|
تحيّة طيّبة
زاوية أولى..
نشعر اليوم، شئنا أم أبينا، بالخوف من المجهولين، من الغرباء، من
أي شاب ملتحٍ يمكن أن يفجر بيتنا الرابض في أية مدينة عربية أو
أجنبية، أو من رجل أسمر البشرة ربما يشعل مكان العمل في مبنى صغير
أو ناطحة سحاب، أو المطعم الذي نقصد أو الحافلة التي نستقل.. الموت
يمكن أن يأتينا من أي مكان وفي أية لحظة.
أشعر أن فكرة العبث التي راجت في النصف الثاني من القرن العشرين
تتكرس اليوم بشكل أكثر شراسة، فهل من عبث أكثر من أن تموت نتيجة جنون
إنسان آخر يكره الحياة. هل يمكن أن نغفر لهؤلاء الذين يدمرون الحياة،
ويخربون السلام؟!.
لماذا يفجر شاب في العشرين نفسه ليقتلها ويقتل آخرين؟
هذه الظاهرة التي ازدادت مؤخراً بشكل مخيف ستحرمنا جميعاً من
البراءة، بالإضافة إلى قتلها الأبرياء، وهي تستدعي التساؤل: من الذي
يدفعهم إلى الموت، وكيف يفهمون الحياة والدين؟ كذلك السؤال: ما الذي
ينتظرون من انتحارهم؟.
من يؤمن بإله يقتل الناس أو يجعلهم يقتلون أنفسهم؟ وهل ينتمي الله
إلى إيمان المنتحرين أو المقتولين أو أنه خارج لعبة الموت هذه؟
الحياة، كما قد تبدو حالياً، نوعٌ من الرهان مع إمكانية الخسارة في
كل وقت، وإن العناية الإلهية نوع من الضمان الذي يتمسك به البعض،
لكنه يثبت فشله في كثير من البلدان وعديد من الحالات. إذا كان الذين
يفجرون أنفسهم يفعلون ذلك باسم الله، فالسؤال الكبير باْسمِ منْ يموت
الناس الذين يؤمنون بالإله ذاته؟
زاوية أخرى..
حين اخترنا اسم المهاجر لهذه المجلة، كنا نفكر بإبراهيم، أبي
المؤمنين، المهاجر الأعظم في التاريخ الذي خرج من بيته وعشيرته إلى
أرض الميعاد بناءً على وعد الله. فالهجرة قد تكون رحلة روحية عميقة
الإنسانية إلى قلب الله، والرهان هو على صدق الوعد وليس على إمكانية
الخسارة.. وهكذا تصير الحياة هجرة من الحاضر إلى المجهول، ويصبح
المجهول القاتم ضمن مخطط الله المحبّ رغم وحشية المشهد ودموية
اللحظة. وتتحول التساؤلات إلى فهم ناضج للحكمة السرمدية.
زاوية ثالثة..
الحياة على الأرض هي مجموعة معقدة من التفاعلات الاجتماعية والنفسية
والاقتصادية، وكما أفرزت الثورة الصناعية أجيالاً تتبنى أفكار نيتشه
وماركس وفرويد في القرن العشرين، كذلك تخرج الأصولية الإرهابية
الدينية من رحم القرن الماضي بعد انهياراته الثقافية، لتسيطر على
المشهد الحضاري للقرن الحادي والعشرين.
هل يعي التاريخ أنه يكرّر نفسه، ليس بالضرورة نحو الأفضل!
التحرير
|