|
غرق في الورد
( ديوان شعر للشاعر حسين محمود حبش / دار أزمنة / عمان 2002 )
د.عدنان الظاهر
شاعر آخر من شباب شعراء قصيدة النثر أتى ألمانيا وأقام في مدينة
بون (( من قرية كردية أسمها شيخ الحديد تابعة إلى قضاء عفرين في
سوريا )) كما ورد في كلمات التعريف بالشاعر . ذهلت !! شاب كردي
الأصل والنشأة يمتلك ناصية لغة عربية ناصعة فصحى لا أحلى منها ولا
أبلغ. ما تفسير ذلك ؟
في الديوان سبع وعشرون قصيدة كتب تسعا منها في حلب السورية وواحدة
في مسقط رأسه قرية شيخ الحديد وكتب واحدة في عاصمة الدنمارك
كوبنهاكن وكتب باقي القصائد في مدن ألمانية شتى .
استهل الشاعر ديوانه بقصيدة " مفتتح، ملوك الرهانات الخاسرة والألم
الباهر " تكلم فيها عن أحوال الشعراء كأنما لهم بالدرجة الأولى كتب
ديوانه وخصهم به . لقد أبدع الشاعر حسين محمود حبش في رسم لوحات
تعبيرية بارعة ترفل برخاء السوريالية وثراء المخيلة وجرأة الترحال
والتجوال في عوالم الشعراء وهو واحد منهم ، لسان حالهم المعبر
وقاضيهم ومحاميهم في نفس الآن . لنستمع الى بعض ما قال فيهم :
ملوك الشفافية والهزال يغيبون في أنفاس فراشة أو على ظهر نحلة أو
بين تلافيف معكوسة لجمهوريات بدائية ...
هم مجانين التيتم والألم، تقواهم الفوضى والمجهول ...
يحملون شموع النوم... جديرون جدا بالفشل والكسل والحرية والجاذبية
والأستفزاز..
يجيزون ما لا يجوز ويستقيمون في التوابيت فقط
...
سليلو اللغة.. يضعون الديناميت بين سقوفها وأساساتها فتنفجر منهمرة
بحرارة الدهشة ودفء الانهدام يقلدون الريح، أعاصير الوديان، النوم،
الطيران، الموت والنهر ( الذي لا يكرر نفسه مرتين ) ... أطفال الله
المدللون ( يقولون ما لا يفعلون ) .
هنا قد أحالنا الشاعر الى مقولة فيلسوف الأغريق في التحول والتغير
مرة وأحالنا إلى سورة الشعراء من القرآن الكريم مرة أخرى ((
والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم
يقولون ما لا يفعلون / الأيات 224- 226 )) .
نعم ، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون (( إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات ..)) .
افتتح الشاعر ديوانه - وخيراً ما فعل - ببيان غير مؤرخ موجه إلى
زملائه الشعراء لكنه اختتم هذا الديوان بقصيدة رائعة مكونة من
ثلاتة أقسام كتبها في مدينة بون عام 2002. اسم القصيدة " رائحة
الانتباه " والدراسة المتأنية لها تكشف عن هموم قومية عميقة استعرض
الشاعر من خلالها تأريخ الكرد وما عانوه في مسيرة تأريخهم الطويل
من ويلات ودمار ومظالم حتى لقد أضحى شعار أمة الكرد ما قاله ذات
يوم القائد الكردي الملا مصطفى برزاني (( نحمد الله الذي لا يحمد
على مكروه سواه )) . نعم، لقد تحملوا من المكاره ما لم يتحمله شعب
سواهم من تتريك مرة وتعريب مرات آخرى وتنكر للوعود التي قيلت لهم
بإقامة وطن قومي لهم في شمال العراق. فهم في تركيا أتراك وفي
العراق عرب من سكنة الجبال وفي إيران الشاه هم آريون كالفرس سواء
بسواء وهكذا كانت عليهم تدور الدوائر، يمنعون حتى من التكلم
والدراسة بلغتهم الأم .
ما قال الشاعر في هذه القصيدة بحق أمته التي تشرد شبابها في شتى
أنحاء المعمورة طالبين ملاجئ وملاذات يقال عنها إنها آمنة ؟
من مكان الى مكان،
يوزعون إفادات مغموسة برائحة الدم والزنازين،
يسيلون على أرصفة نظيفة بثياب متعبة،
وأحذية خرجت توًا من الطين الدافيء لبلادهم
مبللون بعقول طازجة وأحاديث فارهة عن أشجار تزهر
بالفراديس المنقوشة بالعلو الجامح،
هكذا يتخيلون.
نمور شقراء تفترس هدنتهم،
وتترك على أجسادهم عيون شرسة.
تائهون مثل بوصلة عطبت عمدا بالبحارة ...
هذا هو حال من تشرد من الشباب الكردي ( وسواهم الكثير من قوميات
وجنسيات وطوائف وأقليات أثنية أخرى ) في أقطار أوربية نظيفة جميلة
لكنهم ( يسيلون على أرصفة نظيفة بثياب متعبة وأحذية خرجت توا من
الطين الدافيء لبلادهم ) . الأرصفة النظيفة وألق المدن الجميلة لم
تنس الشاعر طين بلاده الدافيء حيث يعبر عن حنينه وأعزازه لمقامها
في دواخل نفسه رغم تنكر أنظمة الحكم فيها لحقوق أمته ، لكأن لسان
حاله يقول ما قال شاعر قبله
بلادي وأن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن شحوا علي كرام
ثم :
تراقبهم عدسات الرؤوس
الخائنة والمعتمة
وفق نظرات تكشف مجهول
الغرباء الذين لا مجهول لهم
سوى الندوب المشروخة في
عواطفهم ...
لكن...
إلى بر الأمان،
أيمكن هذا ؟!
ينهارون بقامات باسقة تحت
سطوة الملفات
أيمكن أن يصفعنا كل هذا الضوء الهادئ
بقسوة حاضرة وجرح لا يوازيه
سوى الأنين ؟!
ألم، ألم، ألم، ألم ؟ ؟ ؟
...
لقد أنهى الشاعر هذا المقطع الأول مكررا كلمة " ألم " أربع مرات
وثلاث علامات استفهام تعجبا واستنكارا في عين الوقت . يريد أن يقول
( ما الذي جنيناه حتى وقع على كواهلنا ، نحن طالبي اللجوء ، كل هذا
العبء وكل هذا الألم ؟؟ ) . كالمستجير عن الرمضاء بالنار .
إذاً أنهى الشاعر هذا المقطع بالألم فلقد أنهى المقطع الثالث
بكلمتي ( لا أمل ) ، كررهما مرتين . ألم هناك ومقلوب الألم منفيا
هنا. مهازل الأقدار وسخرية الزمن . بدايتنا ألم ونهايتنا بلا أمل.
وماذا في أشعار الشاعر حسين محمود حبش سوى ذلك ؟؟
1- عالم الحيوان:
لقد سبق وأن أنتبهت لظاهرة كثافة ورود الحيوان في واحدة من قصائد
الرثاء لأبي العلاء المعري ، والمعري هو الآخر من سوريا (1)
وتساءلت في حينه عن مغزى هذه الظاهرة .
ففي قصيدة " مدائح " ذكر حسين أسماء ( القرش والدلفين والسمك
والشبوط والعصافير ثم النمل ) . فما هو السر في ذلك ؟ قد نجد
الجواب في تقسيم الشاعر لهذه القصيدة إلى خمسة أجزاء حاكى فيها على
ما يخيل إلي عناصر الطبيعة الأربعة : الهواء والماء والنار ثم
التراب. فقد كرس الشاعر القسم الأول إلى العمر، القسم الثاني إلى
البحر ( الماء )، القسم الثالث خصصه للهواء والرابع للحيوان
(الطيران والعصافير) والعصافير لا تستطيع الطيران إلا في الهواء .
وأخيرا اختص القسم الخامس بالنار . القرش والدلافين والأسماك
والشبوط هي جميعا كما نعلم حيوانات مائية إن فارقت وسطها المائي
ماتت . أما العصافير فانها جزء من الهواء الذي تستنشق جميع
الكائنات الحية . أما الحيوانات التي تعيش على أو تحت سطح الأرض
فلم يستأثر منها باهتمام الشاعر إلا النمل . هل معنى هذا أن شاعرنا
مفرط في التحليق في هواء أجواء الخيال من جهة ومسرف في التعمية
والألغاز والتواري بحيث لا يمكن العثور عليه إلا متخفيا وبصعوبة ؟؟
الدلافين وباقي الحيتان ( وثعابين البحار السامة ) وحدها تتنفس
الهواء الحر، لذا فإنها ترفع رؤوسها بين الحين والحين لاستنشاق
الهواء الحر مباشرة من الجو. فلماذا يتهرب الشاعر منا تارة في
أعماق اليم وأخرى في الأجواء العليا ؟؟
حين نواصل رحلتنا مع نصوص الكتاب نكتشف الظاهرة نفسها في قصيدة
عنوانها طويل قد نشعر معه أنه ثقيل الوطأة علينا ، أقصد قصيدة "
الثالوث الناقص منتفضا إلى رفاهيته المكتملة " . العنوان غير مفهوم
القصد ، وذلكم أمر متوقع من هذا النمط من الفن الشعري المتسربل
بالقدرة الفائقة على الإدهاش والغموض والتعتيم المقصود حينا والذي
يأتي عفو الخاطر في أغلب الأحيان . قد نتساءل : ما هي علاقة عنوان
القصيدة بمضمونها الآتي ؟ نجد هنا لحسن الحظ جسرا صغيرا يربط
العنوان بالمحتوى ، ألا وهوالرقم 3. أجل فان هذا الرقم يأتي في
واحد من أسطر النص ( تعود الغزلان إلى الثالوث الناقص لرفاهية تتوق
للاكتمال الصاعق ...) . إذا وجدنا هنا بعض السلوى فإننا لسوف نقع
في حيرة أكبر إذ نواجه في متن هذه القصيدة أرقاما أخرى هي الأرقام
6 و 8 ، فما هي دلالة هذه الأرقام يا ترى ؟؟ ذكر الشاعر هذه
الأرقام كما يلي تباعا :
ليد على يد وتكتمل اليد
الغائبة
في المحنة السادسة .
ينتفض غبار القيامة عند
انبثاق النرجس
من ملكوت الأدغال في الصباح
المتهدج ...
ثم
نقتنص اليد الثامنة ونكحلها
بالمصافحات العميقة
نفتح بها مدن النور
فتضيء الغربة بألفة مثيرة
ننشغل بزئبق النبيذ ...
نأتي باليد الثامنة ونمسح
الغبار عن توتر القلب
ثم نوقد ميعادا خارج
الأنقراض ...
في الأمكنة الخالية ليد
ثامنة تدور كوهج التنين
وتستمع الى تدفق السحر
نحو المساحات الغامضة ...
ليد ثامنة أصابعها غائمة
بالحنان
تواكب ألم الأكراد والجراح
الجاثمة على صدر الغابات .
إذا صرفنا النظر عن محاولة فهم فلسفة الأرقام ومغازيها فإننا
سنواجه مرة أخرى عالم الحيوان الأثير لدى الشاعر . ففي هذه القصيدة
وردت أسماء الحيوانات التالية :
اليعاسيب والغزلان والعصافير والذئاب والفراشات ثم الحيوان الخرافي
التنين . إذا أهملنا الحيوان الخرافي سيكون عدد المذكور من الحيوان
الحقيقي هو ستة .
ورد
هذا الرقم في أول القصيدة .
لعل في رأس الشاعر تأريخاً ما أو مناسبة معينة أو لغزاً خاصاً يربط
ما بين الرقم 8 ومحنة قومه الكرد . فلقد قال حرفيا كما رأينا للتو
( ليد ثامنة أصابعها غائمة بالحنان تواكب ألم الكرد والجراح
الجاثمة على صدر الغابات ) . اليد الثامنة في قناعة الشاعر هي يد
رؤوم تغدق بالحنان على أمة الكرد وتعالج جروحهم الكثيرة والكثيفة
كثافة وسعة مساحة الغابات . فما هي هذه اليد الثامنة ؟؟ رأينا في
هذه القصيدة محنة سادسة ويدا ثامنة ، فهل ثمة من علاقة بين المحنة
السادسة واليد الثامنة ؟؟ نأمل أن يجيب الشاعر حسين محمود حبش
مشكورا .
في قصيدة " باجة مفيستو شيخ الحديد " ذكر الشاعر أسماء خمسة
حيوانات هي حسب تسلسل ورودها في النص : الحمائم والجنادب والنمل
والحباحب والغراب .
وفي قصيدة " طفولة قمينة بالثمالة، يدبرها ورق الحبق تدبيرا دقيقا
" ذات العنوان الطويل ذكر الشاعر أسماء الحيوانات التالية :
الحجل والأوز والقبرة والخنفساء والسحالي والضفدع . حيوانات ستة..
أيضا.
ثم ذكر الشاعر الحيوان أخيرا في قصيدة سأقف عندها لطرافتها طويلا ،
هي قصيدة " ازدهار أمام الأنثى وانبعاث عشتار " . هنا سجل الشاعر
أسماء الحيوانات التالية :
الطيور والسلاحف والثعالب وبنات آوى والسعالي ( حيوانات خرافية )
والسباع والثور والحجل والنمل والقطا والبغال . أحد عشر حيوانا
... رقم قياسي !! . أشعر كأني في حديقة حيوان تعج بالحياة المفتوحة
بدون أقفاص ، أي في بارك سافاري أفريقي .
يظل السؤال الملحاح في رأسي : ما تفسير هذه الظاهرة ؟؟ لقد سبق وأن
فسرت رموز أغلب حيوانات رهين المحبسين الشاعر المفكر والأعمى
والمعزول طوعا أبي العلاء المعري ( 1 ) لكني أجد نفسي وبكل تواضع
عاجزا عن تفسير ما أرى اليوم أمامي من عالم حيوان الشاعر السوري
الكردي الشاب السيد حسين حبش.
2- عالم النبات :
إذا كان اهتمام الشاعر الأول منصبا على عالم الحيوان فإنه لم يهمل
ذكر عالم النبات حيث أبدع وأسهب أحيانا في تعداد ذكر أسماء أنواع
الزهور وباقي النباتات مما ألف في مواطنه الأولى أو مما رأى في
بلدان أخرى أغلبها أوربي. فلقد ذكر على سبيل المثال في قصيدة "
ملكات النوم" من الفاكهة والزهور والنبات ما يلي: شجرة الخرنوب
والريحان ( ثلاث مرات ) والوردة النائمة والزنبق والثمار والأجاص
والعشب والكمثرى والجلنار ( ورد أحمر ، وقد يكون زهر شجرة الرمان )
والزبيب والسكر ( الكبد السكري ) ثم السفرجل والزهور . وضع الشاعر
الذواقة أمامنا على طاولة ضيافته ستة أنواع من الفاكهة هي الأجاص
والكمثرى والرمان ( مجازا وأشارة ) والعنب ( الزبيب ) والسكر (
ربما سكر القصب أو مكعبات القند الطبيعي ) والسفرجل . جنة قطوفها
دانية ، ملأى بما تتشهى أنفس المؤمنين .
كذلك فتح الشاعر في قصيدة " بيضاء كالافتراس " شهواتنا على صنوف
أخرى من الفاكهة وما تنتج الطبيعة من أزهار ونباتات رائعة الحسن
مختلف ألوانها مثل : القصب والخيزران والتوت والحقل والعشب
والغابة والأزهار ثم التفاح والقمح والنبيذ والنرجس والعسل واللوز
وزهرة الأقحوان . هناك أجاص وكمثرى ورمان وعنب وسفرجل وهنا توت
وتفاح ونبيذ ( أعناب ) وعسل ولوز. السكر مركز في فاكهة فائقة
الحلاوة ومعروفة في بلاد الشام على نطاق واسع يقدمونها للضيوف مساء
بدل العشاء .
3- الغزل السامي/ الرومانس/ أيروتيكا
ليس كل من كتب شعرا يجيد بشكل تلقائي الخوض في عالم الغزل بنوعيه
العذري السامي والجنسي الآيروسي المكشوف، علما أن ذاك هو صدى هذا
ونجواه الخفية في نهاية الأمر... . ولكي نتفهم شعر شاعرنا حسين
محمود حبش الرومانسي - الآيروسي بشكل أفضل سأرجع لاحقا إلى شاعرين
أراهما من خيرة من كتب في أحد هذين اللونين أو في كليهما من الفن
الشعري، وهما أدونيس ( كتاب تحولات العاشق 1962 ) والشاعر المغربي
مصطفى غلمان ( ديوان خاتمة لذبيب الوشي 1998 وديوان على شفا موت
2000 ) .
سأبدأ مع الشاعر حسين بقصيدة " ملكات النوم " . وسأختار مقطعين فقط
من بين مقاطع هذه القصيدة الأحد عشر :
عمت أيها الكوكب الصلصالي بكل العاشقات
الصاعدات من خلخال الأنثى
جرب الهتاف في مرادفات العاصفة
لتفيض الشرارة من قزح الاحتمالات
عمت أيها السيد في هذا الارتطام
وليكن ما يكون المخدع، البقاء للجسارات
لتكوني أنت الرجيمة والرحيمة
أيتها الينابيع النائمة
في سرادق المرمر
تنثال اللمسات على حقوي الكمثرى
كاشفة مكامن الغابة الغامضة بعد دورانها الفرجاري
ليكن الهبوط والصعود، الصعود والهبوط
على أريكة الأرق
ولتتقدم الشعلة مفتوحة النار إلى عرين الفردوس ...
...
هذه الحقائب وهذا الترف
سجادة أضلعي الوفية للفضائح
ينتهي السراب ويبدأ احتفال الموكب الهوائي
ركاب الهتاف يتعرون في هذا الصقيع مؤمنين بنا
هيئة الكراسي تستدرج النجوم والتداعيات الشديدة...
هديل في العناق على قيثارة النهد الذي يقود عربة الذكريات
لتكن لك نعمة الفخار وزبيب الكبد السكري
أيتها الفراشة النائمة على مخدة الغابة المائية
لتكن لك الجداول لأقود اليك جموع وعولي في الظهيرة الظمآنة
...
هل نحتاج إلى جدول إحصائي يبين المفردات والتعبيرات الدالة على جنس
صريح مفتوح
أو رمزي لامح أو غامز بطرف عين واحدة ؟ طيب ، سأذكر ما ورد منها في
القسم الأول تطمينا للقاريء :
العاشقات، خلخال الأنثى، الشرارة، قزح الاحتمالات، المخدع،
الجسارات، الينابيع النائمة، اللمسات، حقوي الكمثرى، مكامن الغابة
الغامضة ، دورانها الفرجاري، الهبوط والصعود، الصعود والهبوط،
أريكة العرق، الشعلة مفتوحة النار ...
علما أن أقتطاع هذه الكلمات من سياقها العام في المقاطع الشعرية
يفقدها الكثير من زخم التأثير على القاريء والكثير من سحر
خصوصياتها التي لا تظهر ولا تنفجر في عتمة الإلهام إلا اذا وجدت
نفسها في خيمة جو عام يناسب كل دقيقة من دقائق هذه الخصوصيات
السرية منها وتلك الواضحة للعيان . الوضع الهندسي للكلمات ضمن
الجمل هو من أدق وأخطر مهمات الشاعر ولا أقول عبقريته أو موهبته
الشعرية. لكل شاعر من شعراء قصيدة النثر الحديثة مجساته الخاصة
الشديدة الحساسية التي تهديه وتريه طريق الإبداع غير المسبوق وتحدد
له شروط وخواص المكان .
رأينا في القسم الأول غزلا أو شعرا آيروسيا واضحا ، أما في القسم
الثاني من نفس القصيدة " ملكات النوم " فغزل المناجاة السامي واضح
شديد الوضوح.
ثم نقرأ في قصيدة أخرى طويلة العنوان " هذا لقاؤنا الأول، هل لنا
وقت لنفكر بالأخير؟"
تشكيلات رائعة من غزل المناجاة من مثل :
تقولين لي : خرجت مني رجلا يحمل على كتفيه نجوما
لا تسقط إلا علي
وبدأت أنا بك مأخوذا برائحتك
يفور من قميصي عطرك
الليل والنهار أجمعهما لك في أنفاسي
أحسك وأشعر بأن الحاجة اليك أكثر من الهواء .
...
عرجنا كما بدأنا إلى شجيراتنا
نشد قطيع الشهوات إلى الظلال
تجمعنا رائحة اللقاء
شممنا بعضنا وتبادلنا الأدوار
من سيفكنا من هذا اليقين العجيب ؟
شعر شفاف أشم فيه الكثير من عفة نفس الشاعر ونقاء ضميره والإخلاص
الفائق لمن يحب . قد يرى فيه غيري كلاما آيروسيا وعلي أن أحترم
رؤية من يخالفني الرأي .
ملاحظة : لقد أدمجت بعض الأسطر مع بعضها اختزالا للمساحة أولا،
ولأني لم أجد فارقا يذكر لا في المعاني ولا في منطق تسلسل الأفكار
قبل وبعد هذا الدمج ، مع الاعتذار للشاعر الكريم .
كذلك ترفل قصيدة " بيضاء كالافتراس " بالغزل الجميل المبتكر
والمقطع الثاني عشر من قصيدة " هاء تائهة في الحاء والعكس " الذي
يضع أمامي ظلالا ولوحات ملونة من تأثير سفر نشيد الأنشاد في كتاب
العهد القديم ( ثمانية إصحاحات ) .
لقد أفاد الشاعر أدونيس هو الآخر من نشيد الأنشاد هذا في كتاب "
تحولات العاشق "
( 2 ) الذي بدأه بإحدى آيات القرآن الكريم (( ... هن لباس لكم
وأنتم لباس لهن )) ثم بقول للقديس بالاماس (( الجسد قبة الروح )) .
قلت آنفا أن أفضل من كتب شعرا بالغزل الرومانسي أو الآيروسي من بين
معاصرينا كما أحسب هما الأستاذ علي أحمد سعيد ( أدونيس ) والشاعر
المغربي مصطفى غلمان . بلى،
لقد سبق وأن كتب شاعران قبلهما شعرا جنسيا فاضحا (بورنو) هما
المرحومان ابراهيم طوقان صاحب " أم القداسات " ثم الشاعر العراقي
حسين مردان صاحب " قصائد عارية " . فماذا قال أدونيس في " كتاب
تحولات العاشق " ؟ ولأن تحولات العاشق قصيدة طويلة فسأختار أبرز
النماذج الدالة على شعر الجنس الآيروسي المؤدب أو المحتشم الذي
كتبه الشاعر بأسلوب عالي المقام وذوق رفيع لا يخدش المشاعر ولا
يؤذي تقاليد زماننا المهيمنة . في المقطع الأول قال أدونيس :
كان هناك سرير ينتظرني . يجلس عند رأسه طيف ينهض كالثدي ويلبس
عجيزة وصدرا وما تبقى ،
واستيقظ جسدي ، وهوى أسير المسام وخواتم العين والسرة ،
والطبيعة الثانية التي تتناسل فيها أنواع ثانية من الخشخاش واللفاح
وسواهما من نباتات الذكورة والأنوثة ،
وأخذ جسدي يتهيأ لسقوط كوكب آخر في تجاعيده .
وقال في المقطع الثاني :
نقشت على أعضائك جمر أعضائي
كتبتك على شفتي وأصابعي
حفرتك على جبيني ونوعت الحروف والتهجية وأكثرت القراءات
كان تنهدي سحابا يسند الأفق
رداء أنسجه وتلبسينه مصبوغا بالشمس
وكان الليل ضوءا يقودني اليك .
وفي المقطع الثالث كان سطر الافتتاح هو " ليبير ، ليبيرا ، فالوس
... " ثم مضى قدما يرسم لوحات فنية آيروسية لا لبس فيها تنضح جنسا
مقبولا لا داعرا ولا خبيثا من النوع الذي يرتاح لسماعه المراهقون .
سأقتطع نماذج منها :
في جسدينا يرفع الضوء تلاله وراياته
واللهب يمتد وسائد وسائد
أحكمي عقدة الجفون .
أخترق سفينة جسدي اليك
أستطلع الأرض الغامضة في خريطة الجنس
أتقدم
...
أحسب نفسي موجة وأظنك الشاطيء :
ظهرك نصف قارة، وتحت ثدييك جهاتي الأربع .
أتشجر حولك
وأهوي، بينك وبيني ، نسرا بالآف الأجنحة
أسمع أطرافك الهاذية
أسمع شهقة الخاصرة وسلام الأوراك
أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق
سيري حيث تشائين بين أطرافي
قفي وتكلمي : ينشق جسدي وتخرج كنوزي
...
تنصبين سريرك أو تفرشين الأرض
نزرع أشجار الجسد
نتغطى بأصواتنا
الى أن يحين ميقات الظهور .
أغترب الجسد
مسه التحول
وجع المفاصل نبض الأطراف هندسة العضل وأبهة الفعل
الانقباض التقلص الانفساح
مهابط الجسد مصاعده سهوله ومدارجه التواءاته
أرض الخاصرة المليئة بالنجوم وأنصافها ببراكين الجمر الأبيض
بشلالات الجموح والشهوة
بعد هذا نتفيأ سرادق الحوض
حيث يستدير كوكب الجنس
يكتمل التحول
يصير ثدياك الليل والنهار
...
نقوم تنفسح الحدود المحصورة
ينطلق الأسر
تخرج الينا الدنيا بغتة تقول
نبتت شجرة الروح في الأرض
هكذا يقول السيد الجسد .
وفي المقطع الرابع قال أدونيس :
طامح جسدي كالأفق وأعضائي نخيل
تثمرين في
أقطف تحت صدرك، أيبس وأنت ريحاني والماء
كل ثمرة جرح، وطريق إليك
أعبرك وأنت سكناي أسكنك وأنت أمواجي
جسدك بحر وكل موجة شراع
جسدك ربيع وكل ثنية حمامة تهدل بأسمي
تحشرين اليه أعضائي
أتجه في نزع وسكرات
أستقر فيه مملوءا بشرقه وغربه
أفرشه غبارا وقبرا
مملكة أنهبها وأحميها
...
الليل ...
عمقي فوهة الصدر صيري متاهة وأحضنيني
الليل ...
...
كل خلجة بلاد والطريق مضيئة كأحشائي
ننحني نتوتر نتقابل نتقاطع نتحاذى
( أنا لباس لك وأنت لباس لي )
تتخمر العضلة وتأخذ البشرة لون البنفسج وطعم البحر
حيث توميء اللجة وتبحر أطرافنا .
في الأسطر الستة الأخيرة جنس واضح مكشوف لا يحتاج الى تفسير ، لكنه
يظل جنسا محتشما مقبولا لا يخدش إحساس القاريء أو القارئة . خاصة
وأن ما حصر الشاعر بين قوسين جاء معناه في احدى آيات القرآن الكريم
التي أستهل بها كتاب تحولات العاشق
(( سورة البقرة / الآية 187 : أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى
نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ... )) . لقد أستند أدونيس في
هذا المقام على دعامتين شرعيتين قوتين هما القرآن والدين فضمن بذلك
قبول ما قد قال دون أن يجرؤ أحد على الاحتجاج أو الاستنكار . وكان
كعادته ذكيا ذواقا بارعا في المناورة و ( التاكتيك ) وتسريب ما
يريد أن يقول في قوالب بهيجة ولوحات تسر الناظرين . أستطيع بدون
مبالغة أو تحفظ أن أقرر أن ما من أحد لا من قبل ولا بعد أصاب من
النجاح في حقل الشعر الآيروسي ما أصاب الشاعر أدونيس . بعد أكثر
من ثلاثين عاما كتب آخرون قصائد الشعر الآيروسي لكنهم لم يحققوا
إلا أبأس حالات الأخفاق . وهذا هو حال كل من تسول له النفس الأمارة
بالسوء أن يقلد سواه أو أن يحذو حذوه . أين الثرى من الثريا ؟؟!! .
أستطيع التكهن في كلمة أخيرة أن أدونيس كان قد فصل في كتاب "
تحولات العاشق " مسلسل عمليات العشق السامي ( التوله الأفلاطوني )
الذي يسبق الزواج بمن يحب المرء ، ثم الاقتران بالمعشوقة التي أضحت
زوجة له ، ثم رسم لوحات رمزية - سوريالية - آيروسية لتبادل الجنس
المشروع مع شريكة الحياة . وأخيرا إنجاب الأطفال (( تخرج الينا
الدنيا بغتة تقول نبتت شجرة الروح في الأرض )) . لقد أفصح الشاعر
عن ذلك بصريح العبارة حين تساءل في بداية المقطع الخامس على لسان
قرينته (( كيف تزوجتني ؟ )) ثم يواصل (( ... فنمت نومة وأستيقظت
واذا على وسادتي امرأة ، وتذكرت حواء والضلع الآدمي وعرفت أنك
زوجتي )) .
في الأغنية السادسة من المقطع السابع والأخير يذكر الشاعر شهريار
وشهرزاد ، وكلنا نعرف محنة النساء مع الملك الغشوم شهريار وأنتصار
شهرزاد لبنات جنسها بعد أن نجحت في تطويع هذا الوحش الدموي الشاذ .
هنا نتلمس ارادة الشاعر في الأيحاء أن المرأة ضحية وتؤول الى ضحية
باردة في نهاية المطاف ( واحدة من ضحايا شهريار الرمز ) ... رغم
حرارة وصدق بدايات الحب الرومانسي الجارف الذي يفضي بدوره الى
الزواج والأنجاب. لكن ... ستنتصر حواء أخيرا على غدر آدم . تنتصر
بذكاء أختها شهرزاد !!
كتاب " تحولات العاشق " يستحق دراسات مطولة وأكثر جدية ، وانه لسفر
رائع جدير أن يقرأ مرات ومرات لفهمه والأستمتاع بأسراره وخفاياه
التي لا تفصح عن نفسها الا ببذل الجهد . شكرا أدونيس .
بعد أن أنهيت الحديث مختصرا - مطولا مع عينات من شعر الآيروس
الأدونيسي المتميز والراقي ، أنتقل الى واحد من شعراء نجوى الحب
الرومانسي ومن طلائع شعراء قصيدة النثر. أقصد شادي المغرب وبلبلها
الغريد ( مصطفى غلمان ) ، الذي جمع أو أجتمع فيه غموض بحر الظلمات
الأطلسي وشموخ ذرى جبال الأوراس الأفريقية ، ومتناقضات حضارتي
الشرق والغرب ، ثم نسيج تراث العرب والبربر دينا وتأريخا ولغة
وتقاليد وعادات. وأخيرا الماء ورمل الصحراء المغربية والصحراء
الكبرى .
سأقدم نماذج من رومانس المناجاة التي لا تختلف في جوهرها وتفاصيلها
عن صلوات التعبد والدعاء التي يعرف العابدون . قال مصطفى ( 3 ) في
قصيدة " سوسنة البحر " :
...
اني مؤمن بأصقاع النبض الحليب،
الذي ملك حوضينا...
وبأحتواء جواك الراعف
وبأنقباض وريدي،
وقت أنبلاج وجهك السراج الوهاج...
اني لما ركبت جحود علاك،
وأقتفاك همسي وجهري
أيقنت أنك مهلكتي في الشرود...
ونمت على خدين طازجين، أحمرين،
قدا هوس شوقي من قبله
وحينما أغمضت قلبي
رأيتك تغزلين لباس عشقي...
ورأيت حبك يفشي سمته في ديجور حياتي...
قلت والدهشة تشكم وسائد ورسي :
سوسنة البحر، وأدغال من الوحش المحيط تبتليها...
ورأيت ظلك يحبو ... يحبو...
ورأيت البراءة في عينيك تصيح بي
وأنا يا سبحان الله ، عطشت، فشربت من ماء بئرك
ورجعت فهويت ببئري في بئرك...
وأستفقت من غفوتي...
فوجدتني أحضن ( يبدو أن هنا كلمة قد سقطت أثناء طبع الكتاب ) .
واذا ما تذكرنا الشاعر أبا نؤاس ، شاعر الكؤوس والكحول ، فلا بد من
ذكر مقطع رائع آخر من احدى قصائد الشاعر مصطفى غلمان ( 3 ) التي
أعطاها عنوانا فيه بعض الغرابة
(( يا لكأس من يكرعها مهزولا ... ؟ ! )) . قال مصطفى :
مفتتح الشرب /
أجاريك...
مهما تكتكت راحة ضميمتي،
وأجاريك...
على سبه الحانة الخرساء
تضورا، وتراشقا...
وعندما يسحبني الكأس اليه،
أملأ رهرهة الشم
بأشياء لا أرى لونها،
فيريبني سكر غيابك والندامى
لكنني حتما
سأنشب في خراب النشيج
علقم صمت لا ينكث عهد وصاله، وسأجاريك
حتى تسقط الفطنة من شراب يبابها ...
في ديوانه الآخر ( 4 ) وجدت من شعر الوجدان الصوفي ( الأفلاطوني /
الألهي ) ما يعجز عنه وصف الواصف . ففي قصيدة " مالكة " قال مصطفى
غلمان :
خفت قوارب صعودها...
وهي راسية، تلوذ بالريح...
اذ تذروه
فتنجلي أشجار الوصيد من الحمأ...
مالكة، كلها التنزيل الذي يغير الأرض...
...
أي البحور أنطق
ان عرتني مالكة من أوتاري
وأردتني ذبيحها
مطموسا في بصر لا يرى الاها ؟
...
عند كل مغيب
تلتف بي أطيافها الغيمانة،
تفظ المنافي والشقوق الضائعة في السديم
وأحبها بين دقائق صمتي،
صوتي...
بين النفثة والنفثة
وأديم الرواسي...
...
أجتبيك
نبراسا لترياق حزني وتيهي وجنوني
أجتبيك
يا الأريبة المائرة بأشعار سندسها...
الغائرة في أقانيم ألفاظ تخومي
فأنت الثريا وأنا الممهور بلآلاء مداك...
أشرق منك
وأرعوي في سماء اللظى ثاويا ثاويا ...
يبدو أن الرومانس الصافي والآيروس العفيف قد أستغرقانا كثيرا لدرجة
أننا سنجد أنفسنا منغمسين مرة أخرى بهما جميعا ولكن بفضل تعرض
شاعرنا حسين محمود حبش لموضوع ألهة الخصوبة والجنس والتناسل
السومرية - البابلية عشتار . وقد أبتعدنا قليلا عنه وعن شعره
وأجواء ديوانه الشعري الجديد ، وهو أولا وآخرا موضوع دراستي هذه .
4- حبش وعشتار :
خص الشاعر السوري الكردي آلهة الحب والخصب والتناسل عشتار / عشتار
سومر وبابل في العراق بقصيدتين ، أعطى القصيدة الأولى عنوانا آخر
طويلا هو " عشتار في كريستال الفرح والزعل " ، وكان عنوان الثانية
(( " ازدهار " أمام الأنثى وأنبعاث عشتار )) .
ذكر الشاعر اسم عشتار تسع مرات في متن القصيدة الأولى وذكرها مرتين
فقط في متن الثانية . لماذا ، ثم ما الفرق أو جملة الفروق بين
عشتار الأولى والثانية ؟
في مكالمة تلفونية مع الشاعر أفاد بأنه قرأ ملحمة جلجامش جيدا
وتأثر كثيرا بمضمونها وبدور عشتار فيها . وأن في مكتبته بعض
المصادر حول هذه الملحمة . وأضاف الشاعر حسين محمود حبش أنه عانى
في حياته من الكثير وعاش ظروفا مشابهة لظروف وحش البراري "
أنكيدو" قبل أن تدجنه البغي " شمخة أو سمحة = سمحاء " بطلب من ملك
أوروك ( الوركاء ) جلجامش . كما أني وجدت مشابه أخرى كثيرة بينه
وبين مسلسل حياة الشاعر والمناضل الكردي حامد بدرخان ( هو الآخر من
قرية شيخ الحديد السورية ) ( 5 ) . فكيف ، ترى ، فهم الشاعر عشتار
وكيف طوعها رمزا لتخدم أغراض قصيدتيه ؟؟
في قصيدة عشتار الأولى " عشتار في كريستال الفرح والزعل " التي
كتبها عام 1995 في مدينة حلب السورية جعل الشاعر عشتار الزوجة
تلعب دورا متميزا هو دور الأنثى التي تمارس أقصى ألوان الأغواء
بقصد إثارة زوجها جنسيا ( آيروس شبه مفتوح وشديد التأثير على أعصاب
القاريء ) . لقد رسم الشاعر لعشتاره في مطلع القصيدة لوحات فنية
راقصة تضع مخيلة القاريء ومخزون ذاكرته مباشرة أمام أوبرا كارمن
ذائعة الصيت مستحضرا شخصية هذه الغجرية المتوحشة ذات الصوت والأداء
الرائعين . قال الشاعر :
عشتار الآن تدلل بعلها
المنديل على خاصرتها
والأغواء يؤجج مفاتنها
تنزف عشتار رقتها على ركبة العشب
تبعثر خصلات شعرها
وبعلها يصفق لكريستال جسدها
وبهلوانات قدميها
يصفق لكحل عينيهاوتقصفات ردفيها
ترّقص عشتار أنوثتها
البحر والهواء والآلهة المبجلون يرقصون لرقصها
تميد روح بعلها موجا تحت وقع خلاخيلها وعقبيها العاليين
إنها عشتار الآن في نشوتها تسكب نبيذ جسدها رذاذا ولآلي
على حلمة الزمان والمكان
يناديها بعلها السكران ميلي يا عشتار
بزيزفونك علي ميلي
ميلي يا عشتار بجذعك عبقا على خاصرتي
ميلي ...
هنا يمكن التكهن بأن زوجة الشاعر حسين ( عشتار ) تحاول أن تثني
زوجها ( بعلها ) عن قرار مغادرة بلده والمقامرة في محاولة لأيجاد
مأوى آخر أو موطن بديل يستطيع فيه الشاعر أن يمارس حقوقه الأولية
وعلى رأسها حرية السفر والقول والتعبير وأبداء الرأي دون خوف من
رقيب أو حسيب.
كان الشاعر موفقا في أختياره لهذا الأسلوب غير المألوف لتغيير عزم
ورأي الآخرين . معلوم أن الأهل جميعا لا يشجعوننا على المغامرات
وأكبر هذه المغامرات هي مغادرة الوطن ومسقط الرأس . لقد وقف أهلي
جميعا ضد رغبتي في مغادرة بلدي قبل ربع قرن . كانت لهم رؤاهم
ورؤياهم الخاصة التي كان من العسير تفنيدها . الأغراء إذن بدل
التوبيخ والتعنيف والتخويف . يحضرني هنا شعر أبن زريق البغدادي حين
عزم على مغادرة بغداد طلبا للرزق اذ قال مخاطبا حبيبته أو ربما
زوجه :
أستودع الله في بغداد لي
قمرا
بالكرخ من فلك الأزرار
مطلعه
ودعته وبودي لو
يودعني
صفو الحياة وإني لا
أودعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وأدمعي مستهلات
وأدمعه
وكم تشفع لي أن لا
أفارقه
وللضرورات حال لا
تشفعه
(( في ديوان "عبديئيل " للشاعر العراقي الحلي موفق محمد أبو خمرة
خمسة أبيات أخرى من هذه القصيدة لأبن زريق البغدادي ضمنها قصيدته
المسماة " تفاصيل الليلة الأخيرة في موت إبن زريق البغدادي ")) (
6 ) .
في وسط هذه القصيدة يضعنا الشاعر وجها لوجه أمام عشتار ( زوجه )
الوحيدة بعد أن نجح في الهروب من الوطن ( المفدى !! ) ولكن ومرة
أخرى يستخدم الشاعر أسلوبا جديدا في التعبير غير المباشر ، فلقد
جعل عشتار هي التى تنأى وتبتعد وليس هو الذي غادر الأهل والزوج
والوطن . لقد قلب المعادلة ، فلماذا عمد الشاعر الى هذا الأسلوب
( التكنيك القصّي ) ؟؟ الجواب كما إخال هو أن الشاعر غير مرتاح في
تغربه ولم يستطع التأقلم والتكيف لمأواه الجديد في أوربا ( مرض
الحنين الى الوطن ) . غادر وطنه وحيدا تاركا زوجا ( هيام ) وطفلة (
هيفا ) فكيف يستقر به مقام التغرب والتشرد واللجوء وثلثاه بلا رب
عائلة في الوطن ولا سبيل للأتصال بهم سوى أسلاك الهاتف ( أسلاك
السراب ) ؟؟ . الزوجة ناقمة على هذا الوضع الشاذ منكمشة على نفسها
مرتبكة وخائفة ومن ذا يلوم !! لنتسمع إليها :
عشتار تنأى رويدا رويدا ...
بعيدة هي الآن
تقرفص وحيدة على غيمة حزينة
تتقن الأختباء كالعصافير
تتشابه مع المرمر
وتكسو جسدها بمرايا الندى
...
وتهدي نهديها حمامتين الى المطر
تتهامس عبر أسلاك السراب
مع بعلها أنا يا بعلي مجروحة وحزينة
...
لن أعود إليك ...
لن أرخي ضفائري لعوسجك
لن أسقيك من شفتي
ولن أضيئك بمصابيحي
لن ...
يناديها بعلها الفتان سأغويك يا عشتار
أنا إبليس الغواية
تتدلى أغصان الشجرة من أصابعي
وفي يدي تفاح الخطيئة
...
لكن عشتار تشتاق الى ماضيها
ودفتر ذكرياتها
...
تعيد خواتمها وأساورها وأمشاطها
تسكب قارورة عطرها على جدائلها وتنادي بعلها
يا حبيبي إشتقت إليك إشتقت
أكتب على جسدي ملامس أصابعك
وأهمس في أذني رحيق كلامك
وأهد تفاحتي المكورتين كالقمر قبلة الأحتراق
سر خريرا عذبا في طرقاتي
ودفئا كالفاكهة في ممراتي
وأسق شفتيّ العطشتين منذ أول الفراق
أنا أمرأة الكون والأزل
توجت ربة للجمال والحب
في زفيري إندثار الخوف والحياء
وفي شهيقي ياسمين الرقة والخلود .
ما أروع وما أبلغ هذه العشتار غير السومرية ؟! أية بلاغة وأية رقة
في كلام هذه الشهرزاد غير البغدادية وهي تخاطب تموز " دوموزي " أو
شهريار ؟!
لم يضع الشاعر عشتار أو " إنانا " أمام ندها العراقي السومري
المعروف " تموز " ( 7 ) بل جعل لها البعل ( الزوج لغة ) زوجا
إستعاره من تراث بلاد الشام ( سوريا وفلسطين ) حيث كان للبعل بيت
وتمثال يعبده الفلسطينيون إلها في أرض كنعان ( فلسطين ) ،كما كانت
عشتروت أو عشتاروث ( عشتار ) آلهة للفلسطينيين زمن الملك داوود ( 8
) وآلهة للصيدونيين ( سكنة وأصحاب صيدا في لبنان ) زمن سليمان إبن
داوود الذي خالف شريعته فتزوج نساء من أقوام أخرى ( 9 ) .
في أحد مقاطع هذه القصيدة الفاتنة يتقمص الشاعر دور ( إبليس
الغواية ) ليغري حواء آدم ، عشتار زوجه بالأكل من شجرة التفاح
المحرمة ، تفاح الخطيئة ( 10 ) . إنه يغريها بالأصغاء الى ندائه
والألتحاق به في منفاه الأوربي الجديد ، جنة عدن الموعودة وتفاحها
مر بل وشديد المرارة .
كيف يتنقل الشاعر بمهارة وخلفية ثقافية وتراثية غنية ما بين العصور
والدهور والأساطير والأديان والميثولوجيا ، فنراه تارة في سومر
وبابل ونراه تارة أخرى على أرض كنعان القديمة أو أن نراه متجليا
ملاكا - إبليسا يقطع الطريق على حواء عارضا عليها مذاق تفاح التمرد
على المشيئة العليا ومزينا لها سبيل الخطيئة والمروق عن السراط
المستقيم . كيف كان رشيقا في إنتقالاته تلك ومتقنا في قدراته على
أقناع قراء شعره من الأحياء معاصريه و الأنثى سواء أكانت هذه
الأنثى في إهاب عشتار سومر الأسطورية أو عشتاروث كنعان وفلسطين
الصنم - تمثال الذهب المعدن ، أو بلحم ودم ( هيام ) الزوجة
الحقيقية .
اذا قالت عشتار الشاعر حسين حبش في هذه القصيدة (( أكتب على جسدي
ملامس أصابعك )) فلقد قالت إنانا ( عشتار ) قبلها بخمسة آلاف عام (
7 ) تخاطب دوموزي
( تموز ) :
إحتوى عضوي بيديه الرقيقتين
الراعي دوموزي أترع حضني بالقشدة والحليب
ربت على شعر عانتي
بلل رحمي
حط يديه على عضوي المقدس
ملّس زورقي الأسود بالقشدة
هيّج زورقي الضيق بالحليب
لاطفني على الفراش ...
كما قد سبقه آدونيس بأربعين عاما الى القول ( 2 )
نقشت على أعضائك جمر أعضائي ...
( " إزدهار " أمام الأنثى وإنبعاث عشتار )
هذه هي القصيدة الثانية لعشتار، كتبها كذلك في مدينة حلب السورية
عام 1994 . فما الجديد فيها ؟؟
بدءا أود التذكير أني سبق وأن أدرجت هذه القصيدة في قائمة قصائد
عالم الحيوان ، إذ ذكر الشاعر فيها أسماء أحد عشر حيوانا . ثم أن
الشاعر لم يذكر فيها إسم عشتار الا مرتين فقط ، في حين قد ذكرها
تسع مرات في قصيدة عشتار الأولى سالفة الذكر. قد يفسر الأمر في أن
صوت عشتار الأولى كان الصوت الطاغي في عموم نسيج القصيدة.
أقصد أن النص كان بصوت عشتار وبعشتار حركة أو تمثيلا أو مخاطبة
وجعلته مفعما بالحركة والحياة والنشاط والحيوية . جسد ينبض وروح
تتكلم بالنجوى . أي أن عشتار قد ملأت النص إمرأة - زوجة وربة
وهبتها الآلهة للخصب والتناسل . في حين أننا نجد أنفسنا في عشتار
الثانية أمام نص مختلف يسود فيه صوت الشاعر سيادة مطلقة لدرجة أننا
لا نكاد نلمس أو نرى أي وجود حسي أو تمثيلي أو صوتي أو حركي في هذه
القصيدة لعشتار. خلا ذكر إسمها عرضا في المتن مرتين.
نعم ، كان الشاعر في عشتار الثانية حزينا منكسرا وضعيفا يواجه
أقدارا قاسية يحتمي منها باللجوء الى الرب مستعطفا ومسترحما :
رباه...
ربتاه...
إغفرا للهيب ذنوبه وللأزرق فتنته
وللأسود طغيانه
وللأبيض نحوله بين الألوان.
رباه...
ربتاه...
خلدا التراب والنار والخلائق
وأجعلا " عشتار " تاجا للمحن .
لا أحد - سوى الشاعر - يعرف مغزى الألوان الأربعة التي ذكرها في
هذا المقطع : الأحمر ( اللهيب ) والأزرق والأسود ثم الأبيض . هل هي
ألوان راية دولة كردستان التي طال طويلا إنتظارها ؟؟ قد نفهم مغزى
طغيان الأسود بأنه يرمز الى طغيان الظلم والتعسف في حياتنا اليوم .
لذا فاللون الأبيض ضعيف ناحل بإزاء الأسود . أي أن الخير والعدالة
الأجتماعية وحرية الفرد والشعوب تتراجع في عصر العولمة وهيمنة غول
القطب الأوحد أمام طغيان قوى الظلام والعسف .
في هذا العالم المظلم يتجه الشاعر - الأنسان الى ربه مستعطفا
مستنجدا ثم يتذكر أنثاه،
هي الأخرى ربة وآلهة وهبة من السماء ( عشتار ) ولا فرق بين الأرباب
. يعينونا إذا أرادوا ويعينونا إذا أستطاعوا فلنجرب :
عفوك أيها الشاعر لخبثي الطفولي
كنت أود فقط أن أعلن الأزدهار أمام أنثاي
وأن أتوج " عشتار " ربة للأرباب في مجمع الكهنوت الأكبر
لذلك قد أتعبتك...
ربما
في لجاجتي وهلوستي في هزئي وهذياني
وجم خيباتي .
5- قصيدة " أقاليم "
ليس عجبا أن ينحاز شاب قروي الى عالم القرية مقارنا براءة هذا
العالم مع ميكانيكية الحياة المدنية وتناقضاتها الصارخة . ففي
المدينة طقوس دينية صارمة كصرامة معدن الحديد وآلات الحديد ، وقسوة
أهل المدن ممثلة بجزاري اللحوم وسكاكينهم التي تقطر دما . ثم
إجتماع الدين والمحرمات تحت سقف واحد حيث المآذن والسكر وحانات
الخمور جنبا الى جنب : النفاق الأجتماعي . تحت عنوان " المدن " قال
الشاعر
ضجيج من لباس الكهنوت
ونداء المكبرات المعلقة كالأقراط برؤوس المآذن
في شموخ مديد القداسة
ترصع رقابها قلادات من الضوء والحانات
وصالات التهريج المهذبة بالصخب
يثقب آذانها تعتة السكارى ودبيب الحيوانات الآلية وباعة المكائد،
حلاقون بمقصات " أوتوماتيكية "
يقصون بها إمارات المخيلة ،
جزارون بسكاكين يلاعبون بها فكاهة الدم ...
فلنقارن هذه اللوحات الساخرة للمدينة المنافقة المزدوجة المعايير
بأجواء القرية المتسربلة بالنقاء والعفوية والبراءة :
القرى : أحلام بعيدة عن ذكورة الضجيج
تؤرخ لبياضها ذاكرة الفراشات وبراءة السنونو
ترفو ضفائرها أسراب الغيوم وقطعان الماعز
تسندها حبال من المطر والغابات المستحمة بأفكار الغزلان والصفصاف
...
نساؤها ورود من الألفة البدائية
ولحاف من براءة السوسن
نساء من كرز وماء ونيلوفر
ورجال من أكمام الصخور والأشتعال ...
هذه هي أجواء قرية " شيخ الحديد " السورية، مسقط رأس الشاعر حسين
محمود حبش،
نساء من كرز وسوسن ورجال أشداء نُحتوا من الصخر الأصم جسدا وإرادة
. أمه من سوسن وأبوه من حجر البازلت . فلا غرابة إن إقترن إسم
قريته بالمعدن الصلب الحديد فكان إسمها " شيخ الحديد " .
هذا شاعر آخر من شعراء قصيدة النثر المعاصرة . كبير وأمير في
إمارة شعره ، بل وإمبراطور على إمبراطورية عالمه الشعري ... شأن
أغلب شعراء هذه المدرسة المباركة : شعراء الأدهاش والأيحاء
الكبيرين .
هوامش ومصادر
1- د. عدنان الظاهر / كتاب نقد وشعر وقص/ مركز الحضارة العربية،
القاهرة 2001. الصفحات 20 - 31
2- آدونيس / الآثار الكاملة / دار العودة ، بيروت، لبنان الطبعة
الثانية 1971 .
"تحولات العاشق " الصفحات 111 - 166 .
3- مصطفى غلمان / ديوان شعر " خاتمة لذبيب الوشي " / دار وليلي
للطباعة والنشر،
مراكش 1998 .
4- د. عدنان الظاهر / كتاب نقد وشعر وقص / مركز الحضارة العربية ،
القاهرة 2001 . الصفحات 186 - 205 . دراسة لديوان " على شفا موت "
للشاعر المغربي مصطفى غلمان .
5- مجلة ألواح / مدريد / إسبانبا العدد 13 للعام 2002 . الصفحات
61 - 68 .
6- موفق محمد / ديوان " عبديئيل " . الناشر : قوس للطباعة ،
كوبنهاكن 2000 .
7- علي الشوك / كتاب " من روائع الشعر السومري / منشورات دار الجمل
، كولن، ألمانيا 1992 . الصفحات 47 - 66 .
8- التوراة / سفر صموئيل الأول / الأصحاح 12 والأصحاح 31 . وحول
البعل يمكن الرجوع الى سفر الملوك الثاني ، الأصحاح الأول والأصحاح
العاشر بشكل خاص .
9- التوراة / سفر الملوك الأول / الأصحاح 11 . (( فذهب سليمان وراء
عشتروث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين )) .
10- القرآن الكريم / سورة الأعراف (( ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة
فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين .
فوسوس لهما الشيطان ... / الآيات 19 - 22 )) .
|