قصائد
صبري هاشم
*
1ـ
طه .. طه
ونحن على الريح ننفتح ولها نشمر عن هوى خيامنا، فتتلاعب في بطونها
كأهلة موج وفي حضرتها يتنازعنا فوق تربة المنافي شجن الحديث، ساقت
إلينا الريح قافلة فيها من الصحب الكثير . كنّا نتسرى خارج زمن
الرمل وخارج زمن البحر وخارج زمن الصحو ونفيض بما ازدحمت به
خواطرنا . كنّا في خواتيم الزمان إن لم تشطح بنا ذاكرة أو تتعثر
ذكرى أو تخمد جذوة العقل . عاماً أقمنا .. عامين وفي أَبْيَن لم
نجد غير عزاء الحضرمي . هل عاد بقافلة من توابل أم ضاع في مجرى
السيل ؟ مرت علينا أيام غارت في تاريخ سينسى . ثم مع الصحب توادعنا
على أمل أن نلتقي في الديار التي لن نعود إليها وإنْ كنّا حطاماً
.. أمواتاً .
*
ورد وطلّ وهمس حبيب وماء يترقرق في عين ليل تطيل البكاء . ورد وطلّ
وجنح يرفّ، يديم النداء. يا هذا البرد اطل الكأس ، فهذي الكأس كأس
صديق وهذي الكأس لنديم يتلو في الليل الموغل في المنفى قصص التاريخ
أو يترنم في مطلع فجر أبيض شَجْوَ الكلمات .
ورد لقبر غريب
يسوق النجم على وجه الليل
لسفائن تعلن في عدن ساعة الرحيل
لزرقة بحر تشرق في ليل المنسيين حلماً
لعودة قمر تاه في التخوم
قبر ل" طه " في غبار المسافة ، وجدناه
في انحدار الطريق
حين كنّا نحزم الحرّ اللاهب حزمة حزمة
نضع على أيماننا بعضها ، ونترك الشمائل لخصوبة اللقاء ، لحلو
العناق ، ثم نعود ببقية أجساد أذبلتها الشموس .
فيما الصاخب منّا ،
كبحر مجنون يعدو خلف الشمس
يرشقها بحجارة قُدّت من شمسان
أو من همّ القلب
أو من مقلع الذاكرة
أو من مُسَنّاةٍ تمتدّ إلى دجلة
ويعود ضاحكاً : فقأتُ عين الشمس ، يقول
يا " طه " لا تلعب بقرنفلة القلب
لا تضع تحت سقف الوحدة مشمومك النضر
لا تحلم بديار قذفتنا خارج أسوار ميادين اللعب عنوة وأسلمت مفاتنها
لغريب
يا " طه " اُترك لعبة الموت
ففي ظهرك الصحراء وسراب هي الديار
تمهل صديقي
وللذكرى خُذ معك شيئاً
خذ للرب هدية الأحياء القادمين بعد حين
قبر لطفل يلهو بعجلة الغياب
قبر لك في متنزه الزوراء
قبر لك في العيدروس
قبر لك في السماء
قبر لك
قبر لنا
قبر لأحلامنا التي لم نعشق سواها .
أخبرني طير ترجل من غيمة عابرة ، حام فوق رأسي و قال :
مات صاحب .. ولم يكمل
أين ننصب سرادق عزائنا إذن ؟
بعد الأهل .. بعد الصحب .. ومن فوقنا ادلهمت السماء . ضاعت مراجعنا
أين ؟ قل لي أين ؟
في أيّ مفترش نُصلح ما تداخل من خيوط الزمان ؟
وتحت أيّ خيمة ننجز ديباجة القول ؟
قل لي
إلى أيّ المآتم تتجه اللاطمات ؟
دعنا يا " طه " نهيم
ففي البرّية متسع للهيام
دعنا نأت على ما تبقّى في كأس الجنون
دعنا نصرخ حتى تخوم القيامة
أو نعول حتى نحاذي زعنفة العويل
دعنا ننجز ليل البكاء
فلأمثالنا لا تنفتح أبواب الدار
وحين دخل كلّ ثغاء الدنيا أغلق خلفه الأبواب
وساد سكون
انطفأ في نومه الإله
انطفأت أحلام الدار
وزهقت أرواح الورد إلاّ روحاً حمله النسيم لقبر يحرسه طلّ
قبر ل " طه " في رقة المساء
قبر له يجوب الأرجاء
قبر له في أرض عدن
في قبة السماء
قبر ل " طه "
21 ـ 6 ـ 04
2 ـ
رحلة الشمس .. رحلة القمر
الوقتُ ضحى والشمس بدوية في مشرقِها تجوس
تتعشق فارساً مجنوناً
تارةً ، على ثوبِ الواحة الغائرة في عمق الصحراء ، ترخي عجيزتَها
وتارة حافية ، فوق الرمل ، تتنزه
الشمسُ المغناجُ بثوبٍ فضفاضٍ أزرق ترفلُ
لطفاً تهجسُ
وعلى نخيلاتِ الواحة توزع تحيةَ النهار
الشمسُ الفرِحةُ المازحةُ تناكفُ أحياءَ الواحة
تطارحُ أحياءَ الواحة
تضحك ، تحزن ، تتأوه ، وتَغرقُ مدامعُها أحياناً
الشمس الأنثى كاملة الشهوة
الوقتُ جنون
تخلعُ ثوباً ، الشمسُ ، من همسِ الريح
تتعرّى ، ثم
تتثنّى ، ومن عادةِ الشمسِ ، في مشيتها تتثنّى
والليل .. الليل عنّا بعيد بعيد
حين الشمسُ تميس
*
غنِّي .. غنِّي
أيتها الشمسُ التي في الضحى تتعهر
غنِّي .. أطربينا
أو تعلِني بدءَ الساعة
أجل .. أعلِني
فنحن أنجزنا بعضاً من أوهامِ الساعة
وكثيراً من أحزان
هل كنّا في محرابِ الوردِ ؟
في الذروة ؟
في عُريّ الصيف ؟
في حشمةِ الشتاء ؟
في أيِّ الفصولِ نحن ؟
في تموز
حيث الوردة سكبت على الشمسِ عطرَها
تذكرنا يومَ ولِدت ويومَ ماتت
*
الوقتُ .. لا ندري ماذا كان الوقتُ
غسقاً أبيض ؟
ربما
والقمرُ يتنهد
في الشرفةِ المطلّة على الرحيل تنهد
يتمطّى
القمرُ تحت ظلالٍ سكرى تمطّى
ماذا كان الوقتُ ؟
صبحاً وحشياً ؟
ليلاً نارياً ؟
ماذا كان الوقتُ ؟
*
نلبس أحلاماً ، نوراً مسحوراً
والساتر بقايا سديم .. نسجدُ ، نسجد
ننزعُ خلفَ البابِ جلبابَ الرحلةِ ونكشف آمالنا وهناً آسراً
هل تأتي إلى حيِّنا أيها القمرُ ؟
أيطيبُ لك لقاءٌ في مقهى ؟
في عرض الشارع ؟
تحت ظلِّ نخلةٍ ؟
في زورق ؟
هل نرحل والنّهر ؟
أتأتي ؟ لا تدري !
أيها القمرُ المحبوب ، لنا غنِّ
غنّت لنا الشمسُ
لنا غنِّ
أو فلتنتحبْ .. أيها القمرُ المعبود
أحسن لنا تنتحب
غنِّ .. انتحب .. انتحب .. غنِّ
غنِّ .. غنِّ
الآن .. الآن
ماتت .. ماتت
انتحب
انتحب
ماتت نشوى
10 ـ 3 ـ 2003
3
ـ أحلام الظهيرة
في كلّ ظهيرة
نقف على أبواب الميناء
ننتظر العربات المحملة بأسرار المراكب وروائح المدن الغريبة .
تمرّ من أمامنا العربات مفزوعة الخيول
تمرّ خطوتين تاركة لنا المؤخرة التي إليها نقفز
نتدلّى من فوق عوارضها كالخفافيش
بلهاثنا نسوق العربات
وبالسياط التي تلهب ظهورنا تسوقنا العربات
فالعربات التي حملتنا مثل خفافيش
والعربات التي أفزعتنا سياطها ، انفتحت على المدى كنوزها ومنها
تناثرت المدن التي لم نرها بأحلام الظهيرة :
نساء من مدراس .. من بومباي .. من كشمير .. من سنغافورة أو سيام أو
من بلاد العاج .
طيور من غابات الأمازون
أخشاب من سمرقند ، عطورات من بلاد العويل والهديل ، ونكهة حضرمية
المنشأ تنبعث من طيب اليمن السعيد .
لكن العربات التي انفتحت على المدى كنوزها
عادت بظلالنا التي أخذتها العوارض وتركت تحت لهفة الشمس أجسادنا
والملوحة
21 ـ 4 ـ 2004
---------------
* شاعر وروائي
عراقي
مقيم في برلين
|