|
تحيّة طيّبة
أرقبُ من بعيد، من مدينتي الصغيرة الضائعة وراءَ المحيط، ما يحدثُ
هنا وهناك. أشعرُ أنّ هذه الأرضَ مسرحٌ يعرض فصولاً مضحكة مبكية
بشكل يوميّ. الحياةُ عبث مؤلم
فصلٌ أول..
الإعلام الأميركي منشغل هذه الأيام في قضية امرأة تعيش منذ سنين في
"حالة نباتية"، أي أنها لا تعي العالم المحيطَ ولا تتكلم أو تستجيب
للآخرين، بل هي جسدٌ حيّ لأن القلبَ ينبضُ والصدرَ يعلو وينخفضُ!
وتأتيها التغذية الاصطناعية عن طريق الوريد. السؤال الكبير الذي
أسالَ الكثيرَ من الحبر والساعاتِ الطوالَ من المناقشات: إلى أين؟.
ثمة المئاتُ أو ربما الآلاف من هذه الحالات في أميركا، وهؤلاء
الأشخاصُ قد يعيشون سنينَ وعقوداً حتى يتوقف القلب أو التنفس!.
المشكلة بالنسبة لهذه المرأة هي أن والديها يريدان استمرارها
"حيّة" رافضين إيقافَ التغذية الاصطناعية وتعريضَها للجوع والجفاف
حتى الموت، أما زوجُ المرأة فيقول إن رغبتها قبل أن يحدثَ هذا كانت
أن لا تعيش في وضع اصطناعي دون معنى وكرامة! والمحكمة في جانب
الزوج، رغم المظاهرات والضغط الشعبي: كيف نقتلُ إنساناً حياً؟
فصل ثانٍ..
أين نحن مما يجري، ومن يهتمّ عندنا في الشرق بموت الأدمغة الحيّة
لا الميتة، ومن يعنيه إذا انفجر خمسون طفلاً أو سُجن ألفُ رجل. هل
نستطيع أن نعدّ حجم الخسائر البشريّة في العراق، أم أنّ الجنودَ
الأميركيين فقط يُحصون، والبشرَ العراقيين لا يعدّون. مات على
الأقل نصفُ مليون طفل عراقي أثناء الحصار، ومئةُ ألف عراقي منذ
الاحتلال! كيف نقتلُ إنساناً حياً؟
فصل ثالث..
بين حين وآخر تمرّ كلمةُ الديمقراطية، فتأتي إلى البال صورةُ بابا
الكنيسة الكاثوليكية بعد أن جعلَ الأطباءُ له ثقباً في حنجرته كي
يتنفس!
ثلاثون عاماً على كرسيّه، يتزعم جماعةً يُفترض أنها تؤمن بالحرية
والمحبّة وقليلٍ من الديمقراطية!. إذن لماذا يتشبث بالكرسيّ حتى
النفَسِ الأخير. ألم يلدِ التاريخُ غيره ليقودَ أكبر مجموعة دينية
في العالم. نعلم أنه أسقطَ الشيوعيّة، لكن ماذا فعل في السنين
الخمس عشرة الماضية، وهل كان ذلك بالتأكيد لخير البشرية؟
ربما من الأفضل أن يبتعد القائدُ بعد حين ليبقى أسطورةً، كموت
"رفيق الحريري"، لأن الذين يبقون "إلى الأبد" يفقدون كلّ شيء حتى
كراسيهم ذاتَ مساء.
فصلٌ رابع..
المهزلةُ العربية في القمّة الأخيرة. ربما عليّ أن أتوقف هنا،
وأشكر الله على لعنة المنفى!
إليكم المهاجر في عددها الرابع من أجل مشهد أدبيّ وفكريّ حرّ.
|