|
زهور هاينة *
( إلى ورود إسمهان ومحمد عبد الوهاب )
د. عدنان الظاهر**
ينهشُ زهرُ الوهمِ لحومَ الأضدادِ أريجاً شتويا
أتذكّرُ فيهِ مَن أهوى
فأضيعُ هباءةَ طلعٍ تتقطّرُ في أنبيقِ مياهِ الأورادِ
وأهيمُ غراماً فيها
وأُرددُ أصداءَ الذكرى
لا أسمعُ بعدَ الفُرقةِ منها شيئا
لا أتذكّرُ إلاّ نفحةَ عطرِ الألوانِ الحمراءِ
طيفاً مُرّا
وشذى أمرٍ مجهولٍ يأتيني في نومي أحياناً كالرؤيا.
الوردُ يُمددُ أغصاناً وارفةً في بيتي شتّى
كفروعِ الحنظلِ فُوضى في رملِ البيداءِ
تروي شَبَقاً للحبِ إذا أظما
وتُمهّدُ بالدهشةِ أرضَ الأشجانِ السوداءِ
فالوردُ لهيبُ تنفّسِ أرواحٍ جازعةٍ حرّى
والوردُ عبيرُ اللونِ المسفوحِ القاني.
ما هذا الأَرَجُ العابقُ من أجواءِ السلوى والسلوانِ
يقتحمُ النجوى بالأقوى من طيفِ أشعةِ شمسِ الألوانِ
ويُقيمُ دهوراً فيها مُثلى
فأقومُ دُخاناً من ورقِ الآسِ وطيباً فردوسياً أسمى
وطيوفاً من نرجسِ عَينيْ من أهوى
تتنفسُ في صدري ظمأى
لدماءِ شقائقِ وَجناتِ النعمانِ.
(*) الشاعر الألماني هاينريش هاينة
Heinrich Heine
… كان يُحب الورود كثيراً. غنّت أسمهان أغنية { يا بدع الورد يا
جمال الورد } كما غنى محمد عبد الوهاب أغنية { يا ورد من يشتريك }.
سورنتو
Sorrento
(( مصيف شهير في جنوب إيطاليا مقابل جزيرة كابري ))
ترى وَتَراً في العودِ يُنقِصه عويلي
ويسافرُ الغرباءُ والليمونُ يتركني على ناي الأصيلِ
سُفُناً وأشرعةً أراها
تدفعُ الأمواجَ في بحرٍ من الأحزانِ ساعاتِ الرحيلِ.
البحرُ في قمرِ العزيزةِ محنةٌ
من جفنها يتساقطُ الليلُ البهيمُ على خيوطٍ من خميلِ
من أنتِ ما بين السواحلِ والمراحلِ والفصولِ ؟
ما أنتِ في مُدُنِ الظهيرةِ والبنفسجِ في مساميرِ المقاهي والذبولِ
؟
تتقلبين على ضفافِ الرملِ كالأسماكِ في حطبِ النخيلِ
جَسَداً من الذهبِ المُخبّأِ تحت ظلِّ التينِ والزيتونِ في الحوضِ
المُسمّنِ بالعجولِ
مُهراً مع الأفراسِ متَصلَ الصهيلِ.
جلستْ تُذكّرني أنيساً غابَ في صمتِ القتيلِ
في الليلةِ الظلماءِ حين تفجّرتْ
صوتاً وزخرفةً وأطيافاً ملوّنةً وكأساً لا أُطيقُ لها مذاقا
أُفُقاً من الترحالِ والتسآلِ في ليلِ التشرّدِ والذهولِ :
ماذا سيبقى في مهبِّ الريحِ من ذكرىً على حبلِ الغسيلِ
ودورةِ الصيفِ الجميلِ وصوتِ قاطرةِ الرحيلِ ؟
فهل
أراكِ على رصيفِ الصاعدينَ بروجَ أجنحةِ الحَمامِ
تتسولينَ أصابعَ السكرى
محطّمةً على قهرِ الخليلِ وغطرسةِ الزمنِ الذليلِ.
لا الطبُ في الشُرُفاتِ يعرفُ محنةَ الصدرِ العليلِ وداءَ مخنوقِ
الهديلِ
تبكينَ من سوءِ المُناخِ وفي المخيمِ ضاعَ مفتاحُ الدخولِ
وموكبُ العشّاقِ في البحرِ البديلِ
ضاقتْ بنا الطُرُقُ الفسيحةُ في الصباحِ وفي المساءِ
نتبادلُ الأنخابَ إسرافاً وأنسى
أنني المخمورُ أطلبُ ضعفَ كاساتِ الكحولِ
تترشفينَ زجاجةَ الماءِ الشفيفِ وأحتسي
نارَ الجحيمِ وعلقمَ المرِّ الثقيلِ
لا البحرُ يستثني بقايانا على رملِ الأصيلِ
لا الرملُ يحفظُ ما تركنا من خمورٍ أو عطورِ
عندَ السواحلِ أو مجسّاتِ الثغورِ
لا قريةٌ في الرومِ ترحمُ أدمعَ الشيخِ الهزيلِ.
ماذا تبقّى من عبيرٍ في مُدامي أو سمومِ ؟
منذا سيسمعُ آخرَ الحفلِ المهشّمِ صوتَ دقّاتِ الطبولِ ؟
حفلٌ هناكَ تأخّرَتْ نُدمانهُ ليلاً وفي حاني
تكسّرَتْ الندامى
في جِرارِ كؤوسِ خمرِ الإنفصامِ على الطلولِ.
------------
** شاعر وكاتب عراقي مقيم في ألمانيا
|