|
قارب مثقوب*
سلام إبراهيم**
ـ أي قيامة جاشت في نفسي!.
يدفن رأسه تحت الوسادة متشنجاً، شاعراً بأبواب الجحيم تنفتح حوله.
أبواب لا تعد تنفتح الواحدة تلو الأخرى على صدى ضحكتها الماجنة
المترددة في رأسه رغم السكون الذي خيم على البيت. يتضور في شيء أمض
من النيران.. في فداحة العجز البشري.. يتضور غير قادرٍ على النزول
إليها.. على البقاء في الفراش.. يتقلب على جمر الماضي والضحكة
والظنون..
ـ إلى أي مناحٍ مقفرةٍ موحشة حملتني الأيام.. مدد.. مدد.. يا رب
الجنون.. مدد.. مدد!!
ينفجر بالصراخ دون أن يصدر منه صوت. ينفجر ووجهها المشرق وسط
الشارع يلاحق ذلك الشاب بلهفة عاشق. ينفجر متلاشياً في مناحٍ يضيع
في خوائها كل معنى. فمن المفترض أن تكون بقعة المنفى هذه مسافة
الاسترخاء المطلة على عتبة الشيخوخة بعد عنف التجربة وقسوتها، لكنه
وجد نفسه يعود مراهقاً غير ناضج.. إذ أحاله مشهد فتى الدراجة إلى
ذلك المراهق المتوجس من ضياع الحبيب حال مغادرته.. غضاضة في خريف
العمر تحيل الهاجس مرضاً لا يدرك مدى ألمه إلا صاحبه. صبيحة ذلك
السبت أحيت أرث الشك الخفيف الملازم لكل علاقة حبٍ عنيفة وألقت به
على دكة من الجحيم، فراح يستعيد من على ناصيتها كل الرذائل.. كل
المساوئ التي سمعها عنها همساً وسراً من الآخرين قبل أن يتعلقا
ببعضهما وفي أول أيام العلاقة عندما حاول أهلهما إفشالها دون جدوى.
وقتها كان يحتدم غضباً بوجه أمه وأبيه حتى أنه ترك البيت عدة أشهر
ظل يتنقل خلالها بين بيوت أخواته اللواتي حاصرنه أيضاً بالكلام
والهمس كونها مجرد فتاة لعوب تلهو به وبغيرة موردات العديد من
القصص التي يسردنها بيقين يجعله يشب سخطاً على كل شيء، فهرب إلى
بيت عمه الفقير النائي في طرف المدينة. ظلَّ يلاقيها في غرف ذلك
البيت العارية من الأثاث فيبحران في القبل وطلاوة الجسدين الفتيين
حد الخدر والنعاس، ناسيين الأهل.. الناس والوسواس. لكن تلك التجربة
جعلته شديد الغيرة.. هشاً من الداخل، حتى أنه قرر سراً، تغيير
حياته، وأصدقائه من اليساريين، يهربون تباعاً خوفاً من الاعتقال
والقتل.. أما ما تبقى منهم، فأنه لزم البيت رعباً. أحس بالوحدة
وتفاهة وضعه البشري وهو يعمل في دائرة زراعية في الريف متسائلاً عن
معنى حياته... فوجدها عقيمة.. سخيفة.. رغم أنه بخلاف جل أصدقائه
ليس له علاقة بأي حزب يساري منذُ تجربته الوحيدة في مراهقته التي
انهار فيها عند اعتقاله، فسافر في إجازة إلى بيروت عازماً عدم
العودة.. وقتها كانت الحرب الأهلية قائمة.. ترجل من الطائرة
مخموراً، وفي التاكسي الذي أقله من مطار بيروت إلى فندقٍ في شارع
الحمراء. كان يسافر للمرة الأولى، سأل السائق:
ـ هل نحن في بيروت الغربية!
مما أثار استنكاره، فألتفت إلى حيث يجلس على المقاعد الخلفية
قائلاً بصوت عالٍ وبلهجة لبنانية:
ـ شو بتحكي يا زلمه.. أنت في بيروت الوطنية.
في اليوم التالي انتقل إلى شقة أصدقائه اليساريين المتطرفين في
الفاكهاني. وجد نفسه أعزل في قلب غابة من السلاح، ووسط اشتباكات
تحدث لأتفه الأسباب في الصباح والمساء بين التنظيمات الفلسطينية
واللبنانية التي تقاسمت أحياء وأزقة بيروت. وكان يقضي نهاره بين
مقهى أم نبيل ومقاه لا يتذكر أسماءها بصحبة أصدقائه الفارين الذين
يبكرون بعد الظهر في الشرب والحوارات السياسية التي سرعان ما تتحول
إلى مشادات عويصة وعراك بالأيدي أحياناً. كان ينصت شارداً لضجيج
الأفواه الغاضبة من بعضها.. ويعب الكأس تلو الآخر من عرق ـ توما ـ
اللبناني إلى أن يغفو جالساً على الأريكة حتى الصباح. فيبكر إلى
التسكع وقراءة الصحف والدوران بين شارع الحمراء والروشة، متأملاً
امتداد البحر البعيد، وشاعراً بوحشةٍ ووحدة ظلت تتفاقم وتتفاقم رغم
عروض العديد من أصدقائه للالتحاق بمعسكرات التدريب كمرحلة للانتقال
إلى كردستان وقتال السلطة من هنالك. كان غير مقتنع البتة بكل هذه
القصة.. وغير راغبٍ في السفر إلى أوربا رغم حصوله على تأشيرة من
السفارة الإيطالية.. بالعكس كان مشدوداً إلى هنالك.. إلى غرفته في
البيت.. إليها، فكان يستخرج في خلوته صورتها الفوتوغرافية في
البارات وعلى الساحل فتطل ببسمتها الساحرة حية يكاد يلمس قوامها
اللين.. اللصيق به كالظل منذُ آخر لقاءٍ لهما سراً في بيت صديق
خالٍ. كانا عاريين يتواعدان على اللقاء في الخارج. كانا لا هو..
ولا هي..لحظتها مقتنعين بأنهما سوف يلتقيان مستقبلاً وذلك ما
تصارحا به لاحقاً.. بل كانا يحلمان وينهلان من مباهج الجسد وكأنهما
سيفترقان إلى الأبد. وجد نفسه يصرخ يوماً في زقاقٍ قذر من أزقة
مخيم صبرا:
ـ هي.. هي.. قارب نجاتي من الضياع في الدنيا.
فخلف وراء ظهره كل شيء.. الأحلام الثورية والأصدقاء، السكر والحرية
التي توفرها ظروف حرب أهلية.. وعاد قبل نفاد إجازته بالطريق البري.
وفي أول نقطة حدود عسكرية قبل دخول الرطبة أستيقظ من أحلام البيت
والحبيبة على شتائم رجل الحدود العراقي وغلظة صوته وهو يطلب من
الركاب إظهار جوازات السفر.. لكن شعور الندم سرعان ما توارى وسيارة
الـ
O M
تقترب من أبنية المدينة الواطئة على حافة الصحراء وخيالها الشفيف
يراوده ناصعاً.. طرياً.. مبهجاً. حضنته ما أن جاوزت عتبة باب غرفته
المعتمة بلهفة، ظلت تضمه إلى صدرها وتبعده.. تضمه وتبعده فاركةً
عينيها مرددةً:
ـ يا الله أني بحلم لو صاحية.
في قمة نشوته بالعودة وشوشوا بأذنيه عن وضعها في غيابه. لم يقولوا
ذلك بوضوح وشواهد لكن بما هو أمرَّ بالرمز والكلمة العابرة الموجعة
التي سمعها عرضاً في حديث عن بحثها عن حضن أخر يعوضها غيابه الذي
تصورته نهائياً عن علاقاتٍ أشادتها وهي تدرس في كورس ليلي مختلط..
ظل مطعوناً لا يستطيع مصارحتها أو الاستفهام منها وهو يرى لهفة
عناقها وشدة تمسكها به ومع الأيام اندملت تلك الطعنة الدفينة.. لكن
هاهي تعود في خريف العمر قوية، شديدة الإيلام. فمع تصخر ملامحها،
وضيقها بالمجاورة متحججة بتعبها مرة وبرائحة الخمرة التي تشربها
معه منذُ أول أيام العلاقة، وزفرات الملل المتلاحقة التي تنفثها ما
أن تدخل البيت، مرددة بين الزفرة والأخرى لازمة مهلكة عن ورطة
العلاقة بالآخر:
ـ شلون بيه وبيك يبنآدم!.
نفس سؤاله لها من زاويته طبعاً. كان يصحح الصياغة في صمتٍ مردداً:
ـ ماذا جرى لنا يا روحي؟!.
وفي مساء حزين طلب منها الكف عن ترديد هذه اللازمة، ثم سألها عما
جرى لهما، فقالت دون أن تنظر إليه وهي في طريقها إلى المطبخ:
ـ ما أدري.. ما أدري.. أسأل نفسك!
ـ سألت نفسي ألف مرة..
ـ وماذا قالت لك نفسك؟
ـ ما عندي جواب.. الجواب عندك!
رمقته بحزن قبل أن تصعد السلم قائلة:
ـ تعبانه، صاعدة أنام.
هاهي الطعنة القديمة تغور في أحشائه من جديد، والتي تصور وقتها
أنها مجرد غيرة محب لهفٍ، هاهو يشعر بنزفها تحت ضلوعه وهو يتذكر
حواراً دار بينهما في ليلة سمر أول أيام وصولهما إلى الدنمارك عن
طلاق رفيق قديم من زوجته التي اختارته أيام حرب العصابات من بين
جموع الثوار، قال:
ـ أتدرين ماذا يقول صديقنا مهدي عنها؟
ـ ماذا؟
ـ كونها كانت تبغي الزواج من أي مقاتل شرط أن يكون حزبياً وذا سمعة
جيدة!
فقلتُ له معنى ذلك بأنها لا تفكر بيّ أبداً. ضحك طويلاً قبل أن
يقول أنتَ.. أنتَ آخر واحد ممكن أن تفكر به!
ضحكت وشردت بعينيها نحو النافذة وأشجار الحديقة المضاءة بمصباح
الطريق. كان واثقاً أنها في تلك الفترة لا تختلف عن أحلام وطموحات
تلك المرأة المأخوذة بالمظاهر والحماسة الثورية. فأردف:
ـ أنها.. مثلك.
ابتسمت وعاودت النظر نحوه دون أن تعلق على كلامه:
ـ كنتِ تعتقدين قبل العلاقة بيّ مناضلاً ثورياً لا يشقُ له غبار.
وقد يكون هذا سبب تعلقك بيّ أساساً.. أليس كذلك؟!.
ـ …
لمعت عيناها وهي تطليه بنظرات ودودة متأرجحة على حواف بسمة حالمة
وكأنها تستعيد تفاصيل قديمة جداً من تلك الأيام المندثرة في
الأمكنة النائية بعيداً جوار سرة الأرض. هو الآخر سرح بعيداً
مستعيداً ذلك اليوم الذي أطلقوا فيه سراحه بعد اعتقال دام من بكرة
الصباح حتى المساء. شبع ضرباً موجعاً رغم معرفتهم الأكيدة كونه
راغباً عن العمل بالسياسة. وأجبروه على توقيع تعهد بعدم العمل بأي
تنظيم سري. لم يرجع إلى بيت أهله. كان يشعر بالمهانة والإذلال..
فتسلل إلى بيت أخته ورام القدمين والوجه، مذهولاً.. ليس لديه جواب
لسؤال مرير :
ـ لماذا يُضْرَب بكل تلك القسوة دون ذنبٍ!
كان متدثراً على السرير في غرفة فارغة حينما دخلت عليه، لم تنضُ
عباءتها. لم تحضنه. لم تحمد الله على سلامته. لم يغادر السرير لكنه
تزحزح معدلاً من وضع استلقاءه المخذول تحت عينيها الساخرتين وهي
تقول:
ـ كنت أظنك تستشهد ولا توقع!
انتابته رغبة جارفة بالضحك. كتمها بعناء وهو يتأمل سذاجتها.. هي لا
تعرف كم هو مخذول موجوع الروح.. يلوذُ منذ البارحة في السرير غير
قادر على مبارحته والنظر إلى الشارع.. إلى وجهه في المرآة.. إلى
الآخرين. تلك اللحظة تماسك قائلاً بنبرة هادئة واثقة:
ـ ليش أموت.. على شنو.. شو علاقتي بكل هذا الصراع!
فغرت فمها، وحدقته بدهشة قائلةً:
ـ يعني أنت مو بالحزب!
ـ لا
تلاشت السخرية من ملامحها وأبدت تعاطفها معه مرددةً:
ـ ليش يعتقلوك.. ليش.. والله عجيب!.
كانت لم تزل سارحة في تلك المناحي الغامضة المحتدمة، قال:
ـ أتذكر لحظة دخولك عليَّ في بيت أختي بعد أن أطلقوا سراحي!.. أنت
مثلها بالضبط.
ضحكت قائلة:
ـ هسه أقدر أحكي قابل تغار من واحد مات قبل عشرين سنه. كنت أني
وأخوك الصغير منسجمين أكثر، وكان ممكن..
وابتلعت البقية ببسمة عريضة، هو كان هاجساً بالقصة المختبئة خلف
هذا البوح. عندما جاءت إليه بعد مدة قصيرة من حوارهما طالبةً رأيه:
ـ قررت الاختفاء فماذا تقول؟
كان يجلسان في عتمة غرفته المعتمة. ارتجف بكل كيانه. وتأملها من
أسفل قدميها الصغيرتين العاريتين إلى شعرها الأسود المنثور على
كتفيها، متخيلاً حالها في البيوت الحزبية السرية. وكيف ستكون مادةً
للقصص التي كان يسمعها من أصدقائه الذين عاشوا تجربة الاختفاء في
الستينات وملذاتها الممزوجة بالخوف، هذا مضاف إلى احتمال الوقوع
بأيدي الشرطة السرية. كانت تنتظر بلهفة..بينما شردت عيناه متسلقة
أدراج مكتبته الممتدة حتى السقف.. إلى صورتهم المشتركة المعلقة وسط
الحائط المقابل..
ـ ليش ساكت!
بماذا يشير عليها وهو يعرف أنها قررت ذلك قبل مجيئها. وأنها لو
نفذت ذلك فسوف يفقدها إلى الأبد. ألحت.. وألحت..قال لنفسه.. إذا
أشرت لها بعدم الاختفاء سوف تعتبرني أنانياً وتختفي. وإذا باركتها
سأكون كاذباً. كان تلهث إلى جواره مستثارة. قرب وجهه من شعرها
وعبّ نفساً عميقاً، فارتمت بين ذراعيه ناهجةً. وبعد أن هدأت سورة
الشهوة. عادت تطلب رأيه فقال
ـ هذا موضوع يخصك وحدك، فلا رأي لي فيه!
ـ كيف لا رأي لك فيه وأنت حبيبي؟.
ـ قلت بوضوح أن لا رأي لي!
ـ يعني أنت موافق لو معترض؟
ـ لا هذا.. ولا ذاك!
انتفضت واقفة وسط الغرفة، فسقط شعرها الطويل المبعثر مغطياً
قسماتها المتنمرة. أحس برغبة شديدة في مضاجعتها بشكلٍ كامل. أخذها
بين ذراعيه وجردها من ملابسها. لم تمانع هذه المرة وهو يدس أصابعه
تحت لباسها الداخلي ويزيحه إلى أسفل قليلاً، كانت ترمقه بعينين
مستسلمتين يائستين تلمعان بالشهوة المجردة. كف عن محاولته شاعراً
بأنه فاقدها إلى الأبد. كان يعرف أنها ستختفي بمساعدة أخيه المختفي
لكنه كان لا يتصور أنها قررت وقتها في دخيلتها استبداله بأخيه
الصغير إلا بعد مرور عشرين عاماً على زواجهما ومقتل أخيه. في أول
ليلة من سفرها سراً إلى بغداد تمكن أهلها من العثور عليها في قسمٍ
داخلي للطالبات وقبل ساعات من موعدها مع أخيه. هذا ما أخبرته به
لاحقاً عند عودتها إلى المدينة والحياة الطبيعية.
ـ من يحزر ما يفور في داخل الكائن البشري؟!.
الطعنة القديمة الدفينة تنزف من جديد.
الطعنة القديمة الجديدة.
على دكة نائية في الجحيم تركته يقلب المواجع القديمة. ومثل إنسان
رذيل صار يبحث عن كل ما يذم كيان كان مأواه. يستلقي في ظلمة حجرة
النوم الضيقة منهكاً من أخيلته، من ضحكتها الغنجة الموجعة المترددة
بين الحين والحين في الطابق الأسفل. الجسد الذي عاشره ثلث العمر
بعد البلوغ. الجسد المسعر رغباته. الجسد الذي يحيله مراهقاً من
جديد. الجسد الذي مات تحت ناظريه وإلى جواره قليلاً.. قليلاً.
الجسد.. الجسد وما يكمن خلفه من روح كانت عذبة. وواتته رغبة عنيفة
في مغادرة السرير والنزول إلى خلوتها الضاحكة ومضاجعتها بذلك العنف
واللهفة التي كانت تتلقف جسده بها في زوايا الغرف السرية، وفي كهفٍ
لا يسع إلا لثلاثة بلغوه زحفاً على البطون من فتحته الضيقة في سفح
تحت قمة جبل القوش، رغم وجود ثالث يستلقي جوارهما متصنعاً النوم في
العتمة.. رغم ذلك اعتلته في حلكة الكهف وصمته كاتمة لهاثها الداوي
في أحشائه ليبلغا ناصية ذروة ليس لها مثيل أو تكرار.. ما ألذَّ
طراوة ونعومة تلك البشرة الغضة المقتحمة كيانه المستسلم لقيادها
الخبير. كاد أن يغادر حجرة النوم وهو في حمى التذكر والتوهج
والشهوة. اتكئ على كوعه وأنزل ساقيه، لكنه انكسر غصناً هزيلاً في
عاصف ريح وهو يواجه وضعه البشري الجديد.. البائس المبحر في قارب
مثقوب.
-------------
*
فصل من رواية "كل شيء ضدي"
**
كاتب من العراق يقيم بالدنمارك
|