث مشددا على السؤال: أليس كذلك؟
- نعم، لم تكن ترى في ذاتك كثيرا، أحيانا تسمعها وتحسها، وأحيانا
تنحتها، أبدأت تفهم الآن؟
- لا أدري لا أدري، لم يعد الأمر واضحا كما كان!
- كما كان؟ متى كان؟
ساد صمت شديد، وتابعوا مسيرتهم حتى وصلوا إلى كوخ فريديريك، والذي
لم يبدُ أنه كان مستمعا للحديث الدائر بين ثريغوراس ولوفينيا،
وكأنه لا يعنيه الأمر.
بقي لدورانوس أربعة أيام، وفي الصباح الباكر، خرج فريديريك ليحضر
النبتة ولم يقرر ثريغوراس ماذا سيفعل بها بعد إستلامها، أو أي"
مكان" يريد أن يرى!
فريديريك لم يغب طويلا ً، بل عاد عند الظهيرة ومعه كيس كبير يربطه
على ظهره، جاء فريديريك ومعه النبتة، هكذا كان يبان من عيناه!
وثريغوراس ولوفينيا كانا جالسان ينتظرانه في الباحة الخارجية
للكوخ!
"ها هي". قال فريديريك.
أجلبتها؟ سأل ثريغوراس بفتور ٍ يوحي بعدم جاهزيته لاستقبالها.
- قلت لك ها هي، ألا تسمع؟
- نعم أسمع
- أفلست فرحا ً
- "نعم .. أنا فرح ها ها ها لكن لا داعي أن أرقص أمامك لأريك فرحي
أليس كذلك، فدعني وشأني أرجوك، وضع النبتة هنا". وأشار على مكان
غير واضح في باحة الكوخ! ثم مدّ يده على حقيبته وتناول حقيبة أخرى
صغيرة جلدية ومزركشة وأعطاه حفنة من المال وفريديريك يترقب بشغف
خجول، كأنه لا يريد أن يعطي انطباعاً بالجشع. وبينما أهم ثريغوراس
بدفع أجرة فريديريك كانت لوفينيا تراقب بتأمل شديد ملامح ثريغوراس
وفي الوقت الذي تمت به الصفقة نهضت بشكل سريع ملفت للنظر كي ينتبه
إليها ثريغوراس وقالت: سأرقص أنا .. وأغني أيضا ً.
بدأت لوفينيا ترقص وتغني بعض الألحان المألوفة لثريغوراس والتي
أحبّ أن يسمعها منها مراراً، ومرر ثريغوراس يده إلى حقيبته ثانية
بعد أن أعطى لفريديريك أجره ولم يعطِ إشارة أنه كان يتجاوب مع غناء
لوفينيا ثم مدّ يديه الاثنتين نحو فريديريك وبدأ يؤشر بأصابعه
لفريديريك بأن يسلمه ما جاء من أجله وأمسك بالكيس مذهولا وما لبث
أن نهض من مكانه وبدأ يتمتم بصوت هافت باليونانية ثم اشتدت ملامحه
وانتصب كالمسمار وصرخ باتجاه لوفينيا وقال: لوفينيا .. أريد أن
أراك أنت فقط .. فقط أنتِ، لا أريد أن أرى شيئا ً آخر غيرك .. لا
شيء يستحق .. لقد رأيت لقد رأيت يا لوفينيا، بقلبي رأيت، وسأراك
بعينيّ أيضا ً، أنت من كان هناك في داخلي، أنت من قُدّر لها أن
تنحت القلب ولم أكن أعرفك، أنت لوفينيا أنت.
ورمى الكيس وركض نحوها كأنه نسي أنه ضرير ولشدة لهفته وفرحته لهذا
الاكتشاف المثير تعثر بحجر كبير ووقع على الأرض على رأسه ولم يبدِ
أية حركة.
كانت لوفينيا قد توقفت عن الغناء تدريجيا في اللحظة التي بدا فيها
ثريغوراس بحالة الرؤيا. وبقيت واقفة مكانها وكأن هذه اللحظة التي
باتت هي تنتظرها منذ زمن بعيد، تماما ً مثل ثريغوراس، بدأت بالشموخ
السريع! ثم بالانحسار المميت!
دورانوس عادت إلى سالونيك، ولم يعد الأخضر، ولم تعد لوفينيا كما
كانت، وبدأت حياة ثريغوراس الثانية بالمفارقة! بالموت!
وقيل أن رجلا ً وُجد على الشاطىء شبه ميت بعد وصول دورانوس إلى
صقلية بيوم واحد، وقيل أنه كان قد قفز من السفينة بعد أن أحب فتاة
كانت على متنها ولم تبادله الحب هي، بل أحبت إنسانا آخر! وقيل أن
هذا الرجل قضى بقية حياته في صقلية يجول في شوارعها يسرد الشعر
بالعربية والفارسية وبلغات أخرى غريبة حتى وُجد ميتا ً في إحدى
أزقتها وذلك بعد أن أصبح ملمحا ً رئيسيا ً من ملامح المدينة. وبعد
خمسة أيام من وصول دورانوس، كان الراعي دومينيكو يأخذ قطيعه إلى
المدينة من الجبال الوعرة وعبر منطقة الراعي فريديريك ووجده مقتولا
ً قرب كوخه ودماء كثيرة على الأرض وبعض من أغنامه. ولم يكن لكلبه
أثر في تلك المنطقة. قالت صاحبة النزل السيدة جون أن لوفينيا عادت
قبل مغادرة دورانوس بيوم واحد ولم يكن بصحبتها أحد. وكانت تمسك
بيدها عصا صديقها الأعمى وحقيبته، وكان يبدو عليها التعب والإرهاق
وملابسها كانت قذرة وملطخة بالطين. منهم من قال أن لوفينيا بقيت في
النزل ولم تغادره وأن صاحبة النزل جون تحفظت عن سرد بقية القصة.
ومنهم من قال أن لوفينيا رحلت مع دورانوس إلى سالونيك حيث سُمعت
قصتها هناك من غجرية أخرى كانت تسرد القصة رقصا ً وغناءً وبكاء.
--------------
* فنان وكاتب فلسطيني مُقيم في الولايات المتحدة
|