الحرامي!!..
وديع العبيدي*
كنت أقول لها (خوخة)، وتقول لي (حرامي). ولم أكن قد رأيت الخوخ ولا
هي، ولكننا تعلمناها في المدرسة. في البداية زعلت عليها وخاصمتها
لأنني كنت أحب أن أبدو دائماً خلوقاً حسن السيرة والسلوك. ولكنها
قرصتني من خاصرتي وقالت (آخ منك.. سرقت قلبي وتزعل أقول لك حرامي..
خايفه يوم تسرقني من اهلي واني نايمه!).. عندها استعدت كبريائي
واعتدادي بنفسي.. فأنا من قبيلة عربية عريقة كان الكرّ على
الجيران والبرّ بالغنائم والغيد مصدر حياتهم.. نسرق الكحله من
العين.. يقول جدي.. وهي تخاف أن أسرقها من اهلها.. أسرقها في عزّ
الظهر وليس في الظلام..
كنا نسكن في بيتين متجاورين.. حايط عله حايط.. تقف على السطح
وتتطلع على حوش بيتنا ونحن نتأخر في النهوض صباحاً.. كان اهلها
ينامون على السطح طيلة الصيف.. بيتهم مبني من الطابوق الأصفر و
بيتنا من الطين المخلوط بالتبن.. لم يكن لنا درج نصعد عليه إلى
فوق، ولم يكن لسطح بيتنا ستاره مثل بيت أهلها.. ما نفع الستارة
ونحن لا نستطيع أن نصعد إلى السطح.. وعندما كنا نتقاذف شيئاً ويقع
الشيء على السطح، نلتصق بالجدار قرب الشباك الوحيد للحجرة العميقة
ويصعد الثاني على كتفه.. غالباً أكون أنا.. الى السطح لجلب الحاجة
وأنا منحني الظهر أكاد ألتصق بالأرض مسرعاً كأني على سطح القمر
وعيوني تدور في كل اتجاه كأن الناس كلّهم يراقبونني مثل كاكارين،
عندها كنت أرى البيوت مثل أقنان الدجاج وأرى المدينة تمتدّ أمام
نظري إلى ما لا نهاية مثل قفص كبير لا يكاد يرى بالعين المجردة..
خوخة كانت ترى المدينة من فوق سطح دارهم كل يوم أفضل مني ولا شكّ
أنها تعرف أشياء كثيرة لا أعرفها أنا العايش دائما في المنخفضات..
علاقتي مع خوخة بدأت بشكل طريف.. كنت أصحو يومياً مع شروق الشمس
مثل الطير كما تقول أمي.. أتابع بائعة اللبن وبائع الصمون والزبدة
الذي يدورون في الأزقة لبيع الفطور.. وكنت أنادي امي عند وصول
احدهم لشراء ما تحتاجه.. في ذلك اليوم لم أغادر الفراش.. و مكاني
هو الأول من جهة التنور الملاصق لبيت خوخة.. كنت أغطي رأسي من
الضياء فإذا بصوت شيء يقع قريباً مني.. أرفع رأسي وأراقب الأرض فلا
أجد شيئاً وأعود أغطي رأسي.. فيتكرر نفس الصوت.. وأعود أراقب
المكان.. في المرة الأخيرة وقع شيء على غطائي.. فدفعت الشرشف بغتة
لأجد رأسها يندلق من فوق الستارة وهي تضحك.. خزرتها بغضب واستهجان
ثم انقلبت على الجنب.. ثم غادرت الفراش وخرجت إلى باب الحوش
كالعادة.. تكرر ذلك بعض المرات ولكن بشكل أقرب للدعابة وتصالحنا
وصرنا أصحاب.. صارت تأتي إلى بيتنا لتلعب معنا أو للتحدث مع أمي..
أما أنا فكنت أنشغل بالقراءة والرسم وأخي الآخر يذهب الى الجامع
يومياً.. ولا يأتي قبل المساء..
في المدة الأخيرة صرت أتردد كثيراً على بيتنا القديم الذي ولدت فيه
وولد جميع أخوتي وشهد زواج أبي وأمي حتى انتقالنا إلى مدينة أخرى..
لم يكن لزياراتي وقت محدد.. فجأة أجد نفسي هناك.. أعيش لحظات جميلة
وذكريات وأمضي ثانية..
هذه المرة.. رأيت باب خرابة الدواب مفتوحة والفوضى في كل شيء.. قلت
لابدّ أن الدواب كلها غادرت الحظيرة.. من الذي فتح الباب هكذا..
دخلت من باب الحظيرة ووجدت نفسي في الحوش.. الغرفة الجديدة التي
كانت على الجانب اصبحت في مكان التنور الملاصق لبيت خوخه والتنور
تحول مكان الحجرة الجديدة.. الحجرة القديمة المنخفضة والمطبخ ما
زالت على حالها.. دخلت الحجرة لأسأل أحداً فوجدت أمي نائمة على
الأريكة وأخي الآخر في القيلولة ووجهه للحائط.. وعلى حافة النافذة
كانت خوخه تسند إستها.. وعندما رأتني وضعت يدها على فمها وضحكت..
قلت لها ما الأمر؟.. ففعلت نفس الشيء ولم تتكلم.. أشارت إلى أمي
أمامها وأخي في الجهة الأخرى فلم أفهم شيئاً ولم أشغل نفسي بذلك..
سألتها عن باب الحظيرة المفتوح وهرب الدواب.. فكررت متسائلة:
الحظيرة.. ما لها؟!!.. ثم خرجت مسرعة إلى هناك فتبعتها.. تجولت في
حجرات السقيفة القديمة.. وقالت: ربما نسيت أمك أن تغلق الباب وربما
أخوك.. لا أدري.. لقد جئت قبل قليل ووجدتهم على هذه النومة ولم
ينتبهوا لي.. فقلت لها معنفاً: ولماذا لا تكونين أنت التي فعلت
ذلك.. فهذه من سوالفك؟.. لم تغضب ولكنها ردّت على الفور: ولماذا لا
تكون أنت؟!! ثمّ رقّ صوتها وقالت: هل تشك بي هكذا يا حرامي!..
-
حرامي.. لا يوجد حرامي غيرك..
-
وهل عندك دليل على كلامك؟..
-
طبعاً..
قلت منفعلاً ثم سكتّ.. فقالت: وما هو الدليل؟.. فلم أعرف ماذا
أقول.. فراحت تسخر مني وتقول: ألم أقل لك.. تخاف أن تقولها..
ولكنني قرأت كل شيء في عينيك..
-
عيني.. ماذا قرأت في عينيّّ؟..
-
يعني حضرتك خجول.. لماذا لا تقولها أنت..
-
أنا. ليس في عيني شيء..
-
لا في..
-
لا ليس في
-
لا في
وبقينا على تلك الحال.. أنا أنفي وهي تؤكد.. أنا أنفي وهي تؤكد..
وتدفعني تارة من مرفقي وأخرى من خاصرتي.. فأدفعها تارة من مرفقها
وتارة من خاصرتها.. كانت تلبس ثوباً صيفياً بدون ردن مقلماً بخطوط
حمراء تختلط بها خضرة وصفرة تتقاطع معها.. كان أصبعي يغوص في
خاصرتها وتصدر أنة مفتعلة.. وبياض ساعدها في ظلام الاسطبل يشع
كالفانوس.. أخذ ناظري يتشوش وشيء مثل الصداع يصعد نحو الرأس ويزيد
التوتر.. فاتجهت نحو الخارج.. لحقت بي قرب الباب وسحبتني من
مرفقي.. قائلة: أين تذهب..
-
أذهب..
قلت لها بدون تفكير.. قالت: كنت أعرف أنك تأتي فجئت أنتظرك..
-
ماذا تريدين..
-
أريد أن أتكلم معك
-
ماذا تريدين
-
تعال .. هل نتكلم هكذا قرب الباب..
جرّتني من يدي نحو الداخل بخطوات بطيئة وأنا أتبعها كالدابة..
أحسست بأصابعها تفرك راحة يدي ثم رفعتها إلى فمها وطبعت عليها
قبلة.. وقفت أمامي وكفي بيدها تمسحها على صفحة وجهها التي لم أتمعن
بها قبل اليوم.. دفعتني نحو الحائط واقتربت مني.. راحت تقبلني على
صدري وكتفي وخدي ثم ألصقت شفتيها بشفاهي فأحسست أنني أغيب عن
الوعي.. عندما تميّزت عيناي ظلمة المكان شعرت بيدها تجوس بين ساقي
وشفاهي تنفرش على صفحة وجهها وعيونها وجبينها.. وأنا أدفعها نحو
الجدار بقوة حتى كأننا قطعة منه وهي تلهث مثل جمل يجترّ.. كنا نطوف
في الأثير فوق السحاب، تارة أكون فوقها وتارة تكون فوقي.. كنا أكثر
خفة من الهواء ومن السحب البيضاء والزرقاء.. أنظر إلى فوق فأجد
خوخة أمامي.. أنظر إلى أسفل.. فأجد خوخة أمامي.. أنظر إلى يميني
فأجدها أمامي.. وأنظر إلى شمالي فأجدها أمامي.. صارت خوخة كل شيء
في ناظري.. جعلتني أشعر أنني حرّ من كل شيء.. بلا هموم.. بلا
تفكير.. بلا قلق.. لا أفكر في ماض ولا في مستقبل.. أنا ملك اللحظة
الأبدية التي أعيشها.. لماذا لم أكتشف خوخة قبل اليوم ولم لم تتكلم
معي قبل اليوم.. ولماذا لم تفتح باب الاسطبل قبل اليوم.. لأكتشف
(خفة الكائن التي لا تحتمل) قبل الآن.. تمنيت أن تستمرّ تلك اللحظة
العمر كلّه.. تمنيت أن لا أتركها حتى آخر نفس.. بقينا ملتصقين حتى
تبخرت الحرارة من أجسادنا الغارقة في العرق.. حتى صار نسيم عليل
يتخللنا فنرتعش من البرد.. نظرت إليّ من بين جفونها الملتصقة وقالت
بهمس حميم.. (ارتحت؟!) .. ارتسمت بسمة امتنان عريضة على وجهي
فأمسكت برأسي بين يديها وقبلتني في شفتي العليا.. ثم قالت معاتبة:
لماذا أردت الذهاب؟..
-
لأني كنت غبي..
ضحكت وهي تقول: هل عرفت الآن ماذا قرأت في عينيك؟..
-
عيني أم عينيك..
-
عيوننا نحن الاثنين .. يا حبيبي يا حرامي..
سحبتها نحو صدري بعنف.. بعنف، ولا أعرف لماذا راودني عندها خيط من
الحزن.. تمنيته أن لا يكون.. تمنيت أن أكون وحدي عندها.. أو .. لو
أنني لم أرها على الاطلاق.. فرشت راحتها على صفحة وجهي وكأنها قرأت
خلجاتي: ما بك يا حبيبي.. أنا بقربك.. (قالت).. وسوف أبقى لك
وحدك.. سأنتظرك دائماً .. وسأفتح باب الاسطبل كل مرة حتى تأتي..
لم أرها بعد ذلك مدة من الزمان.. في المواضع الأمامية للانذار
الصباحي في ساعات الفجر الأولى أشعر بها متلفعة بالقمصلة العسكرية
والبطانية الخضراء وتلتصق بي.. في تنفيذ الواجبات الكريهة تهوّن
عليّ وتشدّ من أزري.. (شدّة وتزول يا حبيبي!).. في السهر والواجبات
الليلية أجد عيونها تضيء اينما اتجهت بناظري.. صارت خوخة كل شيء
عندي وكل شيء في حياتي.. كلما سرحت مع نفسي أتمنى أن يكون لي جناح
أحملها فوقه وأطير بها إلى جزيرة لا توجد فيها حروب ولا جيش ولا
عساكر ولا بشر.. جزيرة لا يكون فيها غيرنا أنا وخوخة.. أخدع نفسي
بأن الحرب انتهت وعدنا إلى بيوتنا وممارسة حياتنا الطبيعية لأجد
خوخة هناك في الاسطبل مع الدواب والأطفال والزرعات.. صارت الأيام
تركض لتأتي الاجازة وأرى خوخة..
في أحد تلك الاجازات جاءت أمها تجرّ خوخة وراءها كالشاة فوقع قلبي
على الأرض.. كانت خوخة تتعثر وأمها العوراء تزحف مثل رتل عسكري..
كم كرهتها في تلك اللحظة.. وجّهت كلامها إليّ دون أمي التي كانت
جالسة تنظف العدس قرب الجدار..
-
ما كو أحد يحلّها غيرك..
-
شيحلّ..
قلت لها وقد شحنتني كراهيتي المتفجرة لها في تلك اللحظة بقوة لا
متناهية..
-
آخر سنة الهه وإكمال.. محد غيرك يكدر يساعدها.. صدقة الراسك
قرّيها بلكت تنجح.. لا تصخم وجهنه!
-
بسيطة.. بسيطه هاي.. هيّه شاطره وتعرف دروسها.. لا تديرين بال.. بس
خطيّه ليش هيجي تجرجرين بيهه.. الله يدري شكد ضاربتها.. تره أزعل
عليج لو تعامليها مو زين.. خـخ.... حبابة وما تستاهل..
-
هاي الخاطرك يلله.. بس نجّحهه والك شتريد!
-
انريد نخلص من الحرب.. شنريد!
تنفست الصعداء.. سحبت خوخة على جنب وتحدثت معها بينما جلست أمها
قرب أمي وراحت تساعدها في تنظيف العدس من الزوان..
عندما التحقت كانت معارك مجنون على أشدّها بعد هدوء نسبي الفترة
الماضية.. بعد أيام أصبت وتم إخلائي من الجبهة إلى المستشفى
العسكري.. كانت الشظايا قد ملأت بطني وفخذي.. تم انتزاع الشظايا
القريبة من سطح الجلد، وبعد العمليات منحت إجازة مرضية، بقيت
أجددها ثلاثة أشهر تحت العلاج.. كانت تلك الايام من أجمل ما عشته
في سنوات الحرب اللعينة.. وفي كل ذلك كنت مديناً لهذه المخلوقة
التي تعيش بيننا دون أن أراها جيداً.. كانت خوخة حبيبة وطبيبة
وصديقة.. وضعنا جدولاً يومياً للدراسة.. ساعتين في الصباح وساعتين
في المساء.. لم تكن خوخة غبية ولكننها تكره المعادلات والارقام..
ولم يكن المدرسون ليبذلوا جهداً في تغيير طريقة تقديم المادة..
ملقين العبء كله على الطالب والدرخ.. علّمتها أن تغير طريقة
القراءة وتعتمد الورقة والقلم وتقوم بطرح الأسئلة والاجابة عليها
بصوت مسموع.. كنت واثقاً انها ستنجح وكانت هي واثقة من قدرتي على
تعليمها.. مع الايام صارت أكثر ميلاً للدراسة وأكثر قدرة في حل
المعادلات.. كان مكاني في الحجرة القديمة المنخفضة.. تحرص على
احضار الشاي قبل دراسة الصباح.. وتحضر الشاي مع الكيك أو الكليجه
في المساء.. كان وجودها قربي ينسيني آلام الشظايا وتعاسة الجبهة..
وكانت هي تشعر بالأمان بجانبي.. كنا توأمين.. وكأننا خلقنا لبعضنا
ولتلك اللحظة.. أصبحت لها منزلة خاصة في روحي.. صرت أجلّها وأخاف
عليها وأبعدها عن كل سوء.. حتى لو كان ذلك مني أنا.. لم أعد ألمسها
أو أسيء اليها بشيء إلا بما يقتضي الحبّ.. فقد حملتني الاحداث أن
أشعر بالمسؤولية.. تجاه نفسي وتجاه من أحبّ.. ربما أثرت الشظايا
أسفل البطن والفخذ في تقليل جموحي واندفاعي.. لم يقل الاطباء
شيئاً.. وأنا خفت أن أسأل.. ولكني منقاد إلى ثقة عمياء بالنفس.. أن
لن يحدث ما أخشاه.. لا.. مهما يكن.. كانت خوخة تضع يدها خلال الدرس
على ساقي أو يدي.. تمسح وجهي أو جبيني.. عندما أتناول الدواء..
تقبلني خلسة عند المجيء وعند الذهاب.. وأشعر لها باحترام واجلال
أكثر من الرغبة واللذة.. مع الأيام صرنا أكثر توازنا.. ولكنني صرت
أتعذب أكثر.. أتعذب.. لأني أخاف عليها.. اتعذب لأني سأتركها وأذهب
إلى الحرب ثانية.. أتعذب لأنني قد أكون أصبت إصابة قاتلة ولن
نستطيع أن نتزوج.. بقدر ما كنت أحس بالراحة والفرح في النهار كنت
أتعذب وأعاني في الليل.. كانت تلك أجمل الأيام وأكثرها شقاء.. حتى
شقاؤها كان جميلاً لأنه بسبب خوخة.. التي ظهرت في حياتي بدون سابق
إنذار.. وصار كل كياني منشدّاً إليها..
بعد انتهاء الحرب انتقلنا أنا وخوخة إلى بغداد.. افتتحت متجراً
للبوتيك ومواد التجميل.. نحاول تعويض ما فات وتحدي جنون الحصار
وتقلبات الدينار والأسعار.. حصلت خوخة على الشهادة وعملت كاتبة في
دائرة استحصال اجور الكهرباء.. في عيد ميلادها أعددت لها مفاجأة..
ستسعدها حتماً.. عزمتها على العشاء في الميرديان.. وضعت شموع على
المائدة.. ولبست أفخر الثياب حتى بدت ملاكاً نزل لتوّه من السماء..
كنت سعيداً أكثر منها.. وهي مبتهجة مثل أميرة سومرية بكل براءتها..
الفرقة الموسيقية تعزف.. والأغاني العراقية والأجنبية تنساب فوق
بعضها في فضاء القاعة الخافتة الضوء.. كان البعض يرقصون أمام
المنصة.. ولوهلة حدتني الجرأة أن أدعوها للرقص في عيد ميلادها.. أن
أمنحها كل السعادة مرة واحدة كما منحتني هي إياها في تلك الخرابة
قبل سنوات.. لم نكن قد أكملنا دورتين.. وخوخة تضع رأسها على صدري..
عندما ربتت يد غير متوقعة على كتفي.. التفت إليه.. فإذا بجثة ضخمة
تضع نظارات سوداء تخفي عيونها يقول بصوت أجشّ غير لائق: انسحب..
الاستاذ يريد.. ه....ـهههههها..
ظل الصوت يرنّ في أذني ولا أعرف ماذا أفعل.. أحسست أنني يغمى
عليّ.. التفتّ بإذا بالأمير ابن القايد يتقدم متبسّماً كاشفاً عن
أسنانه المعوجة نحو الأمام.. والحماية تحيط به من جانبيه ومن
خلفه.. أعدت إلى مائدتي.. حاولت أن أتماسك.. قلت.. كما يحدث في
أوربا.. رقصة وينتهي الأمر.. وتعود خوختي إليّ.. ولن نصل ثانية إلى
هذه الأمكنة.. دلقت أكثر ما يمكن من ذلك السمّ القاتل في أمعائي..
فكّرت أن الانتحار أفضل في هذه الحال من أي نتيجة غير محتملة..
عندما فتحت عينيّ بعد ذلك لم أجد الاستاذ ولا خوختي.. كانت
الموسيقى ما تزال تدور.. والأغاني تندلق.. وحلقات الرقص مستمرة..
فركت عيوني جيداً.. حدقت جيداً.. لم أجد صاحب الجثة الجثو ولا بقية
الحماية ولا ابن القايد.. كان الهدوء يعمّ كل شيء إلا قلبي وفكري
وروحي.. أين هي خوختي.. أين هي خوختي.. أين خوختيييييييييييي..
أحسست بنفسي أصرخ وأصرخ.. أجوب الشوارع وأصرخ.. كنت صاحيا متوفزاًً
رغم كل الويسكي الذي دلقته في أحشائي.. لماذا تركتها لوحدها..
لماذا تركتها لهذا الجشع .. لماذا جلبتها إلى هنا.. لماذا جنيت
عليها بيديّ.. بيديّ.. بيديّ..لماذا ضيّعتك يا خوخة.. لماذا ضيّعتك
يا خوخة.. أين أنت.. ماذا سأقول لنفسي ولأمك التي وصتني عليك.
خوخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخه!!..
الاثنين 4/7/05
---------
* كاتب عراقي مقيم في النمسا
|