|
وسائد غريبة
عباس خضر*
الاشتهاء الأخير
أشتهي
حانةً بحرية
وأغنيةً " لليالي الشمال الحزينة"
وزجاجةً يدورُ فيها البحرُ
ومزّةً ... بالجبن الأبيض
ونادلةً حادة كالسكينِ
أقاسمها البحرَ
والحانةَ
والأغنيةَ
والزجاجةَ
وأقطعُ بها الجبنَ الأبيض
وأوصالي عن العالم
ميونخ، صيف 2004
لـ ابني الذي ليس هنا
أتريدُ يقيناً كالقصيدةِ؟
لا تخفْ!
سأطلقكَ في الفضاءِ
كأيِّ حجرٍ لا يصيب...
فما مِن وصولٍ، يا بُني، والأرضُ هكذا
ما مِن وصولٍ والمدينةُ هكذا ...
حتى الموتى
أولئك الذينَ رمَونِي مِن النافذةِ
واحتسوا الكأس
كانوا بلا سبابةٍ تشيرُ ...
لا تخفْ!
واحتم بي
فليس كلّ قتلى النجمات بغرباء،
بورقٍ تالف مثلي احتمِ
وبقافيةٍ لا كمشنقة
فأنا أبواب بلا جدران...
ولتطمئنّ أكثر!
سأطلقكَ في الفضاءِ
كأيِّ حجرٍ لا يصيب
كأيِّ حجر لا يعودُ
كيقينٍ
بلا يقين
عمان، صيف2002
هذيان ربما
أتعرفُ ؟
أنَّ المدينةَ وسادةٌ،
وسادةٌ عارمةٌ كالحجارةِ...
فلا عجبَ إذا ما نُفضتَ يوماً
مِن المنازلِ كالغبارِ ...
ولا عجبَ،
أنْ يُطاردكَ ظلُّك،
ظلُّك القرين للجدارِ،
ظلُّك الرشيقُ.
لا عجبَ، أنْ يطاردك كشرطيٍّ
في وَضح النهارِ...
ولا عجبَ، أنْ تعودَ أنتَ
مِن عكازٍ إلى ظلٍّ
ومِن ظلٍّ إلى خسارةٍ
ومِن خسارةٍ إلى عثرةٍ
ومِن عثرةٍ إلى احتضارٍ
ولا عجبَ، أنْ تعرفَ
أنّ الفصاحةَ لعثمةٌ
أمامَ هذا الكمّ الهائل
مِن التهجّدِ
للخياناتِ
عمان، صيف 2002
أكذوبة
الآخر، الذي حدق
أكان يحدق بكَ كأكذوبة؟
الآخر والآخرون
أشاهدوا حقاً تشوه خطوتك
وارتطامك بالحجارة مثل قذيفة
أشاهدوا حقاً وجهك المدموغ على الصخر
وأسنانك التي تعد لليوم حصى الأرض
وهواءك الطيب المبعثر على القارات
الآخر، هذا الباسق منذ سنين
هل لامس ظله؟
هل مر بظلك؟
وحتفك في كل جحر وطريق
الآخر، الذي لم تسقطه المكائد والحيرة
ولا تعثر بالجثث
ولا أكلت جلده حشرات الزنازين
ولا حج هارباً حول المجرة
ولا طاف كالعشاق حول رماد العمر
ولا حفر صخر الأرض بحثاً عن نرجسة حائرة
الآخر الذي حدق بك كأكذوبة
ما أكذبه!
ميونيخ 17 /9/2000
ليل لا يحصى
قمرٌ واحد في السماء،
وعربةٌ واحدة
ركضنا بها في عتمةِ الليلِ...
والأشباحُ ذهول
والوريدُ ذهول
يهبُّ الشوارعَ نزيفاً لا ينتهي،
نزيف المزاريب من القلوب
فوق النوافذ
و الحكايات ...
قمرٌ واحد
وليلٌ لا يحصى في الظلام،
وداعات لا تعد،
لقاءاتُ موتٍ إلهي
في الأرديةِ
و النجوم...
قمرٌ واحد،
و ليل لا يحصى
في خريطةِ مرايانا المدورةِ
في قمرٍ واحد
وعربةٍ واحدة
عربة: سرقناها وهربنا،
نجرّ خلفنا القمر الواحد
بخيولٍ من الدمع
دمشق، صيف 2004
عمر مصابيح
الضياء
جدران كغاباتٍ استوائيةٍ،
عذراً، بني، كوحشةِ مدينةٍ بعد حرب
كسلسلة جبلية طويلةٍ من حجر حادٍ كالمشرطِ
عذراً، كيفَ كان الجدار يا ولدي؟
لغة ووسادة مبللة أم بلل عمر معلقاً للسقف بمروحة
عذراً، رطباً كان القلبُ من مياه الأشباحِ،
رطباً كان السجن يقاسمني زاوية
ويبادلني حشرات فوق الظلالِ،
رطباً كان العالمُ...
عذراً، بني، رجال رطبون يأتون بعد منتصفِ الليلِ
كانوا ، يأتون من وراء الأكتافِ
من فوهةِ بندقيةٍ
كانوا رمالاً تلهث بصحراء تتسلقُ قلبَ المدينةِ،
عذراً، كانوا ما كانوا...
كانوا عتمة شاسعة
مذبحة
مجزرة
موتاً... مووووووووتا .
عذراً ولدي كان الزمن
يا للزمن بني،
ويا للوعة،
ولرعشةٍ كان العمرُ،
لريح كانت أسلاكاً وعصياً،
لآلات ومقابض كهربائية فوق الكتف،
عذراً، حول القضيبِ،
بين الأصابعِ،
فوق الجلدِ،
تحت الجلدِ.
أيّ عمر ٍكان يتشبثُ بزوايا غرفِ وبلاط،
وببنطال السجانِ،
بحذاء المحققِ،
بقملة اللهِ،
عذراً ،بني، كانت الأرضُ تميد وتتوازن على قرنِ جنرالٍ،
أرضٌ مدورةٌ كلكمةٍ تدمي الوجهِ،
كجدارٍ رطبٍ...
عذراً، رجال رطبون يتحرون في العظمِ عن شباك هارب...
عن خريطة سريةٍ للمدينةِ في جسدي...
عن طرقاتِ للروح مبعثرة في اللحمِ...
عن أولادٍ يتراشقون بحبات المطرِ ...
عذراً ، قلتُ كل شيء.
صرختُ ولم يُسمع.
أقصد اعترافي.
عن خريطة البلاد في الحلمِ.
عذراً، كان عليّ أن أعترف.
وأعترف اليوم بما هربته ساعتها
أن أمّي لا تتقن الحرب...
وأننا عمر مصابيح الضياء
التي أطفأها الجنرالات
بحجر .
ميونيخ، أكتوبر 2000
---------------
*
شاعر من العراق مقيم حالياً في برلين
|